الرئيسية » علاء الترتير »   16 تشرين الثاني 2015

| | |
السياسة المُشتَبِكَة والحراك الاجتماعي
علاء الترتير

يكمن التحدي الرئيسي لموجة الغضب الحالية في الأرض المحتلة في كيفية حمايتها من أن تصبح وسيلة وأداة بيد السلطات لتفريغ غضب الشباب المنتفض، بالإضافة لحمايتها من أن تُستخدم كورقة في "مفاوضات" مقبلة بائسة. لكن مَن الذي يصونها ويحميها وكيف؟ فالشباب المنتفض، وبالرغم من كل العنفوان والإصرار، فإن الحقيقة المرّة تبقى بأن مخزون طاقته محدود بنهاية المطاف، وقدرته على الاستمرار والعطاء اللامحدود ستُستنزف تدريجياً. وللأسف فالحقيقة المرّة الأخرى أن الموجة الانتفاضية الحالية ستحقق جزءاً صغيراً فقط من حلم التحرر. فالمسيرة نحو الهدف الأسمى أطول وأشقى. والحقيقة الثالثة تتمثل بأن استدامة الاشتباك تتطلب بوتقة نضالية واحدة لتوجيه وتنسيق جهود الاشتباك من أجل توسيع رقعة فعاليتها وحجم تأثيرها. وبالتالي، فالسؤال الجوهري يتمثل في صيرورة هذا الاشتباك والغضب في مواجهة الاستعمار والاضطهاد والقمع متعدد التدرّجات، ولكن وفي نفس الوقت، فالمطلوب هو حماية تضحيات الشباب المنتفض من "الاستثمار" من قِبَل "النخبة السياسية التقليدية" البعيدة كل البعد عن نبض الشارع. هذه "النخبة السياسية التقليدية" غير قادرة وغير راغبة في حماية وصون موجة الغضب المتفجّرة الآن. فقيادة السلطة الفلسطينية تنتظر بفارغ الصبر نفاد وقود الشباب المنتفض، وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية منشغلة بتجاذبات القوى وبمن سيخلف عبّاس، وحركتا فتح وحماس تلهثان وراء أي شيء من شأنه أن يديم الانقسام والتفتت الفلسطيني، واليسار الفلسطيني ما زال ضائعاً وحائراً ورافضاً لاغتنام الفرصة تلو الفرصة لأخذ زمام المبادرة وتشكيل تيار بديل للأطراف المتخاصمة وملء الفراغ السياسي الموجود. وبموجب استطلاع رأي نفذه مركز العالم العربي للبحوث والتنمية وصدرت نتائجه أخيراً فإن أكثر من ثلث الفلسطينيين لن يشاركوا في تظاهرات إذا ما دعت لها حركتا حماس أو فتح مع أن ثلثي الفلسطينيين أشاروا إلى أنهم يؤيدون اندلاع انتفاضة ثالثة بموجب هذا الاستطلاع. كذلك فإن أكثر من ثلث الفلسطينيين لا يرون بأن الأحزاب الموجودة الآن على الساحة الفلسطينية قادرة على تمثيل وجهة نظرهم وتطلعاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إذن فمرة أخرى ترسب الفصائل في الاختبار، وتفشل "القيادة الفلسطينية"، بل وتطعن شعبها وتجذر حالة التشرذم القاتل. هذه المؤشرات الدالة على عجز "القيادات الفلسطينية التقليدية" متوفرة في الساحة الفلسطينية منذ خمسة أعوام على الأقل، إلاّ أن هذه الفرصة لم تُستغل بعد بشكل مقنع ومجد من قِبَل "القيادات والطرق غير التقليدية". بالطبع هذه العملية التغييرية والتحولات البنيوية والتكتيكية تتطلب وقتاً من الزمن وموارد عدة وإصراراً وفرصاً سياسية. لكن يجدر هنا الرجوع إلى تأطير وتحليل الأستاذ خليل شاهين والذي يحاجج في ورقة سياساتية صدرت مؤخراً عن مركز مسارات بأن الموجة الانتفاضية الحالية هي "وليد جديد لأشكال من العمل الشعبي أخفقت المنظومة التقليدية للعمل السياسي الرسمي والحزبي في قراءة دلالاتها وصيرورتها وتأثيراتها. أي أنها ليست معزولة عن منظومات وأشكال من التعبير السياسي والفعل الشعبي الآخذ بالتشكل والتطور منذ سنوات عدة خارج إطار الممارسة السياسية السلطوية والحزبية التقليدية". بناء على ذلك فإن "أدوات التحليل التي أنتجها الفكر السياسي التقليدي، بما أفرزه من هياكل سياسية وتنظيمية ومؤسساتية، وممارسة سياسية، لم تعد تصلح لتفسير سياق واتجاه الفعل المقاوم الذي يتصدره اليوم جيل شاب يعمل خارج إطار هذه المنظومة، بل وبالتمرد عليها". وبالتالي، واستناداً إلى شاهين، فقد "شهدت السنوات الماضية تطورَ مسارٍ جديدٍ لا يؤمن بإعادة بناء الحركة الوطنية كمدخل لبناء وتطوير برامج العمل، بل يرى أن استقطاب أوسع الفئات من الفاعلين ضمن منظومات من برامج العمل التشاركية هو المدخل لإعادة بناء الحركة الوطنية، من خلال التركيز على شق مسار جديد يبني على ما يجمع الفلسطينيين في الوطن والشتات، أي الحقوق التاريخية والطبيعية للشعب الفلسطيني". الأمثلة على ذلك ليست بالقليلة ولكن أبرزها، بحسب شاهين، حركة المقاطعة لإسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وحركة حق العودة، ولجان مواجهة الجدار والاستيطان، والمجموعات الشبابية المتعدّدة كالتي نشأت في السنوات القليلة الماضية مع بدء الحراكات والانتفاضات العربية. أحاجج هنا بأن إدراك هذا التحول هو غاية في الأهمية من أجل البناء على ما يجري اليوم في الأرض المحتلة واستغلال هذه اللحظة المواتية لتوفير بعض الإجابات الفعلية والعملية للسؤال دائم التكرار: ما هو البديل؟ البديل قيد التشكل وهو ليس وليد اليوم أبداً إلاّ أنه ما زال يافعاً في طور التشكل كالشباب المنتفض. ومن دون إسناد حقيقي جمعي فإن اندثار هذا الحراك في المستقبل القريب يلوح في الأفق. ولتجنب انكسار جديد يزيد من الإحباط والتخبط يجدر بالقيادات الفلسطينية غير التقليدية التحرك الآن من أجل توحيد الجهود للوصول إلى استراتيجية نضالية عملية تولد ولا تستنزف الطاقات والجهود. إن المسؤولية كبيرة على عاتق هذه القيادات غير التقليدية ولكنها ممكنة وضرورية والفرصة متاحة وإن كانت صعبة، لكن لحظات "التحول التاريخي" لم تكن أبداً سهلة على مرّ العصور والأزمان. فالمطلوب على الصعيد الآني الاستمرار في حلقات الاشتباك السياسي وغير السياسي لرفد مخزون الاشتباك عن طريق الانضواء في جهد اشتباكي تشاركي جمعي متعدد الجبهات. هذه الجهد الاشتباكي لا يقتصر على الاشتباك الفعلي على الحواجز العسكرية فقط بل يمتد أيضاً إلى النواحي السياسية والاقتصادية - كالمقاومة الاقتصادية- والإعلامية والخطابية والاستراتيجية التخطيطية والتكتيكية. فالاشتباك - بمعناه الواسع- كنهج حياة هو القادر على تغيير معادلات القوة والوقائع على الأرض ومسارات المستقبل. هذه الحراكات هي تمثيل فعلي لمعنى السياسة الُمشتَبِكَة والتي تقوم على توحيد جهود الفاعلين الُمشتَبِكين الذين يتحدون ويجادلون السلطات والنخب وادعاءاتهم التمثيلية. غير أنه من أجل التحول من حالة الغضب الُمشتَبِكَة إلى حالة حراك اجتماعي ممثل للمجتمع الفلسطيني ككل "كمجتمع حراك اجتماعي"، فإن المطلوب هو البناء على الشبكات الاجتماعية الموجودة لتوحيد الأهداف الجمعية بجهد اشتباكي يبني على ثقافة التحرر من الاستعمار ويؤسس على ضرورة تحدي السلطات القمعية والنخب المستبدة. هذه الشروط الاستباقية كفيلة - وإن لم تكن العلاقة بهذا القدر من الخطية المباشرة على أرض الواقع كما يمكن أن تفترض النظرية- بأن تحوّل موجة الغضب الحالية إلى حالة اشتباك دائمة مع المستعمِر تجعل المستعمَر أقرب إلى الحرية والانعتاق وتقرير المصير. قال نيلسون مانديلا يوماً: "عندما ينهض الشباب فهم قادرون على هدم أبراج الظلم والاضطهاد ورفع رايات الحرية". صحة هذه المقولة أثبتتها العديد من حركات التحرر الوطني على مدى التاريخ، بما فيها الثورة الفلسطينية في أوجها، كما أثبتت هذه الحركات أيضاً بأن الأرض لمن يفلحها والتاريخ لمن يكتبه والثورة لمن يصنعها. 

مشاركة: