الرئيسية » هاني المصري »   21 نيسان 2014

| | |
الانضمام للمنظمات الدولية إستراتيجية أم تكتيك؟
هاني المصري

على إثر رفض حكومة الاحتلال الإفراج عن الدفعة الرابعة والأخيرة من أسرى ما قبل أوسلو تنفيذاً للاتفاق المبرم عشية استئناف المفاوضات في نهاية يوليو/ تموز الماضي، بحيث يتم الإفراج عنهم مقابل تجميد التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة لمدة تسعة شهور؛ قام الرئيس الفلسطيني بالتوقيع على 15 اتفاقية دولية تتعلق بالحقوق العامة وحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف الأربع في اختتام اجتماع للقيادة الفلسطينية، شارك فيه أعضاء اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير والمركزية لحركة فتح والأمناء العامون للفصائل، حيث حصل القرار على الإجماع كما ظهر من خلال رفع الأيدي أمام العالم في بث مباشر لوقائع الاجتماع .

استُقبل هذا القرار بترحيب رسمي وسياسي وشعبي فلسطيني جماعي، حيث لم أسمع عن أية معارضة للقرار، لدرجة أن ردة فعل حركة حماس تراوحت بين التأييد الصريح للقرار وبين دعمه ضمنياً من خلال القول إنه جاء متأخراً، جرياً على ما جاء في القول المأثور "أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً" .

أولاً، لنتعرف إلى الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها:
اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، وهذه الاتفاقيات ستدخل عضوية فلسطين فيها حيز التنفيذ في الثاني من مايو/ أيار المقبل، وذلك لأن الاتفاقية تنص على أن العضوية ستدخل حيز التنفيذ بعد مرور 30 يوماً على تقديم الطلب .

أما عضوية فلسطين في البروتوكول الخاص باتفاقية حقوق الطفل ومشاركة الأطفال في الصراع المسلح فإنها ستدخل حيز التنفيذ في السابع من مايو/ أيار المقبل .

في حين أن عضوية فلسطين في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والعقوبة عليها ستدخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو/ تموز المقبل، لأن القواعد تنص على أن العضوية ستدخل حيز التنفيذ بعد 90 يوماً من تقديم الطلب .

أما عضوية فلسطين في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فتدخل حيز التنفيذ في الثاني من يوليو/ تموز المقبل، لأن العهد ينص على أن العضوية تبدأ بعد ثلاثة أشهر من تقديم الطلب . كما أعلنت سويسرا بوصفها الدولة الضامنة، انضمام فلسطين إلى اتفاقيات جنيف الأربع، وهذا حدث تاريخي بكل معنى الكلمة، لأنها تعزز من مكانة دولة فلسطين تحت الاحتلال، خصوصاً أن "إسرائيل" طالما ادّعت بأن اتفاقيات جنيف لا تسري على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن نيل فلسطين العضوية ينفي المزاعم "الإسرائيلية" بشكل حاسم .

إن الانضمام لاتفاقيات ولمؤسسات دولية خطوة مهمة تأخرت كثيراً، ولكنها بدأت ومن المهم أن لا تكون مجرد ردة فعل على رفض "إسرائيل" الإفراج عن الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل أوسلو، أي لا تكون مجرد تكتيك يهدف إلى الضغط على الحكومة "الإسرائيلية" للإفراج عن الأسرى وتحسين شروط المفاوض الفلسطيني، الذي يفاوض ضمن أسوأ الشروط، فهو من دون أوراق قوة كافية وفي ظل اختلال فادح في ميزان القوى لصالح "إسرائيل"، التي تحظى بدعم كامل من أقوى دولة في العالم . وهنا يجب ألا ننخدع ونبالغ في تحميل كيري "إسرائيل" المسؤولية الأكبر لانفجار المفاوضات الحالية، لأن هذا الموقف سرعان ما تخلى عنه كيري بتصريح صادر عن الخارجية الأمريكية، ولأنه يأتي في سياق طرح أفكاره ضمن "اتفاق الإطار" الذي يحاول تمريره على الفلسطينيين، ويشكل من حيث الجوهر، وأحياناً بالنسبة لبعض القضايا في التفاصيل، تبنياً للموقف "الإسرائيلي" من القضايا الأساسية .

الخلافات الأمريكية "الإسرائيلية" هي خلافات بين حلفاء وأصدقاء تربطهم رؤى ومصالح وأهداف مشتركة، ومثل هذه الخلافات موجود مثلها داخل الحكومة "الإسرائيلية"، فهي خلافات حول الاجتهادات المختلفة لتنفيذ الأهداف الاستعمارية والتوسعية الاستيطانية والاحتلالية، التي تضمن بقاء المنطقة العربية تحت الهيمنة الأمريكية "الإسرائيلية" من خلال إبقائها أسيرة التخلف والتبعية والتجزئة والفساد والاستبداد .
الانضمام إلى بعض الاتفاقيات خطوة مهمة ولكنها مجرد خطوة في مسار طويل، فمن جهة هناك 63 اتفاقية دولية وقعت فلسطين على أقل من ربعها، وهناك عدد كبير من المؤسسات الدولية يمكن ويجب الانضمام إليها، أهمها محكمة لاهاي الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، التي يتيح الانضمام إليها محاكمة "إسرائيل" وقادتها وجنرالاتها على الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني بشكل عام وبحق كل فرد فيه بشكل خاص .

بالتأكيد، لا بد من دراسة كل خطوة وإمكانية النجاح فيها وكيفية تحقيقه في الوقت المناسب وتقليل الخسائر . فهناك وكالات دولية تحظى بدعم أمريكي وانضمام فلسطين قد يحرمها من الدعم، وهذا قد يدفع بعض الدول حتى المناصرة للقضية الفلسطينية إلى التفكير أكثر من مرة قبل تأييد هذا الانضمام . ويمكن هنا العمل بحيث تقوم الدول العربية والصديقة القادرة اقتصادياً بالتعويض لهذه الوكالات إذا توقفت الولايات المتحدة عن دعمها والتفكير بتأخير الانضمام لبعضها وتقديم الانضمام للبعض الآخر وفقاً لفرص النجاح والتداعيات المحتملة لكل حالة .

ومن جهة أخرى، هناك حصيلة هائلة لقرارات دولية صدرت منذ اندلاع الصراع على فلسطين . صحيح أنها ليست عادلة لأنها أعطت الشرعية لقيام "إسرائيل" على حساب الشعب الفلسطيني، صاحب البلاد الأصلي، إلا أنها تضمنت مزايا وأسلحة تعطي الفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم وتوفر لهم مزايا سياسية وقانونية امتنعت القيادة الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن باستثناءات قليلة عن توظيفها واللجوء إليها تحت تأثير وهم خطير بأن المفاوضات الثنائية هي الطريق لإقامة الدولة الفلسطينية، وأن 99% من أوراق اللعبة بأيدي الولايات المتحدة الأمريكية، ومن أهم هذه الأسلحة: الفتوى القانونية لمحكمة لاهاي الدولية، التي تحقق العام 2004 عندما يئس الفلسطينيون من اتفاق أوسلو، وبعد أن تجاوزت الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة لهذا الاتفاق، لدرجة شن هجوم عسكري على الضفة الغربية وقطاع غزة، وصولاً إلى حصار الرئيس ياسر عرفات وتدمير معظم مقره واغتياله بالسم .

جاءت هذه الفتوى بخصوص جدار الضم والتوسع العنصري، وأعطت للفلسطينيين أكثر مما طلبوا حيث أدانت الاحتلال وكل ما قام على هذا الاحتلال وبدلاً من متابعة تنفيذها تم ركنها على الرف مما جعلنا ندفع ثمناً غالياً .

تأسيساً على ما تقدم فإن التوجه إلى الأمم المتحدة مهم، ولكن الأهم أن يكون جزءاً من مقاربات واستراتيجيات جديدة، من ضمنها يكون التوجه المثابر والطويل الأمد استراتيجية وليس تكتيكاً .

إن الدولة الفلسطينية لن تقام في أروقة الأمم المتحدة، على أهمية العمل في المحافل الدولية، وإنما تقام هنا في جبال ووديان وهضاب فلسطين، والأمم المتحدة تعطي القضية الفلسطينية إمكانات ومجالات واسعة، ولكنها مقيدة بالنظام الذي يحكمها، والذي يعطي لخمس دول قوية حق الفيتو الذي يمكنها من تعطيل تنفيذ القرارات التي تعتبرها فيغير مصلحتها أو ضد مصلحة حليف لها .

إن نقطة البدء لتحقيق كل ذلك تكمن في إعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية لتكون حجر الأساس والرافعة التي تستند إليها الاستراتيجيات المتعلقة بالمقاومة، والمقاطعة، ومقاومة التطبيع، واستعادة البعد العربي والإسلامي والدولي التحرري والإنساني للقضية الفلسطينية، وتفعيل التضامن الدولي، وتغيير شكل السلطة ووظائفها والتزاماتها انسجاماً مع حصول الدولة الفلسطينية على الدولة المراقبة واستعدادا للتعامل مع تداعيات الأزمة الراهنة في المفاوضات، التي قد تفتح الطريق لانهيار ما يسمى عملية السلام.

نقلًا عن صحيفة "الخليج".

مشاركة: