الرئيسية » هاني المصري »   04 حزيران 2013

| | |
حكومة في الوقت الضائع
هاني المصري

كلّف الرئيس محمود عباس الدكتور رامي الحمد الله بتشكيل الحكومة في الوقت المحدد لانتهاء فترة حكومة سلام فيّاض المستقيلة منذ سبعة أسابيع، واحترم القانون في هذه النقطة بالرغم من أنّ الوضع كله لم يعد قانونيًا بعد انتهاء الفترة الرئاسيّة في العام 2009 وفترة المجلس التشريعي في العام 2010، فضلًا عن أن المجلس الوطني تآكلت شرعيته بعد مضي فترة طويلة على اختياره من دون انتخابات وبلا توافق وطني على تشكيلة جديدة له.

المعلومات تفيد بأن معظم وزراء الحكومة المستقيلة سيكونون ضمن تشكيلة الحكومة الجديدة، في دلالة على أن الحكومة هي امتداد لحكومة تسيير الأعمال من دون فياض.

إن الأمر الذي أدى إلى هذه التخريجة تأزم العلاقات بين الرئيس ورئيس حكومته، وبين "فتح" وفياض، فالعلاقات وصلت بين الطرفين إلى نقطة اللاعودة، بحيث أصبح استمرار فياض متعذرًا إلا إذا وافق على أن يكون موظفًا بدرجة "رئيس حكومة"، أو إذا وافق الرئيس على توفير الغطاء له وتفويضه بصلاحيات يسمح بها النظام الفلسطيني، الذي كان قد أصبح نظامًا رئاسيًا برلمانيًا مختلطًا بعد استحداث منصب "رئيس الحكومة"، الذي جاء في سياق إضغاف نفوذ الرئيس الراحل ياسر عرفات، بحيث اكتوى الرئيس "أبو مازن" - الذي كان أول رئيس حكومة بعد هذا التعديل- بالنار التي أشعلها بنفسه.

أصبح استمرار فياض بعد التدخل الأميركي مُهينًا له وللنظام السياسي الفلسطيني الذي كان سيبدو عاجزًا عن إيجاد بديل منه، وخاضعًا للتدخلات الخارجيّة، إذا استمر فياض في منصبه.

من المهم هنا أن نشير إلى أن "الفيّاضيّة" ستبقى من دون فياض، لأن حكومة الحمد الله ستواصل العمل على نفس طريق أوسلو، والالتزامات المترتبة عليه، وأي تغيرات ستطرأ على عمل الحكومة ستكون محدودة، خصوصًا بعد أن كان كيري أول من هنأ الحمد الله بمنصبه الجديد.

فياض بإصراره على الاستقالة بعد عدم إزالة أسبابها؛ نجا بنفسه من الحرائق المندلعة والمحتمل اندلاعها على خلفيّة المأزق العام الذي يعيشه النظام السياسي الفلسطيني، وفي ظل استمرار الجمود في "عمليّة السلام"، وعدم التفاؤل باستئناف المفاوضات بشروط تحفظ ماء وجه القيادة الفلسطينيّة، ومع استمرار الانقسام وتعمقه أفقيًا وعموديًا، وفي ظل تداعيات زلازل التغيير التي تتلاحق في المنطقة، والتطورات الدراماتيكيّة التي تنتظرها على خلفيّة الأحداث السوريّة، واحتمالات الدخول في حرب أميركيّة إسرائيليّة ضد إيران وحزب الله.

بمقدور فياض أن يجلس على الحائط بانتظار استدعائه في مرحلة لاحقة، خصوصًا بعد إعلانه أنه سيواصل العمل السياسي وسيخوض الانتخابات التي دعا إلى إجرائها بمن حضر وبالمكان الذي يمكن أن تجرى فيه، حتى لو من دون "حماس" وقطاع غزة.

إذن، حكومة الحمد الله هي مجرد تخريجة للأزمة بين الرأسين، وجاءت في الوقت الضائع وليست حلًا للأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وتشكيلها دليل على أن حكومة الوفاق الوطني بعيدة المنال، بالرغم من أن الحكومة الجديدة يفترض أن تستمر في الحد الأقصى ثلاثة أشهر.

إن القراءة السياسيّة العميقة لمصير حكومة الحمد الله تشير إلى أن بقاءها من عدمه مرهون بنجاح جهود كيري في استئناف المفاوضات من عدمه. فإذا نجح، تبرز الحاجة لتشكيل حكومة تقود المرحلة الجديدة وتحضر لإجراء الانتخابات، التي ستجرى وقتها بمن حضر، لأنها ستصبح ضروريّة جدًا من أجل منح الشرعيّة للنظام السياسي الفلسطيني، وذلك حتى يستطيع أن يفاوض ويغطي على المفاوضات، وما يمكن أن تنتج عنها من اتفاقات انتقاليّة أو نهائيّة ستمس بالمصالح والحقوق الفلسطينيّة.

ومع ذلك فإن كيري قد يصطدم بصخرة التعنت والتطرف الإسرائيلي، فالظاهر أن الحكومة الإسرائيليّة يمكن أن ترفض ما يعرضه من "صفقة العمر"، لأنها تراهن على أن بمقدورها الحصول على صفقة أفضل في المستقبل. وهذا الاحتمال تزيد فرصه في حال رفضت القيادة الفلسطينيّة الإقدام على عمليّة "انتحار سياسي" من دون تلبية أي من المطالب الفلسطينيّة، وذلك بالموافقة على استئناف المفاوضات الثنائيّة برعاية أميركيّة انفراديّة، مهما كان شكلها واسمها: مباشرة أو غير مباشرة، تقريبيّة أو استكشافيّة، أو إذا سميت مباحثات وليست مفاوضات، أو إذا سبقها مؤتمر دولي على غرار مؤتمر أنابوليس أو لم يسبقها مثل هذا المؤتمر الذي لا يلعب سوى دور "شاهد الزور".

المعضلة الأكبر للحكومة الجديدة ستظهر في حال عدم نجاح كيري نجاحًا بيّنًا، وعدم فشله فشلًا مؤكدًا، وهذا محتمل، بحيث يطلب مهلة وراء مهلة، ويواصل عمله التصفوي التدريجي عبر تفكيك القضيّة الفلسطينيّة إلى قضايا، وفصلها عن الشعب والأرض، ويواصل كذلك حصد ثمار تحركه من تجميد المصالحة حتى إشعار آخر، إلى إدخال الأردن كطرف أساسي في المفاوضات بعد أن أصبح الوصي الوحيد على المقدسات عبر التخلي الرسمي الفلسطيني عنها، والطرف النشيط الداعي إلى استئناف المفاوضات بأي ثمن.

ويركز كيري على التوصل إلى ترتيبات أمنيّة، كُلِّفَ بوضعها الجنرال جون ألن، بهدف طمأنة إسرائيل على مستقبلها (كأنها هي من بحاجة إلى طمأنة)، ويراكم على موافقة الفلسطينيين والعرب على "مبدأ تبادل الأراضي"، وفتح أبواب التطبيع الفلسطيني والأردني كخطوة على طريق التطبيع العربي مع إسرائيل على مصراعيه، كما ظهر في قمة دافوس التي عقدت مؤخرًا في البحر الميت في الأردن، وما رافقها من حضور إسرائيلي كثيف، ومن مبادرة "كسر الجمود" التي هبط فيها رجال أعمال فلسطينيون عن سقف الموقف الرسمي الهابط أصلًا؛ بموافقتهم على مبادرة تساوي بين الضحيّة والجلاد، ولا تتم فيها الإشارة إلى الاحتلال والاستيطان وإقامة الدولة على حدود 67، وتفتح الباب للتطبيع الواسع مع الاحتلال ونحن في ذروة الصراع معه، ما يجعله ليس بحاجة إلى السلام، لأنه يحقق مزايا السلام مع احتفاظه بالاحتلال والعدوان والاستيطان.

كما يواصل كيري جهوده لإقناع الطرفين بتركيز المفاوضات حول الحدود والأمن وتجاهل القدس واللاجئين، ويغطي بذلك على استمرار التوسع الاستيطاني، بحجة أنه إذا تم الاتفاق على الحدود سينتهي فورًا الخلاف حول الاستيطان، بحيث تضم إسرائيل المستوطنات التي ستكون في حدودها، وستزيل الدولة الفلسطينيّة المستوطنين من المستوطنات التي ستكون ضمن حدودها.

إن الذي أفشل المساعي لتجميد الاستيطان (وهي الحكومات الإسرائيليّة) سيكون قادرًا على إفشال أي اتفاق على الحدود، وهي مسألة أصعب بكثير، ولعل هذا ما يتحسب له كيري، ويسعى لتذليله من خلال ترويج فكرة السيطرة المشتركة الثلاثيّة (الأردنيّة الإسرائيليّة الفلسطينيّة) على غور الأردن، والتمهيد لفكرة الكونفدراليّة الثلاثيّة التي ليست كونفدراليّة إلا بالاسم، وإنما هي شكل من أشكال التماهي مع الموقف الإسرائيلي الرافض لقيام دولة فلسطينيّة ذات سيادة، بحيث يتم من خلال يافطة الكونفدراليّة إلحاق المعازل الفلسطينيّة مقطعة الأوصال في الضفة بالأردن. إن الكونفدراليّة تفترض قيام الدولة الفلسطينيّة ذات السيادة على حدود 67، وهذا لم يحصل حتى الآن، لأن ما حصل هو مجرد اعتراف دولي مهم سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا بدولة فلسطينيّة مراقبة، لكن القيادة الفلسطينية لم تسع للبناء عليه، وإنما ألقته على قارعة الطريق، في نفس الوقت الذي تسعى لتوظيفه في خدمة استمرار رهانها الأزلي على المفاوضات الثنائيّة العبثيّة العقيمة والضارة.

حكومة الحمد الله حكومة تقطيع وقت حتى يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود في المفاوضات والمصالحة، وما يجري في المنطقة وحولها، خصوصًا على صعيد الملف النووي الإيراني.

الحكومة الجديدة يمكن أن تعمر طويلًا، خصوصًا أن السلطة لن تعاني خلال وجودها من حكم الرأسين، الذي عانت منه في فترة رئاسة فياض الذي يحظى بدعم أميركي ودولي، وله طموح سياسي، وسعى للحفاظ على صلاحيات ودور مستقل، بينما حكومة الحمد الله ستكون قولًا وفعلًا حكومة الرئيس، خصوصًا إذا تبوأ محمد مصطفى وزياد أبو عمرو منصبي نائبي رئيس الحكومة. ألا يفترض ذلك التراجع عن النظام السياسي المختلط، والعودة إلى النظام الرئاسي الذي تعمق بصورة غير مسبوقة؟!!

Hanimasri267@hotmail.com

 

مشاركة: