الرئيسية » هاني المصري »   01 آذار 2014

| | |
ماذا تَبقى من القدس؟
هاني المصري
 
 
حتى ندرك خطورة السياسة "الإسرائيلية" القائمة على الاستمرار في خلق الحقائق الاحتلالية، وخصوصًا الاستيطانية على مدار الساعة، سواء إذا كانت هناك مفاوضات وما يسمى "عملية سلام" أو لم تكن؛ لا بد من ذكر الأفكار التي يطرحها جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، التي تتضمن أن عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة ستكون في القدس من دون تحديد أين ستكون، وفيما إذا كان المقصودُ القدسَ الشرقية التي احتلتها "إسرائيل" العام ،1967 لأن المقصود فعلاً إقامة العاصمة في أو ضمن القدس الشرقية، وهذا يشكل استجابة للموقف "الإسرائيلي" الذي يعتبر القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية ل"إسرائيل"، ولا مجال لتقسيمها مرة أخرى .

إن معظم "الإسرائيليين" الذين يوافقون على إعادة تقسيم القدس - وهم في كل الأحوال أقلية في "إسرائيل" - يقصدون إقامة العاصمة الفلسطينية في أحياء مثل: أبو ديس، والرام، والعيزرية، وغيرها، أو في أحسن الأحوال، وفق خطة الرئيس الأسبق بيل كلينتون التي تتضمن ضم الأحياء العربية في القدس الشرقية للدولة الفلسطينية، وضم المستوطنات الاستعمارية في القدس الشرقية التي يسميها "أحياء يهودية" إلى "إسرائيل"، وهذا يعني تقسيم القدس الشرقية .

وإذا أضفنا إلى ما سبق إصرار كيري على تضمين خطتة مبدأ "تبادل الأراضي" أو تبادل المناطق من دون تحديد النسبة؛ ندرك كيفية تسلل الموقف "الإسرائيلي" رويداً رويداً، بحيث تبدأ العملية دائماً بإقامة حقائق احتلالية واستيطانية، ثم تطالب "إسرائيل" بضمها في أي حل نهائي، وتبدأ تتعامل معها على هذا الأساس، لدرجة الرد على أي احتجاج على توسيع الاستيطان فيها بأنها ستضم ل"إسرائيليين" في الحل النهائي، وأن أي حل يجب أن يأخذ بالحسبان الحقائق الاحتلالية والاستيطانية أو ما تسميه "إسرائيل" ب"الحقائق الديموغرافية.
 
ورأينا كيف تسلل الموقف "الإسرائيلي" إلى سياسة الولايات المتحدة، ثم إلى الموقف الفلسطيني، وبعد ذلك العربي؛ بعد الموافقة على مبدأ "تبادل الأراضي"، وضم الكتل الاستيطانية ل"إسرائيل" في أي حل نهائي، وبالتالي يعطي هذا الموقف الشرعية للاستيطان، ويمهد لإعطائه شرعية دولية، بحيث أصبحت بيانات ومبادرات اللجنة الرباعية الدولية تنص على مبدأ "تبادل الأراضي" بالرغم من تناقضه الصارخ مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ولكن كيف يمكن وقف هذا التهافت الدولي بعد مسلسل التنازلات العربية . وكيف نطالب العالم وأن يكون ملكًا أكثر من الملك؟

سأقدم فيما يلي نموذجًا يوضح مدى خطورة ما تتعرض له القدس، من خلال عرض أبرز ما جاء في تقرير صادر عن (المكتب الوطني للدفاع عن الأرض)، الذي يعرض ما عانته القدس من سلطات الاحتلال خلال أسبوع واحد .
لقد تعرضت القدس إلى سلسلة من الإجراءات على طريق استكمال تهويدها وأسرلتها . فقد قامت جرافات الاحتلال بإقامة الجدار الفاصل حول فندق (كليف) في منطقة أبو ديس، وذلك استباقًا لقرار المحكمة الإسرائيلية العليا بقضية الفندق، حيث فوجئ أهالي بلدة أبو ديس بقيام جرافات الاحتلال، بحراسة من القوات "الإسرائيلية"، بوضع كتل أسمنتية ضخمة حول فندق (كليف) لعزله عن بلدتهم، وضمه إلى مدينة القدس، وبالتالي مصادرته واعتباره "أملاك غائبين" . وتعود ملكية الفندق لعائلة (عياد) من بلدة أبو ديس، وجميعهم من حَمَلة هوية "الضفة الغربية"، فيما استأنفت طواقم شركة المياه الإسرائيلية (جيجون) إزالة عدادات المياه عن منازل البلدة القديمة في القدس، بذريعة تراكم الديون، حيث تم قطع المياه عن نحو 14 منزلاً في حارة "السعدية" و"باب حطة" في البلدة القديمة، ليصل بذلك عدد المنازل المتضررة والمقطوعة عنها المياه إلى 44 منزلاً .

فيما صادقت بلدية الاحتلال في القدس المحتلة على بناء نحو 350 وحدة استيطانية في مستوطنة "تل بيوت" إلى الشرق من القدس، وتأتي ضمن بناء 8 عمارات استيطانية في سياق خطط المستوطنة التوسعية، فيما هدمت جرافات الاحتلال 5 "بركسات" سكنية ومحلاً لبيع الخضار ومغسلة للسيارات في بلدة العيزرية، حيث قامت بمحاصرة أراضي "عرب الجهالين"، ثم شرعت بإخراج خمس عائلات خارج بركساتها السكنية التي تضم 55 نفراً، معظمهم من الأطفال، وتركتهم في العراء لمدة تزيد عن ثلاث ساعات، كما صادرت محتويات بركس الخضار ومغسلة السيارات، التي يعتاش منها عائلات من عرب الجهالين (أكثر من 60 نفراً) نفذت عملية الهدم . 
تسعى سلطات الاحتلال من خلال تلك الإجراءات إلى ترحيل "عرب الجهالين" من المنطقة لبناء جدار الفصل والعزل العنصري، الذي يفصل قرى أبو ديس والسواحرة الشرقية والعيزرية عن المناطق الجنوبية، تمهيدا لتنفيذ المخطط الاستيطان (E1)، علماً أن سلطات الاحتلال قامت في العام 1997 بطرد عائلات "عرب الجهالين" من أراضي بلدة "أبو ديس" لصالح مستوطنة "معالي أدوميم"، وذلك بعد مصادرة الأرض بذريعة أنها أراضي (دولة)، ومنذ سنوات تلاحقهم لطردهم من أراضي العيزرية .

كما تستعد سلطات الاحتلال لإغلاق 30 مدرسة خاصة عربية في القدس المحتلة، بزعم تخلفها عن دفع غرامات بقيمة مليون دولار، حيث فرضت وزارة المعارف "الإسرائيلية" قبل خمسة أشهر غرامات على عشرات المدارس الفلسطينية الخاصة، وهددت بإغلاقها في حال "تخلفها عن الدفع" . وأشعل مستوطنون من جماعة (تدفيع الثمن) المتطرفة إطارات نحو 30 مركبة تابعة لمواطنين فلسطينيين قرب "بيت صفافا" جنوب القدس المحتلة، وخطّ المتطرفون عبارات عنصرية على جدار أحد المنازل، مثل "عرب لصوص" .

وتم الكشف عن وجود مخطط لوزير الإسكان "الإسرائيلي" لبناء حي سكني يضم 2250 وحدة استيطانية في حي "عين كارم" بمدينة القدس . وذكرت صحيفة إسرائيلية أن الوزارة تنوي نقل الأراضي للحكومة "الإسرائيلية"، على أن يتم تسويقها للبناء عبر ما تسمى سلطة "أراضي "إسرائيل""، مقدرة مردود المشروع ب 800 مليون شيقل "إسرائيلي"؛ الأمر الذي سيحل من مشكلات مستشفى هداسا الذي سيبنى حوله مئات الوحدات، التي تعاني عجزاً في الميزانية .

فيما أقرت لجنة التخطيط في بلدية الاحتلال بالقدس، بناء برج لصالح الصندوق القومي اليهودي (كيرن كييمت)، وسط مدينة القدس، كما ينوي الصندوق أيضاً نقل كافة مكاتبه الموجودة في أماكن متفرقة في القدس وتل أبيب وحيفا إلى البرج المكون من 15 طابقًا، حيث سيقع بجوار فندق (شيراتون بلازا) في شارع الملك جورج . وقالت مصادر "إسرائيلية" إن لجنة التخطيط والبناء رفضت كافة الاعتراضات المقدمة ضد المشروع، مشيرة إلى أن المبنى سيقام على أرض تبلغ مساحتها ثلاثة دونمات في مركز مدينة القدس .

كما اقتحم عضو الكنيست المتطرف "موشيه فيجلين" المسجد المبارك، عبر باب المغاربة، بحراسة ومرافقة أفراد من شرطة الاحتلال وقواته الخاصة، وقام بجولة في المنطقة الشرقية للأقصى، كما صعد على سطح قبة الصخرة، واستمرت جولته لمدة نصف ساعة، وخلال جولته قال بصورة استفزازية وعلنية: "إن الأقصى لليهود، وعلى العرب الرحيل إلى السعودية، فهناك مكانهم الأصلي، والقبة الذهبية هي المعبد اليهودي، وليست للمسلمين" . مع العلم أن مصورًا تلفزيونيًا رافقه في الجولة لتصويره . كما قدم يهودا فاينشتاين، المستشار القانوني للحكومة "الإسرائيلية"، الغطاء الضروري لحماية عصابات المستوطنين وتنظيماتها الإرهابية، التي تعرف بمجموعات "تدفيع الثمن" و"شبيبة التلال"، عندما سمح بعدم تعريف المستوطنين الذين ينفذون الاعتداءات ضد شعبنا وأرضه ومقدساته بأنهم تنظيم إرهابي، والاكتفاء بتعريفهم "تنظيماً غير مسموح به"، ما يعني واقعيًّا عدم معاقبة أفراد هذه العصابات . في الوقت نفسه، وافقت رئاسة الكنيست في خطوة استفزازية وخطرة على بحث قضية نقل السيادة على المسجد الأقصى المبارك إلى "إسرائيل"، في محاولة لشرعنة بسط السيادة "الإسرائيلية" عليه، وعلى الرغم من تأجيل نقاش الكنيست حول الأقصى لمدة قصيرة، فإن ذلك لا يرفع الخطر عنه، أو يلغي مخططات الاحتلال التي تستهدفه . فيمكن أن تعقد جلسة الكنيست المذكورة قبل نشر هذا المقال .

إن مخططات الاستيطان تتوالى تباعًا، وتتدحرج ككرة الثلج، حيث شرعت دولة الاحتلال بتنفيذ مشروع استيطاني جديد تنوي تنفيذه في القسم الشرقي من حي "وادي حلوة" جنوب المسجد الأقصى، تحت مسمى "مركز سياحة في معيان هيجيون في الحديقة الوطنية عير دافيد"، في محيط أسوار القدس، الذي يأتي بعد قيام بلدية الاحتلال بتسليم سبع عائلات في منطقة العين تبليغات بالمشروع الاستيطاني المنوي تنفيذه على أراضيهم . أكتفي بما جاء في التقرير من دون تعليق .

كاتب وباحث فلسطيني

- نقلًا عن جريدة "الخليج"

مشاركة: