الرئيسية » مهند عبد الحميد »   16 نيسان 2013

| | |
ملاحظات حول وثيقة إعادة بناء منظمة التحرير
مهند عبد الحميد

 

 

فتح الحوار عبر تقديم مجموعة من الأوراق المتضمنة لأفكار ومقترحات وآراء يعد خطوة مهمة جداً راهناً، فالوضع الفلسطيني يعيش حالة من الهمود وسط تحولات كبيرة في المحيط العربي، ومن غير المنطقي أن يتخلف عن مواكبة التحولات مزيداً من الوقت. وبهذا المعنى فإن مبادرة (مركز مسارات) في تحفيز نوع من العصف الفكري والسياسي تستجيب لمطلب التغيير بوصفه مطلباً مشروعاً يعبر عن الحاجة الفلسطينية للخروج من الأزمة وحالة المراوحة والتفكك.
الإصلاح والتجديد وإعادة البناء شعارات طرحت منذ وقت طويل لكنها لم تنتقل من حيز الأقوال إلى حيز الأفعال. وبقيت البنية الفكرية والتنظيمية دون تغيير طوال الوقت رغم دخولها في مرحلة الشيخوخة. كان سؤال تجديد البنية او تغييرها مؤجلا طوال الوقت، ودائما تساق مبررات عدم الاستجابة، تارة بوجود تدخلات خارجية في الشأن الفلسطيني، وتارة بوضع الاصلاح في حالة انتظار مفتوحة الى حين التوصل الى حل دائم للقضية الفلسطينية. سببان غير مقنعان، لانهما وبقراءة موضوعية من المفترض ان يحفزا مركز القرار على تقوية البنية بإشراك قوى المجتمع في صد التدخلات وصنع الحل.
ثمة ما هو مشترك بين النظام العربي والمنظمة في عدم الاستجابة لحاجة المجتمعات إلى تطوير المؤسسات وبناء نظام ديمقراطي. المسألة ليست خطأً فنيا. بل هي تعبير عن موازين القوى الداخلية، وعن مصالح القوى المتنفذة التي تود البقاء الى ما لا نهاية في مركز اتخاذ القرار خدمة لمصالحها الخاصة ولاعتبارات رمزية في بعض الحالات. ومن اجل ذلك كيفت التنظيم السياسي والنقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية والوعي الوطني والخطاب الإعلامي والثقافة مع حالة البقاء الدائم، محدثة شكلا بيروقراطيا شأئهاً للمؤسسات، يحررها من أي ضغط او تدخل ديمقراطي يجعل التغيير ممكناً. 
الوثيقة تدعو وتنصح وترجو بنية بيروقراطية وطنية فقدت حيويتها على التغيير بمعزل عن أهم عامل للتغيير وهو التدخل الشعبي عبر قوى وحركات اجتماعية لها مصلحة حقيقية في التغيير الديمقراطي. والسؤال لماذا تستجيب البنية التاريخية الآن لنخبة لا تملك غير الأفكار والآراء؟ لقد انحازت الوثيقة الى خيار إعادة بناء ما هو قائم (المنظمة) ولم تحبذ خيار الشروع ببناء حركة وطنية جديدة على أسس جديدة. موقف صحيح لان الجديد لا ينفصل عن القديم ودائما يأتي من أحشائه. إن تعديل اي بنية وأي نظام يرتبط أشد ارتباط بقوى تغيير فعلية تحمل مشروع التغيير وترتبط بتطور الفكر. الديمقراطية مثلا لا تقدم من قبل اي دولة او سلطة على طبق من فضة وانما تأتي كحصيلة توازنات في لحظة معينة. تستجيب أي سلطة او اي مؤسسة للتغيير الذي تضطر معه الى تقديم التنازلات فقط عندما ترى أن عدم تقديم تنازلات يؤدي الى خسارة اكبر من الخسارة التي تقدمها طواعية وبفعل الضغوط والتهديد. نحن نفتقد حقا لأداة تغيير، فالتنظيمات التي طرحت الإصلاح سابقا تراجعت عنه، وهي غير مستعدة لخوض معارك ديمقراطية هدفها الاصلاح، والأدهى انها لا تمارس الإصلاح في بنيتها الخاصة كي تطالب بإصلاح وتطوير البنية المشتركة، وما تزال تتبنى نظام الكوتا وتدافع عنه. أما الاتحادات والنقابات والمنظمات الجماهيرية فقد أصبحت في حالة لا تقوى معها على شق عصا الطاعة للتنظيمات التابعة لها ولا تخرج عن سياساتها. والحركات الاجتماعية التي تعرضها الوثيقة تعبر عن نخب ويخضع بعضها لسيطرة المنظمات غير الحكومية ومموليها وتطرح قضايا وطنية فقط لا غير.
كيف يعاد البناء إذا؟ بحسب الوثيقة البناء وإشراك مكونات الشعب الفلسطيني يتم من فوق وعبر تفاهم البنية القديمة، تفاهم يتم فيه إرضاء الجميع ودون إغضاب أحد. لذا فإن النقد الذي تمارسه الوثيقة شديد التهذيب. مع العلم ان النقد الصريح هو أداة ضغط أدبية تدعم اي حراك جماهيري او اي قوى اجتماعية ناشئة مرشحة للمشاركة في التغيير. فالمصالحة إذا لم تأت في سياق نقد أخطاء كبيرة والاعتراف بها وتقديم ضمانات لاحترام الديمقراطية، تكون بمثابة صفقة بين الأطراف وشهر عسل سرعان ما ينتهي. 
لقد وقعت الوثيقة في مواقف متناقضة بدافع التوفيق بين القوى. فلسطين التاريخية واحتلال الوطن الفلسطيني من النهر الى البحر. وان الشعب الفلسطيني يمر بمرحلة تحرر وطني يعاني فيها من الاحتلال لكل وطنه التاريخي. هذا النص يلزمه برنامج لتحرير الوطن التاريخي يختلف عن برنامج الدولة في حدود67 ويتناقض معه استنادا للمرجعيات الدولية. إن الجمع بين برنامجين بدعوى المرحلية كما كان يطرح في السابق لا يستقيم مع قرارات المجالس الوطنية وبخاصة دورة الانتفاضة الأولى في العام 1988. ثمة اتجاه شعبي متنام للتراجع عن حل الدولتين. وأصبحت المنظمة غير قادرة على تبرير اعترافها بإسرائيل التي تدمر مقومات الدولة الفلسطينية على الأرض. إشكالية تقوض الغطاء الشعبي لحل الدولتين من المفترض التوقف عندها. غير ان مبرر اي قوى سياسية وحركة تحرر هو وضع شعارات وبرامج سياسية قابلة للتحقيق. الوثيقة لم تشرح هذه الإشكالية واكتفت بوضع برنامجين لا يمكن الجمع بينهما في شروط العلاقات الدولية والنظام الدولي. 
وكان من اللافت إضعاف وزن الدولة في المشروع السياسي الذي تقدمه الوثيقة، كأن الدولة صيغة لحكم محلي جهوي وليست أداة لتجسيد الكيانية وإعادة بناء التركيبة الاقتصادية الاجتماعية للشعب كقاعدة لقطع الطريق على تفكيك مكونات الشعب الفلسطيني على الأرض الفلسطينية. ولا يبرر وضع الدولة في موقع ثانوي التجربة البائسة للسلطة المنبثقة عن أوسلو التي أخفقت في بناء نواة راسخة للدولة. 
القضية الأهم عدم توقف الوثيقة عند تجربة الإسلام السياسي في الحكم وكيف قدم نماذج أرعبت أجزاء أساسية من الشعب المصري وبخاصة تجربتي الدستور والقضاء، وكذلك الشعب التونسي والشعب الليبي والشعب السوري، ولم تتوقف عند أسلوب الانقلاب ولا أسلوب الحكم في قطاع غزة ولا الموقف من الحريات العامة والتعدد الثقافي. ولم تطرح مدى قناعة حركة حماس بالالتزام بقواعد النظام الفلسطيني (المنظمة) وقواعد الديمقراطية وبخاصة التبادل السلمي للقيادة والسلطة. 
Mohanned_t@yahoo.com

 

مشاركة: