الرئيسية » هاني المصري »   18 حزيران 2019

| | |
هل بات ضم إسرائيل لأجزاء من الضفة حتمياً؟
هاني المصري

تجد إسرائيل أن الوقت بات ملائماً للاندفاع نحو سياساتها في ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية خصوصاً في ظل وجود إدارة الرئيس ترمب، وتواطؤ عربي واضح.

الضمّ وسياسات الولايات المتحدة

تُوجِب تصريحات ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي في إسرائيل، حول حق إسرائيل في ضم أجزاء من الضفة الغربية، الاستعداد الجدي لقرار الضم، الذي يمكن أن ينفذ سواء طُرحت الخطة الأمريكية التي تسمى"صفقة ترمب"أم لم تُطرح.

فالتصريح يعطي الضوء الأخضر للحكومة الإسرائيلية الحالية أو القادمة للإقدام على ذلك، خصوصاً مع عدم تعليق البيت الأبيض عليه، مع تأكيد جيسون غرينبلات أنه موافق على روح ما قاله زميله فريدمان بخصوص الضم، في حين حاولت الخارجية الأمريكية (المقصاة عن الملف الفلسطيني الذي يتولاه جاريد كوشنر وفريقه) التقليل من شأنه، من خلال القول إنّه لا تغيير على الموقف الأمريكي من المستعمرات الاستيطانية، ولا خطط إسرائيلية معروضة الآن فيما يخص ذلك.

لا تتضمن الخطة الأمريكية حلّاً تفاوضياً، ولا أي حق من الحقوق الفلسطينية، بما فيها قيام دولة فلسطينية، بل هي توهم بإمكانية تحقيق "الازدهار" تحت الاحتلال، وهدفها إدامة الاحتلال، وشرعنته، وتأبيد الحكم الذاتي تحت السيادة الإسرائيلية.

لا تتضمن الخطة الأمريكية حلّاً تفاوضياً ولا أي حق من الحقوق الفلسطينية بما فيها قيام دولة فلسطينية.

هاني المصري

وتتمثل مرجعية الخطة الوحيدة في الحقائق والوقائع التي كرَّسَتها إسرائيل منذ قيامها في عام 1948 وحتى الآن، فيما عدا الضمّ، إذ يشير تصريح فريدمان إلى أن إدارة ترمب متحمسة له قبل إقدام الحكومة الإسرائيلية عليه، وما يزيد حماسها خشيتها من عدم قدرة نتنياهو على الفوز في الانتخابات القادمة في أيلول 2019، لذلك فإن الأهم للإدارة الأمريكية إنقاذ نتنياهو، وضمان مستقبله السياسي، واجتيازه عتبة الاتهامات من خلال توفير الحصانة القانونية له إذا حصل اليمين واليمين المتطرف على العدد اللازم لتمرير قانون بخصوصها.

اللحظة الحالية مواتية للضم

اللحظة الحالية تبدو مناسبة لتمرير ضمّ أجزاء من الضفة الغربية، بدءاً بالكتل الاستيطانية، وصولاً إلى ضمّ الأراضي المحتلة المصنفة (ج)، وهو ما يظهر في استمرار الانقسام المدمر، وعدم بلورة رؤية واستراتيجية فلسطينية وعربية تناسبان المتغيرات العاصفة، هذا بالإضافة إلى ما يجري في المنطقة العربية من صراعات وحروب داخلية أو بينية، وفي ظل وجود وهم بإمكانية تحالف بعض العرب مع إسرائيل لحماية الحكام وتغيير الأولويات من مواجهة الخطر الإسرائيلي إلى مواجهة الخطر الإيراني، فضلاً عن انشغال العالم بقضايا أخرى في ظلّ انتشار شريعة الغاب، وعدم وجود قيادة للعالم مهيمنة ومتفق عليها، كما يظهر في شلل المؤسسات الدولية وتحييد القانون الدولي.

"صفقة ترمب" ليست "صفقة" بين العرب وإسرائيل وإنما صفقة بين اليمين الأمريكي واليمين الإسرائيلي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.

هاني المصري

وتظهر فوضوية غياب القانون الدولي إلى درجة أنه لم تقُم أي دولة بدعوة مجلس الأمن لإدانة الإدارة الأمريكية بخطوتها بالاعتراف بضم الجولان، والتي من شأنها أن تشجع على ضم أجزاء من الضفة، رغم خرقها الصارخ لشرعية الأمم المتحدة وقواعد الأمن والاستقرار والسلام في العالم، وتظهر كذلك في الدعم الأمريكي المطلق لليمين الإسرائيلي، لدرجة أن "صفقة ترمب" كما أراها ليست "صفقة" بين العرب وإسرائيل، وإنما صفقة بين اليمين الأمريكي واليمين الإسرائيلي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وإدماج إسرائيل في المنطقة لإيجاد الشرق الأوسط الجديد.

كما أن ما يجري على الأرض الفلسطينية منذ قيام إسرائيل في عام 1948 واحتلالها بقية فلسطين في عام 1967، ناضج للإقدام على هذه الخطوة، إذ أصبحت ملكية معظم الأراضي في فلسطين التاريخية (نحو 82%) في أيدي اليهود كأفراد أو أراضي دولة.

كما بلغ عدد المستوطنين في الضفة أكثر من 800 ألف مستوطن، وسط مخططات لرفع العدد إلى مليون خلال سنوات قليلة، إلى جانب مخططات تتحدث عن رفع عددهم إلى مليوني مستوطن، فضلاً عن شقّ الطرق الالتفافية، وإقامة مختلف مرافق البنية التحتية، وتضييق الحياة على الفلسطينيين بكل الأشكال الممكنة لطردهم من أراضيهم، وتجميعهم في معازل منفصلة بعضها عن بعض في الأراضي المصنّفة (أ) و (ب).

إجراءات إسرائيلية فعلية على الأرض

لقد بدأت الحكومة الإسرائيلية في تطبيق القانون الإسرائيلي على أراضي المستعمرات، مثل اتساع نطاق مجلس التعليم العالي ليشملها. كما أصدر مؤتمر الليكود في العام 2017 قراراً بالموافقة على تطبيق القانون الإسرائيلي والسيادة الإسرائيلية على المستوطنات.

في حين صرح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عشية الانتخابات الأخيرة بأنه يخطط لضم أجزاء من الضفة، بما يشمل الكتل الاستيطانية وجميع البؤر الاستيطانية. وأكّد هذا الموقف مرة أخرى ردّاً على المذكرة التي وقعها عشرات الضباط ورجال الأمن السابقين الذين حذروا من الإقدام على هذه الخطوة، وطالبوا بإجراء استفتاء عامّ حولها.

كما أن معظم أعضاء الكنيست المنحل يؤيدون هذه الخطوة، لدرجة أن اعتبر يوز هندل، عضو الكنيست عن حزب "أرزق-أبيض"، تصريح فريدمان ينسجم مع برنامج حزبه.

ولتسليط مزيد من الضوء، نشير إلى أن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين طلب العام الماضي ضم جميع الضفة الغربية لإسرائيل مرة واحدة لا على دفعات، وأن الأحزاب اليمينية المتطرفة أصرَّت على وضع نقطة في المشاورات لوضع برنامج الائتلاف الحكومي غداة الانتخابات السابقة حول الضمّ، وقد وافق حزب الليكود ونتنياهو حينها على ذلك.

إضافة إلى أن هذه الأحزاب اليمينية تعدّ ضم المستعمرات خطوة على طريق ضم كل مناطق (ج) التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة، لدرجة أنهم يقللون من عدد السكان الفلسطينيين في تلك المناطق إلى 80 ألفًا، في حين أنهم في الحقيقة نحو 400 ألف، أما بقية الأراضي المصنفة (أ) و (ب)، التي تشكل أقل من 40% من مساحة الضفة، فأغلب أعضاء الكنيست لا يوافقون على ضمها.

من الصعب على الفلسطينيين في حال ضمّ أجزاء من الضفة رغم استراتيجية البقاء والانتظار التي تهيمن عليهم الاكتفاء بالتهديدات اللفظية.

هاني المصري

وفي دلالة على أن النية تتجه نحو الضم القانوني بعد سنوات من الضم الزاحف، هناك تحضير لكيفية التعامل مع الفلسطينيين الموجودين في الأراضي التي تتعرض للضمّ، الذين لن يُمنحوا الجنسية الإسرائيلية وفق اتفاق عامّ لدعاة الضم، ولن يتمكنوا من الانتخاب أو الترشح، ولن يحصلوا على حقوقهم المدنية والاجتماعية، وسيخضعون لفترة طويلة وصعبة من إعادة التأهيل التي سيتمكن عدد قليل منهم من الحصول على الجنسية في نهايتها، هذا إن لم يتم تهجيرهم، أو اعتبارهم حاملي الجنسية الفلسطينية رغم ضمهم لإسرائيل.

فرامل في وجه عملية الضم

على الجانب المقابل، هناك أمور عدة قد تجعل من الضم احتمالاً يصعب تحققه، منها:

أولاً: إجماع الفلسطينيين، ومن ورائهم العالم كله تقريباً، على رفض عمليات الضم أحادي الجانب.

ثانياً: وجود معارضة داخل إسرائيل لسياسة الضم، سواء للحفاظ على نقاء الدولة اليهودية، وتفضيل التوصل إلى اتفاق تسوية تقضي بالانفصال عن الفلسطينيين، مع استمرار السيطرة عليهم، أو لأن المؤسسة الأمنية والعسكرية تميل إلى التحذير من الإقدام على الضمّ، وما يمكن أن يؤدِّي إليه من تغيير قواعد اللعبة كلياً، من خلال انهيار التنسيق الأمني والسلطة الفلسطينية، واحتمال توحُّد الفلسطينيين مجدداً، سياسياً ومؤسسياً أو ميدانياً، أو تقوية الفصائل الفلسطينية التي تتبنَّى المقاومة وحلفائها في المنطقة والإقليم، وضياع ما تبقى من اتفاق أوسلو.

من الصعب على الفلسطينيين في حال ضمّ أجزاء من الضفة رغم استراتيجية البقاء والانتظار التي تهيمن عليهم، الاكتفاء بالتهديدات اللفظية، واتخاذ القرارات دون تنفيذ حول إعادة النظر في العلاقة مع الاحتلال، وإنهاء التنسيق الأمني وكذلك التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، وتعليق الاعتراف بإسرائيل.

مشاركة: