الرئيسية » هاني المصري »   27 آذار 2014

| | |
ماذا بعد فشل قمة أوباما - عباس
هاني المصري
 
 
 
 
هناك إجماع على أن القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الفلسطيني محمود عباس فشلت فشلاً ذريعاً، بدليل أنها لم تنته بالموافقة الفلسطينية على "اتفاق الإطار"، الذي يعمل عليه جون كيري ومساعدوه منذ فترة طويلة تخللتها 11 جولة في المنطقة، وعشرات اللقاءات على مستوى: كيري - "أبو مازن"، وكيري - نتنياهو، وأكثر منها بكثير على مستوى الوفدين المفاوضين، أو على مستوى الفريق الأمريكي الأمني والسياسي الذي عقد مئات اللقاءات مع طائفة طويلة عريضة من المعنيين أو كانوا معنيين في السابق؛ حتى يمكن التوصل إلى حل للصراع المتواصل منذ أكثر من مئة عام .

لتدارك إعلان الفشل وعواقبه لم يطرح أوباما "اتفاق الإطار" بصورة رسمية مكتوبة على "أبو مازن"، ولم يضغط عليه لكي يقبله، بل اكتفى بعرض الأفكار التي يتضمنها أو يمكن أن يتضمنها هذا الاتفاق، لأن أوباما خشي من المجازفة الكامنة بعرض "اتفاق الإطار" والإصرار على "أبو مازن" لقبوله . فهناك احتمال أن يرفضه "أبو مازن" وهذه هزيمة كبيرة جديدة لأوباما، وهي آخر ما يحتاجه بعد هزائم العراق وأفغانستان وسوريا ومصر، وما يحدث في أوكرانيا، وعلى صعيد العلاقات الأمريكية - الروسية التي تتدهور وتسير من سيئ إلى أسوأ . وفي هذه الحالة، سيكون أوباما أمام تنفيذ تهديدات إدارته ل "أبو مازن"، التي نقلت إليه بطرق مختلفة وصلت إلى حد تهديده بمصير مماثل لمصير سلفه ياسر عرفات . وهذا إن حصل سيقود إلى مجابهة "إسرائيلية" - فلسطينية لا يعرف أحد إلى ما ستنتهي إليه، وما تأثيرها في المنطقة العربية المتفجرة التي لا ينقصها تفجير جديد؟

إن من تداعيات الفشل المحتملة السير سريعاً نحو مجابهة فلسطينية "إسرائيلية" لا يعرف أحد متى تندلع، وكيف سيكون شكلها شعبية يغلب عليها الطابع السلمي، أو مسلحة، أو تجمع ما بين السلمي والمسلح؟، وهناك احتمال أن تؤدي هذه المجابهة إلى حل السلطة أو انهيارها، وإسدال الفصل الختامي على ما يسمى "عملية السلام"، ووقف الرعاية الأمريكية الانفرادية للمفاوضات المستمرة منذ عشرات السنين، وهذا سيفتح الباب للاعبين آخرين محليين وعرب وإقليميين ودوليين، ويفتح الطريق لخيارات وبدائل أخرى .

تأسيساً على ذلك، فكّرت إدارة أوباما مرتين قبل طرح "اتفاق الإطار" رسمياً في اللقاء الذي كان منتظراً بين الرئيسين الأمريكي والفلسطيني، وستفكر مرتين، وربما أكثر بكثير في المستقبل قبل طرحه، لأن عواقب الفشل وخيمة، وبالتالي فإن استمرار المفاوضات ومحاولات إدارة الصراع أفضل من انهيارها، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من عواقب وخيمة .

لقد بدأ كيري مهمته وهو واثق تماماً من النجاح، لدرجة أنه وضع هدفاً في البداية، وهو التوصل إلى "معاهدة سلام" خلال تسعة أشهر أو أكثر قليلا، وأوحى بتفاعل منقطع النظير لدرجة اتهامه بالسذاجة، وعندما سأله "أبو مازن" في بداية مهمته عن سر تفاؤله المفرط وثقته في النجاح في أمر فشل أسلافه في تحقيقه خلال عشرات السنين، أجاب: بأن النجاح مضمون هذه المرة لأن كيري موجود، وهذا يعكس درجة كبيرة جداً من الثقة بالنفس التي لا تكفي وحدها؛ لذلك لاحظنا أن كيري الآن في تصريحاته الأخيرة فقد تفاؤله وبات يتحدث عن فقدان الثقة غير المسبوق بين الجانبين الفلسطيني و"الإسرائيلي"، مع أنه لم يفقد الثقة تماما، بدليل مواصلته لجهوده . تلك الثقة التي يبدو أنها مستندة أساساً إلى الجانبين الفلسطيني و(العربي) في أضعف أحوالهما، وأنهما قابلان للاستجابة للضغط الأمريكي بما يمكّن كيري من النجاح في فرض حل، ولا أقول تسوية تصفوية للقضية الفلسطينية من جميع جوانبها .

ما يصعّب مهمة كيري جداً أن هناك في الحكومة "الإسرائيلية" وخارجها قوى قوية بما فيه الكفاية لكي لا تدرك أهمية الفرصة التاريخية التي توفرها مهمة كيري ل"إسرائيل"، وتصر على فرض الحل "الإسرائيلي" كاملاً من دون نقصان، وهذا يصعّب على "أبو مازن" وعلى أي زعيم فلسطيني بعد "أبو مازن" قبول الحل "الإسرائيلي" بالكامل من دون أن يتضمن حتى حفظ ماء الوجه للفلسطينيين .

على كيري والجميع أن يدركوا أن الصراع لن ينتهي بتوقيع اتفاقية سلام لا تلبي حتى الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وإذا وجد مسؤول فلسطيني يمكن أن يوقع على مثل هذا الحل التصفوي فهو سيكف عن تمثيل الشعب الفلسطيني إذا كان يمثله أصلا .

لذلك تراجع كيري بعد أن اصطدم بالهوة الواسعة والمتزايدة بين الجانبين من السعي للتوصل إلى معاهدة سلام إلى العمل على مراحل، حيث حاول في البداية التوصل إلى اتفاق إطار يغير مرجعية المفاوضات ويكون أساساً للمفاوضات اللاحقة . وعندما اصطدم بصعوبة تحقيق هذا الهدف بات يسعى لعدم الفشل وتداركه من خلال البحث عن شروط استمرار المفاوضات بعد نهاية نيسان المقبل، الموعد الذي تنتهي فيه فترة الأشهر التسعة التي كانت هدفاً لإنهاء المفاوضات خلالها .

لم يكن سهلاً على "أبو مازن" قبول اتفاق إطار ينتقص من الحقوق الفلسطينية كافة، وليس فقط من خلال الاعتراف ب"إسرائيل" دولة "يهودية"، وانما فيما يتعلق بالقدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والأمن وإنهاء الصراع والكف عن المطالب .

وإذا قبل "أبو مازن" "اتفاق الإطار"، فهو معرض لمعارضة واسعة داخل "فتح" والمنظمة، وخارجهما، خصوصاً في إطار الفصائل الإسلامية (حركتي حماس والجهاد الإسلامي)، ما قد يهدد قيادة "أبو مازن" وقدرته على تمرير موافقته على "اتفاق الإطار"، في مرحلة يتراجع فيها الدور الأمريكي في المنطقة والعالم، وتتقدم أقطاب جديدة مثل روسيا والصين والهند وأوروبا ودول أمريكا اللاتينية، بينما تتقدم دول إقليمية مثل تركيا وإيران في ظل تزايد احتمالات المجابهة الأمريكية - الروسية على احتمالات الوفاق التي كانت تلوح في الأفق قبل فترة بعيد الاتفاق على الكيميائي السوري وبدء الاتفاق على البرنامج النووي الايراني .

الحق يجب أن يقال إنه رغم كل المرونة التي أبداها "أبو مازن"، ووصلت إلى حد التنازلات حول عدد من القضايا الأساسية التي تتعلق باللاجئين، وتبادل الأراضي، والبلدة القديمة في القدس، والموافقة على مبدأ تقسيم القدس الشرقية المحتلة بين ما سُمّي زوراً الأحياء اليهودية والأحياء العربية، والموافقة على أن الدولة العتيدة ستكون منزوعة السلاح وتوافق على وجود قوات دولية أو من الناتو بقيادة أمريكية لمدة تصل إلى خمس سنوات، وقبول أن تسمي "إسرائيل" نفسها دولة "يهودية" إذا اعترفت الأمم المتحدة بهذه التسمية، ورفض استخدام الانتفاضة بكل أشكالها حتى تهديداً أو بصورة عملية؛ إلا أنه يرفض التواجد "الإسرائيلي" على الحدود والمعابر، ويرفض بقاء المستوطنين خارج الكتل الاستيطانية التي سيشملها "تبادل الأراضي"، الذي يجب أن يكون محدوداً ومتساوياً بالقيمة والمساحة، ويرفض ألا يشمل "اتفاق الإطار" عودة، ولو جزء من اللاجئين إلى داخل أراضي ،48 وكما يرفض أن يتضمن اعترافاً ب"إسرائيل" دولة "يهودية"، وأن تكون العاصمة مجرد حي أو أحياء من القدس .

إن هذا الواقع يدل على أن الهوة واسعة جداً بين الموقفين الفلسطيني و"الإسرائيلي"، وأن هذه الهوة لا يمكن أن تردم من دون ممارسة ضغوط كبيرة وكافية على الطرفين، خصوصاً على "إسرائيل" التي أثبتت الإدارة الأمريكية ليس فقط أنها لا تريد أن تضغط عليها، بل أن ما تضمنه "اتفاق الإطار" المقترح يمثل تنازلاً عن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة، وتنازلاً عن المواقف الأمريكية التقليدية، التي طالما تحدثت عن إنهاء الاحتلال وإقامة دولة عاصمتها القدس الشرقية وحل عادل أو منصف لقضية اللاجئين، وأصبحت الآن تطرح مواقف مغايرة تقترب فيها كثيراً من الموقف "الإسرائيلي" . وبالتالي الرفض "الإسرائيلي" المزعوم لاتفاق الإطار مسرحية أو معظمه مسرحية؛ حتى يقع الجانب الفلسطيني في الفخ، ويقبل اتفاق الإطار الذي يبدو أن "إسرائيل" ترفضه، ويصبح بذلك مرجعية جديدة تهبط بالموقف الفلسطيني، وتوثق كل التنازلات القديمة منذ عشية "اتفاق أوسلو"، وصولاً إلى توثيق التنازلات التي قدمت تحديداً منذ قمة "كامب ديفيد" في العام 2000 وحتى الآن .

رغم كل ما سبق، من مصلحة كل الأطراف مواصلة المفاوضات والبحث الجاري حالياً عن شروط وثمن تمديد المفاوضات .

"أبو مازن" الذي طالب بإظهار جدية "إسرائيلية" في المفاوضات، أو تجميد الاستيطان، وإطلاق سراح الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل أوسلو، ودفعات جديدة تشمل قادة أسرى مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات وفؤاد الشوبكي؛ يمكن أن يقبل بالشرط الأخير، ولكن من دونه سيكون تمديد المفاوضات أشبه بالانتحار السياسي .

في كل الأحوال ستنقضي فترة قبل الانتهاء من التفاوض على شروط تمديد المفاوضات . والمطلوب وقف هذه الدوامة الجهنمية والبحث عن مقاربة جديدة قادرة على إنقاذ الشعب والوطن والقضية .

باحث وكاتب فلسطيني
Hanimasri267@hotmail.com

نقلًا عن صحيفة الخليج

 

مشاركة: