الرئيسية » غانية ملحيس »   23 حزيران 2016

| | |
هل يحتمل الشّعب الفلسطيني ترف تكرار ذات التجارب التي أفضت لمأزقه الاستراتيجيّ الرّاهن ؟؟
غانية ملحيس

الأهداف الوطنيّة الكُبرىِ في الصِّراعاتِ الوُجودِيّة لا تخضع لحسابات موازين القوى ، بل ترتبط بموازين الحُقوق الوطنيّة والتّاريخيّة الثّابتة للشّعوب في أوطانها . 
والشّعب العربي الفلسطيني ، الذي اختاره القدر للمرَّة الثانية لخوض صراعٍ وجوديّ ضد الكيان الاستعماريّ الاستيطانيّ الغربي المتَسَتِّر هذه المرة بالدِّين اليهودِيّ ، يحتكم عند تحديد هدفه الوطنيّ المركزيّ ، إلى ذات المعايير المتّصلة بحقوقه الثابتة في وطنه . تماماٍ كما فعل أجداده قبل نحو عشرة قرون ، عندما واجهوا غزوة استعماريّة استيطانيّة غربيّة مماثلة ، تَذَرّعت ، آنذاك ، بالدّين المسيحي - الاستيطان الإفرنجي " الصّليبي" - وهزموها بعد استقرارها في فلسطين قرابة قرنيْن (1095 - 1291) ، فاستعادت فلسطين عروبتها ، واستعادَ شعبها الأبيّ حُرِّيّته .
وكما كان هذا الشّعب "عقلانِيّاً "، آنذاك ، وليْسَ "رومانسِيّاً" عندما قَرَّر مواجهة الغزوة الاستعماريّة الاستيطانيّة الأوروبيّة لهزيمتها ، رغم اختلال موازين القوى بشِدّة لصالح الغزاة . 
فإنَّ الشّعب العربي الفلسطيني اليوم لا تعوزه " العقلانِيّة " عندما يَدعو لبلورة مشروع نهضويٍّ تحرّريٍّ إنسانيٍّ نقيض للمشروع الاستعماريّ الاستيطانِيّ الصّهيونيّ العنصري . وعندما يُحَدّد هدفه الوطنيّ المركزيّ بتحرير كامل بلاده من الاحتلال الصّهيوني ، وعندما يُطالب بإقامة دولة المُواطنة التي يعيش فيها أصحاب البلاد الأصليّين من الفلسطينيّين المُقيمين واللاجئين العائدين (12.551.24 نسمة وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في منتصف عام 2016 ) ، ومن يرغب من يهود إسرائيل ( 6.377.000 وفقا للإحصاءات الإسرائيليّة في أيار/مايو /2016/ ) في البقاء في مَوطنهم الجديد ، بعد تحرّرهم من العقيدة الاستعماريّة الصّهيونيّة العنصريّة ، والقبول بالعيش المُشترك مع أصحابه الأصليّين الفلسطينيّن كمواطنين متساوين أمام القانون .
ودولة المواطنة هذه ، دولة فلسطينيّة ديموقراطيّة ، وليست ، كما قد يَخالُ البعض، دولة ثنائيّة القوميّة ، لأنَّ اليهوديّة عقيدة دينيّة وليست انتماءً قوميّاً .

كما أنّ المشروع النّهضويّ التّحَرّرِيّ الفلسطيني المُستحقّ ، خلافاً للفهم الخاطئ لدى البعض ، ليْسَ مشروعاً تَفاوُضِيّاً ، حتّى يتم التّشكيك بجدواه واتّهامه " بالرومانسِيّة الضّارَّة ، باعتبار أنَّ " المطروح واقعيّاً دولة يهوديّة على كافّة أراضي فلسطين الانتدابيّة " .
فهو يعي تماماً أنَّ " المطروح واقِعِيّاً " ليس جديداً ، وإنّما هو ذات المشروع الاستعماري الاستيطاني الغربي الذي تبناه المؤتمر الصّهيوني السّابع عام 1905 ، وقطع وزير خارجيّة بريطانيا العظمى - التي كانت تتربّع على عرش القيادة العالميةالتزاما بتنفيذه فاصدر في 2/11/1917 وعداً بإنشاء وطن قوميٍّ لليهود في فلسطين . ثم توافقت بريطانيا مع حليفتها فرنسا على تضمين الوعد في معاهدة سان ريمو 25/4/1920 . و"لشرعنته دوليّاً " ، استصدرت في 24/7/1922 تفويضاً من المجتمع الدَّولي - الذي أعيد تشكيله في أعقاب انتصار الحلفاء في الحرب العالميّة الأولى - " صك الانتداب " . وباشرت ، فور إدخاله حيِّز التّنفيذ العملي في 29/9/1923 ، بإحداث تغييراتٍ جوهريّة في موازين القوى القائمة ، الديموغرافيّة والعسكريّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والقانونيّة، للتّأسيس لاستبدال فلسطين بإسرائيل واحلال المسْتوطنين اليهود المُقتلعين من مواطنهم الأصليّة محلّ سكّانها الفلسطينيّين الأصليّين . (خلال نحو ثلاثة عقود من الانتداب البريطاني على فلسطين ارتفعت نسبة المستوطنين اليهود إلى إجمالي السّكّان من 8% / معظمهم حديثوا الهجرة / إلى نحو 30% ، وأصبحوا يُسيطرون على أكثر من 20% من أخصب الأراضي الزّراعية ، و72% من إجمالي الوحدات الصّناعيّة القائمة ، و85% من النّاتج الصّناعي الفلسطيني الإجمالي ، و90% من إجمالي العمالة في القطاع الصناعي ، وجزء كبير من التّجارة الداخليّة ، ومعظم التّجارة الخارجيّة ، وأكثر من نصف النّاتج المحلي الإجمالي الفلسطيني .
كما أصبح للمستوطنين اليهود تنظيمات عسكريّة متمرِّسة ومدرّبة حديثة التّسليح شكّلت نواة الجيش الصّهيوني / نحو 100 ألف / الذي جرى تأهيله للحلول محلّ قوّات الانتداب البريطاني ) . 
وبعد الاطمئنان إلى جاهزيّة المستوطنين لإقامة الكيان الصّهيوني ، أصدرت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في 29/11/1947 قرار تقسيم فلسطين رقم 181 . ورغم أن نسبتهم ، آنذاك ، لم تتجاوز 31% من إجمالي السّكّان ، فقد منحهم القرار الدّولي نحو 56 % من إجمالي مساحة فلسطين الانتدابيّة ، في حين خصص ل 69 % /أصحاب البلاد الأصليين / 43% فقط من إجمالي مساحة وطنهم ، وأخضع مدينة القدس وبيت لحم للوصاية الدّوليّة .
وقد امتنعت بريطانيا ، التي كانت قد بدأت منذ شباط /فبراير/ عام 1947 بالانسحاب التدريجي من المناطق التي تسيطر عليها التنظيمات العسكريّة الصّهيونيّة وترتكب فيها المجازر الوحشيّة لإجبار الأهالي على مغادرة مدنهم وقراهم ( وثقها إيلان بابه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" ) عن تأييد قرار التقسيم ، وسمحت للعصابات الصّهيونيّة بمواصلة التّقدّم خارج المناطق المخصصة لها في القرار ، لتعلن في 14/ 5/1948 إنهاء انتدابها وانسحابها الكامل من فلسطين ، وليعقب ذلك في نفس اليوم ، إعلان بن غوريون الرئيس التنفيذي للمنظمة الصهيونيّة العالميّة عن إقامة دولة إسرائيل ، التي واصلت التّوَسّع لتسيطر فعليّاً على 78 % من مساحة فلسطين الانتدابيّة ، وتطرد غالبيّة سكانها الفلسطينيّين خارجها ( 957 ألف لاجئ وفقا لتقديرات الأمم المتحدة عام 1950 يشكلون 66% من إجمالي الفلسطين آنذاك) . ثُمَّ تمَّ إلحاق ما تبقّى من الأراضي الفلسطينيّة خارج الاحتلال الصّهيوني بالدول العربيّة المجاورة / مصر والأردن / لمنع إقامة دولة فلسطينيّة فيها ، وليُصار بعد أقلّ من عقدين (في 5/6/1967) إلى استكمال احتلالها ، لتخضع فلسطين بكاملها للاحتلال الصّهيوني ، تماماً كما استهدف المخطّط الإمبريالي - الصّهيوني .

وعليْه ، فالمشروع التحرّريّ الفلسطيني المستحقّ النقيض للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري ، هو مشروع نضاليّ ، وليس مشروع تفاوضيّ ، كما قد يخال البعض . وينطلق من واقع احتلال كامل الوطن الفلسطيني ، وإن تمَّ ذلك على مرحلتين يفصلهما نحو عقدين . فالحقوق الوطنيّة لا تسقط بالتَّقادم .
ولذلك ، فالمشروع التّحرّري الفلسطيني يستهدف هزيمة المحتل الأجنبي ودحره ، كما في سائر حركات التحرّر الوطني للشّعوب التي تحرّرت وانتصرت على المستعمر الأجنبي ، رغم الفوارق الهائلة بينهم في موازين القوى .

وعندما يحدِّد الشّعب الفلسطيني هدفه الوطنيّ المركزيّ بتحرير كامل الوطن الفلسطيني ، لا يكون "رومانسِيّاً ، رغم أنّه يعي أن ذلك يحتاج زمنا ليس قصيرا ، ويستوجب تضحِياتٍ جسيمة ، ويتطّلب تكثيف وتصعيد النّضال التحرّري بكافّة أشكاله وأساليبه النّضاليّة المشروعة دولِيّاً /الكفاحيّة والسّياسيّة والديبلوماسيّة والقانونيّة والاقْتصاديّة والاجتماعيّة والإعلاميّة إلخ... / . ورغم أنّه يُدْرك ، أيضاً ، أن التَّحرير ، كما الاحتلال ، قد لا يتمّ إنجازه دفعةً واحدة . 
لكن التدرّج لا يعني إمكانِيّة تقاسم الوطن مع الغزاة الأجانب ، لا عبر "حلِّ الدَّولتين" ولا عبر " حل الدَّولة الواحدة - ثنائيّة القوميّة - " ولا يرضى بديلاً عن تحرير كامل الوطن الفلسطيني المحتل .
ولا يحول هول الظلم الذي لحق بالشّعب الفلسطيني من حفاظ مشروعه التحرري على جوهره العصريّ الإنساني النقيض للمشروع الرّجعيّ الإلغائي الصّهيونيّ العنصري ، فيتيح الإمكانيّة للعيش المشترك بين أصحاب البلاد الأصليّين (الفلسطينيّين واللاجئين العائدين ) ، ومن يرغب من يهود إسرائيل ، لأنّه يعتبر غالبيّتهم مثل الشّعب الفلسطيني، ضحايا للمشروع الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري .
ولأنّه يؤمن بتساوي حقوق جميع البشر في الحياة الحرّة الكريمة ، ويعي الفرق بين انعدام شرْعِيَّة الكيان الصّهيوني الذي يتوجَّب مُواصَلة النِّضال لهزيمَتهِ وإنهائِه، وبين الحُقوق الأساسِيّة للحَقائقِ الإنْسانِيَّة النّاجِمَة عن إنشائه وتواصُلِهِ لنحوِ سبعَة عُقود حتى الآن ( ثلثي اليهود المتواجدين حاليّاً في فلسطين ولدوا فيها )، وما يترتّب على ذلك لهم من حقوق مكتسبة بعد تحرّرِهم من العقيدة الاستعماريّة الصّهيونيّة العنصريّة. تماماً كَحقوق المواليدِ خارج إطار علاقات الزواج الرسمي ، الذين تكفل لهم كافّة القوانين السماويّة والوضعيّة حقوقاً متساوية مع أقْرانِهِم في العَيْشِ الحُرِّ الكريم ، دون تشريع هذه العلاقات . 
وعندما يتبنى المشروع التّحرّري الفلسطيني ذلك ، لا تساوره أيّة أوهام بإمْكانِيَّة تَنازُلِ يَهود إسْرائيل " طَوْعاً " عن مكتسباتهم الوفيرة وامْتِيازاتِهِم الاسْتِثْنائِيَّة التي يُتيحها لهم الكيان الاسْتِعماري الاستيطاني الصّهيونيّ العنصري . وليس لديه أيّة أوهام ، أيضاً ، بإمكانيّة تخلي يهود العالم وكافّة القوى الدَّولِيّة المُتنفِّذة 
" طوعاً" عن دعمه وحمايته ، طالما كان بوسع هذا الكيان الاستمرار في القيام بدوره الخاص / اليهودي ( توفيرِ ملاذٍ آمن ومزدهر لأفْراده المُقيمين ، والاحتفاظ بمركز مسيطر للحركة الصّهيونيّة العالمية قادرعلى دعم يهود العالم وتعزيز نفوذهم في مواطنهِم ) ، ودوره العا م ( كقاعدة استعمارِيّة أجنبيّة متقدِّمة مجهَّزةٍ وجاهزة لحماية مصالح القوى الدّوليّة المتنفِّذة ، وإرهاب وإخضاعِ شُعوب ودولِ المنطقة ومنعها من استعادة وحدتها وقدراتها ) بكلفة مقبولة ، مادِّيّا وسياسِيّاً وأخلاقِيّاً .

فهذا الصِّراع الوجوديّ ، الذي ما يزال الجيل الفلسطيني الخامس يخوضه بذات الإصرار والعزيمة ، والمتوقّع تواصله ، أيضاً لأجيالٍ قادمة ، لم يكُن يوما خيار الشّعب الفلسطيني ، وإنّما فُرِضَ عليه .
وأشكال المواجهة في حرب البقاء هذه ، لم تَكُن يَوْماً من اخْتِيار الشّعب الفلسطيني ، كما قدْ يدّعي البعض ، الذي يجْتَزئ الأحداث بعيداً عنْ سِيَاقِها التّاريخي لترْجيح مناهِجَ وأساليب يدَّعي بأهْلِيَّتِها لحلّ هذا الصِّراع .

فمُنْذ أواخِر القرن التّاسِع عشَر وطوال القَرْن العشرين وُصولا إلى مُنتَصف العَقْد الثّاني من القرن الواحد والعشرين ، والشَّعب العربيّ الفِلسْطينيّ لمْ يَتْرك وسيلةً إلا واخْتبَرَها للدِّفاعِ عن وُجودِه في الحرب المفْروضة عليه التي تستهدف اجتثاثه من التاريخ والجغرافيا . 
وما كان الجيل الفلسطينيّ الأوّل "رومانسيّاً " ، عندما رفض الخضوع وقرّر مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصّهيوني ، الذي ترعاه وتتولى تنفيذه الإمبراطوريّة البريطانيّة التي كانت " لا تغيب عنها الشمش" وتتربع على عرش القيادة العالميّة . بل كان قراره وطنيّاً بامتياز ، وكانت مرجعيّته في ذلك الحقوق الوطنيّة والتّاريخيّة الثابتة للشّعب الفلسطيني في وطنه . 
ولم يفتقر الجيل الفلسطينيّ الثّاني ، أيضاً ، " للعقلانيّة " عندما رفض الإذعان لمنطق القوّة المُنْفَصل عن الحقوق ، ولم يقبل بتقاسم وطنه مع المستوطنين اليهود ، الذين تمّ الزَّجُّ بهم في إطار الغزوة الاستعماريّة الاستيطانيّة الغربيّة لبلادنا .
كما لم يكن الجيل الفلسطينيّ الثّالث ، مغامرا ، عندما فجَّر الثّورة الفلسطينيّة المسلّحة في منتصف السّتّينيّات ، فأعاد لملمة شتات شعب فلسطين واستعاد وحدته، وحفظ تماسكه ، وحافظ على هويته الوطنيّة وانتمائه القوميّ ، واعاد فلسطين إلى موقعها على الخارطة السِّياسِيّة الدَّولِيّة . وبفضل ثورته فقط ، تصدّرت قضيّة شعبها المظلوم جداول الأعمال العربيّة والإقليميّة والدّوليّة .

وما كانت منظمة التّحرير الفلسطينيّة مخطئة ، عندما قررت مع الحركة الوطنيّة والتقدميّة اللبنانيّة في صيف العام 1982 ، التّصدّي لمؤامرة اجتثاثها من آخر معاقلها في مناطق التّماسّ مع الكيان الصّهيوني ومواجهة السَّفاح شارون ، الذي اجتاح جيشه لبنان بأكثر من 100 ألف جندي ( ضعف عدد القوات التي واجه بها الكيان الصهيوني مصر وسوريا معا في حرب أكتوبر 1973 ) و1250 دبابة و400 طائرة مقاتلة ، لإبادة بضعة آلاف من الفدائيّين الفلسطينيّين وأنصارهم الوطنيّين اللبنانيّين ، بعد أن ضمنوا تحييد مصر منذ خروجها من دائرة الصِّراع في أعقاب توقيعها لمعاهدة كامب ديفيد عام 1979 ، وأمِنوا لإذعان النظام العربي الرّسمي وقبوله بتطبيع الوجود الصّهيوني / مبادرة فاس الأولى /1980/ .

فلم يمنع الثوار إدراكهم للفجوة الهائلة في موازين القوى من الاستبسال في القتال ضدّ جيش الاحتلال والقوى اللبنانيّة العميلة طوال ثمانية وثمانين يوم /أطول الحروب العربيّة - الإسرائيليّة / ، بهدف تحسين شروط الانسحاب وتأمين استمرار الثّورة والإبقاء على جذوة النّضال مشتعلة ، خصوصاً وأن الفلسطينيّن سبق أن خبروا تداعيات انقطاع المراحل النضاليّة على الشّعب الفلسطيني وقضيّته الوطنيّة بعد عام 1948 . 
ولم يكن الزعيم الخالد ياسر عرفات " رومانسيّاً " عام 1982 ، عندما كان يقول لرفاقه على متن آخر سفينة للمقاتلين تغادر مرفأ بيروت للمنافي البعيدة ، أنه يغادر بيروت إلى فلسطين ، إذ كان هذا القائد الاستثنائيّ يثق بإصرار شعبه على مواصلة النضال لبلوغ حقوقه في الحرِّيّة والعودة وتقرير المصير مهما عظمَت التضحيات . فكانت الانتفاضة الشّعبيّة الفلسطينيّة الأولى بعد ذلك ببضع سنوات / في كانون الأول عام 1987 / أولى البشائر بعودة النضال الفلسطينيّ المُتَّقِد إلى مركز الصّراع الرئيس مع الغزاة الصهاينة على أرض فلسطين .

فالشّعب الفلسطيني شديد اليقين بحتميّة انتِصاره على الغزاة المستوطنين الأجانب كما دَلَّلَ على ذلك تاريخه الخاص قبل نحو عشرة قرون ، وكما أثبتت تجارب الشّعوب المناضلة في الجزائر وفيتنام وجنوب إفريقيا في النصف الثاني من القرن الماضي ، وكما دلل الشّعب اللبناني عندما طرد المحتل الإسرائيلي وحرّر الجنوب اللبناني في مطلع القرن الحالي . 
وهو ، لذلك ، واعٍ بأن قرار خوض الصِّراع الوجودِيّ ضدّ الغزاة المستوطنين الأجانب لدحرهم ، لا يُقاسُ بموازين القوى المُخْتَلّة لصالح المستَعْمِر فائق القُوَّة حاليّاً ، والقابلة للتَّغَيّر على الدّوام .
وواثق ، أيضاً ، بتفوّق قُوَّة الحقّ على حقّ القُوَّة طالما تمسّك أصحابه بإحقاقه، وامتلكوا الاستعداد للتَّضحيَة في ميدان الاستشهاد من أجل بلوغه .
ومدرك ، كذلك ، بأن النّصر قرار استراتيجيّ لا يقوى عليه إلا الشعوب الحيّة . وأنه ممكن التحقّق بإصرار الأجيال المُتَعاقِبَة على بُلوغِه ، وإسهامها المتواصل في في مقاومة الاحتلال الاستيطانيّ ومنع استقراره ، ومواصلة العمل على توفير موجبات ميزان قوى جديد يجبر العَدُوّ وحُماته على التَّسليم التّدْريجي بحُقوقه خلال مراحل الصِّراع المُتَتالِيَة ، ويَدفع بالمستوطنين اليهود للاختيار ما بين الرَّحيل والعودة إلى مواطنهم الأصليّة كما فعل المستوطنون الفرنسيّون في الجزائر . أو التقاط الفرصة التي يتيحها لهم المشروع التحرري الفلسطيني للبقاء في موطنهم الجديد عند تخليهم عن عقيدتهم الاستعماريّة الاستيطانيّة الصهيونية العنصريّة وسلوكهم العدواني ، والقبول بالعَيْش المُشتَرك مع أصحاب البلاد الأصليّين كمواطنين متساوين أمام القانون ، كما فعل المستوطنون الأوروبيون في جنوب إفريقيا .

والشّعب الفلسطيني شديد الوعي بأخطار استمرار واقعه القائم المأزووم وخطورته على حاضره ومستقبل أجياله القادمة . ولا يرى طريقا للخلاص سوى باستعادته زمام المبادرة وتصحيح مساره ، واحتضان شبابه الثّائر ورعايتهم وتنظيمهم وتأطيرهم وتمكينهم والأخذ بيدهم ، وإجبار نخبه التّعِبة وقواه وفصائله المتناحرة والمتصارعة على نفوذٍ وهمِيّ ، التي ضلّت طريقها خلال العقود المنصرمة ، ودفعها للارتقاء إلى مُستوى تَضحياته الجَسيمة والكّفِّ عن مواصلة المقامرة والعبث بمصير الوطن والشّعب والقضيّة ، عبر مواصلة البحث عن حُلولٍ تفاوضِيّةٍ مع الغزاة المُحتلين ، في ظلِّ انقسام وتشرذم وتردٍّ فلسطينيٍّ غير مسبوق ، وانحطاط وتفتت عربي وإسلاميٍّ لم يسبق له مثيل ، وارتباكٍ دوليّ طاغٍ ، ليس أدَلٌّ عليْه سوى هذا التَّصويت ، الأول في تاريخ الأمم المتّحدة ، لصالح المرشَّح الأكثر عنصريّة في دولة الاحتلال الخارجة عن القانون الدولي والإنساني والمسْتَثناة من نفاذهما ، لتولي رئاسة أهم لجانها "اللجنة القانونيّة " ، وهي المكلفة بتشجيع التقدم المضطرد للقانون الدولي والمفوّضة بوضع المعاهدات الجديدة والتوصية بها، وفي إطارها يتم عقد المفاوضات المتعلقة بالقانون الدّولي . إذ صَوّتت لصالحه ، 109 دول ( من بينها أربع دول عربيّة ) ، في حين لم يحصل ممثل السويد ، أولّ الدّول الغربيّة المعترفة بالدّولة الفلسطينيّة سوى على 10 أصوات فقط ، ( عدد الدول العربية الأعضاء الذين لهم حق التصويت بالأمم المتحدة 22 دولة ، وبإضافة الدول الإسلاميّة يصل العدد إلى 58 دولة ) ، ولم يحصل ممثل إيطاليا سوى على 4 أصوات ، وامتنعت 23 دولة عن التصويت ، وأبطلت أوراق 14 دولة لعدم قانونيتها !!

ويُدرك الشعب الفلسطيني أن ، ذلك ، ما كان مُمكنا لو لم تضلّ النخب الفلسطينيّة
المهيمنة على القرار طريقها ، ولو لم تستعض عن هدف مواجهة الكيان الصهيوني لهزيمته بمهادنته ومساومته للوصول إلى حلول باقتسام الوطن معه .
ولو لم ترضخ لمنطق موازين القوى المنفصل عن الحقوق ، وتتذرع ب"العقلانيّة والواقعيّة السّياسِيّة " وتستبدل مفهوم الوطن بالدولة ، ولو كانت صغيرة منزوعة السِّلاح ، تتجاوز حتى قرار التَّقسيم رقم 181 المنشئ لشرعيّة الكيان الصّهيوني ذاته ، وتقبل بأقل من نصف ما خصّصته الشّرعيّة الدّوليّة لها ، وتعترف بشرعيّة قيام الكيان الصّهيوني فوق أنقاض الشعب الفلسطيني على 78% من مساحة الوطن ، وتعترف بسيادته على القدس الغربيّة خلافاً للقرار الدّولي، وتوافق، أيضاً ، على تمدُّدها في القدس الشّرقيّة لتشمل "حائط البراق" والأحياء التي تمَّ تهويدها فيها . وترتضي مبادلة الكتل الاستيطانيّة الرّئيسة التي أنشأها في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967 بأراضٍ فلسطينيّة أخرى سبق احتلالها قبل ذلك بتسعة عشر عام ، وتبرر ، ذلك ، بتمسّكها بتساويها في المساحة والقيمة ! وتبدي جاهزيّة ، كذلك ، لتجاوز القرار الدّولي رقم 194 الخاص بعودة اللاجئين وتعويضهم ، وترتضي عوضاً عنه حَلا "متفاهما عليه" تمتلك فيه إسرائيل حق الفيتو ، وترضى بتعديل مبادرة السّلام العربيّة وفقا لذلك ، وتفصل ، أيضاً ، بين العودة والتّعويض الذي نص القرار الدولي على تلازمهما ، وتكتفي بعودة رمزيّة ل 100 ألف لاجئ ، لايمثلون سوى 1.8 % من إجمالي اللاجئين الفلسطينيّين في الشّتات ، وتقبل باستيعاب اللاجئين ( 5.6 مليون لاجئ مسجل في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في يناير عام 2015) داخل تخوم الدّولة الصّغيرة المستهدف إقامتها ، رغم أن نسبة اللاجئين المقيمين في أراضي الدّولة المأمولة تصل وفقا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى 41.6% ، إذ تبلغ نسبة اللاجئين في قطاع غزة 67.7% من إجمالي سكانه فيما يشكّل اللاجئون 26.3% من إجمالي سكان الضّفة الغربيّة . وتبدي الاستعداد ، أيضاً ، للبحث في إمكانيّة استيعاب بعض اللاجئين في الجوار العربي وفي دول العالم المختلفة . 
وتعرب ، كذلك ، عن الاستعداد الكامل للالتزام بأمن الكيان الصّهيوني ، وتوكل للجنرال الأمريكي دايتون مهمة الإشراف على تدريب الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة الذي أشاد بكفاءتها وشهد بتفوّقها على قوات الاحتلال في لجم الثُّوّار . وتلتزم بالتعاون الاقتصادي التفضيلي مع الكيان الصّهيوني في شتى المجالات ، وتوافق على توسيع هذا الالتزام وتعميمه ليشمل 58 دولة عربيّة وإسلاميّة وفقا لمبادرة السّلام العربيّة ، فلم ينتظر غالبيّتها تحقّق السّلام ، بل بادرت بخطواتٍ استباقِيّةٍ لتشجيع هذا الكيان ، حتى قبل أن يبدي أيّ استعدادٍ من جانبه للتّعاطي مع أيّة حلول سياسيّة للصِّراع ، يمكن أن يُفهم منها استعداده للتّخلي عن أي جزءٍ من أرض فلسطين التي تعتبرها قواه المتنفِّذة كافّة ، " أرضا محرّرة " بموجب وعد إلهي اصطفى بها الله "شعبه المختار" ، وتوسّعت حدودها بإرادة " جنده " لتشمل ، أيضاً ، الجولان السوريّ المحتل منذ عام 1967 ، والقابلة حدوده للتّوسّع شمالا ، إذا ما نجحت مخططات التّقسيم المتسارعة الخطى للقطر السّوريّ .

فماذا كانت النتيجة الفعليّة ل " العقلانيّة " و"الواقعيّة السّياسِيّة " النقيضة
" للرّومانسِيّة" ، غير مزيد من الاستيلاء على الأراضي الفلسطينيّة ، ومزيد من الاستيطان اليهودي في أراضي الدّولة الفلسطينيّة المأمولة / 620.000 مستوطن يهودي ، يمثلون 10% من إجمالي سكّان الكيان الصّهيونيّ ويشكلون نحو 12.85% من إجمالي سُكّان الضفة الغربية وقطاع غزّة . ويُخَطّط قادة الكيان لزيادة عددهم بنهاية هذا العقد إلى حوالي مليون مستوطن .

فهل بعد كلِّ هذا نحتاج إلى " برنامج نقاط عشرٍ جديد " يُكَرّر ذات التجارب التي أثبتت عقمها خلال أكثر من ثلاثة عقود ؟؟

هل حقّاً يمكن إخراج الشّعب الفلسطيني من مأزقه الاستراتيجيّ الراهن بنفس المنهج ومرتكزاته الرئيسة : -
* حل الدّولتين وفقا لحدود الرابع من حزيران 1967 . 
* إعادة تأكيد الشّعب الفلسطيني التزامه بالحَلّ السياسي .
* استبعاد "المقاومة المسلحة" (المشروعة دوليّاً ) ضدّ الاحتلال .
* مواجهة الاستعمار الاستيطاني وتهديد المستوطنين وجرائمهم واعتداءاتهم وتوسعهم " بقُوَّة القانون الدّولي ، والإنساني ، واتفاقيّة جنيف الرابعة ، وفتوى محكمة لاهاي، وقرارات مجلس الأمن والجمعيّة العامة " ؟؟ 
* استبعاد المفاوضات " دون توفر أساس سياسيّ واضح متفق عليه ومشرعن دوليّاً " . وهل هذه الصّيغة الجديدة تعني أساساً آخر للمفاوضات غير قرارات الشّرعيّة الدَّوليّة الخاصّة بحلّ الصِّراع ، كالمبادرة الفرنسيّة مثلاً ، إذا ما تمَّ "شرعنتها في الأمم المتحدة " ، كما سبق شرعنة صك الانتداب المضمن تنفيذ وعد بلفور ، وكما تم شرعنة قرار التقسيم رقم 181 ، ثمّ تجاوزه بشرعنة القرار 242 و338 ، وخارطة الطريق إلخ.... ؟

هل إعادة تحديد الهدف الوطني المركزي ، " بإنجاز الاستقلال الوطني وممارسة السّيّادة في دولة فلسطين على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقيّة ، على أساس أن الدَّولة قائمة بفعل الحقّ الطبيعي والتاريخي للشّعب الفلسطيني ، وبفضل الاعتراف الدَّولي ، وليس على أساس أخذ الدّولة من إسرائيل " 
فلماذا لم يتمّ تحقق قوة القانون الدولي حتى الآن ، رغم اعتراف 178 دولة بالدولة الفلسطينيّة ، وما الجديد الذي سيجعل إقامتها فعليّاً متاحاً الآن وكيف ؟؟ 
وهل الحق الطبيعي والتاريخي للشّعب الفلسطيني يقتصر على الأراضي الفلسطينيّة المحتلة في عام 1967 ؟؟
هل الفصل بين السياسة وإناطتها بمنظمة التحرير الفلسطينيّة ، وبين الإدارة وإناطتها بالسلطة الفلسطينيّة ، على أهمِّيّة ذلك ، كفيل وحده بإخراجنا من المأزق الوطني الفلسطينيّ ؟؟
وهل تكفي العودة إلى ما قبل العام 2007 لاستعادة الوحدة الوطنيّة ، جغرافيا بين الضّفّة الغربيّة وقطاع غزّة ، فهل كانت قائمة قبلها ؟؟ 
وسياسيّاً ، بتشارك قيادة المنظمة والسلطة على أساس المحاصصة الفصائليّة وفقا لواقع موازين القوى القائم ، والتوافق على تداول السلطة بالاحتكام لانتخابات تجري تحت حراب الاحتلال ؟؟
هل حقاً يكفي لإخراجنا من المأزق الوطني الفلسطيني انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني المتجمِّد والمُجمَّد منذ أكثر من عقدين ؟؟ أو عقد مؤتمر وطنيٍّ لفلسطينيي الوطن والشّتات كما يدعو نائب الأمين العام للاتحاد الديموقراطي الفلسطيني / فدا/ لإعادة إنتاج ذات المسار ؟؟ أو الاستمرار في التّمسك بمبادرة السلام العربيّة ( التي سبق تعديل موقفها من قضيّة اللاجئين لاسترضاء الكيان الصّهيوني ) ؟؟ والتي ردَّ عليها شارون في اليوم التالي مباشرة لإقرارها في قمّة بيروت عام 2002 بإعادة اجتياح مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني ؟؟ 
هل يكفي رفض إعادة تعديلها مجدّداً ، كما يأمل رئيس الوزراء نتانياهو في حديثه مع الرئيس الروسي قبل أيام " الجانب السّيء في مبادرة السلام العربيّة أنها تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة منذ عام 1967 ، والاعتراف بالدولة الفلسطينيّة " ؟؟
بل هل يمكن " اعتماد سياسات اقتصاديّة فلسطينيّة لإيجاد اقتصاد منتج / تشجيع الانتاج الزراعي والصناعي/ عوضا عن الاستهلاك" دون القطع كُلِّيّاً مع اتفاق باريس الاقتصادي ، ودون اتخاذ قرار فلسطيني واضح ابتداءً ، بتفكيك التشابكات الفلسطينيّة – الإسرائيليّة الاقتصاديّة والاستثماريّة والتجاريّة والماليّة العميقة القائمة والآخذة في التنامي ؟؟ ودون حتى الالتزام بمقاطعة إسرائيل كما تفعل بعض الجهات الغربيّة والأمريكيّة على الأقل ؟؟

ما تقدم يؤكِّد أن للخروج من المأزق الوطني الفلسطيني الرّاهن طريق واحد فقط ، يقضي بتغييرالمناهج للسلطة والمعارضة على السّواء ، التي أوصلتنا إليه. وباستعادة البوصلة الوطنيّة الفلسطينيّة ، وباحتضان الحراك الشّبابيّ الواعد ورعايته وتنظيمه وتأطيره وتمكينه والأخذ بيده ، وتزويده بخلاصة تجاربنا ، وأهمّها : أن لا بديل عن مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني العنصري حتى تتم هزيمته . وأن مساومته للوصول إلى حلول تفاوضيّة معه تكرسه وتقويه فقط . 
ومصارحته جيل الشّباب بأن لتحرير فلسطين ثمن أعلى بكثير مما بات جيلنا المخضرم ونخبنا التّعبة قادرين على الوفاء به ، وأنّه وحده المؤهّل لإكمال المسيرة النضاليّة وحمل راية المشروع التّحرري النقيض للمشروع الصّهيوني والتهيئة الصّحيحة لتحقيقه .

 
 
مشاركة: