الرئيسية » غانية ملحيس »   17 أيار 2016

| | |
الشّباب الفلسطيني يُثبت جدارته ويتأهّل لاستلام راية النِّضال الوطني التّحرُّري
غانية ملحيس

مرَّة أخرى تُثبت  نظريّة  تدافع الأجيال فعاليّتها  في الحالة الفلسطينيّة ، وينطلق  طائر الفنيق الفلسطيني  مُجدّداً   ويَنفُث رُكام  العجز  والإحباط  المُتَراكم حوله  بفعل   تنامي القصور الفلسطينيّ  والتَّقصير العربيّ واستفحال التّآمر الغربيّ  وتزايد العجز الدّولي .

 

 ويُثبت  الجيل  الجديد  من  أبناء  الشّعب  الفلسطيني   تمَيُّز  وعيه ، فيقوِّض أوهام إمكانيّة  ترويضه  ، ويُسْقِط  الرِّهان على احْتِماليّة  استِغفالِه  واحْتِوائه  بالتَّسويات  المُجْحِفة  والحُلول  الاقتصاديّة  ، ويؤكِّد  اسْتِعصاءه  على  الخضوع  والإذعان  ،  وإصراره  على مُواصلة  مسيرة  الأجيال  الفلسطينيّة المتعاقبة على امتداد أكثر من قرن ، والمضيِّ  قُدُما  في  مُواجهة  الغزاة  المُسْتَؤْطنين  الأجانب  .

 

ومثل أسلافِه  ، يُؤكِّد هذا  الجيل الفلسطينيّ  الفتيّ   أنّ  تعلّقه  بالحياة  وشغفه  بالاستمتاع  بمباهِجِها لا  يُقَلِّل  من اسْتِعداده  الاسْتِثنائيّ   لبَذْلِها  في  ميدان الاسْتِشهاد  دفاعا عن  حقوق شعبه الثابتة غير القابلة للتصرف  في الحريّة والعودة  وتقرير المصير على أرض وطنه  .

 

فيتاَهَّب  شبابُه العُزَّل  لاسْتِعادة  زمام المُبادرة  بَعْد  طول اسْتِكانة ، وَيسارِعون  للتَّصَدّي لهجمات  جُنود الاحْتلال  و تَغَوُّل مستوطنيه  المُدَجَّجين  بأحدث  مُنْتجات الأسلحة الأمريكيّة  والغربيّة المتطوِّرة ، السّاعِين إلى استثمار الوَهَن الفلسطينيّ  بعد ضياع البوصلة  الوطنيّة ، والطّامحين في توظيف التّيه  منذ انقسام النِّظام  السّياسيّ  وتكرّسه  ومأسسته ، والهادفين إلى  اسْتِغلال الانغماس العربيّ   ب " الفوضى  الخلاقة"  التي أطلقتها الولايات المُتّحدة الأمريكيّة  في بِلادنا  العربيّة مُنْذ  تفرُّدِها  بالقِيادة  العالَمِيّة ،  لاستكمال  السَّطو على  ما تبقى من  الوطن  الفلسطيني ، بمواصلة  تدمير  بُنْيانه  الجُغرافي  والدّيموغرافي والحَضاري العربي ، كي يستقِرّ  بنيانهم الهجين الغربيّ  المُهَوَّد المُسْتَحدث  فوق أنقاضه .

 

ويَتَوَحَّد  أفراد هذا الجيل  في  توافُقٍ  لافِتٍ ،  يكاد  يرقى  إلى مُسْتوى التَّنظيم ، ويُجْمِعون  على هدف  هزيمة الاحتلال  لإنهائِه .  ولا  تَحول  اسْتِقْلاليتهم  وتباين انتماءاتهم السِّياسِيّة  والتَّنظيميّة   والجِهَوِيّة  والفكريّة  والعقائديّة  والعُمْرِيّة  والاجتماعيّة  دون اتِّفاقِهِم  على أشكال  مُقاومة  المُحْتل   وأساليبها  المُبْتَكَرة  وأدواتها  البسيطة  المُتاحة  التي  لا تنضب .  ولا تَمْنعهم  همجيّة  جيش الاحتلال وتوحّش مُسْتوْطنيه  من التّمسك  والالتزام  بالضوابط الأخلاقيّة ،  وتحييد الأطفال الإسرائيليّين  رغم الاسْتِهداف  الإسرائيلي الرَّسمي  لأطفال فلسطين تشريعاً وتنفيذاً.

 

ورغم أنَّ قدرهذا الجيل  يَبْدو أنَّه ، ما يَزال ،  يُحَتِّم عليْه   خَوْض  حَراكِه  بشكلٍ  عفويٍّ .  بلا اسْتراتيجيَّةٍ  وطنيَّةٍ  جامِعة  وأهْدافٍ  واضِحة  تؤطِّر وتُوَجِّه  نِضاله.

وعلى الرغم  من استمرار  التّبايُنٍ   بين النُّخَب  في الرُّؤى  والاجْتِهادات  حول  الأساليب  والأدوات ،  وارتباك القِيادات  والفَصائل والتّنظيمات  الفلسطينيَّة  التي فاجأها  الحراك  وهي  ما تزال  مُنْشَغِلَة  بِتقاسُمِ  الوطن  المُحْتل  والتَّنافس على  النّفوذ  والتَّسابق على  المَنَاصب والمواقع  للاسْتِحواذ على ما تُتيحه من  مَكاسب ،  واسْتِغْراق  النِّقابات ، أيضاً ، في الاحْتِجاجات المَطلبيّة  الضَّيِّقة .

 

 فإنّ  شباب هذا الجيل  يُظهرون  وعْيا  مُتَمَيِّزا  وشجاعة  استثنائيّة  في  التَّصَدّي لإرهاب" الجيش الذي لا يُقْهر " ويُثيرون الذّعْر بين أفراده ، ويواصلون  الثّبات  ويمضون قٌدُماً مُنْفَرِدين  في  مُقاوَمتهم   للشّهر الثاّلث على التّوالي .   

 

ولا يُثنيهم ارْتِفاع  عدد  الشُّهداء  الذين بلغوا  منذ بدء الحراك 108 شهيد

- منهم 24  طفلا  و 5  نساء -  فضلا عن 13.500 جريح  ، و 2400 أسير نصفهم من الأطفال ، وفقا لوزارة الصِّحّة الفلسطينيّة  وهيئة شؤون الأسرى والمحرّرين .

 

ولا  يَرْدعهم  قيام سُلطات الاحْتِلال  الإسرائيلي  رسميّاً  بتشريع  تنفيذ الإعدامات المَيْدانِيّة  بحق  الفِلسطينيّين  أطفالاً  ونساءً  وشّيوخاً  وشّباباً ،  وتكثيف عمليّة تدمير البيوت  وتجريف المزروعات  وتوفير الّدعم  والحماية للمُسْتَوطنين أثناء اعتداءاتِهم  البربريّة  على الفِلسطينيّين  وممتلكاتِهِم  ومقدّساتهم .

 

 ولا ينال من عزيمتهم  استمرار  عجز النُّخَب الفلسطينيّة على اخْتِلافِ مواقِعِها ، عن بلوَرَة رُؤْيَةٍ  وخُطَّةٍ  لِلِّحاق  بحراكِهِم  ، كما  كان  يَحْدث  في الانتفاضات والحراكات السّابِقة.

 

 ولا يُضعِف  تَصميمهم  ،  اكتفاء قوى  السّلطة  والمُعارَضة على السّواء  برصد  حراكهم  الذي  فاجأها  وكشف  وَهَنها ،  وما تزال   تُراقب   تَطَوّراتِه  كأيِّ  مُراقِبٍ  خارِجِيّ ،  وتكتفي  بإطلاق  التَّصْريحات الاسْتِنْكارِيّة ، وتستَظِلّ  بالسّكينة والثّبات ،

 رُبّما ، خوفاً  من  التَّغيير  المُباغِت  الذي قد  يرى  فيه  البعض  تَهْديدا لِمَا استَقَرّ  مِنْ  بُنى وأطُرٍ  ومصالِح  يَرْغبون  في  اسْتِدامتها ،  ما  يدْ فَعهم إلى التّكَلّس والإحجام  حتّى عَن  تَوفير  الدَّعْم   والإسْنادِ  والرِّعايَة  والحِمايَة  الواجبة .

 

 بل ، ولا  يلتفت  الشّباب الثّائر  إلى  دعوات  بعض المُتَخَوِّفين  على مواقعهم ومصالِحِهم ،  الذين  سارَعوا  لمُطالبتهم  بالتَّخلي عن السِّكّين  والحَجَر والمَكابِح  في مواجهة دبابّات ومُجنزرات  وقنّاصة  المُحْتل ، بدعوى الحرص على  سِلمِيّة  الحراك .

 

 فقد أدركوا   أنّ  من باتوا  يُدْخلون  الحَجر وسكاكين  المطابِخ  والمفكّات  ومكابح السّيّارات في  خانة  التَّسلّح ، يجهلون  أن القانون الدَّولي  قد أباح  للشّعوب المُحْتَلّة استِخدام  كافّة الوسائل المُمكنة  ،  بما في ذلك ، السِّلاح الحقيقي  لمقاومة المُحتل  وتحرير الأوطان .

 وأنّهم  يتناسون أن المسيرات السِّلمِيّة  الفلسطينيّة  لم تسلم ، أبداً ، من تكسير العِظام  والقتل  .

 بَلْ ، ويتجاهلون  أنَّ الطِّفل  محمد أبو خضير ، الذي تم اختطافه  وإحراقه  حيا ، وزياد أبو عين ، وعشرات الشُّهداء  وآلاف الجرحى  غيرهم ، بل  لم  يسلم  حتى  اليهود  ذوي الملامح العربيّة  ،  فجميعهم  أُعْدِموا  وهم  مُتَرَجِّلين  عُزّل ،  ولم  يكن  بحوزة أيٍّ منهم   سيّارة  أو  سكّين   ولا  حتّى  حَجَر . 

 

 كما  لم يتوقّف الشّباب  طويلا  عند محاولاتِ البعض  إخراج  حراكِهِم   عن  سِياقه  الوطنيّ  العام  . فقد  باتو واعين  لمحاولات  وَقْفِ  تَيّار  التَّغيير الجارِف    للخروج  من  حالة  العجز الفلسطيني  الذي  طال  أمده  وبات  استمراره  يتهَدّد الشّعب  والوطن  والقضِيّة .   

 تارةً  عبر إلباس الحراك  عباءة  دينيّة  حصريّة   بالدِّفاع  عن الأقصى ، غافلين عن أنَّ  بقيّة  المَساجد  والمقابر الإسلاميّة ، كما  الكَنائس والمَقابر المسيحيّة ، وسائر رموز الحضارة العربيّة  في فلسطين  ،  لم  تَسلم ، أيضاً ،  من  اعتداءات  جُنود الاحْتِلال  الإسرائيلي  ومُستوطنيه  بالحَرْق  والتّدْمير  والسَّطو  والعَبث  والتَّهْديد  بإعادة الاستِهداف  .

 

وتارةً  ثانيةً  بإلباس الحَراك ثَوْباً  اقتصاديّاً  ناجماً  عن  تَشْديد  قُيود الحَركة  وتَراجع العَوْن الدّولي   وتفاقم  عجز  الإيرادات عن تغطية الالتزامات ، وتردّي الظّروف المَعيشيّة  واسْتِفحال  البَطالة  وانْتِشار الفَقر  وازْدِياد حِدَّتِه .

 

 وتارةً  ثالثة  بانْسداد أُفق  العَمَلِيَّة  التّفاوضِيّة  والعُزوف الأمريكي والدَّولي عن حلِّ الصِّراع  .

 

والاستخلاص المُتَسَرِّع  بأنَّ  الحَراك  الشّبابيّ  ما هو إلا  تعبير عن اليَأْس والإحْباط .

 

 وأُدْرك هذا الجيل ، أنّ  أصحاب  هذا الاستنتاج  القاصِر  قد  أغفلوا  حقيقة  أنّ  تلك الظواهر  انعكاسات  لممارسات   الاحتلال  ،  وأنّ  استِفْحالِها   قد  يكون  له  دور بتسريع  انطلاق  الحراك ،  لكنّ  الاكتفاء  بتخفيفها  أو  حتى  القضاء عليها  غَيْر كفيلٍ  بإنهاء الحراك ، كما  قَدْ  يخال  البعض  الفلسطيني  والأمريكي   والإسرائيلي، وغير كافٍ  لمنع  تَجدّد  ثورة  الشّباب  الفلسطيني  الطامح   للحرِّيّة  والاستقلال  والعودة  وتقرير المصير على أرض وطنه.  

 

والجيل  الفلسطينيّ  الخامس  الذي  بدأ  الحَراك  الرّاهن ، وما يزال  يخوض غماره  بذات القُوّة  والقُدْرة  والتّصميم  ،  هو  نَوْعٌ   جديد   مُحَصّنٌ  من   الشّباب  الواعِد  المُتَعَلِّم  ، المُدْرِكِ   لِقَوانين  عَصْرِ  العَوْلَمة ، والواعي  لما  يُتيحه ، رغم  شروره ،  من  فُرصٍ  ناجِمَةٍ  عن  تَزايُد  وحدة  العالم   وتَرابط  مَصيرِ  شُعُوبه ، وما يعنيه ، ذلك ، من  انتهاء  عُهودِ  مواصلة  الغزاة  اسْتِغفال  الشعوبٍ   وإبادة  بَعْضِها ، دون المُغامرة  بسلامة  المُعْتَدي ذاته ، والمُقامرة  بمُسْتَقبل  حاضنيه  ومُناصريه  .

 

وهذا  الجيل   الشّبابيّ  الثّائر يمتلك ، رغم  فُتُوّة  تركيبته وحداثة  تجرِبته ، وعْياً حِسِّيّاً  عميقاً  بخلاصة  تجارب  أسلافِه ،  وإدراكا  معرفيّاً   مُتَمَيِّزاً  بالتّجارب الإنسانيّة  المُلهمة ،  وفهما  واضِحاً   لدروسها  وعِبَرِها .

 ويمتلك  ، بالإضافة  لذلك ، معرفة  فنيّة واسعة  بمنجزات التقدّم العلمي والتكنولوجي وما تتيحه  من إمكانات   لتعظيم  الفرص  ودرء  المخاطر  ، وما تُوَفِّره من وسائل  لعُبور  الفجوات المَعْرِفِيّة  الواسعَة ، التي  سبق  وأن  استَغَلَّها  الغُزاة الأوروبيّون ، ومكَّنتهم  بسهولة  بالغة  وسرعة  فائقة  ،  من تنفيذ مُخَطّطاتهم  الاستعماريّة  التّوسّعِيّة  في بلادِنا ، والتّاسيس لإطالة أمدها عبر تسييس  الدّين  اليهودي ، واسْتِهداف  حياة  أتباعه ، بداية  في أوروبا  لإرهابهم  وتعطيل  اندماجِهِم  في أوطانِهم  الأصليّة ، لتسهيل  تجنيدهم  في  المشروع  الاستعماري الغربي  التّوسّعي في المشرق العربي ،  ثمّ  توظيف عذاباتِهم   لتزويرالتّاريخ  وسرقة الجغرافيا  وتغيير الدّيموغرافيا  الفلسطينيّة ،  وخلق كيانٍ  وظيفيٍّ  استيطانيٍّ  أجنبيٍّ  هجين ،  وتعزيزه  لاحِقاً  بيهود المشرق   بعد اقتلاعِهم  القَسري من أوطانهم  واستيعابِهِم  في بنيانه الغربيّ ،  كي  يُناط  به  تكريس تجزئة  المنطقة العربيّة والإسلاميّة  المُمْتَدَّة ، واستنزافها ، وعرقلة نموها وتنميتها ، لمنع  استنهاض  شعوبها  وتعطيل  قدرتهم على استعادة وحدتهم  ، بما يسمح  بمواصلة الهيمنة الاستعماريّة الغربيّة على هذه المنطقة  الحيويّة  لأطول  فترة ممكنة  .

 

 

 

 

 

 

لقد  تجلى سُمُوّ  وعي  هذا الجيل الفلسطينيّ  الجديد  في  حرصه  الكامل على استقلاليّتِه  الوطنيّة ، وبدى شبابه  الثّائر  مُدْرِكاً  لِمُسْتلزمات  الخُروج  من  الواقع  الفلسطينيّ  المأزووم  الذي طال أمده  .

 فاندفع   أفراده  لاستعادة  زمام المُبادَرة  ومواجهة غطرسة المُحتَلّ  وتغوّله ،  وبشجاعته الاستثنائيّة  وتضحياته ، حاول تبصير أبناء شعبه  بالمخاطر الماثلة   للسّكون الانتظاري للتغييرٍ الذي يَصنعه  الآخرون  .

 

 وبتوحّد شبابه  في مواجهة  المُحْتَل  ، سعى إلى تنمية الوعي الجمعي الفلسطيني بمخاطر استمرار الصِّراع  والتنافس الاستقطابي  بين  قوى السّلطة  والمعارضة .

 وبادر  إلى إطلاق  حراكِهِ  من مركز الصِّراع   على عاصمته الأبديّة  القدس ،  ليتكامل مع ما سبقه من حراكات في بلعين ونعلين وترمس عيّا  وكفر قدوم  وقلقيلية ، وليزداد عنفوانا  في الخليل  وبيت لحم  ونابلس  وطولكرم  وسائر مدن ومخيّمات وقرى الضّفّة الغربيّة ، وليعيد الوصل مع  بقيّة  أبناء الشّعب الفلسطيني  داخل الخط الأخضر، ومع أشِقّائه الصّامدين في قطاع غزّة المُحاصر ،  إيذانا  ببدء  نهوض  وطنيٍّ  فلسطينيّ  شامل  يُصَوِّب  البوصلة  ،  ويُعيد   للقضيّة  الفلسطينيّة  مركزيّتها  وتصدُّرها   لجداول  الأعمال  الوطنيّة  والقوميّة  والإقليميّة  والدوليّة 

 

وبعمق وعيه ووضوح هدفه  ، لم يسمَح  للنّخب الفلسطينيّة التي تسابقت  لامْتِطاءِ  حراكِه -  دون  الانخراط  في  فعالياتِه -  بحرف مسارِه  .

 فلم  تَفْتِنْه  استعراضات البعضِ الصُورِيّة  في  نقاط  التَّماس  لادِّعاء المُشاركة  ، غير  مبالين  بارتفاع  الكلفة وانعدام العائد  .    

ولم  يستجب  ، أيضاً ،  لمحاولات  جرِّه  إلى مُواجهاتٍ  عسكريّةٍ  خارج  مناطق  نفوذ البعض  لِتَوريط  الخصوم  السّياسيّين ،  وأدرك  مخاطر  التَّجاهل   غير المسؤول  لأخطار  المُقامَرَة   بِتَكرار  تجارب  الاسْتِجابة  للاسْتِدراج  الإسرائيلي .

 وأظهر وعياً  عالياً  بضرورة  منع  العدوّ من  استِغلال  الذّعْر والارتباك  الدّولي  من  تَمَدّد  الإرهاب  وتغوّله .  وأبدى تصميما  لافتا  على  تفويت الفرصة التي ينتظرها جيش الاحتلال  لإعادة  تَوْظيف  قدراته  التَّدميريّة  الهائلة   للانقضاض  مُجَدّدا  على الشَّعب  الفلسطيني  واستئناف  حرب الإبادة  ضده  بمُسَوِّغٍ أمريكيٍّ  للدِّفاع  عن  النّفس ، مثلما  سبق  توظيف أحداث  الحادي عشر من أيلول / سبتمبر / 2001   للانقلاب على أوسلو  إثر   فشل  مفاوضات  كامب  ديفيد  في فرض  شروط  التّسوية الأمريكيّة -الإسرائيليّة ، والقيام بإعادة الاجتياح العسكريّ الإسرائيليّ   لمناطق الحكم الذّاتي  في مطلع  عام  2002 ، لفرض قواعد  جديدة  تُحَرِّر إسرائيل  من التزاماتها  الواجبة ، وتُبقي   في ذات الوقت  على  سلطة  الحكم  الذّاتي  للحفاظ  على الالتزامات الفلسطينيّة  الأمنيّة  والاقتصادِيّة ، ما أسفر عن  تَعميق الاختلال  في موازين القوى لصالح الاحتلال  وأدّى إلى تكريسه  عوضاً عن تَسريع إنهائه  .

 

كما  لم  يلتَفِت  لمُحاولات  البعض الآخر استثمار الحَراك  الشّبابيّ   سياسيّاً ، بالتّلويح بالاستعداد  لاسْتِئناف  التَّفاوض ، غير آبهين  بمخاطر استنساخ  تجارب مدريد  وأوسلو وما تلاهما طوال عقديْن . وغير مُبالين  بدروس استعجال   توظيف  الحراكات  والانتفاضات الشّعبيّة الفلسطينيّة  المتعاقبة  قبل  أنْ  تَنْضج  الظّروف  الذاتيّة  والموضوعيّة  الضّروريّة  لكيّ الوَعْي  الجَمْعي الإسرائيلي  والدّولي ، وتبصيره  بأخطار  ومخاطر  اسْتِمْرار التَّنكّر  لِحَقِّ  الشَّعب الفلسطيني المُتساوي  في العَيْشِ الحُرّ الكريم  وتقرير مصيره على أرض وطنه ، باعتباره  السبيل الوحيد لَفتح  الآفاق  لِتَسْوِيةٍ  مُمْكِنة  للصّراع   وتحقيق  الاسْتِقرار القادر على الاستمرار والتّطوّر  إلى سلام  دائم  وشامل .  

 

لقد  أدرك هذا  الجيل الشّاب  أن  قوّة  الحقّ  عندما  تتسلّح  بالإرادة   تتفوّق  على  أقوى الأسلحة  والجيوش  ،  ووعى  بأن الثّابت  الوحيد  في هذا  الكون  هو التَّغَيّر ، وأنّ على عاتقه  وحده  تقع  مسؤوليّة  قيادة  عمليّة  التّغيير التي  تقود إلى الانتصار.

 

كما  فهم  هذا الجيل  ، أكثر من أسلافه ،  طبيعة  الصّراع  مع المشروع الصّهيونيّ  ،  فبات  أطول  نفساً   وأوسع  صبراً ،  وأكثر إدراكاً  لمستلزمات الانتصار  ولأهمِّيّة  تعزيز  الصّمود  المُقاوِم  .  وبات  أشدّ  إصرارا على  الإبقاء على  جذوة  النِّضال  مُشتعلة  لرفع  كلفة استمرار الاحتلال   وتعبيد الطريق  لإنهائه .

 

وبذلك ،اجتاز الجيل الفلسطيني الخامس  اختبار التّأهل ، وأثبت  جدارته باستلام  راية النضال  الوطني  التحرري الفلسطيني  .

مشاركة: