الرئيسية » أنيس مصطفى القاسم »   04 كانون الثاني 2015

| | |
كفى عبثًا بحقوق الشعب الفلسطيني
أنيس مصطفى القاسم

 

العبث بهذه الحقوق في تزايد تصاعدي، وباسم الشعب الفلسطيني ، وخاتمته حتى هذه اللحظة هو مشروع القرار البائس الذي تقدمت به القيادة الفلسطينية إلى مجلس الأمن، وتطلب من المجلس أن يقرر أن يكون الحل تفاوضيا وأن يقرر المجلس المعايير التي يحتكم اليها في هذا التفاوض، وكأن هذه المعايير في حاجة إلى قرار جديد أو كأن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ذاته ومحكمة العدل الدولية والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني لم يحدد المعايير التي تحكم إنهاء احتلال أراضي الغير بالقوة، والتي تختصر كلها في كلمتين: “إنهاء الاحتلال”. وهذا يعني انسحاب المحتل عسكريا ومدنيا من جميع الأراضي التي احتلها وإزالة كل ما أحدثه من آثار ومخالفات للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والتعويض عن الاضرار التي ترتبت على الاحتلال. وبهذا فإن الأمر لا يحتاج الى معايير جديدة يبتدعها أي طرف من الأطراف، واذا تخلف الاحتلال عن القيام بما يلزم لإنهاء الاحتلال يمكن عندئذ الرجوع الى الجهة المختصة في الأمم المتحدة لإرغامه على الوفاء بالالتزامات الواجب الوفاء بها لانهاء الاحتلال وفقا للقانون بفرض العقوبات عليه، كما حصل بشأن جنوب أفريقيا، وليس لوضع معايير للتفاوض لإنهاء الاحتلال.

وللآسف فان المعايير هذه التي طُلِبَ اقرارها من مجلس الأمن جاءت لإعادة الطرفين للتفاوض من جديد وليس لإنهاء الاحتلال، ولكن وفق معايير تتعارض كليا مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة وفتاوى محكمة العدل الدولية، وتجعل من دولة الاحتلال طرفا أصيلا وشريكا لصاحب الأرض المحتلة في حقوقه في تلك الأرض والتفاوض معه لاقتسامها بينهما. التفاوض على حدود دولة فلسطين وليس لوضع برنامج الانسحاب الى وراء الحدود التي انطلق منها العدوان وهي حدود إسرائيل، الشراكة في القدس وكأن الوجود الإسرائيلي فيها وجود شرعي وليس احتلالا يجب أن ينتهي، شرط الموافقة الإسرائيلية على عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من بيوتهم وأراضيهم بالقوة، وليس عودتهم كحق قانوني لا يتطلب سوى قرارهم هم للعودة.

هذه مرحلة مفاوضات أخطر بكثير على حقوق الشعب الفلسطيني مما مضى لأنها مفاوضات تخلى فيها مشروع القرار عن كل سلاح، بما فيها سلاح من أقوى ما في يد الشعب الفلسطيني من أسلحة، وهو الشرعية والقانون، والدعم الدولي المتزايد لحقوقه. إنه أسوأ من الوضع الذي كان عام 1948.

أننا نستند في هذا التعليق على نص مشروع القرار كما نشرته صحيفة القدس العربي كنص كامل بتاريخ 19 ديسمبر/ كانون الاول 2014. ونرجو ألا يكون هذا النص الذي اعتمدنا عليه هو النص المعروض على مجلس الأمن. فهو حتى في وضعه هذا وبدون ضغوط أمريكية لتعديله نستبعد جدا أن تسقطه أمريكا باستعمال حق النقض. فمطلبها ومصلحة إسرائيل هو الحصول على وقت إضافي من الهدوء في الضفة لتنفيذ المزيد من مخططاتها، وهي تدعي أنها تفاوض، حيث أن هذه المعايير جاءت من دون أي قيد يمس نشاطات الاحتلال وممارساته بما ذلك فرض حقائق جديدة على الأرض تعمق الاحتلال وتزيد من معاناة الفلسطينيين وتضيق عليهم الخناق أكثر فأكثر، وتفرض في الوقت ذاته على الجانب الفلسطيني التزام الهدوء والا اتهم بالارهاب الذي حظره مشروع القرار.

وننتقل الآن للتعليق بايجاز على النص

يبدأ النص بديباجة طويلة توهم القارئ بأهمية ما جاء فيها من إشارات الى قرارات سابقة سواء للجمعية العامة للأمم المتحدة أو لمجلس الأمن. الا أن هذه الإشارات، بالرغم من أهميتها في الظاهر، ليست جزءا مما قرره المجلس من بين المعايير التي يلتزم بها الطرفان في المفاوضات. الديباجة لا تكون جزءا من القرار الملزم إلا إذا ورد نص صريح بذلك يأتي بعد كلمة “يقرر” كالاتي: ” تعتبر الديباجة جزءا لا يتجزأ من هذا القرار”. ولكن ذلك لم يحصل، وتعتبر المعايير التي نص عليها في صلب القرار هي وحدها التي يحتكم اليها في المفاوضات.  فما هي هذه المعايير؟

(أولا) أول هذه “المعايير” يتعلق بالحدود، ونصه كالآتي: “الحدود التي تستند إلى خطوط 4 يونيو حزيران 1967. وأول ما يلاحظ على هذا النص أن الحدود ليست هي خطوط 4 يونيو/ حزيران 1967، وإنما هي حدود تستند إلى هذه “الخطوط”. وعبارة “تستند” ليست عبارة قانونية أو جغرافية محددة المجال عند التنفيذ، ولكنها تدل دلالة واضحة على أن خطوط 4 يونيو/حزيران 1967 لا تعتبر في المفاوضات هي الحدود الفاصلة بين الدولتين أو حدود دولة فلسطين أو دولة إسرائيل. ولو كان الأمر غير ذلك لكان النص كما يلي: “الحدود هي خطوط 4 حزيران/ يونيو 1967?. ومعنى هذا أن الحديث عن حدود عام 1967 على أنها حدود دولة فلسطين حديث ينطوي على الكثير من التضليل والمغالطة.

وفضلا عن ذلك فإن عبارة “تستند” مناورة تخفي في باطنها أمورا في غاية الخطورة تبرع بها الجانب الفلسطيني:

(أولا) أنه لا عودة لحدود عام 1967 ويعتبر الفلسطينيون متنازلين عنها. (ثانيا) أن الجانب الفلسطيني، مقدم مشروع القرار، يجازف بأن خطوته هذه تحتمل تفسيرا مؤداه أنه، بهذا النص وفي ضوء الواقع، يعتبر سابقة للتخلي عن حق التمسك بمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي، وهو مبدأ عدم جواز ضم أراضي الغير بالقوة، بالرغم من الإشارة اليه في الديباجة، وهو المبدأ الأساسي الذي كان السند القانوني لمطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية التي احتلت عام 1967. (ثالثا) إن هذا النص المبهم في مداه قد جاء لتثبيت الأمر الواقع، والاعتراف به، وبشرعيته، باسم الشعب الفلسطيني من استيطانٍ، وجدارٍ، ومصادراتٍ وغير ذلك من اعتداءات على الأرض والملكية. وربما (رابعا) وفي أحسن الفروض تبني فكرة “تبادل الأراضي”، هذه الفكرة العبقرية في التفريط بالوطن والحقوق التي جاءت بها لجنة فلسطين في الجامعة العربية، والتي ظننا، خطأ وعَبَطاً، أن المعارضة العارمة لها قد قتلتها.

و(خامسا) إن فتوى محكمة العدل الدولية بعدم شرعية الجدار العنصري لتجاوزه خطوط هدنة 1949 تعتبر الآن غير ذات موضوع، إلا، على الأكثر، فيما يتعلق بتعويض من تضرروا من بنائه. وحتى هذا الحق أصبح في خطر حيث أن المعيار الأخير في هذه المعايير التفريطية يقضي بأن الاتفاق النهائي وفقا لهذه المعايير يضع حدا لكافة المطالبات ويؤدي إلى الاعتراف المتبادل فورا.

(ثانيا) المعيار الثاني يتعلق باللاجئين، ونصه كالاتي: “حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين على أساس مبادرة السلام العربية والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بما فيها القرار 194(III)”.

حق العودة” حق طبيعي وحق من حقوق الإنسان الأصيلة، وليس هناك حل عادل وآخر غير عادل ومتفق عليه بالنسبة له، كما جاء في هذا المعيار من مشروع القرار. هو حق يمارسه الإنسان باختياره، وإذا حرمته السلطة صاحبة القرار في بلده من ممارسة هذا الحق فإنها ترتكب انتهاكا للقانون الدولي الإنساني، والقانون الطبيعي كذلك، وما قد تكون قد التزمت به بمقتضى المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان. وعلى هذا فإن النص في هذا المعيار على حل عادل ومتفق عليه يقضي على حق العودة ويسقطه، خاصة حيث أنه لا يتصور أن توافق إسرائيل على عودة اللاجئين إلى بيوتهم وأراضيهم وقراهم. كما أن معيار “الحل العادل والمتفق عليه” يتعارض تعارضا كاملا مع ما ورد في هذا المعيار من إشارة إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، حيث أن هذه المرجعيات تتنافى تماما مع هذا المعيار. كما أن الإشارة إلى المبادرة العربية في هذا الشأن هي إشارة في غير محلها حيث أن المبادرة كلها هي دليل فقط على ما وصل اليه الوضع العربي بشكل عام من ذل وهوان، والأكرم لأصحابها سحبها.

إن هذه الإشارات للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة هي للتعمية فقط وللإيهام بالتمسك بحق العودة في حين أن المعيار، في مجموعه، هو تخلٍ عن هذا الحق. القيادة الفلسطينية ممثلة باللجنة التنفيذية تنازلت عن هذا الحق تنازلا كاملا في وثيقة جنيف التي احتفل بالتوقيع عليها من قبل أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. وفي تلك الاتفاقية جرى التلاعب بممارسة حق العودة بأن أعلن الجانب الإسرائيلي استعداده للموافقة على عودة اللاجئين لأراضي دولة فلسطين، وليس إلى بيوتهم وأراضيهم وقراهم التي طردوا منها بقوة السلاح. نعم سياسة التلاعب بالألفاظ تتكرر، وها هي موجودة في هذا المعيار الخاص بحق العودة عندما يشار إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والقرار رقم 194 إيهاما بالحرص على الالتزام بالقانون الدولي والقرار رقم 149. المعيار الوحيد السليم هو فقط القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة دون أية شروط. إن عبارة “حل متفق عليه” تلغي حق العودة إلغاءا كاملا وتلغي الحق في اللجوء إلى القانون والى الجمعية العامة للأمم المتحدة للعمل على تطبيقه.

(ثالثا) القدس. نص مشروع القرار على ما يلي: “القدس عاصمة مشتركة للدولتين والتي تلبي التطلعات المشروعة للطرفين ويحمي حرية العبادة”.

أين القدس الشرقية عاصمةً لفلسطين؟ لا وجود له في النص، ومع ذلك لم يتوقف الايهام بأن مشروع القرار تضمن نصا بهذا. هذا النص يعني أن القدس الشرقية هي ضمن العاصمة المشتركة وبالتالي لا يصح لدولة فلسطين الانفراد بها. كما يعني كذلك، كما قلنا سابقا، أن القدس الشرقية لا تعتبر أرضا محتلة، وبالتالي فانها تخضع للمشاركة. وسينتهي الامر بأن تكون القدس الشرقية هي قرية أبو ديس التي سبق ووفق عليها منذ سنوات لتكون عاصمة لفلسطين بعد تغيير اسمها إلى “القدس?، وتنفرد إسرائيل بالقدسين الشرقية والغربية.   ثم ما معنى عبارة “التي تلبي التطلعات المشروعة للطرفين”، من الناحية القانونية، لتصبح قابلة للتطبيق؟  وهل “حماية حرية العبادة” كافية لحماية المقدسات نفسها، أم إنها تعني فقط ما تقول، ولا يدخل في الحماية لا المسجد الأقصى ولا غيره من المقدسات العربية، إسلامية ومسيحية؟.  من الواضح أن التعمية مقصودة في هذا النص، وهي تعمية تكرس الوضع القائم. القدس ليست محل عبادة فقط، هي تاريخ ووطن وحقوق، ولا يجوز التحايل على كل هذا بِ “معيار” مغطى بالمعميات.

 ديباجة القرار تعلن صراحة وبوضوح أن القدس الشرقية أرض محتلة ومجلس الأمن نفسه أعلن ذلك وأعلن عدم شرعية ضمها وطالب إسرائيل بإلغاء كل ما اتخذته من قرارات بشأنها. والنص المقترح يتعارض مع هذا كله ويفسر، في حالة إقراره، على أنه إلغاء للقرارات السابقة الصادرة من مجلس الأمن نفسه وتنازلا عنها من الجانب الفلسطيني، بدلا من التمسك بالالتزام بهذه القرارات، ومعاقبة إسرائيل على عدم تنفيذها.

إننا ندعو القيادة الفلسطينية إلى سحب هذا المشروع، إذا كان بهذه النصوص أو قريبا منها أو إعادة صياغته بحيث تكون المعايير هي الالتزام بالشرعية الدولية والشرعية الدولية ذات العلاقة فقط، وتنفيذ مقتضياتها تنفيذا سليما وبحسن نية بحيث ينتهي الاحتلال ويزال جميع ما ترتب عليه من آثار خلال مدة لا تتجاوز الفترة المنصوص عليها في مشروع القرار، وهي اثنا عشر شهرا من تاريخ إقراره.

نقلًا عن جريدة "رأي اليوم" الإلكترونية

مشاركة: