الرئيسية » ماجد كيالي »   07 آذار 2016

| | |
في بؤس المشهد الفصائلي الفلسطيني
ماجد كيالي

يتّضح من المسار الذي اتخذته الحركة الوطنية الفلسطينية، بجناحيها الأكبر والمهيمنين، أي «فــــتــح» و’حـــــمـاس’، أن إسرائيل استطاعت تجويف أو تضييع ما يفترض أنه إنجاز لتضحيات الفلسطينيين ونضالاتهم في العقود الماضية، بل استطاعت توجيه أو تصريف جزء كبير من طاقة هذه الحركة في الصراعات البينية بين أطرافها، وحتى في خلق التوترات والفجوات بينها وبين مجتمعها.
والحال، باتت قضية فلسطين تختصر بكيان سياسي لجزء من الشعب على جزء من الأرض مع جزء من السيادة، وكله تحت سلطة الاحتلال، أو بالتوافق معه، في ظل نظام استعمــاري وعنصري واستيطاني. وقد نجــم عن ذلك كله تحويل الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرّر إلى سلطة، في مجالها الإقليمي، إذ «فتح» في الضفـــة و«حماس» في غزة، بحيث أضحى بقـــاء كل منهما في السلطة، أهم من التصارع مـــع إسرائيل، وأهم من حقوق الفلسطينيين وعيشهم بأمان وكرامة، ما شكل قيداً على خيــارات الفلسطينيين الوطنية، وكابحاً يعيق تطور كياناتهم السياسية الجمعية.
هكذا، فإن حركة التحرر التي كانت انطلقت، قبل نصف قرن، لتحرير الأرض وانتشال شعبها من حال التشرد والضياع والاستلاب والحرمان من الهوية، باتت تشكل قيداً على حرية التعبير، وتتبرم من النقد، ويضيق صدرها بالتحركات الشعبية، سواء المطلبية أو المناهضة للاحتلال، هذا يحصل في غزة وفي الضفة. في الأولى عبر التدخل في خصوصيات الناس بدعوى الدين، والوصاية على المجتمع، وبمنع أي تجمع بحجة الارتياب من أي تحرك للمتعاطفين مع «فتح» أو المتضررين من سلطة «حماس»، ويحصل في الثانية بدعوى أن ذلك يخدم معارضي السلطة وأنصار «حماس»، وأنه يخدم إسرائيل، وإضعاف ما يسمى «المشروع الوطني»، الذي لم يبق منه شيء حقاً.
ثمة ثلاثة مشاهد في الحالة الفلسطينية يمكن تناولها في هذا السياق، الأول، يتعلق بموقف السلطة من حركة المعلمين المطلبية والمشروعة في الضفة، إذ وصل الأمر إلى حد استنكارها والتحريض عليها، والادعاء أن هذا التحرك مجرد مؤامرة وأنه يخدم إسرائيل، وقد وصل الأمر حد استدعاء النائب في المجلس التشريعي نجاة أبو بكر، لمجرد أنها تعاطفت مع المعلمين الذين يطالبون بإنصافهم، في تحرك سلمي، علماً أنها عضو في المجلس الثوري لحركة فتح. والأنكى، أن التحريض ضد المعلمين، تضمن تحريك تظاهرات لملثّمين مسلحين تحت سمع السلطة وبصرها في مشهد مشين لا يليق بتضحيات الفلسطينيين ونضالاتهم، ولا يؤكد إلا أفول حركات التحرر الوطني ومواتها، بأخلاقياتها وبخواء شعاراتها، التي تتحول إلى سلطة، بالتوافق مع الاحتلال وليس بقواها، ولا بقوة حلفائها.
المشهد الثاني، وهو في مثابة كوميديا سوداء، ويتعلق بالمعركة الكلامية التي دارت بين سلطتي الضفة وغزة حول فكرة إنشاء ميناء في غزة، في حين أن إسرائيل، وهي صاحبة القرار، واقفة تتفرج، وتنظر بارتياح الى ما جنته يداها. وحقاً لا أحد يدري لماذا يمكن أن تقف السلطة في الضفة ضد إقامة ميناء في غزة، يفترض أنه سيسهل حركة أهالي القطاع، في ظل إغلاق معبر رفح من «الشقيقة الكبرى» مصر، أو تضع نفسها في هذا الموقف، علماً أن مشروعاً كهذا ربما يكون مجرد تصورات، وأن إسرائيل لا يمكن أن تسمح لا بمطار ولا بميناء للفلسطينيين لا في غزة ولا في أي منطقة، لا سيما أنها هي التي تسيطر على كل المعابر في الضفة، وحتى على الطرق والمعابر بين مدن الضفة ذاتها.
أيضاً، يستغرب المرء كيف يمكن أن تنطلي هذه المسألة ببساطة على قيادة «حماس» في غزة، بحيث تصدق نفسها وتفتح معركة مع السلطة على قصة الميناء، التي تبدو مجرد أحبولة جديدة لإبقاء الاشتباك بين الفلسطينيين، فإذا كانت إسرائيل لا تسمح بمعبر للسلطة مع الأردن، أو مع غزة، فهل ستسمح بميناء يخفف عن أهلنا في غزة، وتسهل لسلطة حماس؟ طبعاً، وفي كل الأحوال، لا ينبغي للسلطة أن تكون ضد بناء ميناء في غزة، بل ينبغي أن تكون في مقدّم المطالبين بذلك، بل وفي مقدّم المطالبين بإنهاء إغلاق معبر رفح، بغض النظر عن أي شيء آخر، أي بغض النظر عن الحساسيات والصراعات الفصائلية، لأن الحديث هنا يدور عن مليوني فلسطيني، وينبغي أن تكون مصلحة هؤلاء فوق حسابات السياسة وبالتأكيد فوق حسابات الفصائل.
المشهد الثالث الذي يمكن الحديث عنه هنا، يتعلق بقيام وفد من الفصائل الفلسطينية بزيارة طهران، وهذا يشمل حركتي «فتح» و «حماس»، مع فصائل ما يسمى «اليسار»، وهو تطور يشير إلى أي مدى بلغ التنافس المجاني، وغير المنطقي، بين الحركتين المذكورتين، إذ تظن الأولى أنها يمكن أن تأخذ إيران لمصلحتها، فيما تحاول الثانية مجاملة النظام الإيراني لاستعادة مكانتها، والأصح استعادة قنوات الدعم لها. طبعاً ليس ثمة أي جديد في تزلّف «حركتنا الوطنية» لإيران، فهي تتزلف للنظام السوري، على رغم كل ما فعله، وطول عمرها تتزلف للأنظمة الاستبدادية. المشكلة اليوم تتمثل في أن إيران ليست مجرد دولة يفترض إقامة العلاقات معها، ولا دولة دينية أو طائفية أو تتبنى بدعة الولي الفقيه، فهذا كله شأن شعبها، إذ المشكلة مع النظام الإيراني تكمن في أنه يشنّ حرباً على المجتمعات العربية لتصديع وحدتها على أسس طائفية ومذهبية، مستخدماً «الشيعة» العرب لخدمة طموحاته الإقليمية، والذي يركب قضية فلسطين كمطية لتغطية سياساته المشينة التي لا تخدم إلا إسرائيل، والذي يهيمن على العراق ويقتل في السوريين دفاعاً عن نظام الأسد. الفكرة أن الفصائل الفلسطينية معنية بإدراك حساسية وضعية إيران هذه، والحذر من بيعها القضية الفلسطينية، أو تمكينها من توظيفها، فهذا لن يبرئها، بل إنه سيضر الحركة الوطنية الفلسطينية ويقوّض صدقيتها، إذ ثمة فرق بين الدعم الخبيث والدعم الحميد، غير المشروط وغير الخاضع للتوظيف.
في الواقع، لقد تجاوزت الفصائل الفلسطينية كل الحدود، وبات يصعب الدفاع عنها، في كل مواقفها، سواء على صعيد قضيتها، أو على الصعيد الخارجي، فهذه حركة باتت تفتقد إلى روح الحرية، والى الأهلية الكفاحية، والى القدرة على التطور، ولم يعد لديها ما تضيفه، هذا يشمل سكوتها عن قتل الفلسطينيين والسوريين في المعتقلات ومن الجوع وبالبراميل المتفجرة، وتشريدهم في أصقاع الدنيا، ومحاباتها أو مجاملتها نظام الأسد، ــوتغنّيها بروسيا بوتين، وتوسّلها دعم نظام طهران.
الحياة، لندن، 6/3/2016

مشاركة: