الرئيسية » ماجد كيالي »   12 نيسان 2016

| | |
انحسار فكرة فلسطين
ماجد كيالي

منذ زمن لم تعد قضية فلسطين بمثابة قضية تحرّر وطني، أو قضية تتعلّق بالحقيقة والعدالة، إذ أضحت أقرب إلى ورقة للتوظيف في الصراعات والنزاعات والمزايدات بين الأنظمة العربية، بعد أن باتت كياناتها السياسية جزءاً من النظام الرسمي العربي، بما له وما عليه، رغم أنها حافظت على بعض مظاهرها كحركة تحرر وطني، لكن بفضل دينامية شعبها وتضحياته وكفاحه، وأيضاً بحكم الطابع الاستعماري العنصري لإسرائيل.

بديهي أن هذا الوضع تفاقم بعد تحوّل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة في الضفة والقطاع المحتلين، بموجب اتفاق أوسلو (1993)، ما أدى إلى انحسار معنى فلسطين، التي باتت بمثابة قضية جغرافية، أو قضية جزء من أرض لجزء من شعب مع جزء من سيادة، وزاد من ذلك انقسام الكيان الفلسطيني، والنزاعات بين سلطتي «فتح» في الضفة و «حماس» في غزة (2007)، والطابع القسري للسلطتين كل في مجالها الإقليمي.

ثمة استنتاجان من ذلك، أولهما، أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تنشأ محصّنة من التلاعبات والتوظيفات الخارجية، بحيث تكون حركة في ذاتها ولذاتها، بحكم أنها نشأت في الخارج، ولا تعتمد في مواردها على شعبها، وأيضاً بحكم ضعف مبناها التنظيمي، لمصلحة العسكري، وافتقادها الديموقراطية، وتبعية مجتمعات اللاجئين للأنظمة العربية. وثانيهما، أن إسرائيل استطاعت، طوال الفترة الماضية، انتهاج سياسات أو استراتيجيات تمكّنت عبرها من استنزاف واستيعاب وتطويع الحركة الوطنية الفلسطينية، التي لم تعد هي ذاتها، لا ببناها ولا بخطاباتها ولا بأشكال عملها، ولا حتى بالقياس الى علاقتها مع شعبها في الضفة والقطاع، ومناطق 1948، وبلدان اللجوء والشتات. هكذا تضافرت السياسات العربية مع السياسات الإسرائيلية للحؤول دون تطور الحركة الوطنية الفلسطينية، وتالياً أفول قضية فلسطين، كمعنى ومبنى.

القصد أن إعاقة تطور الكيانات السياسية الفلسطينية، وتعزيز اعتمادها على الخارج، والنفخ في أوضاعها، مع ترسّخ كتلة «بيروقراطية» كبيرة في بناها، وتحولها إلى سلطة، تحت هيمنة سلطة الاحتلال، أدت إلى اهتراء هذه الكيانات، وتالياً تصريفها طاقتها بالهيمنة على مجتمعها، بدل تصريفها في تطوير أحوال مجتمعها وتقويته، في مواجهة سياسات إسرائيل، وأقله في سبيل دحر الاحتلال.

هكذا، ففي الحالين، أي في الضفة وفي غزة، باتت الحراكات الشعبية مرفوضة، وإن تمت فهي تخضع لرقابة السلطتين، وضمن السقف الذي تتيحه لهما، أو ضمن التوظيفات التي تفيد سياسات كل واحدة منهما. على ذلك فقد تم مراراً تقييد وأحياناً قمع التظاهرات الشعبية، وتضييق حرية الإعلام، كما حصلت حالات استدعاءات للتحقيق في أجهزة الأمن في الضفة أو غزة لبعض النشطاء، من ضمنها اعتقالات، وفي كل الحالات حصل احتكار السياسة من جانب الفصيل المسيطر، وإضعاف أشكال المشاركة الشعبية، وهذا كله ونحن نتحدث عن مجرد سلطة تحت سلطة الاحتلال.

اللافت أن كل طرف كان يضع معايير مختلفة لسياساته، فسلطة «فتح» في الضفة تتذرع بالالتزام بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، ومن ضمنها التنسيق الأمني والحاجات الاقتصادية، في حين أن سلطة «حماس» في غزة تتذرع بأولوية المقاومة، وبالحفاظ على التقاليد، وهاتان الوصفتان هما لتغطية احتكار السلطة والتدخل في خصوصيات الأفراد وفرض رؤية معينة على المجتمع.

مثلاً، ففي قطاع غزة تحتكر «حماس» السلطة والموارد والفضاء العام، حتى أنها استبدلت كل الموظفين السابقين، بموظفين من منتسبيها، ما أضاف أعباء جديدة على الموازنة، وملفاً جديداً وشائكاً في مفاوضات استعادة وحدة الكيان الفلسطيني. لم يتوقف الأمر على ذلك، فهذه الحركة بأخذها السلطة في القطاع، في شكل أحادي، أسهمت في إضعاف الكيان الفلسطيني والحركة الوطنية الفلسطينية أيضاً، وفاقمت من انقسام مجتمع الفلسطينيين، كما أنها احتكرت قرار الحرب والسلم، أو الكفاح المسلح والهدنة، من دون أن تدرك حدود إمكانياتها، ناهيك بقدرة أهالي غزة الذين يعانون الحصار وفقدان الموارد والبطالة على التحمل، بحيث اعتبرت غزة بمثابة قاعدة لتحرير فلسطين، وحتى أنها بالغت بادعاء صنع طائرات ودبابات وتشكيل فرق قتالية خاصة، مع حرب أنفاق. ومع كل التقدير لروح التضحية والصمود عند أهلنا في غزة، وعند مقاومي القسام والفصائل الأخرى، الذين كبدوا إسرائيل خسائر كبيرة في حروبها الثلاث ضد غزة، إلا أن هذا شيء والمحصلة شيء آخر، إذ إن كل هذه البطولات والتضحيات لم تغير معادلات موازين القوى، ولم تمكّن من رفع الحصار عن غزة، ولا حتى على صعيد زيادة مساحة الصيد في بحرها. ومع الاحترام للبطولة المتضمنة في أسر غلعاد شاليت، وتالياً المفاوضات التي أدت إلى الإفراج عن أكثر من ألف أسير فلسطيني، إلا أن الحقيقة تقتضي الاعتراف بأن تداعيات الاختطاف أدت إلى تشديد إسرائيل حصار غزة، ومفاقمة معاناة حوالى مليوني فلسطيني فيها، وضمنه الإمعان فيهم قتلاً وتدميراً، علماً أنها طوال فترة أسر شاليت قتلت وأعطبت وأسرت من الفلسطينيين عدة آلاف، وهذا ما ينبغي أن يكون في مركز تفكير القادة المسؤولين، بدلاً من التركيز على الشعارات أو المبالغة بالبطولات.

 

المشكلة أن الأمر لم يتوقف على ذلك، كما ذكرنا، إذ إن الأمر بات يتمظهر على شكل حركة وطنية تسيطر على شعبها، وتمارس التسلط ضده، بواسطة التعنيف والقسر، وعبر محاولتها فرض رؤاها الخاصة على المواطنين، كأن أهالي غزة، الذين يخضعون للحصار، ويعانون مرارة العيش، يملكون ترف الفرح والعبث والتهييص، أو كأن هؤلاء في حاجة إلى حراس على أخلاقهم وسلوكياتهم فوق حراس سجنهم الكبير! هكذا شهدنا في الأيام السابقة فيديو تلقين أطفال من مدرسة في غزة طقوس «التوبة» علناً أمام أقرانهم وبتعليمات من «مشايخ»، بطريقة معذبة ومذلة، من دون أن يعرف أحد ما هي المعصية الكبيرة التي ارتكبها هذا الطفل أو ذاك، وما شأن المدرسة بقصة التوبة، وهل هي شأن خاص بين الإنسان وخالقه؟ والحقيقة فقد كان هذا الفيلم بمثابة كابوس، وهو مسيء لأطفال فلسطين، أطفال الحجارة، ولمجتمع الفلسطينيين ولحركة «حماس» وللإسلام، الذي لا يظهر كدين تسامح وتراحم وتوادد، وإنما كدين يبعث على الرعب ويقوم على القسر واستلاب روح الإنسان وعقله، وتربيته على الإذعان والخضوع للسلطة، بما لا يقل خطورة في معناه عن علاقات التنسيق الأمني مع إسرائيل، وبما يؤدي بهؤلاء الأطفال إلى طريق «داعش»، وهذا مع أطفال يعانون الحصار والحروب والقهر والفقر. وبينما يتم ذلك تحت أنظار سلطة «حماس»، التي اعتادت تحويل الأطفال إلى معسكرات تدريب، فإن هذه الحركة لا تحرك ساكناً إزاء الفقر المستشري في القطاع، نتيجة الحصار وفقدان فرص العمل وخراب البيوت، ما يفاقم مشاعر الإحباط والغضب واللامبالاة بينهم، إلى درجة أننا سمعنا عن فلسطيني غلبان قضى انتحاراً بحرق جسمه لأنه لا يستطيع دفع فاتورة مشفى، علماً أن سلطة» حماس» تتلقى موازنات من السلطة في الضفة، وتجبي ضرائب باهظة من فلسطينيي غزة، ناهيك بالدعم المالي الذي كان ولا يزال يتدفق عليها من هذه الدولة أو تلك، وذلك للصرف على أهالي غزة، وليس على منتسبيها فقط.

هذا يجرى على النحو ذاته مع سلطة «فتح» في الضفة، لكن بحجة التنسيق الأمني والاتفاقات التفاوضية مع إسرائيل، إلى درجة أن هذه السلطة ضربت عرض الحائط بقرارات المجلس المركزي، الذي عقد قبل أكثر من عام، وقرر وقف التنسيق الأمني. بل إن هذه السلطة ما زالت تراوح عند الخيار التفاوضي رغم أن الرئيس محمود عباس تحدث مراراً عن خيارات فلسطينية أخرى! والفكرة الأساسية هنا أن القيادة الفلسطينية في الضفة، وفي قيادة المنظمة والسلطة و «فتح» هي المسؤولة أكثر عن طبيعة الخيارات السياسية، وعن جمود الكيانات الوطنية، وتكلسها، وافتقادها الشرعيةَ، وهي المسؤولة عن حال الضياع التي يعيشها الفلسطينيون، الذين باتوا يفتقدون الإطارات والرؤى السياسية الجمعية. والحال أننا نتعامل مع حركة «حماس» بوصفها فصيلاً فلسطينياً فقط، لا سيما أنها هي تتصرف على هذا النحو، في حين تعتبر قيادة «فتح» ذاتها قيادة للشعب كله، من موقعها في قيادة منظمة التحرير، بخاصة أنها تصرفت تاريخياً على هذا النحو، لذا فهي تتحمل قدراً كبيراً من المسؤولية بقدر مسؤوليتها في القيادة.

في كل الأحوال، ومع تدهور أحوال كياناتها السياسية، وضياع قيمها، وهبوط معناها، وتحولها إلى سلطة في علاقتها مع شعبها، بديهي أن تنحسر القضية الفلسطينية، وأن تهبط مكانتها، بعد أن فقدت قيمتها كحركة تحرر.

مشاركة: