الرئيسية » هاني المصري »   09 نيسان 2013

| | |
في ذكرى اعتقال مروان البرغوثي
هاني المصري

 

تحلّ في الخامس عشر من الشهر الجاري الذكرى الحادية عشرة لاعتقال المناضل مروان البرغوثي المحكوم بسلسلة من المؤبدات يصل مجموعها إلى 150 عامًا.

عام يمر وراء عام ومروان يقبع وراء القضبان، ورغم ذلك بلغت الأنانيّة والغيرة، إن لم نقل الكراهية والخشية عند البعض، الذين زعموا وأشاعوا عند اعتقال مروان إلى أن الأمر كله مفبرك من سلطات الاحتلال لتلميع مروان، وصوروا أنه سيخرج من السجن بعد فترة اعتقال قصيرة بطلًا أمام شعبه ويتربع على سدة القيادة الفلسطينيّة بفضل الاحتلال، ليكون خادمًا له بعد ذلك.

لا أعرف ماذا يقول هؤلاء بعد مضي هذه الفترة الطويلة ورفض إسرائيل لكل المبادرات والمساعي الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة الهادفة إلى إطلاق سراحه، حتى ضمن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة.

منذ سنوات، وعندما كان هناك ما يشير إلى أن أيهود أولمرت كان سيستجيب للطلب المتكرر للرئيس "أبو مازن" بإطلاق سراح مروان، وفي ظل وجود مطالبات من شخصيّات إسرائيليّة بذلك على أساس أن مروان الشخص القوي الذي يمكن أن ينتخبه شعبه بحماسة ويكون شريكًا جديًا في السلام مع إسرائيل؛ قالت لي شخصيّة فلسطينيّة أن عاموس جلعاد، مسؤول دائرة السياسات في وزارة الحرب الإسرائيليّة، وهو من أبرز المفكرين الإستراتيجيين في إسرائيل، قال لها إن إسرائيل لن تفرج عن مروان، وعندما سألته لماذا؟ أجابها بكل بساطة: "لأنه أبو عمار صغير". وتفسير هذا إن إسرائيل لا تريد أن تفرج عن مروان لأنه يفكر بتحقيق أهداف شعبه، عن طريق المزج ما بين التحرك السياسي والمقاومة، كما كان يفعل ياسر عرفات، وإسرائيل تريد رئيسًا فلسطينيًا في الحد الأدنى يفكر بالمفاوضات ولا شيء غير المفاوضات، وعندما تفشل يرى الحل بالمزيد من المفاوضات، وفي الحد الأقصى تريد رئيسًا وكيلًا للاحتلال لا أكثر ولا أقل.

بالفعل، مروان أيد ياسر عرفات عند توقيعه اتفاق أوسلو، وذهب بعيدًا في ذلك لدرجة أنه انخرط في أشكال من التطبيع، ولكنه عندما أدرك أن طريق أوسلو وصل إلى حائط مسدود، ارتد عليه واختار بكل قوة الانتفاضة والمقاومة.

أنا شخصيًا مقتنع أنه لولا ميلاد ظاهرة مروان البرغوثي في الانتفاضة الثانية وما مثله من جسر بين الشعب وحركة فتح لكانت "فتح" قد اندثرت. وما حرم "فتح" من حصاد ثمار نضالها وتضحياتها الغالية في الانتفاضة الثانية السياسة المزدوجة التي اتبعتها القيادة الفلسطينيّة، التي كان تنتقد عمليات المقاومة العسكريّة وتعتبرها إرهابًا في العلن، وتؤيدها وتدعمها وتدفع بها في السر؛ الأمر الذي مكّن "حماس" من حصاد ثمار الانتفاضة من خلال صعودها، الذي بلغ ذروته بحصولها على غالبيّة مقاعد المجلس التشريعي في العام 2006.

وساهم في خسارة "فتح" وصعود "حماس" أن عناصر بارزة في "فتح" والسلطة والمنظمة كانت ترفض العودة إلى المقاومة، واعتبرتها أنها دمرت القضيّة، ومسؤولة عن فشل أوسلو إلى جانب مسؤوليّة إسرائيل وحكوماتها المتعاقبة.

لقد حافظ مروان خلال فترة سجنه على خط متوازن يجمع ما بين التحرك السياسي والمقاومة، بين العقلانيّة والوطنيّة، وآمن بأهميّة الوحدة الوطنيّة وضرورتها البالغة؛ لذلك ساهم مساهمة بارزة في صياغة وثيقة الأسرى التي لعبت دورًا في خلق الأجواء المناسبة للبدء في الحوار الوطني الشامل، ويمكن أن تلعب دورًا مهمًا في المستقبل في إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنيّة.

ما يفتقده مروان بالرغم من شعبيته الجارفة، التي جعلته المرشح الأول من دون منافس للفوز في أي انتخابات رئاسيّة قادمة كما تشير جميع الاستطلاعات؛ هو تبلور تيار وطني ديمقراطي داخل "فتح" والمنظمة وعموم الشعب الفلسطيني يحمل نهجه، لأنه من دونه يبدو وكأنه يغرد وحيدًا أو بدعم من عناصر متفرقة وليس من تيار واسع.

إن بناء مثل هذا التيار ضروري جدًا، خصوصًا وأن "فتح" والسلطة والمنظمة تفتقر إلى بديل إستراتيجي من إستراتيجيّة المفاوضات التي فشلت فشلًا ذريعًا، ومن إستراتيجيّة المقاومة لوحدها التي علّقت حتى إشعار آخر. كما تفتقر إلى بديل من "أبو مازن"، الذي أعلن مرارًا وتكرارًا طوال السنوات الماضية بأنه لا يريد أن يترشح في أي انتخابات مقبلة، وهو يدعو في نفس الوقت إلى إجرائها، إلى حد الدعوة مؤخرًا إلى إجرائها بعد ثلاثة أشهر من تشكيل حكومة الوفاق الوطني المتفق عليها في اتفاق القاهرة و"إعلان الدوحة"، التي من المفترض وفقًا للجدول الزمني المتفق عليه أن تُشَكَّل فورًا بعد العاشر من نيسان الجاري بعد إعلان لجنة الانتخابات المركزيّة عن انتهاء تسجيل الناخبين في الضفة الغربيّة وقطاع غزة.

السؤال: إذا كان الرئيس لا ينوي حقًا الترشح، وهو يردد ذلك دائمًا، ويضغط لإجراء الانتخابات، لماذا لا يختار الرئيس نائبًا له أو مرشحًا يدعمه ويحل محله؟، ولماذا لا يكون مروان البرغوثي من الأشخاص الذين يجري تداول أسمائهم؟ لسبب بسيط، ذلك أنه المرشح الذي يمكن أن يكون الوحيد في "فتح" الذي لديه شعبيّة كبيرة. قد يقول قائل إن هذه الشعبيّة ترجع إلى وجوده داخل السجن فإذا أطلق سراحه فإنها ستتبخر، والرد على ذلك بسيط، بأن هذا صحيح ولكنه لا يفسر وحده شعبيّة مروان، لأن هناك قيادات بارزة مناضلة وراء القضبان ولا تحظى بمثل هذه الشعبيّة.

إن عدم معرفة المرشح البديل من "أبو مازن"، يجعل "فتح" في وضع صعب، بحيث تخشى من خوض الانتخابات حتى لا تخسرها إذا رشّحت "حماس" أو دعمت مرشحًا آخر، ما يدفعها للضغط على "أبو مازن" لكي يخوض الانتخابات، فإذا احتاجت "حماس" إلى عام كامل حتى أعادت انتخاب خالد مشعل رئيسًا لمكتبها السياسي، فكم ستحتاج "فتح" من الوقت لتختار مرشحًا لقيادتها بعد "أبو مازن".

وهناك اقتراح متداول في الأوساط القياديّة الفتحاويّة يقضي بأن يصدر الرئيس مرسومًا يستحدث فيه منصب نائب الرئيس، ويقوم بتعيين شخص لهذا المنصب، أو يترشح معه في الانتخابات الرئاسيّة القادمة، بحيث عندما يقرر الرئيس الرحيل لا يُحدِث فراغًا ويحل نائبه محله، وعلى ذمة الرواة فإن الرئيس وافق على الفكرة من حيث المبدأ، ولكنه لم يختر نائبه حتى الآن، وهو على ما يبدو يخشى من إشعال نار المنافسة في "فتح" التي يتعدد فيها المتنافسون على مرحلة ما بعد "أبو مازن"، خصوصًا بعد التغييرات والإقصاءات والصراعات.

في هذا السياق، أعتقد أن مروان إذا استمر وراء القضبان عند إجراء الانتخابات سيفكر جديا بالترشح لها، وليس لأسباب سياسيّة ووطنيّة فقط، وإنما لأسباب شخصيّة وإنسانيّة، فإذا جرت الانتخابات من دون الإفراج عنه سيفقد الفرصة الأخيرة للحريّة، ما يجعل فوزه المرجح في الانتخابات فرصته الأخيرة في الحريّة.

إن ترشح مروان للانتخابات الرئاسيّة وهو في السجن أمر غير طبيعي، ولكنه ممكن، وإذا فاز ستكون لديه فرصة في الحريّة، لأن انتخابه سيثير حملة فلسطينيّة عربيّة دوليّة عاصفة يمكن أن تنصاع لها إسرائيل.

لقد سبق أن رشح مروان نفسه في الانتخابات الرئاسيّة السابقة، وتراجع لأن منافسه "أبو مازن" المُجْمَع عليه في "فتح"، ولأنه كان لديه أمل بإمكانيّة الإفراج عنه من دون أن يكون رئيسًا، وهذا لم يعد واردًا الآن.

الأمل الآن بإطلاق سراحه إذا أصبح رئيسًا، وإذا أفرج عنه قبل الانتخابات سيضع نفسه في هذه الحالة فقط تحت سقف قرار اللجنة المركزيّة لحركة فتح إذا لم تختاره، مع أن فرصه ستكون بالفوز جيدة بعد إطلاق سراحه بالرغم من معارضة عناصر بارزة له، مع أنها ستكون أقل مما هو وراء القضبان.

ولإدراك مدى الاعتراض عند البعض على ترشيح مروان، أروي هذه القصة التي سمعتها على لسان عدة شخصيات فلسطينيّة بارزة: "في أحد الاجتماعات العديدة التي عقدها أولمرت مع "أبو مازن" في العام 2008، والتي كان يطالب دائمًا فيها "أبو مازن" الإفراج عن مروان إلى حد أن مرة تأخر عن تقديم الطلب المعتاد فذكره أولمرت به، وأجاب رئيس الحكومة الإسرائيليّة على الطلب أنا فهمت أنكم لا تريدون إطلاق سراحه، فسأله أبو مازن: ماذا تقول؟ فأجاب: جماعتك خبّرت جماعتي بهذا  الأمر". وكادت المسألة أن تفجر أزمة داخليّة تناولتها وسائل الإعلام من دون اهتمام كعادتها في العديد من الحالات التي لا تلتقط الأخبار المهمة أو تخشى من عواقب إبرازها.

إن إطلاق سراح مروان وغيره من الأسرى قضيّة حق وليست مسألة تفاوضيّة، وحتى يكون إطلاقه الضروري في كل الأحوال فرصة لانطلاقة جديدة من المفضل أن يكون في سياق إحياء المشروع الوطني وإعادة بناء المنظمة والقيادة الواحدة.

Hanimasri267@hotmail.com

 

 

 

مشاركة: