الرئيسية » أوراق وتقارير » منصور أبو كريم »   09 نيسان 2020

| | |
تجارب عالمية لمواجهة تفشي فيروس كورونا
منصور أبو كريم

مقدمة

 

دخل العالم أزمة جديدة بعد تفشي وباء كورونا (COVID-19)، وهو مرض معدٍ جديد تحدثه متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد(SARS-CoV-2)، فقد أجبر الفيروس دول العالم على إغلاق حدودها واتباع سياسة انعزالية في محاولة للحد من تأثير الوباء على الصحة العامة، إذ أوقف تهديد كورونا الحركة التجارية والاقتصادية حول العالم بعد تشديد الحكومات إجراءاتها، وإقفال الشركات أبوابها، في محاولة لاحتواء الوباء المنتشر، كما زادت القيود على السفر والتسوق والانتخابات وحتى الصلاة.

أعداد الإصابات الناتجة عن الفيروس التاجي في زيادة يوميًا، حيث بلغ عدد الأشخاص الذين أعطوا نتيجة تحليل إيجابية لفيروس كورونا حول العالم حوالي (1,431,900 حالة إصابة)، بينما بلغت عدد حالات الشفاء منه وتحول نتيجة التحليل من إيجابية إلى سلبية حوالي (301 ألفا و543 حالة)، في حين بلغ عدد الوفيات بهذا الوباء حوالي (82,172 حالة وفاة) حسب آخر الاحصائيات الدولية([1]).

الكارثة الناجمة عن جائحة كورونا المستجد أدت لانشغال العديد من دول العالم بكيفية مواجهة الوباء، وأصبح الشغل الشاغل للقادة هو كيفية السيطرة على الأزمة، فقد أدى الانتشار السريع للفيروس إلى وجود تباين في أساليب وآليات مواجهة الفيروس بين الدول على مستوى العالم، كون أنّ سرعة انتشار الوباء فرض على العالم أجمع والدول الصناعية الكبرى تحديات كبيرة في كيفية التوزان بين الحفاظ على الصحة العامة والاقتصاد، فتباينت الإجراءات بين الإغلاق الكامل والجزئي، وبين الانفتاح الكامل في التعامل والتعاطي مع الفيروس، وعدم الاكتراث.

في هذه الورقة سوف نحاول تسليط الضوء على سياسات الدول الكبرى في كيفية مواجهة جائحة كورونا، والتركيز تحديداً على عدد من التجارب الدولية ذات الخصائص المتميزة، التي تأثرت بها الدول الأخرى في سبيل معرفة الطريقة الأمثل لمواجهة الوباء وتقييم تجربة العالم مع التعاطي مع الفيروس في ظل سرعة انتشاره.

أولاً: النموذج الصيني (الإغلاق الكامل)

منذ اليوم الأول لانتشار الوباء سعت الصين بما تمتلك من إمكانيات مهولة كدولة عظمي لعزل المدن المصابة بالفيروس مثل مدينة ووهان الصينية. لقد سعت الصين لتقديم نموذج للعالم في كيفية الحد من انتشار فيروس كورونا وعلاجه اتسمًت بالسرعة والكفاءة والابتكار، القائم على إحكام الإغلاق وعزل المدن على عكس النموذج الأمريكي الذي اتسم بالتردد وتفضيل الاقتصاد على الصحة، حيث قامت الجهود الصينية في كيفية التعاطي مع الفيروس على أساس إحكام الإغلاق والحجر الكامل للأشخاص والمدن المصابة لمنع تفشي الوباء في باقي المدن الصينية.

بداية الوباء كان من مدينة ووهان الساحلية التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة في مقاطعة هوبي الوسطى. كان الفيروس غير معروف. عمل العديد من المصابين في سوق هوانان للمأكولات البحرية بالجملة، والذي تم إغلاقه في 1 يناير([2])

 منذ الأيام الأولى لانفجار الفيروس تعاملت الصين بمنتهى المسؤولية، تمثل ذلك بتوظيف جميع مقدرات البلاد التكنولوجية، والإجرائية والبشرية للحد منه والسيطرة عليه.

أظهرت الصين صّرامة ربما لا يمكن تخيلها في بلد أخر في التعامل مع الفيروس، حيث فرضت السلطات إغلاقًا كاملًا للعديد من المدن التي تحتوي على عشرات الملايين من السكان، هذا بالرغم من التكلفة الباهظة التي يلحقها مثل هذا الإغلاق بعجلة البلاد الاقتصادية([3]). واستخدمت برمجيات خاصة بتعقب الإشارات التي تبثها الهواتف المحمولة في هذا المضمار، وطورت دول أخرى "حواجز إلكترونية" تُخبر حكوماتها حال انتقال الناس من مواقع العزل([4]).

العزل المبكر مثّل واحدةً من أهم الاستراتيجيات التي اتبعتها الصين للحد من انتشار الفيروس. لقد قيدت السلطات هناك حركة ما يقرب من 760مليون شخص وهو ما يعادل ضعف عدد سكان الولايات المتحدة وكندا معاً، حيث كان فرض الحجر الصحي صارماً للغاية، وبتحويل جميع الحالات التي يشتبه بإصابتها بالعدوى إلى صالات رياضية ومراكز احتجاز ضخمة، مع توفير رعاية صحية جيدة وفحوصات منتظمة.

رغم بروز اتهامات للصين بالتساهل في البداية مع الوباء إلا أنّ السلطات الصينية فرضت إجراءات الإغلاق الكامل في معظم أنحاء البلاد، منذ بداية يناير في مدينة ووهان. وأدى تفشي الفيروس التاجي إلى تقويض تلك الطموحات العالمية بزيادة الإنتاج العالمي الكلي، حيث انتشر الفيروس في معظم دول العالم وأحدث الخراب في الأسواق العالمية، ويقول الخبراء الأمريكان إن الفيروس يمكن أن يعيد إحياء المخاوف بشأن النهج الصيني السري في إدارة الأزمة([5]).

كما استخدمت الدولة الصينية قدراتها الهائلة في إنشاء 14 مشفىً لاستيعاب عشرات الآلاف من مرضى كورونا، وعزلت الحالات المحتملة، واستقدمت آلاف الفرق الطبية إلى مقاطعة هوباي للمساهمة في هذا الجهد الهائل. كما لم تتردَّد السلطات في بكين على إغلاق آلاف المصانع وغيرها من المؤسسات الكبرى، لا سيَّما في بؤر العدوى، بهدف السيطرة على انتشار الفيروس، وقد أعان على هذا فائض القوة الاقتصادية للدولة الصينية، واحتياطاتها النقدية والمالية الهائلة([6]). لقد ساهمت الخصائص الصارمة للنظام الصيني في نجاحه السريع في وقف تمدد الوباء في المدن والقرى الصينية، في حين أن الديمقراطية الرائدة في العالم مازالت تعاني من تحديات، وهو أمر ربما يستخدمه أنصار الاستبداد ليجادلوا بأن نظامهم هو أفضل قدرة للتعامل مع الأزمة([7]).

 منظمة الصّحة العالمية رأت: أن النتيجة التي يمكن أن نتوصل إليها هي أن الصين أظهرت أنه بالإمكان تغيير مسار المرض. بالوضع الطبيعي فإن انتشار مرض كهذا ينمو بشكل كبير ويصل إلى ذروته ومن ثمّ سينخفض بشكل طبيعي بمجرد إصابة جميع الأشخاص المعرّضين للإصابة أو تطور المرض. إلا أن ذلك لم يحدث في الصين لأن عدد الحالات لم يكن طبيعياً، الوباء تم القضاء عليه أثناء نموه وتوقف مساره([8]). وكدليل على نجاح الصين في مواجهة الوباء أعلنت مدينة ووهان الصينية، منشأ وباء كورونا المستجد، البدء بالسماح للناس بمغادرتها لأول مرة منذ عزل المدينة قبل 76 يومًا([9])

استراتيجية الصين الصَارمة في مواجهة جائحة كورونا (كوفيد 19) أثبتت قدرتها على مواجهة الأزمة، فبعد أن وصلت الإصابات الجديدة المسجلة يومياً في ذروة الوباء إلى الآلاف يوميًا، مع مئات الوفيات، أصبح الحالات اليومية المسجلة أقل من 50 حالة، وانحسر عدد الوفيات كثيرًا.

 الأمر الذي أخرج الصين من قائمة الدول الأكثر إصابة بالوباء، حيث سجلت الإحصائيات حتى صباح يوم 9 أبريل (81865) إصابة، و(3335) حالة وفاة في الصين، وهو معدل أقل بكثير من الولايات المتحدة، التي سجلت (435128) إصابة، وإيطاليا التي سجلت (139422)، وفرنسا (112950)، واسبانيا(148220) وألمانيا (113296)، وبينما سجلت بريطانيا (60733)، مع ضرورة الأخذ في عين الاعتبار أن هذه الأرقام تتغير كل ساعة تقريبًا([10]).

"النموذج الصيني" الذي أثبت فاعلية في التعامل مع الوباء، مع انحسار سرعة انتشاره في الصين عقب تدابير صارمة اتخذتها -منها المباعدة الاجتماعية، واقفال مدن كبيرة، بينها ووهان التي تعتبر مهد الوباء-وفرض قيود على السفر في عموم البلاد. كما حجرت المشتبه في إصابتهم في فنادق أو بيوت بعد تحويلها محاجر صحية([11]).

التجربة الصينية القائمة على الصًرامة والإغلاق الكامل وحصر الوباء وعزل المصابين وحرق الوفيات، تم تعميمها على معظم دول العالم، بعد أن نقلت الصين تجربتها في التعامل مع الوباء لمعظم دول العالم، وقدمت مساعدات للعديد من الدول، ممّا جعل التجربة الصينية في التعامل مع فيروس كورونا الأكثر انتشاراً في العالم أجمع، بعد أن أثبتت نجاعتها.

ثانيًا: النموذج الأمريكي (الاقتصاد أولاً)

منذ بداية الأزمة تعاملت إدارة الرئيس ترامب مع الأزمة بنوع من التجاهل تارةً والتقليل من مخاطر الفيروس تارةً أخرى، فعلى الرغم من أنّ علماء الأوبئة وخبراء الصحة الآخرون قد حذروا الإدارة الأمريكية من خطر تفشي وباء فيروسي لعقود؛ إلّا أنّ ذلك لم يمنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الادعاء بأن الأزمة كانت "غير متوقعة". إدارة ترامب كانت ومازالت تخشى من التداعيات السلبية للإغلاق الشامل على الاقتصاد الأمريكي خلال عام التجديد، لذلك مازالت تصّر على عدم إغلاق البلاد ودعوة الشعب الأمريكي الجلوس في البيوت كما فعلت العديد من الدول.

بعد طول انتظار سمته التخبط والفوضى والنكران، اضطر البيت الابيض للتعامل مع تفشي وباء كورونا واتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية للوقاية منه، وذلك في اليوم التالي لإعلان "منظمة الصحة الدولية" الوباء بتصنيفه جائحة تهدد البشرية جمعاء([12]). تأخير إدارة ترامب للتعامل مع الأزمة جاء رغم وجود تقارير أمنية تحذر من مخاطر تفشي الفيروس في الولايات المتحدة. فقد أطلعت الأجهزة الاستخبارية صانعي القرار على سلسلة من التقارير السرية في شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط تتعلق بمخاطر فيروس كورونا اعتمدت في إعدادها على المعلومات التي تمكنت من الحصول عليها من الصين. ولكن تقارير أخرى ذكرت أن هذه التقارير لم تلق اهتماماً من جانب البيت الأبيض([13]).

التحرك العملي الأول لترامب في 31 كانون الثاني/ يناير 2020؛ إذ أصدر قرارًا بحظر دخول معظم الأجانب الذين زاروا الصين مؤخرًا إلى الولايات المتحدة. لكن الحظر لم يشمل الأميركيين الذين كانوا يسافرون إليها. ومع تفاقم المشكلة وإصابة مزيد من الأميركيين بالفيروس، ظل ترامب يتعامل مع الأزمة كأن رئاسته وشخصه هما الموضوع الرئيس، كما واصل التقليل من حجم الخطر الذي يمثّله الوباء، مخافة حصول انهيار اقتصادي يضعف حظوظه الانتخابية. ونتيجة لذلك، أهدرت الإدارة الوقت، بدلاً من العمل على تطوير إجراءات أشدّ صرامة لاحتواء الفيروس وإبطاء انتشاره([14]).

"مارك ليبسيتش"، أستاذ علم الأوبئة في كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد: يرى "من الخطأ والغير منتج أن نقول إن الأمور تحت السيطرة" مرارًا وتكرارًا خلال هذه الأزمة، شكك ترامب في العلم المعروض أمامه. لقد تناقض، بطريقته المألوفة، مع الخبراء في إدارته. والنتيجة مقلقة لكل من الخبراء والجمهور([15]).

إدارة ترامب ليست فقط لا تريد الإغلاق الكامل؛ بل تحاول رفع الإغلاق الجزئي الذي أجبرت على الذهاب إليه في ظل ارتفاع أعداد الإصابات التي وصلت للمركز الأول عالمياً من حيث تسجيل الإصابات.

ترامب يعتبر دون أي دليل، أن الإغلاق الحالي للبلاد "سيؤدي إلى المزيد من الوفيات أكثر من الفيروس التاجي نفسه". وأعلن في مؤتمر صحفي في البيت الأبيض: "آمل أن نتمكن من القيام بإلغاء الإغلاق بحلول عيد الفصح. أعتقد أن ذلك سيكون أمراً رائعاً لبلدنا". وأفصح إنه اختار عيد الفصح "لأنني اعتقدت للتو أنه وقت جميل، وجدول زمني جميل، إنه يوم عظيم". رغم أنّ الموعد النهائي الذي حدده ترامب لفتح الإغلاق قبل عيد الفصح يتعارض بشكل صارخ مع التدابير في المملكة المتحدة والهند وبلدان أخرى([16]).

الانتخابات الرئاسية القادمة وفرص إعادة انتخاب ترامب كانت المحدد الرئيسي الذي صاغ إجراءات الإدارة الأمريكية الحالية في كيفية التعاطي مع جائحة كورونا، خاصة أن الإغلاق الكامل وزيادة نسب البطالة والانهيار الاقتصاد لن يخدم فرصه في التجديد لولاية ثانية في ظل عديد التحديات التي تواجه هذه الإدارة.

في حديث لشبكة CNBC، 18 آذار. ذكّر الرئيس ترامب بأن تطبيقه لتلك الإجراءات من شأنه "حماية وتحصين الولايات المتحدة ضد الفايروس". لكن الأمر الذي يشغل بال ترامب هو ضمان إعادة انتخابه في شهر تشرين الثاني المقبل([17]).

لقد أصبح واضحاً للجميع، -عدا الموالون ضيقو الأفق-أن واشنطن قد أساءت رد فعلها المبدئي. لقد ساهمت أخطاء المؤسسات الرئيسية، من البيت الأبيض ووزارة الأمن الداخلي إلى مراكز مكافحة الأمراض واتقائها CDC، في تقويض الثقة في قدرة وكفاءة إدارة الولايات المتحدة للوضع([18]).

أظهر عدم التعامل اللازم والمتأخر مع الفيروس مظاهر الأزمة، وكشف ضعف البنية الصحية الأميركية، فضلًا عن فقدان مئات الآلاف من الأميركيين وظائفهم. وتتوقع بعض التقديرات أن تصل نسبة العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة إلى أكثر من 20 في المئة. وقد ترتفع أكثر، في حال استمرت الأزمة إلى ما بين 12 و18 شهرًا كما تشير بعض الجهات المختصة([19]).

أعداد الإصابات في الولايات المتحدة، اقتربت من نصف مليون إصابة مؤكدة، والوفيات اقتربت أيضاً من 15 ألف حالة وفاة وهي في زيادة كبيرة، حيث يتراوح معدل الإصابات اليومية في الولايات المتحدة 30 ألف إصابة جديدة، بينما تجاوز عدد الوفيات اليومي أكثر من ألف حالة وفاة، كل ذلك دفع كبار المسؤولين الأميركيين للقول إن تطورات انتشار وباء كورونا وضع الولايات المتحدة في حالة حرب.

الارتفاع الكبير في أعداد الضحايا والإصابات، جعل المسؤولين الأمريكيين يؤكدون أنّ بلدهم "دولة في حالة حرب"، وقدم الرئيس دونالد ترامب نفسه كرئيس دولة في حالة حرب ضد ما وصفه بالعدو غير المرئي، قائلا إنه "موقف صعب جداً جداً".([20]) كما حذر ترامب في الأول من أبريل الحالي من السيناريو الأسوأ في قادم الأيام، وقال: "أيام صعبة" تنتظر الأمريكيين في غضون الأسبوعين المقبلين، تزامناً مع تفاقم أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في البلاد، حيث اقتربت أعداد الإصابات من نصف مليون إصابة مع ارتفاع نسبي في أعداد الوفيات.

سجلت أمريكا يوم الجمعة 4 أبريل2020 رقماً قياسياً في وفيات فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) خلال يوم واحد، على نحو يقترب من 1500 حالة وفاة، ([21]) كما أكدت جامعة جونز هوبكنز أنها سجلت نحو ألفي وفاة بكورونا في الولايات المتحدة خلال الأول من أبريل الحالي، وهي أكبر حصيلة يومية في العالم منذ ظهور الوباء بالصين في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، في حيث أعلن الرئيس ترامب عزمه تعليق المساهمة الأميركية في تمويل منظمة الصحة العالمية، ويتهمها بتضليل بلاده فيما يتعلق باستمرار الرحلات الجوية إلى الصين([22]).

من الواضح أنّه كلما كبرت الأزمة، زاد الوضوح حول الارتباك والتردد والعشوائية التي تتعامل بها إدارة ترامب مع أزمة تقشي وباء كورونا على المستويات الداخلية والخارجية، في ظل النجاح الذي تحققه الصين داخلياً وخارجياً.

في إطار الصراع المحموم مع الصين على المستويات السياسية والاقتصادية، وعدم تحمل مسؤولية مآلات الوضع الصحي في الولايات المتحد أطلق ترامب على الوباء التاجي "الفيروس الأجنبي أو الصيني" وألقى باللوم على الصين أولاً ثم الاتحاد الأوروبي لنشره، وأصر على أنه يحمل "مخاطر منخفضة للغاية" للأمريكيين. لقد بدت النغمة العسكرية والقومية الصارمة للخطاب مخيفةً وغير كافية تماماً في الوقت الذي تنقلب فيه البلاد بشكل جذري، مع توقف السفر، وإغلاق أماكن العمل والمدارس، والمستشفيات تستعد للتأثير([23]).

عندما كان تأثير الفيروس التاجي لا يزال يتركز بشكل كبير في الصين، كان السرد السائد هو أن بكين كانت مرة أخرى "الرجل المريض في آسيا" الجديد. الآن، يبدو أن الموضوع هو أن الفيروس التاجي يظهر مدى سوء القوة والقوة النسبية لأمريكا. بعد عام 2008، أدى هذا التصور إلى زيادة رغبة الصين في تحدي الولايات المتحدة وأصدقائها وحلفائها في بحر الصين الجنوبي، وفي المؤسسات الدولية، لا شك أن الفيروس التاجي سوف يحفز الجهود الصينية الجديدة لتحل محل القيادة الأمريكية في الشؤون العالمية وتشويه سمعتها([24]). أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد، (ستيفان م. والت)،  أشار إلى أن العالم سيشهد تسارعًا في انتقال مركز القوة والنفوذ من الغرب، إلى دول آسيوية، وخاصة الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية، بسبب قدرتها على السيطرة على المرض (بطرقها المختلفة)، ما قد يحسن من صورتها مقابل صورة الدولة الأوروبية، والولايات المتحدة، التي اتسمت استجاباتها لكوفيد-19 بالعشوائية والبلبلة والضعف([25]).

بشكل عام لم يقر الرئيس الأميركي بوجود مخاطر جسيمة على بلاده جراء الوباء إلا في منتصف شهر مارس الماضي، واستمر في حالة الإنكار لمخاطر فيروس كورونا على الولايات المتحدة لشهرين كاملين، وفضّل استمرار النشاط الاقتصادي على الصحة العامة.

 وحين ظهرت لترامب خطورة الوضع وقّع حزمة المساعدات الاقتصادية التي مررها الكونغرس بقيمة 2.2 تريليون دولار لدعم القطاعات الحيوية المتضررة، مثل شركات الطيران والشركات الصغيرة، كما تضمنت الحزمة منح كل أميركي يقل دخله عن 75 ألف دولار سنوياً دعماً مالياً بقيمة 1200 دولار شهرياً. وقررت إدارة ترامب أيضاً تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي، الذي يسمح له بإلزام الشركات بإنتاج أجهزة التنفس الصناعي الضرورية لمواجهة انتشار وباء كورونا([26]).

حاولت إدارة ترامب تغليب الاقتصاد على الصحة عبر رفض الإغلاق الكامل وتجاهل الخطر القادم من انتشار الفيروس وتحذيرات وكالات المخابرات الأمريكية، فصعدت الولايات المتحدة للمرتبة الأولى من حيث عدد الإصابات، إذ وصل مجموع الإصابات الكلي في الولايات المتحدة يوم الأربعاء 9 أبريل (435128) إصابة، بينما وصل عدد الوفيات إلى (14795)، كما أن الأعداد الكلية مرشحة للزيادة بقوةّ في ظل الانتشار السريع للفيروس في الولايات المتحدة، ما يؤكد فشل سياسة إدارة ترامب في التعامل مع الأزمة بعد ما حاولت الجمع بين الاقتصاد والصّحة في دولة مترامية الأطراف مثل الولايات المتحدة.

ثالثًا: النموذج الكوري (الانفتاح الكامل)

تظل التجربة الكورية في التعامل مع جائحة كورونا نموذج فريد، كون أن كوربا الجنوبية تعاملت مع الوباء بطريقة فريدة تقوم على أساس الانفتاح الكامل، والحفاظ على النشاط الاقتصادي بدون حدوث إصابات ووفيات كبيرة، الأمر الذي أثار إعجاب الكثير من الدول بالتجربة الكورية الجنوبية، فسر نجاح النموذج الكوري في التعامل مع وباء كورونا يظل أمر مثار اهتمام الدول الأخرى، فقد تمكنت من إبطاء منحنى تفشي الوباء على الرغم من أنها كانت واحدة من أولى مراكز الفيروس في العالم.

هوانغ سيونج سيك، عالم الأوبئة والأستاذ في جامعة سيول الوطنية قال: "لقد ميزت كوريا الجنوبية نفسها حقاً لأنها قادرة على الكشف عن المعلومات بشفافية ومكافحة الفيروس"([27]). افترضت الحكومة الكورية أن الفيروس سيضرب واستعدت لذلك بشكل جيد. كما استفادت من تجربة التعامل مع الفيروسات السابقة.

حشدت الدولة الوحدات الحكومية الموجودة في وزارات الصحة والرعاية والشؤون الخارجية والبلديات الإقليمية ومكتب الرئيس. ونتيجة لذلك كانت كوريا الجنوبية فعالة في السيطرة على معدل الوفيات في البلاد ليس من خلال حظر السفر ولكن بدلاً من ذلك من خلال إجراءات الحجر الصحي الصارمة والاختبارات الصارمة، بدأت على الفور في اختبار مئات الآلاف من الأشخاص عديمي الأعراض، بما في ذلك في مراكز القيادة. استخدمت كوريا الجنوبية تطبيق تتبع مركزياً، Corona 100m، والذي يُبلغ المواطنين علناً بالحالات المعروفة على بعد 100 متر من مكان وجودهم. والمثير للدهشة أن الثقافة التي رفضت في كثير من الأحيان تمرداً استبدادياً قد تبنت إجراءات تداخلية([28]).

بدلاً من إتباع التدابير الصينية القاضية بعزل مدن طالها الفيروس، تبنت كوريا الجنوبية نموذج إتاحة المعلومات، والمشاركة العامة، والفحوصات على نطاق واسع. يتم الاتصال بجميع الأشخاص الذين اختلط معهم المرضى المصابون بـ«كورونا» المستجد، وإجراء فحوص لهم.

كوريا الجنوبية دولة ديمقراطية؛ لكنها أيضاً مجتمع مدني ملتزم، وهو ما يشير إليه المحللون كعامل في التصدي للفيروس. هناك عديد من العوامل وراء النسبة المتدنية بشكل غير اعتيادي للوفيات – 0.77 في المائة، مقارنة مع 3.4 في المائة على مستوى العالم. الرصد المبكر يسمح بالعلاج المبكر، والفحوص الواسعة النطاق تعني رصد الحالات الخفيفة، أو من دون أعراض ظاهرة، وهذا يرفع العدد الإجمالي للإصابات المسجلة، وبالتالي تتدنى نسبة الوفيات([29]).

كوريا الجنوبية التي كانت ذات يوم أسوأ بلد تفشي فيها خارج الصين، لكن على الرغم من ذلك ظلت الحياة مستمرة بشيء من الحياة الطبيعية. يصطف العشرات أمام الصيدليات لشراء أقنعة الوجه الممنوحة من الحكومة كل أسبوع ويعمل الكثيرون من منازلهم، لكن الشركات لا تزال مستمرة والمدن لم تخضع بعد لإغلاق من قبل الحكومة. 

السلوك الصّارم، والخبرة السابقة، خصوصاً في تعامل السلطات مع تفشي فيروس السارس في العقد الماضي، إضافة الى امتثال السكان للمبادئ التوجيهية والتزامهم الصارم بكل توجيهات الدولة في حالات الطوارئ، وحفاظهم التام بخصوص النظافة، حيث تمكنت كوريا الجنوبية من إجراء أكثر من 15 ألف فحص تشخيص يومياً، وأجرت 220 ألف فحص حتى منتصف مارس 2020. ولديها أكثر من 500 مختبر مخصصة لإجراء الاختبارات، بينها أكثر من 40 مرفقاً يمكن الحصول على الخدمة فيها عبر المرور بالسيارة (درايف ثرو) ما يقلل من الاحتكاك بين المرضى والأطقم الصحية([30]).

 سجلت كوريا الجنوبية حتى يوم 9 أبريل حوالي 10423 ألف إصابة، بينما مجمل الوفيات وصل الى 204، فيما تعافى 6,973. ما يجعل كوريا الجنوبية واحدة من الدول القليلة التي يواصل اقتصادها العمل بشكل جيد. المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية مفتوحة. الناس يمشون في الشارع، معظمهم يرتدون الأقنعة. في نهاية الأسبوع يمارس الناس الرياضة والتنزه. وتعمل المصانع. ومع ذلك، فإن معظم الناس حريصون ويفضلون الجلوس في المنزل والعمل منه. الحدود مفتوحة ولكن من يدخل يجب فحصه وعزله لمدة أسبوعين".([31])

ترصد كوريا تحركات الشخص المصاب من خلال استخدامه بطاقة الائتمان المصرفية، وصور الكاميرات المغلقة وتتبع الهاتف النقال. وتنشر تلك المعلومات على مواقع حكومية مع رسائل نصية تحذيرية ترسل إلى الأشخاص عندما يتم رصد إصابة جديدة في المنطقة التي يعملون أو يعيشون فيها، ويثير هذا الإجراء قلقاً إزاء مسألة الخصوصية، لكنه مكّن الناس من التقدم لإجراء فحوصات.  وتبلغ كلفة الفحص قرابة 160 ألف وون (134 دولاراً أميركياً) لكنه يُتاح بالمجان لمن يُشتبه بإصابتهم ومن خالطوا أصحاب الحالات المؤكدة، أو الذين تأتي نتيجة فحصهم إيجابية، ما يشجع المشاركة([32]).

 نجاح النموذج الكوري الجنوبي في التعامل مع الأزمة شجع دول أوروبية كثيرة لتبني النموذج الكوري، ألمانيا وبريطانيا كانت من أكثر الدول اهتماماً بتكرار التجربة الكورية، حيث اقتنعت ألمانيا أن إجراءات العزل الصحي المعلنة حالياً غير كافية، لذلك تتجه إلى الاستفادة من التجربة الكورية، خاصة أن هذا البلد نجح في تطويق دائرة المصابين بفيروس كورونا، وفق ما أفادت وسائل إعلام ألمانية رصينة.

ترغب ألمانيا باقتفاء أثر كوريا الجنوبية في استخدام قاعدة البيانات الضخمة، ونظام تتبع المواقع GPS الموجود في الهواتف الذكية، لأجل عزل المصابين بفيروس كورونا المستجد، بمجرد أن تؤدي إجراءات التباعد الاجتماعي المطبقة حالياً إلى إبطاء انتشاره، وفق ما ذكرته "دير شبيغل" الألمانية يوم الجمعة (27 آذار/مارس 2020). وجاءت هذه الخطة باقتراح من وزارة الداخلية الألمانية في مذكرة لها، وتضمنت الخطة كذلك إجراء التحاليل المخبرية بشكل مكثف لمعرفة عدد المصابين. ويعدّ النموذج الكوري جد فعال في المجالين التكنولوجي والمخبري، إذ استطاعت هذه الدولة تخفيف حالات الإصابة بكورونا بشكل كبير، بعدما كانت في المراتب الأولى عالمياً لانتشار الفيروس([33]).

أثبت النموذج الكروي الجنوبي في مواجهة جائحة كورونا القائم على الاستعداد الجيد، واستخدام التكنولوجيا في تتبع الحالات المصابة، والاستفادة من التجارب السابقة وعدم إغلاق المدن والمنشآت الصناعية والمصانع فعاليته في مواجهة خطر الفيروس، فقد تراجع معدل الإصابات والوفيات في كوريا الجنوبية رغم أن كوريا الجنوبية كانت مركز الوباء الثاني بعد الصين، ما يؤكد أن الاستعداد الجيد وتسخير مقدرات الدولة والمجتمع عامل مساعد في الحفاظ على الصّحة العامة والنشاط الاقتصادي.

رابعًا: النموذج الإيطالي (عدم الاكتراث)

تحولت إيطاليا لنموذج حي عن المأساة الأوروبية في مواجهة فيروس كورونا، بعد أن ضربت جائحة كورونا أوروبا بشكل كامل وإيطاليا على وجه التحديد، لقد توغل الفيروس في كامل الأراضي الإيطالية مما أدى لانهيار القطاع الصحي والخدمات العامة، فقد أدى الوباء إلى شلل كامل في المرافق العامة وتحويل المدن والقرى الإيطالية إلى جزر معزولة.

المأساة الإيطالية والأوروبية بشكل عام باتت تطرح العدّيد من التساؤلات حول استعداد دول أوروبا والقارة العجوز للتعامل مع مثل هذه الظروف الغير اعتدادية، فقد أعاد الفيروس صياغة العلاقات الأوروبية ومنظومة الاتحاد الأوروبي، وأثارت العديد من التساؤلات حول قدرات القطاع الصحي في أوروبا في ظل النزعة النيوليبرالية التي أدت لبيع القطاع العام وخصخصة معظم الخدمات العامة.

 في بداية الأزمة تعاملت الدولة والقطاع الصحي مع الوباء بنوع من الاستهتار وعدم الجدية كما كان الحال في الصين ودول أخرى، حيث سمحت الحكومة باستمرار النشاط التجاري والرياضي، ونمط الحياة التقليدي للمواطن الإيطالي، بدون أخذ تدابير احترازية لمنع انتشار الوباء.

  بداية ظهور الوباء في جمهورية إيطاليا في 31 يناير 2020، عندما كان اختبار السائحين الصينيين في روما إيجابياً للفيروس([34]) بعد ذلك بأسبوع، عاد رجل إيطالي إلى إيطاليا من مدينة ووهان الصينية، وتم إدخاله إلى المستشفى وتأكد أنه الحالة الثالثة في إيطاليا.([35])   ومن ثم بدأت حالات الإصابة في زيادة مضطربة.

البداية المتأخرة في التعامل مع الفيروس واستمرار النشاط الاقتصادي والرياضي والحركة العامة للسكان ساهم في انتشار الوباء، حيث استمر الشعب الإيطالي في ممارسة نشاطه الرياضي والتجاري بدون الأخذ بعين الاعتبار المخاطر المحدقة بالصحة العامة. فلم تكن المواجهة التي جمعت نادي أتالانتا الإيطالي بضيفه فالنسيا الإسباني في ذهاب الدور ثمن النهائي لدوري أبطال أوروبا مجرد مباراة عادية، بل كانت (قنبلة بيولوجية)، كما وصفها العديد من المتابعين في العالم.

المباراة التي أُقيمت يوم 19 شباط/ فبراير الماضي، والتي انتهت بفوز أتالانتا 4-1، جرت في ملعب "سان سيرو في مدينة ميلانو، التي تقع في إقليم لومباردي، وهو المصدر الذي تفشّى فيه فيروس كورونا في بداية الأمر([36]).

المباراة جلبت نحو 2500 مشجع قدموا من إسبانيا لمؤازرة نادي فالنسيا، وقضوا ساعات طويلة من الاحتفال في شوارع ميلانو قبل التوجه عبر قطار الأنفاق ووسائل النقل العام الأخرى نحو الملعب. وبعد مرور أكثر من شهر على تلك المواجهة، جمع موقع "يورو سبورت" شهادات لمختصين بشأن دور تلك المباراة في تزايد حالات العدوى بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). وكانت إيطاليا قد شهدت تسجيل أول حالة إصابة بكورونا قبل تلك المباراة بيوم([37]).

الإيطالي المختص في الأمراض المعدية ماسيمو غالي قال: أن الفيروس انتشر قبل المباراة في مناطق بعيدة عن مدينة ميلان، ولكن تجمع الآلاف من الأشخاص في موقع واحد كان عاملاً مهماً لانتشاره. ويعتقد فرانشيسكو لوفوش الطبيب المختص في المناعة بمصحة أومبيرتو في روما، أن تلك المباراة كانت نقطة تحوّل في انتشار الفيروس بإيطاليا، وأوضح أن تزاحم الآلاف من المشجعين خلال الساعات التي سبقت المباراة وأثناءها وبعدها كان ميداناً خصباً لانتشار الفيروس وانتقاله في مرحلة لم تكن فيه المنطقة في وضع استعداد وتأهب لمواجهته([38]).

مباراة كرة القدم تحولت لسبب رئيسي في انتشار الوباء في كل من إيطاليا وإسبانيا بعد أن سجلت السلطات في إسبانيا وإيطاليا أعداداً كبيرة من الإصابات ضمن المشجعين الذين حضروا المباراة.

وصف جورجيو غوري، عمدة مدينة بيرغامو الإيطالية، مباراة أتالانتا وفالنسيا التي أقيمت في فبراير الماضي بالقنبلة البيولوجية، لتسببها بتفشي فيروس كورونا في إيطاليا وإسبانيا. واستضاف أتالانتا نظيره الإسباني في مباراة حضرها قرابة 44 ألف مشجعاً للفريقين، وأصر غوري على أن هذه المباراة كانت سبباً رئيساً في جعل بيرغامو المقاطعة الأكثر تضرراً من فيروس كورونا في إيطاليا، بعدد حالات يصل إلى 6 آلاف و728([39]).

وصلت معدلات  الزيادة اليومية للإصابات في إيطاليا خلال شهر مارس الماضي إلى حوالي 6500 إصابة مؤكدة في يوم 22 مارس، وعدد الوفيات إلى ألف حالة، ومن ثم بدأ المنحنى في التراجع([40])

 مع اشتداد الأزمة أعلنت الحكومة الإيطالية سلسلة إجراءات لمواجهة الفيروس، فقد أغلقت في 4 مارس جميع المدارس والجامعات في جميع أنحاء البلاد لمدة أسبوعين، وقضت الحكومة الإيطالية بأن جميع الأحداث الرياضية في إيطاليا ستقام خلف أبواب مغلقة حتى 3 أبريل وهذا يشمل جميع المجالات، بما في ذلك تلك التي لم تتأثر بعد بانتشار أمراض الجهاز التنفسي شديدة العدوى.

في 10 مارس اذار. فرضت الحكومة الإيطالية إجراءات جديدة، ومنعت الإجراءات الأشخاص من مغادرة منازلهم باستثناء الذهاب إلى العمل، أو التسوق لشراء الطعام أو الضروريات الأخرى، أو ممارسة المشي لفترات قصيرة، أو أداء مهام أساسية مثل رعاية قريب مسن، وفي 22 مارس، مددت القيود، وأغلقت جميع الأعمال غير الضرورية وحظرت أي حركة داخل البلاد بخلاف "أسباب تجارية أو صحية غير قابلة للتأجيل ومثبتة أو غيرها من الأمور العاجلة" ([41]).

تفوقت إيطاليا على الصين في معظم حالات الوفاة المتعلقة بالفيروس التاجي، مما يجعلها أكثر مراكز تفشي المرض في أوروبا، يعالج الناس في المستشفيات الميدانية ويصطفون في ممرات داخل المستشفيات العامة المتوترة. يُصاب الأطباء والممرضات بالعدوى بسبب نقص الحماية الكافية. رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي قال "من الواضح أن إجراءات معالجة تفشي المرض، سواء تلك التي أغلقت الكثير من الشركات والأنشطة الفردية في البلاد، أو التي تتعلق بالمدرسة، يمكن فقط أن يتم تمديدها إلى الموعد النهائي"([42]).

على مر التاريخ أدى إنكار الواقع لحدوث كوراث، هناك مرحلة أولى قامت فيها السلطات في إيطاليا بإنكار الواقع، وغالباً ما كانت الاستجابة متأخرةً جداً، في 10 مارس أصبحت إيطاليا الدولة الديمقراطية الأولى منذ الحرب العالمية الثانية تحت فرض حظر التجول على الصعيد الوطني. في غضون أيام فقط، انتشر الفيروس في عموم الأراضي الإيطالية، بعد ما كان أزمة في الشمال، تحول لأزمة وطنية، ثم تحولت إيطاليا في المرتبة الثانية بعد الصين، من حيث عدد الإصابات والوفيات ([43])

خلال شهر مارس سجلت إيطاليا أعلى معدل وفيات في العالم، بسبب (COVID-19) حتى يوم الجمعة (27 مارس)، أعلنت الحكومة الإيطالية عن أكثر من 9100 حالة وفاة، وفقًا لموقع World meter، الذي يتتبع حالات COVID-19. وبلغت نسبة الوفيات في ايطاليا 10٪، وهو أعلى بكثير من المتوسط ​​العالمي البالغ 3.4٪، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

قد يكون عمر السكان أحد العوامل التي تؤثر على معدل الوفيات في البلاد -حيث يوجد في إيطاليا أكبر عدد من السكان في أوروبا، مع حوالي 23 ٪ من السكان أعمارهم 65 أو أكبر، كما أن متوسط ​​العمر في إيطاليا  هو 47.3 عام، مقارنة بـ 38.3 عام في الولايات المتحدة. كانت العديد من الوفيات في إيطاليا من بين الأشخاص في الثمانينيات والتسعينيات، وهم من السكان الذين يُعرف أنهم أكثر عرضة للمضاعفات الشديدة، علاوة على ذلك، يبدو أن كبار السن يشكلون نسبة أكبر من الحالات في إيطاليا، مع حوالي 37 ٪ من الحالات الذين تتراوح أعمارهم بين 70 عاماً وأكثر، مقارنة بـ 12 ٪ من الحالات في الصين، وفقاً لورقة عن قضية الوفيات في إيطاليا، تم نشرها 23 مارس في مجلة JAMA ([44]).

أكثر من 60% من الوفيات في إيطاليا وقعت في منطقة "لومباردي" الشمالية، التي تعاني مستشفياتها من عبء مذهل، أدى إلى صعوبة العثور على أسرّة للعناية المركزة، كما أن أجهزة التنفس في حالة نقص، ما يؤكد عدم استعداد الجهاز الصحي والسلطات في إيطاليا لمثل هذه الكوراث.

مدير معهد الصحة في إيطاليا قال إن متوسط ​​عمر المرضى الإيطاليين الذين توفوا بعد اختبار الإصابة بالفيروس بلغ 78 عاماً. وأكد أن نظام الرعاية الصحية العامة في إيطاليا كان قادراً على إبقاء الكثير من كبار السن الذين يعانون من حالات طبية موجودة مسبقاً، لكن الفيروس ضرب الجهاز الصحي، وتساءل بعض الخبراء عما إذا كانت القيود الإيطالية قد ذهبت إلى حدٍ كافٍ لوقف انتشار الفيروس ([45]).

واضح أن استجابة السلطات في إيطاليا كانت متأخرة كثيراً، فقد أغلقت الحكومة الإيطالية معظم الشركات وحظرت التجمعات العامة في جميع أنحاء البلاد في 12 مارس، لقد حاولت وقف انتشار الفيروس، عبر إغلاق الحانات والمطاعم ومعظم المحلات التجارية، وكذلك المدارس والجامعات، لكن يبدو أن الاستجابة جاءت بشكل متأخر.

رئيس الوزراء الإيطالي "جوزيبي كونتي قال للصحفيين إنه "ساعد في منع انهيار النظام". لكنه قال لصحيفة كورييري ديلا سيرا "لن نتمكن من العودة فوراً إلى الحياة كما كانت من قبل" حتى عندما انتهت الإجراءات([46]).

تعد إيطاليا واحدة من المراكز العالمية لحالات فيروسات التاجية النشطة، لقد أجرت السلطات حوالي 140 ألف اختباراً للفيروس حتى الوقت الراهن. ونظراً للعدد المحدود من الاختبارات التي تم إجراؤها، يُقدر أنّ يكون العدد الحقيقي للأشخاص المصابين في إيطاليا أكثر من ذلك بكثير، كما هو الحال في البلدان الأخرى([47]).الإحصائيات الرسمية في إيطاليا حتى اللحظة تؤكد إصابة (139,422) شخص، (17669) حالة وفاة، حسب آخر الإحصائيات ليوم 8 أبريل حالات وفاة ([48])

 لقد عانت إيطاليا من تفشي الفيروس التاجي الأكثر فتكاً في العالم، بسبب سياسات عدم الاكتراث التي تعاملت بها السلطات الإيطالية مع الأزمة في بداية الأمر. سياسة عدم الاكتراث وعدم الجدية التي تعاملت بها الحكومة الإيطالية مع الفيروس يمكن أن تحسب على باقي دول أوروبا، كون أن جائحة كورونا أثبتت هشاشة الجهاز الصحي في معظم دول أوروبا، بفضل السياسات النيوليبرالية التي ساهمت في بيع القطاع العام وخصخصة الخدمات العامة، وتراجع الدولة في القيام بدور رئيسي في النشاط الاقتصادي، ما قد يفتح الباب لإعادة تقيم دور الدولة والجهاز الحكومي في قادم السنوات.

خاتمة

رغم أنّ أزمة كورونا (كوفيد 19) بعد أنّ تحولت إلى جائحة عالمية، أصابت قطاعي الصحة والاقتصاد في العديد من دول العالم بالشلل التام؛ إلا أنّ إجراءات دول العالم قد تباينت في طريقة مواجهة الوباء، فمنذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية عن تفشي جائحة، بسبب فيروس تاجي جديد يسبب مرضاً يعرف باسم COVID-19  انتشر إلى 180 دولة ومنطقة على الأقل، سبب انهيار في الجهاز الصحي والنشاط الاقتصادي في العديد من الدول ظهرت العديد من التجارب الدولية في طريقة معالجة الآثار الناجمة عن الوباء سواء على المستويات الصحية أو الاقتصادية.

فالعديد من دول العالم استخدمت استراتيجيات ونماذج مختلفة لمواجهة الفيروس، تراوحت ما بين الإغلاق الكامل كما هو الحال في النموذج الصيني، والانفتاح الكامل كما هو في التجربة الكورية، وتفضيل الاقتصاد على الصحة العامة، كما جرى في التجربة الأمريكية تحت قيادة ترامب، وعدم الاكتراث والاستعداد الجيد كما هو الحال في التجربة الإيطالية وباقي دول أوروبا، وهناك تجارب حاولت الخلط والجمع بين العديد من النماذج والتجارب السابقة، كما هو الحال في التجربة البريطانية التي سعت في بداية الأمر تكرار النموذج الكوري.

ورغم تعدد التجارب الدولية في كيفية مواجهة التداعيات السلبية للفيروس يبقى النموذج الكوري يمثل نموذج فريد في كيفية الحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي ومعدل منخفض من الوفيات والإصابات ما جعله مثار اهتمام معظم دول العالم، خاصة في ظل المؤشرات التي تتحدث عن استمرار الأزمة لعدة شهور قادمة ما يجعل من التجربة الكروية نموذج فعال في إمكانية الجمع ما بين النشاط الاقتصادي والحفاظ على الصّحة العامة.

الهوامش

** ما يرد في هذه الورقة من آراء تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس موقف مركز مسارات.

([1]) كورونا. آخر الأرقام والإحصاءات حول العالم، (الجزيرة نت، 8 أبريل 2020) متاح على: https://bit.ly/2xcEenn

([2]) Timeline: How the new coronavirus spread, the virus has killed more than 53,000 people and infected more than 1 million worldwide, (Al Jazeera, April 3, 2020). https://bit.ly/3dQrSSx

([3]) حسين، إسراء: كيف أخفقت أمريكا ونجحت الصين في اختبار فيروس كورونا؟، (موقع قناة TRT بالعربي، 18 مارس 2020)، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3bRurSe

([4]) غوردون كوريرا: فيروس كورونا: كيف سيغير الوباء مفهوم الأمن القومي والنشاط التجسسي؟، (موقع BBC عربي، 3 أبريل/ نيسان 2020 )، متاح على الرابط: https://bbc.in/2Ra1s4o

([5])  Javier C. Hernández: China Spins Coronavirus Crisis, Hailing Itself as a Global Leader.( The New York Taws   March 3, 2020)

([6]) قاسم، محمد، صلاح: كيف سيطرت الصين على فيروس كورونا المستجد؟، (موقع إضاءات، 16 مارس 2020)، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/348Tq0K

([7])   Hal Brands: Coronavirus Is China's Chance to Weaken the Liberal Order, (Bloomberg.com, March 2020). https://bloom.bg/348nvgU

([8]) Corona: China is a unique experience in dealing with and containing the disease, so how can the rest of the world learn lessons? (United Nations News, March 16, 2020). https://bit.ly/2RbMACF

([9]) كورونا.. آخر الأرقام والإحصاءات حول العالم، (الجزيرة نت، 8 أبريل 2020) ماتح على: https://bit.ly/2xcEenn

([10]) إحصائيات انتشار فيروس كورونا، (موقع إيلاف السعودي 8 أبريل 2020)، متاح على: https://bit.ly/3bZaQjd

([11]) فرنجية، موناليزا: كورونا الزاحف يشلّ العالم و"النموذج الصيني" يثبت فعاليته، (جريدة النهار اللبنانية، 15 مارس 2020)، متاح على الرابط: https://bit.ly/3dRrGCh

([12]) American Research Centers Weekly Report 20-20-20-03 – (Center for American and Arab Studies, March 23, 2020), https://bitly/2y725F9

([13]) غوردون كوريرا: فيروس كورونا: كيف سيغير الوباء مفهوم الأمن القومي والنشاط التجسسي؟، موقع BBC عربي، 3 أبريل/ نيسان 2020 متاح على الرابط: https://bbc.in/2Ra1s4o

([14]) كورونا أميركا: أكبر تحدٍ لترامب وفرص فوزه في الانتخابات، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر الدوحة 2020)، متاح على الرابط التالي:   https://bitly/3bonnwc

([15]) David Remnick: Trump in the Time of the Coronavirus, (the New Yorker, March 9, 2020). https://bit.ly/2UG4zDa

([16]) الغارديان: ترامب يعاند الخبراء الصحيين ويتعامل بعقلية التاجر مع كورونا، (أمد للإعلام، 25 مارس 2020)، متاح على الرابط: https://bitly/2QHCuc7

([17]) American Research Centers Weekly Report , (Center for American and Arab Studies, March 23, 2020), https,//bitly/2y725F9

([18]) هل تتسبب أزمة فيروس كورونا في إعادة تشكيل النظام العالمي؟ (مجلة فورين أفيرز، ترجمة أحمد ليثي، مركز الإنذار المبكر، الأمارات العربية المتحدة 2020)، متاح على الرابط التالي, https,//bitly/2Jd1OTi

([19]) American Research Centers Weekly Report, Weekly Report Center for American and Arab Studies, March 16, 2020, https,//bitly/2y725F9

([20]) المنشاوي، محمد, المعركة ضد كورونا. قرارات ترامب في ميزان رؤساء الحرب الأميركيين، الجزيرة نت، 7 أبريل 2020، متاح على الرابط التالي, https,//bit.ly/2VeixLA

([21]) رقم قياسي. قرابة 1500 وفاة وأكثر من 31 ألف إصابة بكورونا خلال يوم. وترامب يلوم أوباما، موقع CNN، 4 أبريل 2020، متاح على الرابط التالي, https,//cnn.it/2VbvUfz

([22]) كورونا. آخر الأرقام والإحصاءات حول العالم، (الجزيرة نت، 8 أبريل 2020) ماتح على الرابط, https,//bit.ly/2xcEenn

([23]) Susan B Glasser, A President Unequal to the Moment  ,(The NEWYRKER, March 12, 2020), https,//bitly/33FBvyG

([24])   Hal Brands, Coronavirus Is China's Chance to Weaken the Liberal Order, (Bloomberg.com, March 2020). https,//bloom.bg/348nvgU

([25]) How the World Will Look After the Coronavirus Pandemic, Foreign Policy, MARCH 20, 2020). https://bit.ly/2V88U0S

([26]) المنشاوي، محمد, المعركة ضد كورونا.. قرارات ترامب في ميزان رؤساء الحرب الأميركيين، (الجزيرة نت، 7 أبريل 2020)، متاح على الرابط التالي, https,//bit.ly/2VeixLA

([27]) Kelly Kasulis, South Korea's coronavirus lessons, Quick, easy tests; monitoring, (Al Jazeera, 19 Mar 2020). https,//bit.ly/2UI9aoD

([28]) South Korea took rapid, intrusive measures against Covid-19 – and they worked, (The Guardian, Fri 20 Mar 2020). https,//bit.ly/2RbM9rJ

([29]) كيف تسيطر كوريا الجنوبية على «كورونا» دون إجراءات عزل؟، (جريدة الشرق الأوسط، 11 مارس 2020)، متاح على الرابط, https,//bit.ly/2JGlnDT

([30]) Kelly Kasulis, South Korea's coronavirus lessons, Quick, easy tests; monitoring,( Al Jazeera,19 Mar 2020). https,//bit.ly/2UI9aoD

([31]) سر نجاح كوريا الجنوبية في مواجهة كورونا, مئات آلاف الفحوص واقتصاد فعّال، (قناة 24 نيوز، 4 ابريل 2020(،https,//bit.ly/2wcGBGe

([32]) الفخراني، هشام, تعرف على تجربة كوريا الجنوبية الناجحة في مواجهة وباء كورونا، (جريدة اليوم السابع المصرية، 19 مارس 2020)، متاح على الرابط, https,//bit.ly/34hM8YQ

([33]) على خطى كوريا. ألمانيا تفكّر باستخدام GPS لمواجهة كورونا، (موقع DW الألماني، 27 مارس 2020)، https,//bit.ly/2RcJnTb

([34])Coronavirus, Primi due casi in Italia". Corriere della sera (in Italian). 31 January 2020). https,//bit.ly/3e3aiut

([35])"First Italian dies of coronavirus as outbreak flares in north". (Reuters. 21 February 2020). https,//reut.rs/3aUe47A

([36]) هكذا تسببت مباراة كرة قدم في نشر الكورونا في إيطاليا وإسبانيا، (جريدة الأخبار اللبنانية، 27 مارس 2020)، متاح على الرابط التالي, https,//bit.ly/39OmZG5

([37]) "المواجهة صفر".. قصة مباراة تحوّلت إلى "قنبلة بيولوجية"، (الجزيرة الرياضية، 25 مارس 2020) متاح على الرابط، https,//bit.ly/2UV1a3I

([38]) "قنبلة بيولوجية".. مباراة كرة قدم تسببت في نشر كورونا بإيطاليا وإسبانيا، (جريدة الشروق القطرية، 25 مارس 2020)، متاح على الرابط التالي, https,//bit.ly/34jQVJ8

([39]) عمدة بيرغامو, مباراة أتالانتا وفالنسيا كانت "قنبلة بيولوجية"، (العربية نت، 25 مارس 2020) متاح على الرابط، https,//ara.tv/jr3fd

([40]) Daily New Cases in Italy. Last updated, April 08, 2020, https,//bit.ly/2VbxBd0

([41]) Josephine Moulds , Has Italy's coronavirus outbreak finally peaked?,  World Economic Forum. 24 Mar 2020. https,//bit.ly/3e4sqE9

([42]) Mia Alberti, Nicola Ruotolo, Valentina Di Donato and Tara John,Italy surpasses China in number of coronavirus deaths,( CNN, March 19, 2020). https,//cnn.it/2XmyqSS

([43]) Life in Italian Lockdown After a Tragic Coronavirus Denial, (Bloomberg Businessweek, 18 march 2020). https,//bloom.bg/3aUgCCp

([44]) Rachael Rettner - Senior Writer, Why are deaths from coronavirus so high in Italy?. (Live Science,

 27 March 2020). https,//bit.ly/2VgYrAk

([45])  Valentina Di Donato, Sheena McKenzie and Livia Borghese, Italy's coronavirus death toll passes 10,000. Many are asking why the fatality rate is so high. (CNN. March 30, 2020). https,//cnn.it/2XjJYq7

([46])Coronavirus, Italy's death toll overtakes China's, BBC, 19 March 2020, https,//bbc.in/2RkpCJo

([47]) The total number of Italian coronavirus cases could be '10 times higher' than known tally, (according to one official". CNBC. 24 March 2020). https,//bbc.in/2RkpCJo

([48]) Daily New Cases in Italy. (Last updated, April 08, 2020). https,//bit.ly/2VbxBd0

مشاركة: