الرئيسية » الياس خوري »   08 أيار 2016

| | |
نحو انتفاضة ثالثة
الياس خوري

قرع تقرير غولدستون ناقوس الخطر، واعلن مأزق الحركة الوطنية الفلسطينية وانسداد الأفق امامها. والمأزق ليس مأزق السلطة فقط، بل مأزق معارضتها ايضاً. اثبت الاداء المراوغ للسلطة و‘حماس‘، ان الشعب الفلسطيني بلا قيادة، وان لعبة شد الحبال السلطوية، هي المسألة الوحيدة التي يتقنها الطرفان. اذ يبدو ان مواجهة الاحتلال في مرحلة الهجوم الاستيطاني والجنون العنصري الذي يريد حسم مسألة الاستيلاء على القدس بالقوة، ليس على اجندة اي من طرفي الصراع الداخلي الفلسطيني. السلطة انحنت للضغوط الامريكية-الاسرائيلية، ومعارضتها الاسلامية ابتلعت نقدها لتقرير غولدستون ورفضها له، من اجل التشهير بالسلطة، بهدف الحلول مكانها.

 

الشعب الفلسطيني يعاني اليوم من فراغ قيادي شامل. فالسلام الذي حمله الرئيس الامريكي، لم يثمر الى اليوم سوى جائزة نوبل للسلام، وهو امام افق مسدود، بسبب تعنت الحكومة الاسرائيلية التي تضم اليمين الليكودي واليسار العمالي من جهة، وغياب اي ضغط عربي وفلسطيني جدي على اسرائيل والولايات المتحدة من جهة ثانية.

المفاوضات في الشروط الراهــنة، وفي موازين القوى المرتسمة على ارض الصراع، لن تقود الى مكان. الفراغ السياسي سوف يتعاظم، ومؤشرات الاستقرار الأمني والاقتصادي في الضفة الغربية ليست سوى حالة مؤقتة ووهمية وسريعة الذبول.

نحن امام مقدمات انتفاضة فلسطينية ثالثة. والانتفاضة لن تكون وليدة قرار تتخذه هذه القيادة السياسية او تلك، بل ستكون وليدة انفجار شعبي يتنامى، وهي بهذا سوف تكون استكمالا لانتفاضة اطفال الحجارة التي فاجأت القيادة الفلسطينية، قبل ان يتم تبنيها، ويتحول القطاع الغربي في حركة فتح، الذي كان يقوده الشهيد خليل الوزير، الى مركزها وعصبها السياسي والتنظيمي.

ولدت الانتفاضة الأولى من اليأس والاحباط، وتشكلت علاماتها الأولى في حرب المخيمات الوحشية في لبنان، التي قالت للفلسطينيين في الوطن المحتل وفي الشتات انهم وحدهم، وان الحصار سوف يستمر من اجل الوصول الى ابادتهم سياسيا.

كانت آثار اجتياح بيروت وطرد المقاتلين الفلسطينيين على السفن اليونانية البداية التي اوصلت الى مذبحة شاتيلا وصبرا. وبعد الطرد الثاني من طرابلس في الشمال اللبناني، التي تسمى ايضا طرابلس الشام، واندلاع حصار المخيمات في بيروت، صار الفلسطيني وحده في مواجهة الموت. انهدم الجدار الأخير الذي كان يستند اليه، ولم يعد امامه سوى حمل المقلاع في مواجهة دبابة الاحتلال.

فلسطين اليوم في وضع مشابه، وطن وحيد ومحاصر بالاستيطان، وبلا اي عمق استراتيجي يعطي الفلسطينيين اي امل. غزة محاصرة، وليس من المنتظر حدوث اي تغير في الموقف المصري، والضفة الغربية يلتهمها الاستيطان، والقدس مهددة بالتهويد، والحفريات تحت المسجد الأقصى تشير الى ان الهوس الأحمق بالهيكل اليهودي مسألة جدية اكثر مما نعتقد.

من هنا، ومن عمق اليأس، ومن انسداد اي افق لتسوية عقلانية تحفظ الحد الأدنى من الحقوق الانسانية والوطنية للشعب الفلسطيني، سوف تولد الانتفاضة الثالثة.

الانتفاضة الجديدة لا تأتي من لامكان، وليست نتيجة الخيبة او الانسداد السياسي فقط، بل هي ثمرة تراكم تجارب متعددة ومتنوعة، وخبرات ونضالات تبدو صغيرة، لكنها تحمل جميع مؤشرات الامتداد والنمو.

من تجربة مقاومة الجدار في نعلين وبلعين، او من تجارب مشابهة، او من الاحتقان في القدس، او من حادث صغير في جنين او نابلس، سوف يبدأ الاشتعال الفلسطيني، الذي سيكون مفاجئا، وسيعيد رسم خريطة السياسة في المنطقة العربية بأسرها.

ليس من المنطق او العدل ان تتحول القضية المركزية في المنطقة الى قضية هامشية ومهملة، وسط الصراعات الكبرى التي تحيط بنا، من المسألة النووية الايرانية الى العراق الى افغانستان الى آخره... كما انه ليس من المنطقي ان تتصرف القيادة الفلسطينية بسلطتيها في الضفة وغزة، بلا اي رؤية استراتيجية. السلام الذي تريد سلطة رام الله اقناعنا بأنها تسعى اليه، لا يأتي من دون رؤية او استراتيجية مقاومة، ولن يكون هبة من احد، لا من امريكا ولا من اسرائيل. اما المقاومة التي تدعو اليها سلطة غزة، فلا تكون بالصراع على سلطة تحت الاحتلال، وبالتمتع بالسلطة، بل لها حسابات اخرى تم تناسيها.

الغياب الرؤيوي يجعل الشعب الفلسطيني بلا قيادة تتحمل مسؤولية تأسيس افق النضال من اجل طرد الاحتلال. لذا فلا مفرّ من انتفاضة شعبية آتية لا محالة، وسوف تُفاجئ العالم بأسره، لأنها ستعلن نهاية المرحلة برمتها.

الانتفاضة الثالثة سوف تضع امريكا واسرائيل امام احد خيارين:

اما الانسحاب الكامل، وتأسيس دولة فلسطينية ذات سيادة..

واما العودة الى الاحتلال السافر، مما يعني ان اسرائيل تحولت الى دولة تمييز عنصري، وان المعركة ستبقى مفتوحة الى ما لا نهاية.

وهذا يعني ان هناك قــــيادة جديدة للشــعب الفلسطيني يجب ان تولد. قيادة متحررة من منافع السلطة ومنتفعاتها، تطرح خطابا جديدا يستطيع ان يستأنف مسيرة الحرية والتحرير التي بدأت في الأول من كانون الثاني (يناير) عام 1965.

شبح الانتفاضة الثالثة في الأفق، فاستعدوا لاستقبال البداية الجديدة.

 

 

 

مشاركة: