الرئيسية » تقدير موقف » رازي نابلسي »  

قراءة/تحميل | | | |
التصعيد بين "حزب الله" وإسرائيل .. جولة في حرب غير معلنة
رازي نابلسي

صدرت هذه الورقة عن لجنة السياسات في مركز مسارات من إعداد رازي نابلسي.

مقدمة

شكّل التوتّر الأخير ما بين "حزب الله" اللبناني وإسرائيل جولة إضافيّة في ما يسمّى "المعركة ما بين الحروب". وهو الوصف الذي تُطلقه إسرائيل عمليًا على كُل حملاتها العدوانيّة في سوريا ولبنان، وحديثًا العراق، على اعتبار أنّها نشاطات عسكريّة مُستمرّة لا ترتقيّ إلى "حرب"، ولكنّها غير معزولة عن الحرب التي يتجهّز لها الجميع تقريبًا في الإقليم، دون الإعلان عنها رسميًا. وبالنسبة إلى الطرفين، أي "إسرائيل" و"حزب الله"، فإن هذه الجولة عمليًا انتهت في الأول من أيلول 2019؛ أي مع قيام "حزب الله" بضرب قاعدة عسكريّة إسرائيليّة كانت تحوي مركبات عسكريّة عدّة وسيّارة إسعاف عسكريّ، دون وقوع إصابات، بحسب ما نشره الجيش الإسرائيليّ، وسط تصميم "حزب الله" على وقوع إصابات في الجانب الإسرائيليّ.

في هذا السياق، تبدو الجولة الأخيرة من التصعيد كسابقاتها من الجولات التي تنتهي برد على عدوان إسرائيليّ، تتجهّز له إسرائيل، وتحتويه دون الانجرار إلى حرب مفتوحة أعلن الطرفان أنّهما غير معنيَيْن باشتعالها. هذا من حيث الظاهر: جولة عسكريّة يعود بعدها الطرفان إلى مواقعهما للتحضير. ولكن، من المهم جدًا، الإشارة إلى نقطتين أساسيّتين: أولًا، أن هذا العدوان الإسرائيليّ على لبنان كان تحت عنوان جديد، وهو "الصواريخ الدقيقة" التي أعلنت إسرائيل أنّها تستهدفها، واستمرّت بالنشر عنها على أساس أنّها مشروع جديد لن تسمح به في لبنان، لما فيه من خطورة وتغيير لـ"قواعد اللعبة"؛ وثانيًا، حقيقة أن الجولة بدأت وخاضها الطرفان أساسًا في ظل وضع مُختلف إقليميًا، حيث تقصف إسرائيل في العراق وسوريا، كما أن الخليج يعيش حالة من التوتّر بعد حوادث اختطاف ناقلات نفط، بالإضافة إلى إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نيّته خوض مفاوضات مع إيران تُحاول إسرائيل التأثير عليها، وحتّى إفشالها.

جولة إضافيّة ودعوة إلى تصحيح "الخطأ الإستراتيجيّ"

جاءت الجولة الأخيرة بعد استهداف إسرائيل ناشطين في حزب الله على الأراضيّ السوريّة، بادّعاء أنهما كانا ضمن خليّة إيرانيّة أرادت إطلاق طائرات مسيّرة مفخّخة لاستهداف مواقع إسرائيليّة، ردًا على القصف الإسرائيليّ في العراق. واعترفت إسرائيل رسميًا بمسؤوليّتها عن القصف الذي راح ضحيّته اثنين من كوادر الحزب في قرية عقربا بمحافظة درعا السوريّة. وعلى الرغم من اعتراف إسرائيل بالقصف، إلّا أنها اعترفت به كقصف دفاعيّ لإحباط عمليّة إيرانيّة، وهو ما استمرّت في إذاعته حتّى الأول من أيلول، على اعتبار أنّها لم تقصف كوادر "حزب الله"، بل خليّة إيرانيّة بتوجيه وقيادة وأوامر "الحرس الثوري الإيرانيّ". وبعد العدوان على سوريا بيوم واحد، أعلن "حزب الله" إسقاط طائرتين مسيّرتين إسرائيليّتين في الضاحية الجنوبيّة. وادّعى الحزب أن الطائرتين كانتا مفخّختين، وأنكرت إسرائيل مسؤوليّتها ولم تعترف رسميًا بإرسال الطائرات إلى الضاحية. وبعدها، هدّد حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، بالرد على العدوان الإسرائيليّ على لبنان، وأخذت إسرائيل تهديده بجديّة، وبدأت تتحضّر له على اعتبار أنّه آت لا محالة، وهو فعلًا ما حصل في النهاية وجاء على نمط استهداف عسكريّ على المناطق الحدوديّة.

وفي هذا السياق، جاء الرد كرد على العدوان الإسرائيليّ، وأُلحِق بجهود ديبلوماسيّة لإغلاق دائرة الرد. وهو ما يذكّرنا برد حزب الله على اغتيال جهاد مغنيّة في الجولان السوريّ في العام 2015، إذ رد الحزب باستهداف آليّة عسكريّة وقتل اثنين من الجنود المتواجدين فيها على الحدود اللبنانيّة. واحتوت إسرائيل الرد بذات الصورة التي احتوت فيها الرد في العام 2019، مع الأخذ بعين الاعتبار تجهّزها للرد بصورة أكثر دقّة من العام 2015، وتوقّعها أن يكون ذات الرد، وفي ذات نوعيّة الموقع: مركبة عسكريّة على الحدود.

هذا باختصار، هي مجريات الأمور الأساسيّة والتطوّرات الأخيرة، ولكنّها ليست إلّا "انزياحًا" مؤقتًا  عن الخط العام المستمر والقائم في الإقليم: تحضير مُستمر للحرب دون الحرب. ولكن هناك سؤال يُطرح إسرائيليًا: كيف يمكن تصحيح الخطأ الإستراتيجيّ الذي سمح لحزب الله بتكوين مُعادلة ردع؟  وهذا، هو السؤال الذي طرحه بجديّة تامّة جميع المُحللين العسكريين، بالإضافة إلى نفتالي بينيت، الوزير السابق والمرشّح عن حزب "يمينا"، والجنرال يائير غولان، المرشّح عن "المعسكر الديمقراطيّ"، ونائب رئيس هيئة الأركان الإسرائيليّة السابق،  الذي دعا علانيّة إلى البحث في التهديد الذي يشكّله حزب الله عمومًا على الجبهة الشماليّة، وعدم ترك الأمور على ما هي عليه - أي وجود تهديد دائم ومُعادلة ردع أصلًا.

إنّ التشديد على بينيت وغولان ليس اعتباطيًا، بل لحقيقة أن كلاهما يشكّلان في السياسة الإسرائيليّة أقصى القطبين: الأول يطمح أن يكون على يمين نتنياهو، وكان حتّى وقت قصير جدًا زعيم حزب "البيت اليهوديّ" الدينيّ الاستيطانيّ؛ والثانيّ هو المرشّح الثاني في تحالف "ميرتس وإيهود باراك"، الذي طرح رسم حدود دولة إسرائيل وفتح مسار سياسيّ. وهو ما يدل، فعليًا، على إجماع إسرائيليّ بأن امتلاك "حزب الله" لمئات آلاف الصواريخ، بعد أن كانت لا تتعدّى الخمسة آلاف خلال عدوان العام 2006، هو خطأ إستراتيجيّ إسرائيليّ يجب تصحيحه وعدم السماح باستمراره.

الصواريخ الدقيقة وتغيير قواعد اللعبة

الجديد في هذه الجولة، عمليًا، هو حقيقة أن إسرائيل وضعت فيها أساسات المرحلة المُقبلة في الصراع مع "حزب الله"، الذي بات يمكن الاطّلاع عليه أيضًا كحلقة في الصراع "الإسرائيليّ- الإيرانيّ". وهذه الأساسات التي وضعتها إسرائيل في هذه المرة، على غير سابقاتها من جولات التصعيد عمومًا، تفسّر الإستراتيجيّة الخاطئة التي سمحت لـ"حزب الله" بالوصول إلى ما هو عليه، وتضع نقاطًا جديدة للبحث: أولًا، إسرائيل لا تخرج إلى حرب بسبب تسلّح دولة عربيّة مُعادية إلّا في حال سعت هذه الدولة إلى الحصول على نوع من السلاح يكسر التفوّق الجوّي الإسرائيليّ والعسكريّ عمومًا، كسلاح نوويّ على سبيل المثال؛ ثانيًا، التسلّح بحد ذاته لا يستدعي حربًا استباقيّة. وهذا ما يُطلق عليه في الدوائر الإسرائيليّة العسكريّة "عقيدة بيغين"، وهي التي تم استنادًا إليها قصف المفاعل النووي في العراق في العام 1981، ومفاعل دير الزور في سوريا في  العام 2007.[1]

ينسب كُل من عاموس يدلين، رئيس شعبة الاستخبارات العسكريّة، ومدير مركز أبحاث الأمن القوميّ، وروني دانييل، المحلّل العسكريّ للقناة الإسرائيليّة 12، ويائير غولان، هذا الخطأ الإستراتيجيّ للالتزام الحاد إسرائيليًا بعقيدة بيغين، وعدم تحديثها لتلائم التحدّيات القائمة حيث "الأعداء تعلّموا الدرس" وبدأوا يخوضون سباق تسلّح تحت مظلّة العقيدة، وعلى إسرائيل أن تبحث جديًا عن الأسلحة التي لا تصل إلى حد السلاح النووي ولكنها قادرة على شل المراكز الحيويّة[2] في إسرائيل، كالصواريخ الدقيقة التي تدّعي إسرائيل تطويرها في لبنان، وأيضًا في العراق وسوريا.

هذا النقاش الذي خاضه يدلين مع نُخبة من القيادة العسكريّة السابقة والمحلّلين العسكريين للقناة 12، ويوافق معه ألون بن دافيد، المحلّل في القناة 13، رافقه خلال التصعيد وبعده نشر إسرائيليّ مكثّف عن الصواريخ الدقيقة التي يُحاول "حزب الله"، بحسب إسرائيل، تطوريها في لبنان، كجزء من مشروع إيرانيّ تعمل إسرائيل على إفشاله من خلال القصف في سوريا والعراق مؤخرًا، رغم الخطورة الكامنة في القصف على العراق إن كان عمليّاتيًا بسبب بعد المسافة التي يتوجّب على الطائرات الإسرائيليّة قطعها، وإن كان سياسيًا، لما يشكّله من توتّر مع الولايات المتحدة المعنيّة باستقرار العراق.

تتمتع هذه الصواريخ الدقيقة بمستوى خطأ يصل إلى عشرة أمتار فقط، وتعمل من خلال موجّه دائم موجود في غرفة القيادة يوجّه الصاروخ إلى المكان المخصّص ضربه. وهذا، ما بدأت عمليًا أبواق إسرائيل بالتحذير منه في منهجيّة واضحة: نتنياهو يكشف عن مصانع في لبنان[3]؛ الجيش ينشر تفاصيل الصواريخ والمصانع وآليات عملها[4]؛ ومن ثم يخرج الجنرالات، كيدلين وغولان ودانييل، على القنوات الإعلاميّة للتدليل على مرحلة جديدة دخل إليها "حزب الله"[5]. وفي ذات الوقت، يظهر في الإعلام الإسرائيليّ أن هذا النشر كلّه، رسالة إلى "حزب الله" بأن إسرائيل تعلم وبالأسماء، مع إشارة إلى أنّها لن تسكت.

هذا يُشير إلى أن إسرائيل، تسعى إلى رسم قواعد جديدة للعبة في الإقليم، بذريعة وجود وضعيّة جديدة على الجبهة اللبنانيّة. وهو ما بدأت به عمليًا مع بدء القصف في العراق، وتحاول صياغته في لبنان، بادّعاء أن الصواريخ الدقيقة بحد ذاتها تعدّ تغييرًا لقواعد اللعبة والصراع الإيرانيّ- الإسرائيليّ، إذ تدّعي إسرائيل أن وجود الصواريخ الدقيقة بحد ذاته، والتوسّع الإيرانيّ إلى العراق، ونقل مشروع تحسين دقّة الصواريخ إلى لبنان، يشكّل تغييرًا إستراتيجيًا على الجبهة، وعلى سلوكها في الجبهة. ولبنان جزء من هذا التغيير الإقليميّ ومن مشروع الصواريخ، وبالتاليّ تعمل على تغيير قواعد الردع مع لبنان.

وهذا ما يؤكده أيضًا حسن نصر الله في خطابَيْه اللذين ألقاهما بعد العدوان الإسرائيليّ، على تغيير في قواعد اللعبة، وتحديدًا ما أشار إليه في توجّهه إلى اللبنانيين بالقول إنه إن سكتنا هذه المرة، فستغدو لبنان كسوريا والعراق، حيث تقصف إسرائيل دون رادع. وبكلمات أخرى: على ما يبدو، فإن هناك توجهًا إسرائيليًّا لتغيير قاعدة الردع المُتبادل مع لبنان، ولكن مصير هذا التوجّه لا يزال غير واضح، ما يدلّل على أن هذا التوتّر من شأنه أن يستمر، خاصة بعد طلب يائير كوخافي، رئيس هيئة الأركان الإسرائيليّ، غداة انتهاء الجولة العسكريّة، من رئيس بعثة اليونيفيل على الحدود، العمل على إيقاف مشروع "الصواريخ الدقيقة"[6]، وهو ما يعني إمّا أن إسرائيل مصمّمة على الاستمرار في عدوانها حتّى إيقاف المشروع إن استطاعت؛ وإمّا أن إسرائيل تبحث عن ذريعة لعدوان مستقبليّ على لبنان.

سيناريوهات المُستقبل: إقليم يتحضّر للانفجار

أمام هذا الواقع، ترصد الورقة ثلاثة سيناريوهات من الممكن أن تتطوّر الأمور إليها:

السيناريو الأول: استمرار الوضع القائم

يقوم هذا السيناريو أساسًا على استمرار "المعركة ما بين الحروب"، أي الاستمرار في معادلة الردع القائم مع استمرار النشاط العدوانيّ الإسرائيليّ في الإقليم عبر القصف في سوريا والعراق دون قصف في لبنان، وهو ما يحصل فعليًا. ولكن تكمن الخطورة في هذا السيناريو في أن التوتّر قائم دائمًا دون مواجهة عسكريّة مُعلنة، ما يجعل من أي خطأ أو عمليّة مشوّشة عبارة عن سلسلة من العمليات التي تقود إلى حرب في كُل لحظة.

هذا السيناريو هو المرجّح، وهو القائم والأكثر حظوظًا على المدى القصير، ولكنّه يشبه برميل بارود يتم تبريده كُل يوم، ومن الممكن أن ينفجر مع أي خطأ صغير. وهذا ما يحذّر منه جنرالات إسرائيل.

في هذا السيناريو من المهم جدًا قراءة التغيّرات الإقليميّة وتأثيراتها عليه بصورة غير مُباشرة، فمثلًا أشارت بعض التحليلات الإسرائيليّة العسكريّة إلى أن عمليّة الطائرات المسيّرة التي كانت تنوي إيران إطلاقها من سوريا جاءت كرد على القصف الإسرائيليّ في العراق، ما أدّى إلى سقوط اثنين من كوادر "حزب الله"، وهو ما أدّى فعليًا إلى جولة اشتباك عسكريّ على الحدود اللبنانيّة. ومن هذا المنطق، فإن التغيّرات الإقليميّة من شأنها أن تؤدّي، ولو بصورة غير مُباشرة، إلى اشتباك مباشر على الجبهة اللبنانيّة، وهو ما يجعل من السيناريو القائم أكثر عرضة للانهيار وبوتيرة أعلى.

أمّا العامل الآخر الذي وجب أخذه بعين الاعتبار، فهو دخول الطائرات المسيّرة إلى المعركة ما بين الحروب، إن كان من خلال إيران أو خلال إسرائيل، وبالتالي من الممكن أن تكون هذه الطائرات عنوان المرحلة المُقبلة، خاصة أنها قادرة على حمل متفجرات وتفجير ذاتها بأهداف معيّنة، وسيكون أيضًا لحزب الله وإسرائيل ما يُقال مُقابل هذا التغيير غير البسيط على ساحة المعركة.

عامل آخر وجب أخذه بعين الاعتبار في هذا السيناريو، وهو حقيقة النشر الإسرائيليّ عن القصف، ولو بصورة غير مُباشرة، وخاصة في العراق، عبر تصريح نتنياهو بأنه سيُلاحق إيران في العراق أيضًا. هذا النشر وعلى الرغم من أن الكثير يعتبره ضمن الحملة الانتخابيّة لنتنياهو، إلّا أن فيه من الخطورة ما يجعل من السيناريو على حافّة الانهيار ويدفع إيران إلى الرد، إمّا من خلال سوريا أو من خلال "حزب الله" في لبنان، ويُضاف إليه أيضًا الموقف الأميركيّ وإعلان ترامب نيّته إجراء مفاوضات مع إيران، وموقف إسرائيل وتخوّفها من هذه المُفاوضات، والضغط الذي من الممكن أن تمارسه على الولايات المتحدة من خلال فتح جبهة مع إيران في لبنان أو العراق أو سوريا. باختصار، يتضمن هذا السيناريو كافة التوتّرات الإقليميّة، وتنعكس عليه أيضًا كافة الجبهات التي تتصارع فيها إيران مع إسرائيل في المنطقة.

السيناريو الثانيّ: حرب على الجبهة الشماليّة

هذا السيناريو غير مرجّح في المدى القصير، ولكنّه قائم بشكل دائم بسبب التوتّر العام والتوتّر في الإقليم. والمثير للاهتمام في هذا السيناريو أنّه من الممكن أن يحصل دائمًا مع أي خلل في السيناريو الأول، بقصد أو من دون قصد. ولكنّه ممكن دائمًا في حال أخطاء أو قتلى بأعداد لا يمكن للطرفين تحمّلها والاستمرار فيها. وعلى الرغم من إعلان الطرفين عدم نيّتهما الانجرار إلى هذا السيناريو، ولكنّه يحوم فوقهما بشكل دائم.

السيناريو الثالث: حرب إقليميّة تكون لبنان جزءًا منها

يتعلّق هذا السيناريو، إلى حد بعيد جدًا، بتطوّر الأمور في الإقليم عمومًا، وعلاقة "حزب الله" وإيران، وإلى أي مدى يمكن أن يتطوّر الصراع "الإيرانيّ- الإسرائيليّ". ويقوم بالأساس على مُتابعة التطوّرات في سوريا والعراق والخليج أيضًا، وفي الحرب الجارية عمليًا في الإقليم دون الإعلان عنها. وهو سيناريو غير مرجّح في المدى القريب، خاصة أن إيران وإسرائيل تخوضان حربًا غير مُباشرة وعلى جبهات عدّة دون صراع مباشر: إسرائيل تقصف ولا تتحمّل مسؤوليّة رسميًا؛ وإيران تخوض الحرب وتوسّع نفوذها إقليميًا وتخوضها بالوكالة. ولكنّه أيضًا يتعلّق بتطوّرات الإقليم ومن الممكن أن يستدرج الطرفين إليه دون قرار مُسبق.

في هذا السيناريو، من الممكن أن تشكّل لبنان جبهة إيرانيّة ضد إسرائيل في حال تطوّرت الأمور إلى مجريات حرب مُباشرة بين الدولتين، وهذا ما تحذّر منه إسرائيل دائمًا مع كُل تطوّر في الصراع مع إيران. فتحذّر دائمًا من أن إيران ستستغل "حزب الله" للضغط على إسرائيل، وبالتاليّ على الولايات المتحدة.

كما من المهم جدًا في هذا السيناريو النظر إلى غزّة باعتبارها احتمال جبهة ضد إسرائيل في صراع إقليميّ، وخاصة الجهاد الإسلاميّ الذي تتهمه إسرائيل كثيرًا بالولاء لإيران، إذ ممكن أن تشكّل غزّة أيضًا جبهة في حال تم الضغط على إيران لتفعّل كافة مناطق نفوذها وجبهاتها في المنطقة. ولكن دخول غزّة في صراع إقليميّ واسع إلى جانب إيران سيكون خطأ كبيرًا، خاصة أن إسرائيل تتجهّز إلى مثل هكذا سيناريو وخاض الجيش أكثر من تدريب على جبهتين. هذا بالإضافة إلى الخطر على ربط قضيّة فلسطين، واعتبارها حرب ولاء لإيران، وهو ليس بالخطر البسيط على القضيّة عمومًا.

في المُحصلة، تشير كافة السيناريوهات إلى أن الأطراف غير معنية بحرب، ولكنّها في ذات الوقت تتحضّر طيلة الوقت للحرب المُقبلة، ما يجعل من الإقليم عمليًا برميل بارود، من شأنه أن ينفجر من أي خطأ بسيط إلى حرب شاملة.

الهوامش

[1] عاموس يدلين، عقيدة بيغين - عبر من إيسوراك ودير الزور، مركز أبحاث الأمن القوميّ الإسرائيلي، 21/3/2018. bit.ly/2k1fVSG

[2] النشرة الخاصّة: تصعيد في الشمال، القناة 12، 1/9/2019. bit.ly/2kAu1L3

[3] خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة حول لبنان وحزب الله، صحيفة معاريف العبرية، 27/9/2018. bit.ly/2m7031R

[4] الكشف عن مشروع دقّة الصواريخ الخاص بحزب الله وإيران: الجيش يكشف المسؤولين، موقع واينت العبري، 29/8/2019. bit.ly/2kALwLc

[5] النشرة الخاصّة: تصعيد في الشمال، مصدر سابق.

[6]  قائد هيئة الأركان لقائد قوّة اليونيفيل: لن نقبل بمشروع الصواريخ الدقيقة، موقع الجيش الإسرائيليّ، 2/9/2019. bit.ly/2lsD9lf

مشاركة: