الرئيسية » هاني المصري »   22 أيلول 2012

| | |
الخروج من قواعد أوسلو
هاني المصري

 

بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس محمود عباس، وقال فيه: إن المصالحة تعني الانتخابات، وأنه لا حوار آخر مع "حماس" إلا إذا سمحت للجنة الانتخابات باستئناف تسجيل الناخبين في قطاع غزة، وبعد رد فعل "حماس" الشديد الذي وصف عباس بـ"رأس الفتنة"، وأنّ لا مصالحة من دون التخلص منه؛ بات واضحًا أكثر من أي وقت مضى أن المصالحة بعيدة المنال.

تأسشيسًا على هذا الاستنتاج، لم يعد مُجديًا استمرار الجهود والمبادرات والتحركات الرامية إلى دعم وتطوير مسار المصالحة الوطنية، أو تركيز العمل على تطبيق الاتفاقات المبرمة.

هل يعني ما سبق الكف عن الأمل والعمل من أجل إنهاء الانقسام واستعادة الولحدة الوطنية؟، لا، طبعًا، بل يتطلب الأمر البحث في الأسباب الجذور التي أدت إلى فشل الجهود الرامية لتحقيق هذا الهدف، والعسي للتوصل إلى طريق جديد من شأنه إنهاء صفحة الانقسام الأسوَد الذي يضعف الموقف الفلسطيني ويشوه قضيته الوطنية، ويزيد التباعد والتناحر بين صفوف الحركة الواحدة والشعب الواحد.

بعد تأمل طويل وعميق؛ توصلت إلى قناعة بأن جذر الفشل في تحقيق المصالحة يعود أولًا وأساسًا إلى البحث فيها بحد ذاتها بمعزل عن حل المأزق الشامل الذي تواجهه القضية الفلسطينية، وأداة تجسيدها للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية.

إن هذا المسار جعل الشغل الشاغل للأطراف المتنازعة وتلك الساعية لحل النزاع الداخلي على توزيع "كعكة السلطة" واستبعاد المنظمة أو التعامل معها كملف من ملفات خمسة يتم الاقتراب منه أحيانًا واستبعاده غالبًا.

لقد أصبح تشكيل الحكومة ولجنة الانتخابات واللجنة الأمنية، أي المحاصصة في السلطة، هو الأمر الذي تميل له الأولوية، وفي حين أن ما يجب أن يحظى بالاهتمام وضع السلطة في النظام السياسي، ومكانتها، ووظائفها، وشكلها، والتزاماتها، ومدى الحاجة إلى استمرارها بالشكل الذي ولدت فيه بعد أن اتّضح أن مسار المفاوضات الثنائية واتفاق أوسلو وما ترتب عليه من ملاحق والتزامات لا يقود إلى إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير، بل أدى إلى جعل الحل الانتقالي المؤقت الذي كان من المفترض أن ينتهي باتفاق نهائي في أيار في العام 1999 حلًا مفتوحًا إلى أجل غير مسمى، بالرغم من أن إسرائيل، وأقول إسرائيل، وليس حكومة نتنياهو أو حكومة بعينها، بل مجمل الحكومات الإسرائيلية التي تعاقبت على الحكم منذ توقيع اتفاق أوسلو؛ تجاوزت اتفاق أوسلو بالرغم من مزاياه الهائلة لها، لأن اباعتقادها أنها أعطت الفلسطينيين أكثر مما يستحقونه، أو أكثر مما يستطيعون الحصول عليه استنادًا إلى قوتهم الذاتية ومصادر دعمهم العربية والدولية، فإسرائيل أعادت وتعيد صياغة أوسلو بما يحقق مصالحها وأهدافها.

في هذا السياق، ارتدت إسرائيل عن أوسلو مع تمسكها بالالتزامات الفلسطينية فيه، وبدأت عملية أخرى بعد فشل قمة كامب ديفيد في العم 2000، واستهدفت فيها تعميق الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، واستمرار العدوان، والحصار، وبناء جدار الفصل العنصري، وتعميق فصل القدس عن بقية الأراضي المحتلة عام 1967، وفصل الضفة عن القطاع، والأراضي (ج) عن أراضي (أ) و(ب)، وفعلت كل ما يمكن لقطع الطريق على قيام دولة فلسطينية، والسعي لإعادة صياغة السلطة لتبقى سلطة حكم ذاتي منقوص على الأرض، ووكيلًا أمنيًا للاحتلال، وترتيبًا دائمًا لا فوتت من دون أفق للتحول إلى دولة حقيقة.

لذلك كله يكون الأمر الحاسم، الذي يستحق أن تكون له الأولوية لدى الفلسطينيي، هو التخلص من الحل الانتقالي متعدد المراحل، الذي يتم فيه ضياع الأرض والقضية والإنسان بالتدريج وخطوة خطوة، ولكن مع نهاية مؤكدة وهي تصفية القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني، وتحولها إلى قضية إنسانية تتعلق بتقديم مساعدات أو بـ"حل النزاع" بين سلطة الحكم الذاتي وسلطة الاحتلال من أجل توسيع صلاحياتها بالحكم الذاتي أو توسيع سيطرتها على الأرض، ولكن في إطار واضح وثابت من السيادة الإسرائيلية، على ما فوق الأرض، وتحتها، والأجواء، وابحار.

فشلت الجهود والمبادرات لتحقيق المصالحة، لأنها انطلقت من الحفاظ على الوضع الراهن المحكوم باتفاقات والتزامات مجحفة بالفلسطينيين، واستهدفت من خلال النجاح في المصالحة من تحسين الفرص لاستئناف المفاوضات.

إن هذا المنهج جعل المتحكم بنجاح المصالحة أو عدم نجاحها إسرائيل، فهي التي وضعت الشروط للاعتراف بـ"حماس" أو بأي حكومة تشارك فيها "حماس" أو تشارك في تشكيلها وإعطائها الشرعية من خلال منحها الثقة في المجلس التشريعي الذي تحظى فيه بالأغلبية.

هذه الشروط التي تتضمن الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والإرهاب والالتزام بتطبيق الاتفاقيات التي وقعتها المنظمة مع إسرائيل، خصوصًا فيما يتعلق بالتنسيق الأمني وتطبيق اتفاقية باريس التي تتضمن تبعية الاقتصاد الفلسطيني بالكامل للاقتصاد الإسرائيلي.

على هذا الأساس، أصبح التركيز على أن يحظى اتفاق المصالحة بموافقة المجتمع الدولي، أي الولايات المتحدة وإسرائيل.

وعلى هذا الأساس ايضًا تم التركيز على مسألة تشكيل الحكومة، وتغيرت من حكومة وحدة وطنية تشارك فيها الفصائل إلى حكومة كفاءات مستقلين، ومن حكومة تحظى بثقة المجلس التشريعي إلى حكومة تحظى بثقة من الرئيس للتأكيد على أنها حكومته، وتتبنى برنامجه الذي يتضمن الموافقة لع ى الشروط الإسرائيلية، التي غدت منذ طرح خارطة الطريق في العام 2003 شروطًا دولية.

وفي هذا السياق، نلاحظ أن التركيز على تشكيل الحكومة وإجراء الانتخابات وتوحيد الأمن؛ جعل مسار المصالحة محكوم عليه بالفشل، وإذا نجح فهذا يعني أن "حماس" وكل الأطراف الفلسطينية أصبحت في "بيت الطاعة" الإسرائيلي.

فإسرائيل تستطيع السماح  بتشكيل الحكومة أو منعها أو إجراء الانتخابات أو توحيد الأمن، بحيث تسمح بكل هذه المسائل إذا جاءت في سياق عملية تفيد إسرائيل وتعمق احتلالها، وتمنعها إذا أدت إلى الإضرار بها أو لم تحقق مصالحها وأهدافها.

إن مفتاح الخلاص هو البحث عن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة وتحقيق المصالحة في سياق إحياء المشروع الوطني وإعادة تشكيل المنظمة على أساس تمثيلي حقيقي مهني على أساس الانتخابات، بحيث تكون قولًا وفعلًا هي الممثل الرسمي الوحيد، وتقدم القيادة الواحدة التي تقوم بوضع طاقات الشعب الفلسطيني، وموارده، وكفاءاته، وخياراته، وقواه، وفعالياته، في مجرى واحد قادر على تحقيق قضيته الوطنية، من خلال إنهاء الاحتلال وإنجاز الحرية والعودة والاستقلال، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، بما في ذلك داخل إسرائيل.

إن ملف المنظمة هو الملف الذي يستحق أن يحظى بالأولوية، لأنه يعني الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، ولأن الاتفاق عليه ممكن من دون فيتو إسرائيلي. فالاحتلال لا يستطيع منع الاتفاق الفلسطيني على إحياء المشروع الوطني وأداة تجسيد منظمة التحرر، بينما استطاع منع تشكيل الحكومة إذا لم تلبِ الشروط الإسرائيلية.

إن التركيز على ملف المنظمة سيغضب إسرائيل، ويمكن أن يترتب عليه إجراءات إسرائيلية ضد المنظمة وقادتها وتحركاتهم، ما يعني أن استعادة المنظمة لدورها الفاعل هو المدخل الوحيد لإحياء القضية الفلسطينية، وجعل المصالحة ممكنة وتصب في صالح الفلسطينيين، وليس تقاسم حصص بين الفصائل وبعض الشخصيات الوطنية في غطار السلطة، وأصبح الرئيس يردد أنها أصبحت بلا سلطة وأن المستحيل أن يبقى الأمر على ما هو عليه.

إن المصالحة ممكنة إذا جرت في سياق إحياء المشروع الوطني، وعندها يجد المواطن الفلسطيني أنه يمكن أن يخسر راتبًا أو يُضحي ويعاني من أجل قضية مصالح عامة، أما أن يخسر راتبه وأمنه واستقراره مقابل مصالحة بين "لإتح" و"حماس" وتوزيع كعكة السلطة والمكاسب والمصالح بينهما، فهذا أمر لا يستحق العناء.

إن الاستمرار في الاحتكام لقواعد اللعبة التي بدأت منذ توقيع اتفاق أوسلو لن يؤدي إلى تحرير الأرض أو الإنسان، ولا إلى الديمقراطية والتنمية والمصالحة، ولا إلى أي شيئ آخر، وإنما في أحسن الأحوال سيؤدي إلى تحسين شروط حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال. لذا لا بد من الخروج من اللعبة كليًا والبحث عن مسار جديد قادر على تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني وأمانيه ومصالحه الفردية والعامة

مشاركة: