الرئيسية » تقدير موقف » ميساء سلامة »  

قراءة/تحميل | | | |
"الانتحار" في قطاع غزة ... الدوافع والأسباب
ميساء سلامة

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" الذي ينفذه مركز مسارات - الدورة السادسة 2019-2020.

مقدمة

تتكرر حالات الانتحار في قطاع غزة بين الحين والآخر، متصدرة حديث الشارع الفلسطيني. وأوضحت الجهات المختصة (مراكز حقوق الإنسان، والنيابة العامة) الازدياد الملحوظ في حالات الانتحار[1]، إذ سجلت محاولات الانتحار نسبًا عالية في قطاع غزة، مقارنة بالضفة الغربية، كان آخرها انتحار مواطن وسط القطاع بتاريخ 25/12/2019.[2] وفي وقت سابق، أحرق الشباب يحيى كراجة نفسه، بتاريخ 26/10/2019، وتوفي بعد ذلك بأيام.[3]

يطرح ارتفاع معدلات الانتحار في قطاع غزة تساؤلات عدة حول معايير وضوابط العمل الحكومي والمؤسسي في القطاع، وكيفية معالجة محاولات الانتحار؟

تتزايد حالات الانتحار في القطاع في ظل قبضة سياسية تتسع فجواتها، ولها تبعاتها نتيجة الانقسام، وما أفرزه من واقع اقتصادي واجتماعي متردٍ، وارتفاع نسب الفقر والبطالة، التي تشكل الأسباب الرئيسية للانتحار في القطاع خلافًا للأسباب الرئيسية للظاهرة عالميًا.

تزايد حالات الانتحار في قطاع غزة

يفيد تقرير منظمة الصحة العالمية أن معدلات الانتحار في دول الشرق الأوسط أقل من مثيلاتها في دول العالم، وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 78% من حالات الانتحار في العالم العربي تنحصر ما بين 17-40 عامًا، وأن أكثر من 69% من أعداد المنتحرين كانت لديهم ضغوط اقتصادية قاسية.[4] وفلسطين كغيرها من الدول سجلت، على مدار السنوات السابقة، عددًا من حالات الانتحار، إلا أن الظروف المؤدية إلى الانتحار في قطاع غزة تختلف عن غيرها من المناطق. ووجود مثل هذه الحالات في القطاع، كما يرى قسـم البحث العلمي في الإدارة العامة للصحة النفسية، لا يرتقي إلى مرتبة الظاهرة.[5]

على الرغم من السريّة والتكتم الشديدين من قبل الجهات المختصة أو المعنية أو الأهل، شهد قطاع غزة تزايدًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة في عدد الحالات والحوادث، وفيما يلي جدول يوضح حالات الانتحار ومحاولات الانتحار.[6]

البيان 2015 2016 2017 2018
الانتحار 10 16 23 20
محاولة انتحار 553 626 566 504
يتضح من الجدول ارتفاع حالات الانتحار في قطاع غزة الذي يقطنه حوالي مليوني نسمة، وأن محاولات الانتحار التي لم تنجح ليست بالقليلة.

ويظهر الجدول أدناه محاولات الانتحار خلال الفترة (كانون الثاني/يناير – أيلول/سبتمبر) 2019، في محافظات غزة، بحسب مدير عام الشرطة بغزة[7]:

البيان ذكور إناث العدد الإجمالي
محاولة انتحار 89 44 133
انتحار تام 19 3 22
 
أما في الضفة الغربية، فثمة حالات انتحار أقل مقارنة بعدد السكان البالغ حوالي 3 مليون نسمة.[8] وإذا قارنا العام المنصرم 2018 في الضفة الغربية، فتظهر الإحصائيات التحليلية الصادرة عن إدارة البحوث والتخطيط في الشرطة، التي تمّ الإعلان عنها في قسم البحث العلمي لبرنامج غزة للصحة النفسية، أن هذا العام شهد ازديادًا في عدد حالات الانتحار بنسبة 14% عن العام 2017، بعدد 25 حالة انتحار.[9]

وعند مقارنة حالات الانتحار ما بين الضفة والقطاع، تظهر الإحصاءات أن الحالات في القطاع أكثر مقارنة بعدد السكان، إضافة إلى وجود عشرات محاولات الانتحار شهريًا، لا يتم الإفصاح عنها، بحسب التقديرات الطبية والحقوقية.[10]

سجل العام 2016 أعلى معدلات محاولات الانتحار، إذ سجل 626 حالة، وتناقصت المحاولات في العامين 2017 و2018، مع أنها أعلى من معدلات السنوات السابقة لها. ويتضح من إحصائيات الانتحار بشكل عام التي تصدر عن المؤسسات الحقوقية ووزارة الداخلية اختلافًا في الأعداد، خاصة في حالات محاولة الانتحار التي قد لا تصل إلى الداخلية، وتبقى مشكلات اجتماعية تعالج عن طريق المؤسسات أو الأسر.

الدوافع والأسباب

تتعدد دوافع الانتحار ومسبباته، ولعل أبرز تلك المسببات ما يعيشه قطاع غزة من معاناة دائمة ومستمرة، تختلف في تكوينها عن الأسباب المؤدية إلى الانتحار بشكل عام، خاصة في ظل الفجوة التي يعيشها الشباب ما الواقع والمأمول والواقع، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسب الفقر والبطالة، واستمرار الحصار الإسرائيلي الخانق، وانسداد الأفق السياسي في ظل استمرار الانقسام.[11]

يمكن إجمال أهم الأسباب المؤدية إلى الانتحار في قطاع غزة على النحو الآتي:

أسباب سياسية

يعيش قطاع غزة بسبب الانقسام، الذي وقع منذ 13 عامًا، ظروفًا اقتصادية واجتماعية صعبة، تبعها تفكك مؤسسي ومجتمعي، إذ يتقاضى موظفو حركة حماس بغزة، رواتبهم من عائدات قطاع غزة الضريبية والمنح المالية التي تتسلمها من قطر، إضافة إلى إجراءات السلطة الوطنية بشأن موظفي قطاع غزة، وخصم جزء من رواتبهم.

وتسببت هذه الأحداث في تفكير عدد من الأشخاص بالانتحار، ووقعت بالفعل محاولات انتحار، إذ انتحر علاء رضوان من شمال القطاع، بتاريخ 8/7/2019، بعد قطع السلطة لراتبه.[12]

وفي ذات السياق، أدى الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة إلى إغلاق عدد كبير من مؤسسات القطاع الخاص، وتسريح مئات العاملين بسبب حالة الركود التي يعاني منها القطاع، إلى جانب نقص تمويل المشروعات، ووقف معظم المساعدات.

أسباب اجتماعية

تتعدد حالات الأشخاص الذين يعانون من مشاكل أسرية وخلافات عائلية، فقد تكون لأسباب مالية أو دراسية أو مهنية أو اجتماعية أو تفكك أسري. ولعل أخطر تلك الحالات التي تفرزها طبيعة المجتمع الفلسطيني في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية التي يعيشها. ويضاف إلى ذلك، إساءة تعامل وسائل الإعلام مع الانتحار كطرح قصص لشخصيات شهيرة قامت بالانتحار، دون البحث عن ارتفاع معدلات الانتحار ومسبباتها. فعندما أقدم الكاتب القصصي مهند يونس على الانتحار، بتاريخ 29/8/2017، عبر استنشاقه غازًا سامًّا نتيجة لوضعه الاجتماعي[13]، لم يبحث الإعلام عن دوافعه للانتحار، وإمكانية إثارة مشكلة الانتحار للمعالجة.

أسباب اقتصادية

يعدّ هذا العامل من أهم الأسباب الدافعة إلى الانتحار، خاصة عند الكثير من الشباب، إذ تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل العاطلين عن العمل في العام 2018 بلغ 31% في فلسطين، بواقع 52% في قطاع غزة، وأن نسبة الفقر في القطاع بلغت 53%، منها 33% فقر مدقع، إضافة إلى تلقي 80% من سكان القطاع مساعدات.

ولهذه الأسباب، خرج الناس في حراك (بدنا نعيش) الشبابي بغزة، بتاريخ 14/3/2019، رفضًا للواقع المعيشي في القطاع، ولفرض الضرائب على المواد التموينية. وقد قمعت قوى الأمن التابعة لحركة حماس هذا الحراك.

أسباب نفسية

إن التعرض الدائم لعدد من العوامل التي تدفع إلى الكآبة، لها دور بارز في دفع الأشخاص إلى التفكير في الموت وتفضيله على الحياة. غير أن الضغط النفسي بقطاع غزة يختلف عما هو سائد في أي منطقة أخرى، فهو مزيج من الضغوط أودت بالشباب إلى حالة اللامعيارية في المجتمع الفلسطيني، جعلت من بعضهم أفرادًا مشوشين وغير قادرين على التماشي مع الحياة كما حدث مع المواطن محمد بهار الذي توفي على الفور بعد إلقاء نفسه من أعلى منزله.[14]

حالة يحيى كراجة ... وعودة البحث عن حلول للانتحار

في محاولة وزارة التنمية الاجتماعية بغزة لمعالجة مشكلة المنتحر كراجة، الذي لم يجد مأوى أو عمل، تواصلت مع يحيى وأخيه وفاعل خير لدفع مصاريف الإيواء، وفق بيان الوزارة، بتاريخ 10/11/2019، إلا أن عملية الإيواء لم تستمر طويلًا.[15] وتوجه كراجة لعدد من المسؤولين في غزة، ولوسائل الإعلام المحلية طلبًا للمساعدة، دون جدوى. وقد تحدث في مقطع فيديو سجله قبل إحراق نفسه قائلًا: "لم أحرق نفسي، ولم أنتحر، أنا انفجرت بسبب وضعي".10

يحيى ليس الحالة الوحيدة التي تكشف القهر الذي يعيشه المواطنون في قطاع غزة، وعلى الرغم من أن وزارة التنمية هي الحاضنة الاجتماعية لجميع الفئات المهمشة، بالتعاون والتشبيك مع جهات الاختصاص، وتقدم المساعدة حسب ما يتوفر لديها من إمكانيات، إلا أنها تعجز أمام حالات الفقر الكثيرة.

الانتحار والقانون الفلسطيني

لم يعالج القانون الفلسطيني الانتحار، كونه فعلًا خطيرًا يقوّض الحق في الحياة باعتباره حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، وقيمة إنسانية تنطلق منها كافة الحقوق الأخرى، واقتصرت معالجة القانون على إيقاع الجزاء على من يحاول الانتحار، أو يساعد أو يغري أو يدفع أي شخص على الانتحار.

نصّت المادة 225 من قانون العقوبات الفلسطيني رقم (74) للعام 1936، الساري في قطاع غزة، على أن: "كل من حاول الانتحار يعتبر أنه ارتكب جنحة". "وكل من حمل شخصًا على الانتحار أو أغرى شخصًا على الانتحار فحمله بذلك على أن ينتحر، أو ساعد آخر على الانتحار يعتبر أنه ارتكب جناية ويعاقب بالحبس المؤبد".[16]

إن أغلب دوافع ومسببات الانتحار في قطاع غزة، سلوكيات طارئة على المجتمع بفعل الواقع السياسي والاقتصادي، غير أن هذا السلوك غير معالج بقوة القانون. وتعمد النيابة العامة في القطاع إلى عدم تحريك، وحفظ الدعوى الجنائية الناشئة، لعدم جدوى العقاب، وحفاظًا على الروابط الأسرية، إذ لم ترصد الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان صدور أي أحكام قضائية خاصة في قضايا الانتحار.

إستراتيجيات منقوصة لمواجهة الانتحار

لا توجد إستراتيجية وطنية للوقاية من الانتحار، وقد أوصت الهيئة المستقلة بضرورة تبني تدابير وطنية سياساتية وإجرائية، وحشد أدوات التم  كين على صعيد الخطط والبرامج الرسمية والأهلية، بما يسهم في تعزيز الحق في الحياة وحمايته، ومواجهة حالات الانتحار أو الشروع فيه.[17]

في ذات السياق، أكدت سماح جبر، رئيس وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة، أن هناك مسودة لخطة وطنية للوقاية من الانتحار يجري إعدادها من قبل الوزارة، بالشراكة مع مؤسسات عدة، وسيتم الانتهاء منها وتقديمها للمصادقة عليها نهاية العام 2019.[18]

إن معالجة قضايا الانتحار تبدأ بالوقاية قبل العلاج، مما يوضح أهمية وجود إستراتيجية وطنية متكاملة للوقاية منه. هذا بالإضافة إلى وجود إشكاليات في منهجية التعامل مع حالات الانتحار على الصعيد الحكومي ومؤسسات المجتمع المدني، فهناك بعض القضايا التي تعالج، وأخرى تسكّن، والكثير منها يتم تجاهله، بفعل ثقافة المجتمع السائدة، إلى جانب اقتصار دور المؤسسات على علاج الجانب النفسي بعد محاولات الانتحار دون علاج مسبباته.

خلاصة

تتلازم ازدياد محاولات الانتحار مع مسار تشرذم الحالة الفلسطينية، على كافة الصعد والمستويات، ودون إيجاد إستراتيجية وطنية واضحة لمواجهة هذه المشكلة، ومحاولة الوقاية التي أثبتت ضعفها، ما يؤدي إلى توقع استمرار حالات الانتحار ومسبباتها.

الهوامش

[1] الهيئة المستقلة تنظم لقاءً متخصصًا حول ازدياد حالات الانتحار في قطاع غزة، الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، 27/10/2019. cutt.us/jqwXG

[2] مصرع مواطن شنقًا وسط قطاع غزة، فلسطين الآن، 25/ 12/ 2019. cutt.us/U2iBA

[3] الهروب إلى الموت، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 9/11/2019. cutt.us/PiSBF

[4] الانتحار، منظمة الصحة العالمية، 2/9/2019. cutt.us/DgKOc

[5] المصدر السابق.

[6] جبر عماد، إحصائيات علمية وحقائق رئيسية عن الانتحار، برنامج غزة للصحة النفسية، غزة، أيلول 2019، ص 11.

[7] إحصائية حالات الانتحار 2019، مكتب مدير عام الشرطة، وزارة الداخلية والأمن الوطني، غزة، 2019.

[8] الإحصاء الفلسطيني يستعرض أوضاع السكان في فلسطين بمناسبة اليوم العالمي للسكان، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 11/7/2019. cutt.us/Px0jo

[9] جبر عماد، إحصائيات علمية وحقائق رئيسية عن الانتحار، ص 6.

[10] أسباب زيادة معدلات الانتحار في قطاع غزة، وكالة سما الإخبارية، 19/2/2017. cutt.us/sPKlx

[11] وحش الانتحار ينخر يأس الشباب في غزة، موقع أمد للإعلام، 26/4/2019. cutt.us/vOXGM

[12] رَحَلَ علاء!، شبكة قدس الإخبارية، 8/7/2019. cutt.us/bCji8

[13] صدمة في غزة: ما الذي دفع مهند على الانتحار، شبكة راية الإعلامية، 30/8/2017. cutt.us/Drcbz

[14] مصرع مسن إثر سقوطه من علو شرق غزة، وكالة قدس نت للأنباء، 7/10/2018. cutt.us/C9xn7

[15] غزة: وزارة التنمية الاجتماعية تصدر بيانًا بشأن قضية الشاب كراجة، سما الإخبارية، 10/11/2019. cutt.ly/RruDftN

[16] قانون العقوبات رقم (74) للعام 1936 الساري في قطاع غزة.

[17] حالات الانتحار في قطاع غزة تعبير عن أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية، الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، 27/10/2019. cutt.us/q7URW

[18] جيهان عوض، الانتحار في فلسطين ... "أنا بخير" والوصم الاجتماعي يفاقمان الظاهرة، العربي الجديد، 2/8/2019. cutt.us/4XkzQ

مشاركة: