الرئيسية » هاني المصري »   20 كانون الثاني 2015

| | |
التهديد بوقف التنسيق الأمني
هاني المصري

نُقِل عن مصدر فلسطيني مطّلع أنّ الرئيس محمود عباس طلب رسميًّا من طاقم قياديّ فلسطينيّ البحث جديًا بوقف كل أشكال التنسيق الأمني مع إسرائيل في المرحلة المقبلة، واقتصارها فقط على الأمور الحياتيّة، على أن تبقى الشؤون المدنيّة هي جهة الاتصال الوحيدة، ردًا على قرصنة إسرائيل بوقف عوائد الضرائب، وذلك ضمن استعداد الرئيس لتقديم طلب جديد إلى مجلس الأمن لإنهاء الاحتلال.

وأفادت "القدس العربي"  نقلًا عن هذا المصدر، أنّ ما تمخّض عن التقييمات الأوليّة للّجنة يفيد بأن السلطة بإمكانها التوقف عن التنسيق الأمني دون أن يكون لذلك ضرر عليها، وأضاف المصدر أن اتخاذ هذه الخطوة بات "قاب قوسين أو أدنى"، وأن الجميع ينتظر في هذا الشأن قرارًا سياسيًا يصادق عليه الرئيس، وتلتزم به كل المؤسسات الفلسطينيّة الرسميّة.

وكان عباس قد قال في خطابه في الجامعة العربيّة منذ أيام قليلة، بأنه سيتخذ قرارًا بتحميل إسرائيل المسؤوليّة عن احتلالها إذا استمر الوضع على ما هو عليه من دون استئناف المفاوضات.  كما قال إنه سيتخذ هذه الخطوة في حالة عرقلة التوجه الفلسطيني الجديد إلى مجلس الأمن، في رسالة تحذير وضغط على الإدارة الأميركيّة حتى لا تستخدم الفيتو ضد القرار عند عرضه مجددًا على مجلس الأمن في حال حصوله على تسعة أصوات أو أكثر.

إنّ التهديد بوقف التنسيق الأمني وتحميل الاحتلال المسؤوليّة وتقديم قرار مرة أخرى إلى مجلس الأمن؛ يستهدف الضغط من أجل استئناف المفاوضات ضمن سقف زمني لإنهاء الاحتلال، مع المطالبة بأن يترافق ذلك مع تجميد الاستيطان، لذلك لاحظنا أن مشروع القرار الذي قُدّم إلى مجلس الأمن يتضمن تنازلات جوهريّة عن سقف الحقوق الوطنيّة، حتى تلك المتضمنة في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويشمل الدعوة إلى استئناف المفاوضات لمدة عام كامل، على أن يسبقها مؤتمر دولي يكون منصة لإطلاقها، وليس مستمرًا وكامل الصلاحيات وملتزمًا بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

وهناك مساعِ بعد أن نقل ملف تقديم مشروع قرار جديد إلى مجلس الأمن، إضافة إلى ملف محكمة الجنايات الدوليّة، ليصبح بيد جامعة الدول العربيّة احتواء للملاحظات من بعض الدول العربيّة على الطريقة التي اتبعها الجانب الفلسطيني بتقديم مشروع القرار في نهاية العام الماضي، إذ إنّ المطلوب كما قال نبيل العربي في الاجتماع الأخير للجامعة العربيّة تقديم مشروع قرار قابل للتنفيذ، وهذا يعني أنّه يحظى بموافقة مجلس الأمن، خاصة الدول صاحبة حق الفيتو، بما فيها الولايات المتحدة الأميركيّة، أو على الأقل تمتنع عن التصويت ولا تعارضه.

وإذا أضفنا إلى ذلك تصريحات الرئيس الفرنسي بأنّ فرنسا ستواصل مساعيها لتقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يضمن العودة إلى المفاوضات، ندرك أنّ مصير التهديدات الفلسطينيّة يتوقف على نتائج هذه الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات.

على الرغم من أن استئناف المفاوضات من دون تغيير المسار بشكل جذري، بحيث يكون التركيز على تغيير موازين القوى وجمع أوراق القوة والضغط الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة، سيقود إلى ملهاة جديدة، ويؤدي إلى نفس النتائج التي انتهينا إليها من المفاوضات السابقة إن لم يكن أسوأ.

لقد سبق أن هدد الرئيس أكثر من مرة بوقف التنسيق الأمني وتسليم مفاتيح السلطة للحكومة الإسرائيليّة حتى تتحمل المسؤوليّة عن احتلالها، بسبب تنكر إسرائيل للاتفاقات المبرمة مع منظمة التحرير، والمضي في تطبيق المخططات الاستعماريّة الاستيطانيّة العنصريّة، وما أدت إليه من خلق أمر واقع احتلالي؛ يجعل إمكانيّة قيام دولة فلسطينيّة تستحق هذا الاسم مستحيلة.

كما سبق أن دافع الرئيس عن التنسيق الأمني، واعتبر أنه يحقق مصلحة فلسطينيّة، لدرجة وصفه في إحدى المرات بأنه "مقدّس"، وبعد اغتيال الوزير زياد أبو عين وعندما بلغ الغضب الشعبي والرسمي الفلسطيني ذروته لدرجة الإعلان عن أن قرار وقف التنسيق الأمني قد اتُّخذ وأنه أصبح وراءنا، خرج علينا محمود الهبّاش، المقرب من الرئيس، ليقول إن التنسيق الأمني سيستمر لأنه يحقق مصلحة فلسطينيّة، وهذا التصريح ثبتت صحته، لأن الأحاديث عن وقف التنسيق الأمني طويت بعده، لتعود تطل علينا مجددًا بالتصريح المنسوب إلى المصدر الفلسطيني المُطّلع.

أصبح التهديد بوقف التنسيق الأمني تارة، وتسليم مفاتيح السلطة تارة، مثل حكاية "الراعي والذئب" المشهورة، لدرجة أن قرارًا بوقف التنسيق الأمني إذا اتّخذ فعلًا لن يصدّقه أحد، وهذا أسوأ وأصعب ما في الأمر، كونه يحوّل مسألة جديّة جدًا إلى مسخرة.

إذا عدنا إلى أصل حكاية التنسيق الأمني، لا بد من الانطلاق أنها خاطئة منذ البداية، فمن حيث التسمية الموضوع أكبر من تنسيق، وإنما يتعلق بالمساهمة في توفير الأمن للاحتلال، مع أنه لا يُعقل أن يقوم طرف يناضل ضد الاحتلال بتوفير الأمن له كطريق لإنهاء الاحتلال.  هذا الطريق أدى إلى عكس ذلك إلى تعميق الاحتلال وإعطائه نوعًا من الشرعيّة.

كان الوهم أن العمليّة السياسيّة المتولدة عن "اتفاق أوسلو" ستؤدي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينيّة، من خلال تنفيذ الالتزامات المتبادلة التي كان من المفترض وفق نص الاتفاق أن تنتهي بالتوصل إلى اتفاق نهائي في أيار 1999، أي بعد مرور خمس سنوات على توقيع "اتفاق أوسلو".

وإذا كان الخطأ فادحًا منذ البداية، لأن الاحتلال لن ينهي نفسه ما دام مربحًا لإسرائيل، وما دامت متفوقة عسكريًا وتحظى بالدعم الأميركي، وفي ظل حالة العجز الدولي والضعف والهوان العربي؛ فإن الخطأ يغدو خطيئة حين بات واضحًا أن إسرائيل لا تريد وليست جاهزة ولا قادرة على إبرام تسوية، وأن حكوماتها المتلاحقة منذ اغتيال إسحاق رابين تجاوزت "اتفاق أوسلو"، إذ لم تبق منه سوى الالتزامات الفلسطينيّة (الاعتراف بإسرائيل، والتنسيق الأمني، واتفاقيّة باريس الاقتصاديّة).

تأسيسًا على ذلك، كان من المفترض عدم توقيع "اتفاق أوسلو" بشروطه المجحفة، وإنهاء الالتزامات المترتبة عليه بعد أن ثبت للقاصي والداني أنه لن يقود إلى الحريّة والعودة والاستقلال، خصوصًا منذ انهيار قمة "كامب ديفيد"، وما ترتب عليه من شن عدوان إسرائيلي على الفلسطينيين وسلطتهم وقيادتهم، الذي انتهى بمحاصرة واغتيال ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للفلسطينيين.

إن قيمة أي تهديد تنتفي إذا لم تكن هناك نيّة واستعداد وإرادة لتنفيذه، وإلا يصبح مجرد تهديد لفظي يؤدي إلى نتائج عكسيّة، وإلى خسائر صافية للفلسطينيين ومكاسب واضحة للاحتلال، ولعلّ هذا بالضبط ما يفسّر عدم الاهتمام الإسرائيلي بالتهديدات الفلسطينيّة بوقف التنسيق الأمني، لدرجة أنّ أوساطًا إسرائيليّة، أمنيّة وعسكريّة وسياسيّة، تحدّت السلطة مرارًا أن تجرؤ على اتخاذ هذا القرار، لأنّ السلطة إذا اتخذته ستفقد أبرز مقومات وجودها وستنهار.  فوقف التنسيق الأمني وما يمكن أن يقود إليه من إطلاق يد المقاومة ضد الاحتلال، سيجعل إسرائيل غير آسفة على انهيار السلطة، بل ستسعى لحلها أو تفكيكها وإعادة تركيبها على مقاس الشروط والأهداف والمصالح الإسرائيليّة.

إن إجراء بحجم وقف التنسيق الأمني لا يجب أن يكون ردة فعل أو مجرد تهديد ولا وسيلة ضغط من أجل الحصول على العوائد الجمركيّة، أو لاستئناف المفاوضات على ذات الأسس التي قادتنا إلى الكارثة التي نعيشها، أو على أسس شبيهة ستقود إلى كارثة أكبر، ولا يجب أن يحركه اليأس، وإنما يجب النظر فيه واتخاذه في سياق عمليّة مراجعة شاملة، تستهدف الخروج الكلي من نفق أوسلو المظلم، وتفتح آفاقًا سياسيّة قادرة على تحقيق الأهداف الفلسطينيّة، وتوفير الشروط السياسيّة والتنظيميّة والاقتصاديّة اللازمة للتعامل مع الوضع الناجم عن هذا القرار، وعلى رأسها إعطاء الأولويّة لإعادة بناء وتوحيد وتفعيل منظمة التحرير، بمشاركة مختلف ألوان الطيف السياسي، حتى لا يؤدي انهيار السلطة جرّاء المواجهة المحتملة مع إسرائيل إلى الفراغ الذي ستملأه الفوضى والفلتان الأمني.

Hanimasri267@hotmail.com

 

 

 

مشاركة: