الرئيسية » عماد عطوي »   30 أيار 2019

| | |
قراءة في سيناريوهات الجزائر ما بعد بوتفليقة

فاجأت أحداث الحراك الشعبي الجزائري في الآونة الاخيرة العديد من المراقبين والمهتّمين بالشؤون العربية و الجزائرية خصوصا. فطبيعة الدينامية المتسارعة للحراك التي خرجت عن جميع توقعات المراقبين، أبطلت كل السيناريوهات المتوقعة  لما  سيكون كنتيجة لمعادلة السلطة التي طرحت فيها مطالب الحراك الشعبي من جمعته الاولى الى الثالثة عشر من الإنتفاضة.

يعود هذا الاخفاق -في نظري- إلى  تبني نموذجين مستقلين من التحليل، فأما النموذج الأول  فقد استند محللوه عموما على متناقضين إعتُمدا في رسم مسار السيناريوهات و محاولات التنبؤ مقارنة بمخرجات الواقع الجزائري الحالي من خلال  ،أولا، التعميم إنطلاقا مما هو نظري نحو ما هو امبريقي، اضافة ،الثاني، الى الانطلاق مما هو امبريقي في محاولة  لرسم ما هو نظري تعميمي. ويرجع كلا ذلك، فيما يبدو، إلى محاولة تكييف الواقع الجزائري  واسقاطه على احد الرهانات العربية السابقة. و أبرز ماكان في هذا النموذج تلك التحليلات الجيوبوليتكية التي أولت أهمية الى حسابات و تأثير القوى الخارجية. غير أن هذا النموذج لا يعطي أهمية للفواعل الداخلية كدور المجتمع المدني في الاحداث الحالية، كما يعجزهذا النموذج أيضا في فهم وربط التحولات الداخلية و الخارجية مع زمن الحراك الذي بلغ جمعته الثالثة عشر بعيدا عن كل السيناريوهات التي لوّنت واجتاحت ساحة الربيع العربي.

في مقابل ذلك، فريق آخرمن المراقبين التقليديين اعتمد شرح الواقع السياسي الجزائري استنادا على نظرية صراع النخب،  سيما تلك التي رسمتها الصراعات الاخيرة بين المؤسسة الرئاسية والعسكرية. غير أن المتتبع لتفسيرات هؤلاء المراقبين، يلحظ خلطا و يتيه في تحديد الفاعلين من خلال نوعين من النخب في طبيعتين متناقضتين من الصراع: هل هو صراع مدني (مؤسسة الرئاسة) ضد العسكري، أو صراع عسكري بعباءة مدنية ضد المؤسسة العسكرية. اضافة الى ذلك أن هذا الإتجاه أغفل أيضا المعطيات و التحولات التاريخية و الاقليمية وحتى المجتمعية في فهم طبيعة الصراع.

فإن كان إخفاق الفوج الاول في رسم سيناريوهات تتماشى و الساحة السياسية الجزائرية مبني على ماكان في الساحة العربية (السيناريو: السوري، الليبي، المصري) و قصور في فهم المعطيات التاريخية و التحولات الاقليمية،  فإن الفوج الثاني  على الاقل -و إن أخفق في مراعاة المعطيات الاقليمية والدّوليّة-  نجح في إخراج متغيّرٍ أساسيٍّ حدّد جوهر الصراع، الذي من خلاله يمكن رسم أحد السيناريوهات المترقّبة في الساحة الجزائرية.

فبعد خروج الجزائر من السيناريو السوري و الليبي، لازال من المراقبين من يراهن على السيناريو المصري بعد إستقالة الرئيس بوتفليقة الذي تزامن مع خطاب نائب وزير الدفاع، قائد الأركان القايد صالح بتفعيل الدستور عن طريق مواده 8،7 و المادة 102. غير أنّه، اذا كان هذا الطرح يتشابه شكلا بين الحالة الجزائرية و المصرية، فإنَّهُ  يختلف في مدخلاته في الحالة الجزائرية  من خلال  نقاط جوهرية أهمها:

الأوّل، أن القوة التقليدية الفاعلة بمصر (أساسا الجيش) تختلف تماما عن التي بالجزائرالتي عرفت تحولات جوهرية داخل مؤسسة الجيش:الثاني،القوة الأساسية المعارضة بمصر أعيد تشكيلها عن طريق إستدراجها نحو السلطة و إحتوائها بعد إدراك نقاط ضعفها ( وهذا لم يحصل بعد ولن يحصل):ثالثا، إستطاعت القوة الفاعلة بمصر إستدراج الحراك الشعبي و تغيير مساره بتفعيل الخطاب الاسلامي لصالحه ضد الإخوان، و هذا قد فشل تفعيله بالجزائر:رابعا، دور القوى الخارجية في دعم القوة الفاعلة عن طريق إنقلاب السيسي على مرسي.

غير أنّ الرهان في هذه الورقة يكون على بناء سيناريو إستنادا على طبيعة أيديولوجية العسكري في خظم التحولات الاقليمية، و قراءة في طبيعة الحراك الشعبي.

أيديولوجية العسكري الجزائري:

لا شكّ أنّ الحديث عن علاقة الجيش و طبيعة النظام العسكري بالجزائر لم يكن موضوعا جديدا في دراسة النظام السياسي الجزائري. بل وحتى طبيعة العلاقات  المدنية العسكرية لازالت من المواضيع العالقة التي استعصى على الباحثين تفسيرها. وهذا في تقديري يعود لإهمال قراءة و فهم النقاط المفصلية التاريخية بشكل متمعن للعلاقة بين السياسي و العسكري في الجزائر.

فالاشكالية الجوهريّة في دراسة طبيعة علاقة العسكري بالسياسي، لا تكمن في أخذ العسكري و دراسته كنظير للسياسي . بل، يجب ،في إعتقادي، دراسة العسكري كوحدة مستقلة من خلال تفكيك عقليته و أيديولوجيته و ما مدى قابليته لتحويل السلطة للمدني . لسببين:

1-أن العسكريين الجزائريين هم سياسيون بالفطرة: حيث أن،تاريخيا، إعلان جبهة التحرير الوطني للكفاح المسلح ضدّ الاستعمار، كان موازنة للتجربة المأساوية التي خاضتها الاحزاب السياسية في مطالبة حقوق الشعب الجزائري من ناحية. و من ناحية أخرى، أن التجربة السياسية كانت عبارة عن مماطلة لأخذ حقوق الجزائريين، و هو ما أتضح بعد الحرب العالمية الثانية، خلال مجازر 8 ماي 1945 التي قامت بها فرنسا بعدما طالب الجزائريون بحق الاستقلال، الذي اعتبره الجزائريون حقا سياسيا قطعته فرنسا على نفسها بعد خروجها منتصرة من الحرب ضد ألمانيا.

 2- أن السياسي المدني في تاريخ الجزائر المستقلة هو عسكري بعباءة مدنيّة: بداية من الاستقلال مع بن بلّة، ثم هواري بومدين، شادلي بن جديد، بوضياف، زروال الى عهد بوتفليقة، كل رؤساء الجزائر ذات خلفية و قاعدة عسكرية، بحكم مشاركتهم في محاربة الاستعمار الفرنسي.

فممعن النظر في تاريخ الرؤساء و الجنرالات الفاعلين في دوائر القرار في الدولة ، يلحظ نوعين أو ايديولوجيتين متباينتين يحددان طبيعة العسكريين او السياسيين في الجزائر.

الأوّل، ينحدر من أيديولوجيّة فرنسيّة تعكس المصالح الفرنسيّة بالجزائر غير قابلة لنقل السّلطة للمدني. مثّل هذه الايديولوجية مجموعة الضباط الفارين من فرنسا الذين التحقوا بالثورة بداية من1958، و الذين سيكون لهم دور في التحكم في مفاصل الدولة و تعيين الرؤساء. و النوع الثاني تميّز بأيديولوجية جزائريّة معادية لفرنسا و للاستعمار، قابلة، بل و عملت على نقل السلطة للمدني في العديد من الحالات، غير أن فاعليتها بالجيش لم تكن بقدر الاولى، و الصراع بين كلا الايديولوجيتين يحدده صاحب القوة في المؤسسة العسكرية. فبعد وفاة هواري بومدين الذي أفرز عيانا صراع ايديولوجيتين متبارزتين في الساحة السياسية الجزائرية بين العربفيليين و الفرنكوفيليين، بدأت ملامح الصراع تتضح في استقالة الشادلي بن جديد المحسوب على الايديولوجية الجزائرية بضغط القوة الفاعلة في مؤسسة الجيش، بعد محاولته نقل السلطة للاسلاميين عن طريق انتخابات 1991. بعدها مقتل بوضياف من طرف المحسوبين على فرنسا بعدما سعى على تمدين الدولة  ثم دفع زروال نحو الاستقالة في 1997 المحسوب ايضا على الايديولوجية المعادية لفرنسا، و مع نقل السلطة للمدني. و هذا ما توضحه رسالته لبوتفليقة قبل أيام من تقديم استقالته في خضم الحراك الحالي.

 فعلى ما يبدو في قراءة للساحة السياسية الحالية، أن قائد الاركان الحالي، القايد صالح، يبرز من خلال خطابه ضد ما أسماهم بالعصابة التي تتبنى "مخططات مشبوهة ترمي لزعزعة استقرار البلاد" رسالة تم قراءتها أنها موجهة للقوى التقليدية المتمثلة في جناح الرئاسة -مع رئيس جهاز مخابراتها ، و الرئيس السابق للمخابرات التي تخدم الأجندة الفرنسيّة. وهذا ما اكده اخر خطاب له في تحذير جناح فرنسا. كما يمكن قراءة هذه التحوّلات التي تتبناها المؤسّسة العسكرية اليوم من خلال خطاباتها التي تواكب مطالب الحراك الشعبي، كدلالات لزوال فلول فرنسا من المؤسّسة العسكرية و تبنّي مصطلح الجيش الاحترافي الذي يلزم الجيش بالابتعاد عن السياسة، و ان كل الافعال التي تقوم بها المؤسسة العسكرية أنها مسؤولية تقع على عاتقها كواجب دستوري يضمن الاستقرار و انتقال السلطة للمدني م خلال تفعيل المادة 102 من الدستور.حسب ما جاء في خطابها.

كما، يمكن فهم أن العوامل الإقليمية باتت غير قادرة لتحريك الثورة المضادّة داخل الجزائر بعد عزل بوتفليقة وعصبته. و هو ما يفسّر تحرك الامارات و فرنسا و مصر عن طريق حفتر كورقة لضرب الحراك بالجزائر عن طريق تشتيت مساعي الجيش و جره نحو التركيز على الحدود مما يتيح بيئة خصبة لاعادة تشكيل القوة التقليدية. كما بات الدور الفرنسي في الجزائر غير قادر على صناعة ربيع عربي آخر بالجزائر بعد افول حلفاء باريس، إضافة إلى المأزق الليبي الذي أصبح يشكل خطرا على الامن القومي لدول جنوب أوربا (فرنسا و ايطاليا، إسبانيا) من خلال أمواج الهجرة غير الشرعية. فليس من مصالح باريس أن تراهن على ورقة زعزعة الامن بعد خسارتها للاعبها الرئيسي بالجزائر و فتح مجال قد يكلفها كثيرا ليس فقط في الجزائر، بل حتى مع قوى أخرى منافسة ترى مصالحها  في الجزائر كروسيا و الصين، و خسارة مناطق نفوذها الاستراتيجية في مالي و الساحل الافريقي كنتيجة لزعزعة الاستقرار. إضافة الى المشاكل الدّاخلية التي لازالت تلهيها مع السترات الصفر داخل جغرافيتها.

الحراك الشعبي:

كثير من المراقبين لازال يراهن على السيناريو المصري بخصوص الحراك الشعبي الجزائري الذي وُصـفَ بغير العقلاني، غير أن الحراك السلمي من أول جمعة الى جمعته الثالثة عشر  أبرز مدى فعالية التنظيم و عقلانية الحراك في نهج طريقه نحو مطالبه. فعدم وجود ممثلين للحراك لا يعني إمكانية خطف مساعي الحراك، طالما أن للحراك مؤطّرين غير مرئيين و المطالب الشعبية لم تتغير منذ لحظتها الاولى من بداية الحراك.

لقد أبدت تجارب النظام لخرق الحراك الشعبي قصورها و عدم جدوتها لتحقيق ذلك، فإستراتيجيات النظام قوبلت بإستراتيجيات الحراك الذي إستجاب عكسيا لما سعى اليه النظام قبل استقالة بوتفليقة و ما تسعى له بقاياه. فغياب ممثلي الحراك كان نتيجة للتجارب التي خاضها الشعب الجزائري من قبل، بعدما كان النظام ناجحا  في افشال حراكات شعبية باحتواء قادتها بطرق مختلفة مثل ما جرى في حراك "العروش" انفا.

 إضافة إلى معرفة الحراك الشعبي و ادراكه أن كل الحِراكات العربية التي فشلت في دول الربيع العربي، كانت نتيحة لعنف التظاهر الذي استجاب  بطريقة او باخرى لطعم استراتيجيات النظام الهجومية المفتعلة التي أعطت الضوء الاخضر  للتدخل القهري ضد المتظاهرين. فالملاحظ في الحراك الشعبي بالجزائر، انه كلما كان هناك استراتيجية عنف من النظام يتم احتواؤها بطرق سلميّة، تهدّن سخونة من يسعى الى تهييج المتظاهرين واخراج الحراك من اطاره السلمي. كما نجح الحراك في المحافظة على سلميته باحتواء و صد كل محاولة اختراق عن طريق تصوير و تسليم البلطجية"أصحاب الكاشير" الى الشرطة، مع التمسك بالمطالب التي تسعى لتغيير النظام بعيدا عن المفاوضات التي ترهق و تبطل مساعي الحراك الشعبي.

و كتقييم للحراك في عمومه، فانه يمكن القول ان الحراك الجزائري إستطاع تحقيق بعض المطالب التي تمكنه و تحفزه في مواصلة مسيرته نحو جميع مطالبه، كإستقالة بوتفليقة ، و تنحية بعض الفاعلين في صناعة القرار المحسوبون على جناحه.

غير أنه، يجب أخذ بعين الاعتبار المخاطر التي قد تترتب عن بقايا النظام السابق في محاولات اختراق الحراك، كالتي جرت في الجمعة السابعة و ما تلاها من طرد شخصيات معارضة كانت فاعلة في تحريك المظاهرات السلمية.  كما وجب العمل على تسريع إستجابة المطالب الشعبية في أقرب وقت، مع أخذ كل الحذر من بقايا النظام السابق عن طريق احتواءهم أو ابعادهم عن محاولات اختراق الحراك الشعبي.

مما سبق يمكن أن نلخص ان التحولات الجوهرية التي مست المؤسسة العسكرية من الداخل، مع التحولات الاقليمية مكنت الحراك السلمي للشعب الجزائري من قطع شوط في مسيرته نحو تحقيق مطالبه.

يجب فهم التغيرات السياسية بالساحة الجزائرية بناءا على المعطيات التي تحددها القوى الفاعلة في الجيش و التحولات الاقليمية و الدولية التي تصبغ الساحة العربية اليوم. و ان التحولات الاقليمية و الدولية على اختلاف كبير مقارنة بالتي كانت في بداية الربيع العربي.

ان طبيعة النظام الجزائري العسكري لا يحدده الصراع بين السياسي و العسكري، بل تحدده طبيعة ايديولوجية العسكري بين رافظ و قابل لنقل السلطة للمدني.

 واخيرا، ان السيناريو المصري يبقى بعيدا، في اعتقادي، عن الساحة الجزائرية نظرا للتحولات التي طرأت على طبيعة الجيش الجزائري، و ان الجيش الجزائري الحالي الذي يمثل الايديولوجية الجزائرية العربية مدرك لتكلفة الصراع الذي قد يكون، اذا عادت بقايا الايديولوجية الفرنسية داخل الجيش مع الدعم الفرنسي. كما يجدر التنويه عن نية الجيش التي اتضحت من خلال تسريع تفعيل الدستور وفق المطالب الشعبية، وسلمية الجيش و كل السلطات المسلحة في تعاملها مع الحراك (تحسبا لاي حراك دولي قد يقتنص فرصة التدخل) و هو ما يتضح  بانعدام اطلاق الرصاص او قمع المتظاهرين.

مشاركة: