الرئيسية » خالد الحروب »   12 آذار 2013

| | |
تخليق "المناخ الإسلاموي" وتصنيع "المجتمع المُحافظ"
خالد الحروب

يجادل كثيرون بأن الاختلاف بين تياري "الاعتدال" و"التطرف" في مربعات الحركات الاسلاموية لا يصل الى درجات كبيرة يصل الى التفريق بين معسكرين، بل هو خلاف هامشي داخل المعسكر الواحد. والواقع، كما يناقش هؤلاء، يقول إن التداخل بين مجموعات الطرفين والمساحات الرمادية المشتركة تخلق عمليا مناخا يوفر دينامية دائمة للتغذية المباشرة. وبشكل اكثر تحديدا، اتهمت الحركات "المعتدلة" بأنها توفر عمليا "المناخ" المفضي للتطرف وحتى ولو لم تستهدف ذلك. في نقاشات ما بعد الحادي عشر من أيلول استقوى هذا الجدل الذي لا يفرق بين "اعتدال" و"تطرف" واعتاش على المناخ الاستعدائي الشامل الذي تجاوز الحركات الاسلاموية ليطال كثيرا من ما هو عربي او مسلم في الغرب. الممارسة التاريخية للتيارين تشير الى ان كلاً من هذا الرأي والرأي المخالف له الذي يصر على وجود خلافات جوهرية بين تيار معتدل وآخر متطرف لديه نقاط وجيهة، فهناك من ناحية فروق حقيقية بين ما يمكن إجماله بـ "تيار الاعتدال" (النسبي مقارنة مع الآخر)، و"تيار التطرف". لكن من ناحية ثانية لا يمكن دحض مقولة "خلق المناخ" إذ ان كلا من "المعتدلين" و"المتطرفين" تشاركوا في دفع مساحات لا يُستهان بها من المناخ العام في المجتمعات العربية نحو نوع محدد وضيق من فهم الاسلام، وهو الاسلام الحركي الحزبي من جهة، والطقوسي من جهة ثانية، على حساب الاسلام التعايشي والعفوي والتاريخي الذي عاشته الشعوب والمجتمعات من دون الادعاءات الحركية التي قفزت على ظهر الدين منذ الربع الاول من القرن العشرين. اخطر ما انتجه "مناخ" التدين الحركي هو الحصرية الدينية التي فرضها على الافراد والمجتمعات وتجفيف التدافع العفوي بحيث اجبرها جميعا على المرور من نفق التفسير الجديد للدين والشريعة، بما يعني تديين الفضاء العام جملة وتفصيلا – وهو تديينٌ نظير للأدلجة التي انتهجتها الانظمة الشمولية والتوتاليتارية شرقا وغربا. 
تديين الفضاء العام حمل اشياء كثيرة من ضمنها الانزياح التدريجي لكن الثابت لمرجعيات النقاش إزاء اي شأن من شؤون الحياة العامة، او السياسة، او الاقتصاد، او الفن، لتتموضع على ارضية دينية. وعندما يتم هذا الانزياح فإن الشأن العام يتحول الى شأن ديني اولاً يتم اخراج كثيرين منه ابتداءً، او اجبارهم على قبول المرجعية الدينية. اما ثانياً، فإن النقاش الديني - الديني بين "معتدلين" و"متشددين" والذي يتم على ارضية دينية لا يُحسم بالضرورة للطرف الاول، بل احيانا كثيرة يكون الطرف الثاني اقوى دليلا وحجة. بشكل مجمل، وفي إطار الحركية الاسلاموية، انتج مناخ تديين الفضاء العام مناطق رمادية واسعة تتم فيها حركات هجرة دائمة بين مربعات "المعتدلين" و"المتطرفين". كان ذلك في حقبة ما قبل ثورات الربيع العربي.
اما في الحقبة التالية التي نشهدها الآن وخاصة في البلدان التي سيطر فيها الاسلامويون على الحكم نرى ان الديناميات السابقة المتمثلة في "خلق المناخ"، و"تديين الفضاء العام"، و"حركة الهجرة المتبادلة بين "الاعتدال" و"التطرف"، قد تفاقمت وتائرها في ضوء الظرف الجديد. ليس هذا فحسب بل واضيف إليها ابعاد اخرى اكثر خطورة تتسع لتستدرج المجتمعات برمتها هذه المرة إلى مربع الاسلاموية واختياراتها. الاطروحة التقليدية حول التباس علاقة "الاعتدال" بـ "التطرف" كانت مهجوسة، وخاصة في دوائر صنع القرار الغربية، بالقلق الامني وإمكانية هجرة العناصر "المعتدلة" الى مربعات التطرف ومن ثم النزوع الى العنف والسلاح والارهاب. الآن ننتقل الى مرحلة جديدة من سجال الاعتدال والتطرف له عدة جوانب وتتخطى الهموم الامنية الغربية والرسمية على حد سواء، ويكفي هنا، لضيق المساحة تناول جانبين من هذه الجوانب.
يتمثل الجانب الأول في ان هذا السجال لم يعد يتم في جيوب او مساحات محددة يسيطر عليها الخطاب الديني وحركاته المختلفة والمتنافسة، بل يمتد الآن ليشمل الفضاء العام برمته، لأن المتساجلين اصبحوا الآن على قمة هرم السلطة والاعلام وسدنة الخطاب العام، بل وصاغة الدستور. معنى ذلك ان "تديين الفضاء العام" انتقل من مرحلة المحاولات الحزبية هنا وهناك، إلى سياسة حكومات، وهو ما نراه في الخطابات الرسمية والتوجهات والإكراهات المباشرة وغير المباشرة القادمة من جل التيارات الاسلاموية المتوترة بقضايا الهوية وفرض الشريعة وإعادة تعريف الشعب ودينه في بلدها وفي الدستور، وكأن هذه الحركات أزلية الوجود فيما الشعوب نفسها طارئة حلت على بلدانها حديثاً بما يضطر الحركات "الابوية" لإيجاد تعريف هوياتي لها! لم تعد المُطالبات بفرض قيم اوممارسات او طقوس معينة محصورة في جماعة "متشددة"، بل تجاوزت هذه المطالبات حاجز التردد والتحسب الذي اتصف به في بعض المراحل، لتتحول الى جراءة بالغة مصحوبة باستعلائية وفوقية لا تساوم، وتتصف بعنف لفظي وخطابي مدهش يستند كله إلى احقيته التي لا تُنافس بكونه ينطلق من المرجعية الدينية. 
الجانب الثاني المرافق لانتقال دينامية وسجال "الاعتدال" و"التطرف" من الهوامش والجيوب الى قمة الفضاء العام وقلبه هو تسويغ ما تتبعه الحكومات الجديدة من سياسات فرض وإكراه غير مباشر بكونها تتسق مع "الثقافة المحافظة للمجتمع". وهذا التوصيف الفضفاض والغامض يتيح بطبيعة الحال لأية سلطة ما ان تفرض ما تشاء لأنها سوف تحتكر تعريف المقصود بـ "الثقافة المحافظة". المثل الاحدث للاستشهاد به هنا هو منع حكومة حماس في غزة لسباق ركض الماراثون الذي تعده كل سنة وكالة الانروا للاجئين، والمخصص لجمع التبرعات. حماس اشترطت على الوكالة الاممية عدم مشاركة الطالبات في السباق لأن ذلك يتنافى مع قيم المجتمع المحافظة. والمرير والطريف في "مطاطية" هذا التعبير الذي تستخدمه الانظمة المؤدلجة، وفي حالة غزة هنا، ان سباق الماراثون هذا اقيم العام الماضي والعام الذي سبقه وبمشاركة طالبات المدارس فيه. ما الذي طرأ فجأة على "ثقافة المجتمع" كي تزعم حماس ان ممارسة الإناث لرياضة الركض تتنافى معها؟ 
في كل المجتمعات العربية التي يتم فيها استخدام "ثقافة المجتمع المحافظة" من قبل الاسلاميين، او الحكومات والانظمة التي لها مسوغاتها الخاصة بها ايضا، نجد ان التيارات الدينية على وجه التحديد هي التي تحدد تعريف ثقافة المجتمع، إما عبر التعبئة والحشد المبادراتي، او بتواطؤ وغض الطرف من قبل الدولة نفسها – بهدف اضعاف تيار سياسي هنا او هناك مثلا، أو لأسباب تعزيز شرعية الدولة او سوى ذلك. الخلاصة هي ان "ثقافة المجتمع" نفسه التي كانت قبل عشرين سنة او ثلاثين سنة تستوعب ممارسات معينة وتتعايش معها تحولت (عبر التديين القسري والفوقي المتواصل) الى "ثقافة مجتمع" مختلف لا تقبل بما اعتادت ان تتقبله. كيف كان المجتمع الغزي، مرة اخرى، يتقبل وجود دور سينما واكثر من نصف الإناث غير محجبات قبل ثلاثين عاما، ليتحول الى رافض لوجود طالبة غير محجبة في احدى جامعاته؟ المجتمع هو ذاته لكن الناطقين باسمه وعبر المسوغ الديني هم الجدد. واستخدام لفظ "ثقافة المجتمع المحافظة" هو عمليا التعبير الحركي عن ثقافة الحركة الدينية الحاكمة هنا او هناك، وهي علاقة ملتبسة وسوف تظل ميدانا لسجال سوف يستمر معنا لسنوات طويلة قادمة.
Khaled.hroub@yahoo.com

نقلًا عن جريدة الأيام

مشاركة: