الرئيسية » تحليل سياسات »   01 حزيران 2020

قراءة/تحميل | | | |
نحو سياسات فاعلة لمعالجة ضعف وتشرذم العمل النقابي

هذه الورقة من إعداد سائد أبو عياش، سوزان عويوي، ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" الذي يشرف عليه مركز مسارات - الدورة السادسة 2019-2020. 

مقدمة

تعاني النقابات العمالية في فلسطين من مشكلة التشرذم وضعف الأداء النقابي، ويعود ذلك إلى عوامل مختلفة، كالانقسام الذي ولّد أجسامًا جديدة للنقابات العمالية، وزاد من هيمنة الأجندات الحزبية عليها، إلى جانب الظروف القاهرة التي يمر بها العمال الفلسطينيون من حصار وأزمات متتالية، كان آخرها ترك العمل بسبب الحجر المنزلي للوقاية من فيروس كورونا.

تمّ الاتفاق في العام 2015 على توحيد عمل اتحاد نقابات عمال فلسطين واتحاد العام لعمال فلسطين، وتم توقيع الاتفاق النهائي في العام 2018، وبموجبه يمثل اتحاد العمال الفلسطينيين في الخارج ويمثل اتحاد النقابات العمال الفلسطينيين في الداخل، وهما جهتان تمثلان العمال أمام الحكومة الفلسطينية. ولكن بقي اتحاد العمال الفلسطيني في غزة الذي تأسس بعد الانقسام خارج إطار الدمج، بالإضافة إلى عدد من النقابات التي تأسست في سياقات مختلفة، وهي غير متسقة مع سياسات اتحاد نقابات العمال، مثل اتحاد النقابات العمالية الفلسطينية الجديدة، والاتحاد العام الفلسطيني للنقابات العمالية المستقلة.

يمكن اعتبار هذا الدمج خطوة عملية نحو توحيد الجهود وإعادة رسم خارطة العمل النقابي بين الاتحادات والنقابات العمالية، ولكن الدمج المطلوب هو لفروع النقابات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وليس توحيد جميع النقابات العاملة في فلسطين، وذلك لأن فكرة وجود أكثر من جسم نقابي تعكس التعددية، وهي ظاهرة صحية من حيث قدرة العمال على الانتساب لمن يمثلهم، إضافة إلى ما سيخلقه التعدد من منافسة بين تلك الاتحادات والنقابات لتحقيق مصالح العمال.

في المقابل، فإن الدمج سيولد آثارًا جانبية تضر بالعمل النقابي في ظل الواقع الذي تعيشه النقابات، فوجود مركزية عالية في الإطار الهيكلي للنقابات والاتحادات نتيجة الدمج سيضعف عمل النقابات من نواحي عدة، إذ يكرس ويزيد إشكالية الغياب الديمقراطي عن المؤسسة النقابية، ويضعف العمل النقابي من خلال السيطرة على قيادة أي حراك نقابي.

في هذا السياق، لا بد من التأكيد على صعوبة فصل النقابي عن الوطني، وهذا ما يشهده التاريخ الفلسطيني، ففي ظل استمرار وجود الاحتلال لا يمكن فصل التوجهات الحزبية والفصائلية للأفراد والعمال وقادة النقابات والاتحادات العمالية. ولكن في ظل الانقسام السياسي، وتفرد فصيلين سياسيين في حكم الضفة والقطاع، وتغليب المصلحة الفصائلية على العمل الجمعي، سواء النقابي أم الوطني؛ يعني مزيدًا من الضعف والتشرذم وعدم الاكتراث لوضع العمال.

ستقوم هذه الورقة بالتركيز على قضية ضعف التنسيق بين النقابات والاتحادات العمالية، ومن ثم ستطرح حلولًا سياساتية للحكومة متمثلة بوزارة العمل وقيادة العمل النقابي، بهدف الوصول إلى أجسام نقابية عمالية منظمة ومتعاونة فيما بينها لمصلحة العمال.

المشكلة السياساتية

أدت مشكلة تشرذم النقابات العمالية في فلسطين إلى ضعف أدائها النقابي، وضعف سياساتها في الحفاظ على حقوق العمال. فوجود أكثر من نقابة واتحاد في الضفة الغربية وقطاع غزة شتت الجهود النقابية، كما أن الانشقاقات وتأسيس نقابات عمالية تعمل بصورة منفردة عن اتحاد النقابات، الذي يعدّ الممثل "الفعلي" أمام الحكومة، وقيام كل نقابة أو اتحاد بالعمل بشكل مستقل عن الآخر؛ أدى إلى تراجع دور تلك النقابات الفعلي في حماية واقع العمال والحفاظ على حقوقهم.

يعود واقع النقابات العمالية والإشكالية التي يعاني منها إلى مجموعة أسباب، منها ذاتية وأخرى موضوعية، أثرت بشكل مباشر على عمل النقابات وأعضائها. وفي الواقع هناك دائمًا تشابك وتداخل بين تلك العوامل، حيث لا يمكن فصلها وتجريدها عن باقي العوامل، ويأتي الفصل بين تلك الأسباب لأغراض منهجية تهدف إلى تحديد أبعاد المشكلة السياساتية وأسبابها، التي جاءت على النحو الآتي:

العوامل الذاتية التي يُعزى لها ضعف العمل النقابي

أولًا: غياب الديمقراطية في الاتحادات والنقابات العمالية، حيث تكون النقابات تحت قيادة دائرة محدودة تأخذ قرارات دون الأخذ بعين الاعتبار آراء العمال ومصالحهم، ما ترتب عليه ضعف ثقة العمال بالنقابات، وضعف أداء النقابات في تحقيق مصالح العمال. فغياب الانتخابات الدورية، وعدم الالتزام بالبرامج التي تطرح وقت الانتخابات، التي إن حصلت تتم بطريقة صورية، يتم فيها تجديد شرعية القيادات المتنفذة.[1]

ثانيًا: ضعف البرامج الخدمية المقدمة للعمال، وبالتالي عدم اهتمام العمال بالانتساب إلى النقابات، فلا الوعي العمالي أدرك أهمية العضوية، ولا النقابات استطاعت جذب اهتمام العمال بخدمات واضحة تقدمها لهم.

ثالثًا: يفتقر العمل النقابي الفلسطيني إلى قاعدة بيانات ومعلومات إحصائية دقيقة، وهذا يدلل على الفوضى في العمل، والتشرذم، وغياب حس المسؤولية أو الرغبة في الاستحواذ الشخصي على المعلومات للنقابيين.

رابعًا: ضعف ثقافة العمل النقابي لدى العمال وقادة الحركة النقابية[2]، فمفاهيم مثل قضايا العدالة الاجتماعية لا تعدّ من ضمن أولويات العمل النقابي. وتتركز معظم أعمال النقابات على الجوانب الإدارية والتواصل بين العمال ومشغليهم، في حين تغيب المشاريع والسياسات الفاعلة لدعم العمال وواقعهم الاقتصادي.

العوامل الموضوعة التي يُعزى لها ضعف العمل النقابي

أولًا: سيطرة الأحزاب والفصائل وتدخلها في العمل النقابي[3]

أغلب قيادات العمل النقابي لها انتماءاتها السياسية والحزبية، فقد ارتبط العمل النقابي تاريخيًا في فلسطين بالعمل الوطني والسياسي، وكانت النقابات أذرعًا ولجانًا شعبية تابعة لمنظمة التحرير وفصائلها. وبعد قيام السلطة الفلسطينية، استمر الوضع كما كان في السابق، الأمر الذي أضعف العمل النقابي، وابتعاده عن مصلحة العمال، والتوجه نحو مصلحة الحزب أو الفصيل. فعلى سبيل المثال، تعمل قيادة النقابات في غزة ضمن سياسات وبرامج حركة حماس، وكذلك الأمر في الضفة الغربية، إذ تميل القيادة لسياسات السلطة بقيادة حركة فتح، إضافة إلى تهميش الأحزاب والفصائل الأخرى وممثليها إذا لم تكن سياساتهم وبرامجهم النقابية مندمجة مع سياسات الفصائل المهيمنة.

ثانيًا: الانقسام السياسي

تأثّرت كافة المؤسسات في فلسطين بالمشهد السياسي بعد الانقسام، ولم تكن النقابات بعيدة عن ذلك التأثير. فعمل النقابات والوضع الاقتصادي بشكل عام والتوجه السياسي في كل من الضفة والقطاع، يعمل بشكل منفصل عن الآخر، حيث أدى الانقسام إلى تشكّل حالة من التشرذم وعدم الاتساق بين أوضاع وطريقة عمل النقابات في الجانبين، إضافة إلى عدم تقديم خدمات للعمال يتوازى مع عدد تلك النقابات الجديدة التي ظهرت بعد الانقسام الفلسطيني.

ثالثًا: التدخل الحكومي في العمل النقابي وعدم قيام الحكومة بدورها الرقابي

تمارس الحكومة ضغوطات مختلفة على قادة النقابات إلى حد التحكم في سير عملها، وطبيعته، وتصل أحيانا حد حظر عمل بعض النقابات، كما حدث مع نقابة الموظفين العمومين في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 في الضفة. كما أن سياسة التدخل والسيطرة الحكومية طالت النقابات في غزة أيضًا، ومثال ذلك ما حدث مع اتحاد نقابات عمال فلسطين، حيث ضيّق العمل على كوادرها في غزة، وتم تشكيل نقابة تحمل نفس الاسم والشعار.

رابعًا: غياب قانون ينظّم العمل النقابي

 لم يصدر القانون الخاص بعمل النقابات بعد إلغاء قانون العمل الأردني بموجب قانون العمل رقم (7) للعام 2000، الذي كان ساريا بالضفة إلى أن يتم استصدار قانون، لاحقًا، لتنظيم العمل النقابي ولم يصدر حتى هذه اللحظة.[4] أما في غزة، فيتم العمل ضمن قانون نقابات العمال الخاص المصري رقم 33 للعام 1954 حتى يومنا هذا.[5]

وهذا الأمر يضعف التنسيق، ويشتت الجهود، ويخلق التباينات بين الضفة والقطاع. كما أن غياب قانون خاص ينظم العمل النقابي في الضفة يدفع باتجاه تعزيز وتضخيم مشكلة التنسيق، حيث لا يوجد ما ينظم شكل العلاقات النقابية، وتكتفي بالاعتماد على بعض مواد قانون العمل.

خامسًا: الاحتلال الإسرائيلي

لعب الاحتلال دورًا مركزيًا في حياة الشعب الفلسطيني على جميع المستويات والأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يكن العمل النقابي خارج ذلك التأثير. فمنذ زمن الانتداب عانت الحركة النقابية من تضييقات وملاحقات واعتقالات لقادتها، إضافة إلى الوضع الاقتصادي المتأزم الذي يخلقه الاحتلال من خلال مصادرة الأراضي والحصار الاقتصادي وغيرها من السياسات، الأمر الذي أدى الى انتشار الفقر، وزيادة معدلات البطالة. وهناك ما نسبته 13% من مجمل القوى العاملة في فلسطين تعمل في الأراضي المحتلة العام 1948 والمستعمرات حسب إحصاءات الجهاز المركزي للاحصاء للعام 2017[6]، وتعد قضايا عمال "إسرائيل" النقابية في معظمها خارج سيطرة النقابات العمالية، وهذا ما يكرس مزيدًا من الضعف والتردي في العمل النقابي.

 ويتعرض العمال لانتهاكات على يد المشغلين الإسرائيليين، وبعض المقاولين، فيما يخص ساعات العمل، والأجور، والتأمين الصحي، والإجازات. ويعد وجود الاحتلال بالدرجة الأولى هو سبب هذه الاشكالية، إذ يعتمد تحصيل حقوق العمال على المحاكم الإسرائيلية لعدم وجود سيادة فلسطينية على الداخل المحتل، إضافة إلى عدم وجود خطة شاملة لدى النقابة ووزارة العمل لما يمكن عمله لحماية عمال الداخل المحتل، والتخفيف من أعباء الاحتلال.

هدف الورقة

الهدف العام: طرح سياسات وبدائل فعّالة لمعالجة ضعف وتشرذم النقابات العمالية.

الهدف الفرعي: اقتراح سياسات لتنسيق الجهود بين النقابات العمالية بما يخدم العمال والمجتمع الفلسطيني.

العمل النقابي في فلسطين ... لمحة تاريخية

بدأت إرهاصات العمل النقابي في فلسطين منذ بداية القرن العشرين استنادًا إلى القانون العثماني الصادر في العام 1909. أما التنظيم النقابي، فقد بدأ في العام 1920، وتبلور في العام 1925 مع تشكل "جمعية العمال العرب الفلسطينية". وفي العام 1942، تشكل "اتحاد نقابات وجمعيات العمال العربية" كتنظيم نقابي موازٍ لجمعية العمال العربية الفلسطينية التي انشقت عنها مجموعة أخرى في العام 1945، وتوحدت مع اتحاد النقابات.[7]

في العام 1947، سنّ قانون العمال، لكن لم يستفد العمال الفلسطينيون من القانون الجديد بسبب تشتت آلاف العمال الفلسطينيين بفعل نكبة 1948، وتدمير البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية، حيث انتقل مركز الحركة النقابية ممثلة بجمعية العمال العربية الفلسطينية من حيفا إلى نابلس، وتغيّر اسمها إلى جمعية العمال الأردنية، وذلك في أعقاب ضم الضفة الغربية إلى الأردن، وصدور قرار المجلس الأعلى لجمعية العمال العربية الفلسطينية الذي لم يلق ترحيبًا.[8]

في العام 1952، حلّت الحكومة الأردنية النقابات العمالية الموجودة في الضفة الغربية، وسنت قانون نقابات العمال رقم 53 للعام 1953. وجرى تسجيل 21 نقابة كمقدمة لتأسيس الاتحاد العام لنقابات العمال في الأردن، وتسجيل 40 نقابة في الضفة الغربية تضم 4000 عامل في العام 1955.[9]

بقي الوضع على حاله إلى أن تأسس الاتحاد العام لعمال فلسطين في 30 آب/أغسطس 1964 كامتداد لجمعية العمال العرب. ويرتبط هذا الاتحاد ارتباطًا وثيقًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو أحد المنظمات الشعبية التابعة للمنظمة. ويتكون من أمين عام، وأمانة عامة تضم 17 عضوًا، ومجلس أعلى من 67 عضوًا، إضافة إلى أعضاء المؤتمر البالغ عددهم 210 عضوًا.[10]

لعب الاتحاد دورًا مهمًا في تنظيم العمال الفلسطينيين في الداخل والخارج، وقد كان نشاطه سياسيًا، ووجه أغلب عمله ضد الاحتلال الإسرائيلي. وبعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967، عمدت سلطات الاحتلال إلى إغلاق المقرات النقابية في العديد من المناسبات، وإبعاد النقابيين إلى خارج الوطن، ووضعهم في السجون والمعتقلات لفترات طويلة من الاعتقال الإداري. كما حرمتهم من التنقل بحرية، وأخضعت الكثير منهم للإقامة الجبرية، ومنع السفر إلى خارج البلاد، غير أن كل هذه الإجراءات أدت إلى نتيجة واحدة، وهي الإصرار على مواصلة بناء النقابات، وتنفيذ الأنشطة النقابية من خلال الكتل النقابية المختلفة التي تشكلت طيلة مدة الاحتلال، مثل كتلة الشبيبة العمالية، والكتلة التقدمية، وكتلة الوحدة العمالية، وكتلة النضال العمالي.[11]

بعد قيام السلطة الفلسطينية، أسس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، حيث أخذ دور تنظيم العمل النقابي في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتغلب شعار العمل النقابي بعد قيام السلطة على شعار العمل الوطني الموجه ضد إسرائيل، ليكون أكثر نقابيًا عبر تنظيم العلاقة بين أطراف الإنتاج الفلسطيني.

الاتحادات والنقابات العمالية في فلسطين اليوم

يوجد في فلسطين اليوم العديد من الاتحادات والنقابات العمالية، وهي موزعة بين اتحادات واتحادات فرعية، ونقابات عامة ونقابات فرعية، بالإضافة إلى نقابات منشأة ولجان عمالية. وتنقسم الأجسام النقابية إلى ثلاثة تشكيلات رئيسية: النقابات العمالية، والنقابات المهنية التي تضم منتسبين يحملون شهادات أكاديمية كالأطباء والمهندسين، والروابط كرابطة الفنانين والموسيقيين. وستختص هذه الورقة ببحث النقابات والاتحادات العمالية.

النقابات والاتحادات العمالية في الضفة الغربية:

أولًا: الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين على الأراضي الفلسطينية

كانت المنافسة بين الكتل النقابية سياسية أكثر منها نقابية، ما أدى إلى فتح الكثير من الحوارات من أجل تشكيل اتحاد عام يضم كل هذه الكتل النقابية التي تكللت بالنجاح في العام 1992، حيث أُنشئ الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين على الأراضي الفلسطينية، ويضم الاتحاد 14 نقابة، ويبلغ عدد أعضاء المؤتمر العام فيه 210، ينتخبون اللجنة التنفيذية البالغ عددها 25 عضوًا والأمانة العامة. ويعدّ الاتحاد الممثل الرسمي لشريحة العمال أمام الحكومة الفلسطينية، ومعه تعقد الاتفاقات الحكومية لتنظيم عمل العمال.[12]

الأعضاء في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين: يضم الاتحاد حوالي 350 ألف عامل وعاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، منهم حوالي 40 ألف امرأة، بحيث تشمل الضفة الغربية 214 ألف عامل وعاملة، أما قطاع غزة فيشمل حوالي 140 ألف عامل وعاملة.

النقابات التي تنضوي تحت لواء اتحاد النقابات: النسيج، المواصلات، البناء، الزراعة والصناعات الغذائية، السياحة، الخدمات العامة، الهيئات المحلية، والبتروكيماويات، المصارف والبنوك وشركات التأمين، الاتصالات، الخدمات الصحية.[13]

ثانيًا: الاتحاد العام لعمال فلسطين

تأسس الاتحاد في العام 1964 كإحدى المنظمات الشعبية التابعة لمنظمة التحرير، وبقي ممثلًا رسميًا للعمال الفلسطينيين حتى تأسيس السلطة الفلسطينية، فقد نافسه الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين كممثل للعمال الفلسطينيين أمام الحكومة.

استمر الاتحاد العام حتى الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2018، حيث وقع شاهر سعد، أمين عام اتحاد نقابات عمال فلسطين، ومحمود أبو الوفا، أمين عام اتحاد عمال فلسطين في حينه، اتفاق الاندماج النهائي بين الاتحادين في مقر منظمة التحرير ليصبح المسمى الجديد "الكونفدرالية العمالية"، إلا أن هذا الجسم النقابي المستحدث لم يشمل فرع الاتحاد في غزة، وتعد هذه الخطوة استكمالًا لتجسيد اتفاق الوحدة بين الأجسام النقابية الفاعلة، الذي وقّع في أيار/مايو 2015.[14]

ثالثًا: الاتحاد العام الفلسطيني للنقابات العمالية المستقلة

 تأسس الاتحاد العام الفلسطيني للنقابات العمالية المستقلة كتجمع لمنظمات وطنية ديمقراطية مستقلة عن الحكومة والأحزاب السياسية وأصحاب العمل في العام 2007. وقد أعلن هذا الاتحاد عن أهدافه المتمثلة في تعزيز الاستقلالية، وديمقراطية الحركة النقابية، وكفاحها من أجل الإقرار الفعلي بالحق في العمل اللائق والحماية الاجتماعية اللائقة كمعيار للعدالة الاجتماعية. وقد أقرّ عمله بشكل رسمي في نهاية العام 2011 بعد أن بدأ العمل بالتعددية النقابية التي توافق عليها في نهاية العام 2009، وعقد مؤتمره الأول.

بحسب ورقة تقييمية صادرة عن مدير عام الإدارة العامة لعلاقات العمل، يرى بأن لهذا الاتحاد دورًا بارزًا في المساهمة بضبط الحراك الاجتماعي، والعمل على تعزيز الحوار الاجتماعي، ويعدّ الاتحاد خليطًا من النقابات الصناعية العامة والنقابات المغلقة الخاصة بالمؤسسات والمنشآت.[15]

رابعًا: اتحاد النقابات العمالية الفلسطينية الجديدة

تأسس هذا الاتحاد في العام 2010، بعد سلسلة من الاضطرابات، واتهام الاتحادات الرسمية بالتسييس وعدم وقوفها مع العمال في نضالاتهم التي خاضوها. فقرر العمال الذهاب إلى تنظيم عمالي بعيدًا عن السياسة. وعقد الاتحاد مؤتمره الأول في العام 2016، وحضرته 28 نقابة مودعة أوراقها في وزارة العمل، تمثل 10 آلاف عامل، وانتخب المؤتمر مجلسًا للاتحاد، وهيئة تنفيذية، وأمانة عامة، وأمينًا عامًا لمدة 4 سنوات، وتعتمد هذه النقابات على العمل التطوعي في عملها بنسبة 100%.[16]

النقابات والاتحادات العمالية في قطاع غزة:

انقطع تنظيم العمل النقابي عن قطاع غزة بعد نكبة 1948 وحتى العام 1964، حيث وافقت الإدارة المصرية على إنشاء وترخيص ست نقابات عمالية توحدت في العام 1965 مشكلة اتحاد النقابات العمالية الفلسطينية في القطاع.[17]

لم تستطع الحركة العمالية الفلسطينية بناء حركة نقابية قوية وفاعلة، حيث أثر وجود نسبة كبيرة من اللاجئين في قطاع غزة سلبًا على الحراك العمالي، كما تأثر هذا الجهد النقابي سلبًا بصغر أماكن العمل وعدد العمال فيها، إضافة إلى انتشار البطالة وغياب الوعي النقابي بين العمال، وسادت الأعمال الزراعية على اقتصاد غزة أكثر من غيرها من القطاعات.[18]

وكما الحال في الضفة، وبعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع في العام 1967، حظرت إسرائيل العمل النقابي بالكامل، واعتبرته عملًا خارجًا عن القانون، وكان مصير نقابيي غزة كنظرائهم في الضفة، فنالهم الاعتقال، والمطاردة، والإبعاد خارج الوطن. واستمر الحال على ذلك حتى العام العام 1980، حيث أُعيد النشاط النقابي تحت شروط وقيود مشددة، منها عودة الهيئات الإدارية السابقة للنقابات بمن تبقى من أعضاء دون إضافة أي عضو جديد إليها، والإبقاء على باب الانتساب مغلقًا، وعدم ضم أي أعضاء جدد للنقابات، إضافة إلى حظر إجراء انتخابات بشكل قاطع، كما مُنعت النقابات العمالية من التدخل في قضايا العمال الذين يعملون لدى الاحتلال.

بادرت النقابات الموجودة في قطاع غزة بإجراء انتخابات في العام 1987، فازت خلالها بعض الكتل النقابية، إلا أن الصبغة السياسية بدأت تظهر على هذه النقابات في عملية تنسيب الأعضاء، مما أضعف عملية انتساب العمال إليها.[19]

بعد قيام السلطة الفلسطينية، شاركت النقابات في صياغة قانون العمل الفلسطيني، إلا أن خلافات بدأت تطفو على السطح مع قدوم القيادات النقابية الفلسطينية التي كانت في الخارج، وكان من أهم تلك الإشكاليات انتهاك حرية الحق في ممارسة الحقوق النقابية، سواء بالمضايقات التي تمس حق تأسيس وتجديد الحركات النقابية، أو بالتمييز الذي يطال المسؤولين النقابيين، لا سيما عند التمييز السياسي الحزبي. كما تردت الأوضاع الاجتماعية للعمال وعموم المنتمين إلى الحركات النقابية، وتجلى ذلك في عدم الاهتمام بالعمل النقابي في السياسات الحكومية، وعمليات التحايل على القانون وعدم تطبيقه، إضافة إلى غياب آليات التفاوض الاجتماعي الحقيقي بين الحركات النقابية والمؤسسات الحكومية والرسمية عند بروز أي إشكالية، وعدم اهتمام الإعلام بتغطية الأنشطة النقابية.[20]

النقابات العاملة في غزة:

أولًا: اتحاد نقابات العمال التابع لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية

هذا الاتحاد ليس فاعلًا بالحد المطلوب، خاصة بعد أحداث الانقسام في العام 2007، ولكنه معتمد بشكل أو بآخر كممثل عن الاتحاد الذي يحمل نفس المسمى في الضفة الغربية، ولم يكن فاعلًا حتى ما قبل الانقسام، إضافة إلى أنه ليس له دور نقابي توعوي أو إرشادي للعمال، ويقتصر دوره على توزيع بعض المساعدات المالية المحدودة للعمال.[21]

ثانيًا: الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين

انطلق الاتحاد في غزة في العام 2009، وهو الاتحاد الفاعل في الساحة الغزية، ومرتبط بحركة حماس وإدارتها للقطاع، ويعمل على تقديم المساعدات المالية لعقود البطالة للعمال، وتوفير التأمين الصحي المجاني. وقد جرى تأسيسه بعد أحداث الانقسام وإثر الخلافات السياسية في حينه. واتخذ هذا الاتحاد شعارًا جديدًا وضع عليه مسمى اتحاد نقابات عمال فلسطين وحدد العام 1965 عامًا لتأسيسه.[22]

يتضح مما سبق أن هناك ستة أجسام نقابية عمالية في الساحة الفلسطينية، أربعة منها تعمل في الضفة، تم دمج وتنسيق جهود اتحادين منهما، لكن الدمج لم يتم فيما يخص النقابات في غزة. أما الاتحادان الموجودان في غزة، فأحدهما معطل، والآخر تأسس بعد الانقسام، وظل يحمل حالة الانقسام والتشرذم التي يعاني منها المشهد السياسي في فلسطين.

تتنافس تلك الاتحادات في مواقف وتتحد في أخرى، لكنها على أي حال تفتقر إلى الخط الناظم لعملها ومبرر وجودها، وهو المحافظة والدفاع عن حقوق العمال الفلسطينيين. فتشرذم رأس الهرم لقيادة النقابات العمالية، وغياب مصالح العمال عن برامج النقابات وتغليب المصالح الفئوية والحزبية؛ أفضى إلى حالة من التيه وتضارب في العمل، مما أدى إلى ضعف العمل النقابي، وعدم وجود ممثل حقيقي وفاعل في العمل النقابي العمالي، وعدم توازن في الأداء ما بين شقي الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ما يدلل على صحة ما ورد سابقًا بشأن التشرذم وحالة الضعف والتردي التي ترافق عمل النقابات، ما حصل خلال الفترة الأخيرة، حيث تعاني فلسطين والعالم من انتشار فيروس كورونا. وكيف انعكست آثار حالة الطوارئ سلبًا على المجتمع والاقتصاد عمومًا، وعلى العمال بشكل خاص. فلم ترتق إجراءات النقابات إلى المستوى المطلوب لحماية العمال من تبعات الأزمة اقتصاديًا واجتماعيًا، واقتصر دورها على مساعدة الطواقم في إجراءات التعقيم والعزل لعمال الداخل المحتل.

مع تردي الوضع الاقتصادي في ظل الحجر الصحي بعد انتشار كورونا، كانت وزارة العمل المتصدر الأول لاتخاذ إجراءات الحماية بحق العمال. وقد تم الإعلان عن توقيع اتفاق بين وزارة العمل الفلسطينية واتحاد نقابات عمال فلسطين وممثل عن المجلس التنسيقي للقطاع الخاص سمي باتفاق "أطراف الإنتاج الثلاثة"، مع أن الاتفاق نصّ على إلزام القطاع الخاص على دفع نصف راتب العمال لديه، بما لا يقل عن 1000 شيكل، إلا أن تلك الإجراءات لم تكن تحمي العمال بالشكل المطلوب، لا سيما أن الاتفاق يخالف نصًا قانونيًا من قانون العمل الفلسطيني يلزم أرباب العمل بدفع رواتب العمال في حال أي تسكير جبري لمدة شهرين[23]، كما لم تتخذ النقابات إجراءات لحماية العمال الذين سُرّحوا من بعض القطاعات، أو ضمان تقليص ساعات عمل الأمهات الذي صدر بتاريخ 10/3/2020.

 كل ذلك يثبت مدى الضعف والتردي الذي يعاني منه العمل النقابي في فلسطين، ومدى أهمية تفعيل دور النقابات وتوحيد جهودها للدفاع عن حقوق العمال وضمانها.

البدائل السياساتية

البديل الأول: دمقرطة النقابات ووضع سياسات لإنتاج نقابات ديمقراطية

يحاول هذا البديل طرح سياسة من شأنها إعادة تفعيل الدور الأساسي والرئيس للنقابات والاتحادات العمالية، وهو الدفاع عن حقوق العمال، والحفاظ على مصالحهم في بيئة العمل وخارجها.

يتسم السياق الفلسطيني بتراجع أداء النقابات في عدة مجالات، ما أدى إلى ضعف التمثيل النقابي للعمال، فعلاقة العمال بالنقابات تحتاج إلى إعادة بناء من خلال بناء الثقة والمصارحة.

تكمن السياسة في البناء المؤسسي السليم للنقابات العمالية، من خلال مراجعة الأنظمة والقوانين التي تنظم إدارة وعمل النقابات، التي من المهم والمفترض أن تراعي حاجات العمال وقضاياهم. فهي تشير إلى ذلك في أنظمتها الداخلية وبرامجها العملية، حتى يستطيع العمال ممارسة العمل النقابي والمشاركة في الحياة النقابية، من خلال المشاركة في الانتخابات من ممثلي المنشأة والنقابة، وحتى انتخاب رأس الهرم النقابي في الاتحادات الفرعية والعامة، كون النقابة الجسم المنظم للعمال أمام الحكومة والمشغلين والجهات الرسمية المختلفة. وعليه، يجب البدء بإجراء الانتخابات في النقابات، حيث يقوم كل مجموعة من العمال بترشيح وانتخاب ممثليهم في منشأة العمل، وثم على مستوى النقابة، أي مجموعة المنشآت، وأخيرًا اتحاد النقابات.

تأسيسًا على ما تقدم، إن الانتخابات في النقابات واختيار العمال لممثليهم الحقيقيين ضرورة وركيزة أساسية للبدء بتفعيل دور النقابات العمالية، بالإضافة إلى تحديد مدة زمنية واضحة ومحددة لقيادة النقابة، والتأكيد على ذلك في الأنظمة واللوائح الداخلية. ولا بد من تقييم البرامج والخدمات التي تقدمها النقابات للعمال، من خلال المناظرات التي تسبق الانتخابات، على أن يقدم العمال وممثلوهم آراءهم في ذلك. وعلى كل من يترأس النقابة أن يقدم ما قام ويقوم به للعمال من خلال النقابة لتحقيق المساءلة والشفافية في العمل، وعلى كل مرشح أن يعرض برنامجه الانتخابي بوضوح ودقة أمام العمال ليتمكنوا من اختيار الأنسب لمصالحهم.

إن بعض التجارب التي شهدها عدد من النقابات المهنية على صعيد إجراء الانتخابات في ظل كل الظروف الموضوعية التي يعانيها واقع العمل النقابي، تعد نموذجًا يمكن الاستفادة منه في هذا الإطار، كانتخابات نقابة المحامين في العام 2019 والصيادلة في العام 2019 والممرضين في العام 2013، مع الأخذ بعين الاعتبار الفوارق الذاتية بين فئة العمال والمهنيين، حيث يعدّ التوافق على إجراء الانتخابات وإجرائها بالفعل مؤشرًا على إمكانية تطبيق هذا البديل في ظل التحديات الماثلة.

المعيقات والفرص: قد يعترض هذا البديل بعض العقبات عند التنفيذ، فمن الممكن عرقلة إجراء الانتخابات وتجديد العضويات من قبل القيادة الحالية للاتحادات والنقابات وفقًا لاعتبارات متعددة، أهمها الاعتبارات السياسية. ولكن إذا مارس العمال الضغط على النقابات والمطالبة بحقوقهم النقابية قد يحدث تغيير في الواقع وتجرى انتخابات نقابية جديدة.

المقبولية: يشكل البديل مقبولية مرتفعة لدى العمال لكنها منخفضة نسبيًا لدى القيادات التي ترفض التنحي عن مركزها في قيادة النقابة. فهذا البديل يعبر عن تطلعات العمال لأن تجديد النقابات من خلال الانتخابات يحقق واقعًا أفضل في بيئة العمل وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية. وعلى الجانب الآخر، هي فرصة للقيادات النقابية لتجديد شرعيتها، وإثبات دورها النقابي، ولهذا تشكل الانتخابات فرصة للقيادات لإثبات أدائها النقابي وإتاحة الفرصة لقيادات عمالية أخرى قد تكون أجدر.

المعقولية: يحظى البديل بمقبولية عالية لدى العمال الذين يتطلعون لدور نقابي حقيقي يخدمهم ويخدم تطلعاتهم المهنية، وكذلك فإن تفعيل البناء الديمقراطي للنقابات العمالية يعدّ مطلبًا لدى أغلب القيادات النقابية.

المنفعة والخسارة: إن تطور البناء الديمقراطي واستمراره في النقابات العمالية، وفق المراحل الزمنية وحاجات العمال وتطوره اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، يضمن توفير بيئة نقابية سليمة، تتيح للعمال المشاركة الفاعلة وفق الأطر والبرامج التي تعمل بها النقابات والاتحادات العمالية. كما أن وجود رؤية جامعة وخطة إستراتيجية للعمال والنقابات يعزز من إنتاجيتهم وتأثيرهم في عملية البناء والتنمية، ما يعزز من مقبوليتهم الاجتماعية، وتحقيق مزيد من الإنجازات على المستوى الوطني ومؤسسات الدولة، فهو يحقق مكسبًا حقيقيًا للعمال، ويعزز صمود الفلسطينيين اقتصاديًا.

الرأي العام: هناك قبول عام لدى المجتمع الفلسطيني في تطوير مستوى البناء الديمقراطي للمؤسسات النقابية، الذي يزيد من وعي العمال بدورهم النقابي، وحقوقهم العمالية. كما أن العمل على البناء الديمقراطي في العمل النقابي سينتقل صداه وتأثيره إلى باقي مؤسسات الدولة، وسيزيد من قدرة النقابات في تقديم برامجها وخدماتها للعمال، ويعكس ثقافة الديمقراطية بشكل عام لدى المواطنين بالمؤسسات الأهلية والحكومية أيضًا.

البديل الثاني: استقلالية العمل النقابي وتفعيل الدور الرقابي للحكومة

تعد سيطرة الأحزاب والفصائل أحد أهم التحديات التي تواجه استقلالية النقابات، التي تفرض أجنداتها السياسية على العمل النقابي.

في الحقيقة، لا يمكن فصل السياسي عن النقابي، فالعمل النقابي يتداخل في الحقول السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية، ولكن التدخل الزائد للأحزاب يجعل توجهات ومصلحة الحزب هي الأولوية على مصلحة العمال وقضاياهم.

يطرح هذا البديل سياسات للحكومة لممارسة دور رقابي على عمل النقابات، بحيث يحد من السيطرة والتدخل الحزبي في العمل النقابي.

إن تعزيز مفهوم العمل النقابي كأحد أركان المجتمع المدني، وليس الحزبي أو الرسمي، يساهم في تعزيز استقلالية العمل النقابي، ويقلص من هامش تأثير الأجندات الحزبية السياسية، ويكرس الهدف الحقيقي للمؤسسة النقابية كواحدة من مؤسسات المجتمع المدني التي تسعى بالدرجة الأولى لتقديم الخدمات وتحسين الواقع العمالي.

في ذات الإطار، يمكن الوصول إلى استقلالية العمل النقابي وعدم التدخل الحزبي من خلال الانتخابات الدورية، وحتى إن شاركت الأحزاب في الانتخابات، وفاز أحدها، فإن الحكومة ستقوم بدورها الرئيس والأساسي، وهو الرقابة على عمل قادة النقابات لمنع أي فرض لأجندات حزبية وفصائلية. وبالتالي، نصل إلى أطر نقابية مستقلة، تعتمد على الانتخابات ومشاركة الجميع، وتراقب الحكومة العمل النقابي وبرامجه وخدماته لأعضائه.

الفرص والمعيقات: يمكن أن تجابه هذه السياسة بعض المعيقات التي تتمحور في غياب مفاهيم العمل النقابي لدى العمال وقدرتهم على المطالبة بحقوقهم، في ظل ما يحمله العمال من عدم ثقة بالإجراءات النقابية التي شهدها في تاريخ المؤسسة النقابية. وعليه، يجب رفع مستوى وعي العمال بحقوقهم وواجباتهم، كما هو الحال في النقابات المهنية، التي تعمل في نفس الأجواء كنقابة المحاميين رغم كل الصعوبات. وترتهن فرصة نجاح البديل أيضًا بالدور الحكومي الفاعل في الرقابة على العمل النقابي، وضبطه وفق القوانين والآليات الناظمة له.

المقبولية: يشكل هذا البديل مقبولية مرتفعة لدى العمال وبعض القيادات التي ترفض فكرة سيطرة بعض الفصائل، وخاصة التي تمتلك الحكم في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويعبر عن حقوق العمال وواجبات قيادة العمل النقابي، والتزامهم بالبرامج النقابية لا التوجهات الحزبية والفصائلية، كون العمال أساس العمل النقابي، ومصالحهم هي هدف النقابات.

المعقولية: يحظى البديل بمعقولية عالية لدى النقابات العمالية، لا سيما المستقلة، والحكومة كذلك، فهي تسعى دائمًا إلى التنمية الاقتصادية التي تتطلب نقابات عمالية وعمالًا قادرين على بناء اقتصاد وطني. كما أن هذا البديل يساعد في الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي، وهو يتطلب تفعيل دور النقابات العمالية، بحيث يلتزم قادة الحركة النقابية ببرامجهم الانتخابية، وجداول أعمالهم التي تخص مصالح العمال وقضاياهم الراهنة.

المنفعة والخسارة: إن بناء مؤسسات نقابية مستقلة ذات توجه نقابي يخدم مصلحة العمال، سيزيد الثقة بين العمال والقيادة النقابية. كما أن ذلك سيعيد تفعيل مفاهيم العمل الجمعي لدى العمال والقيادات، ويعيد ترتيب مفهوم الحزب لدى العمال والجماهير بشكل عام، إضافة إلى ما سيعكسه ذلك على مستوى إنجاز العمال وتحقيق مستويات تنمية مجتمعية في فلسطين.

الرأي العام: إن ضمان استقلالية العمل النقابي بعيدًا عن التدخل الحزبي والفصائلي وبمراقبة الحكومة، في ظل واقع الانقسام الفلسطيني، مطلب عام لدى أغلب شرائح المجتمع الفلسطيني، لأنه يعزز الثقة لدى المواطنين جميعًا بالتقدم نحو الوحدة المؤسسية، ومن ثم الوحدة السياسية.

البديل الثالث: تفعيل الدور السياساتي للنقابات في رسم السياسة العامة

يبدو أن حالة التشرذم والانقسام التي تعانيها النقابات العمالية، وذلك نتيجة الوضع السياسي العام في فلسطين في ظل وجود الانقسام، وممارسات الاحتلال التي تصادر الأرض وتضغط اقتصاديًا وسياسيًا على الشعب الفلسطيني لا يمكن تجاوزها إلا بتكثيف وتوحيد الجهود لإنهائها. ويعد العمال الفلسطينيون، سواء في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة أم في الداخل المحتل، قوة اقتصادية مهمة في الاقتصاد الفلسطيني، وورقة ضغط على الاحتلال الإسرائيلي إذا ما استخدمت بطريقة تخدم السياسة الاقتصادية العامة للحكومة.

وعليه، يطرح البديل ضرورة أن تأخذ قيادة النقابات على عاتقها إعادة تفعيل دورها في صنع السياسة الاقتصادية الوطنية العامة في فلسطين، وضرورة دعم الحكومة لتلك السياسات التي تقترحها النقابات في تشكيل السياسة الحكومية التي تضمن اقتصادًا وطنيًا يحمي العمال والشعب الفلسطيني بشكل عام، ويساعد الحكومة في تنفيذ القرارات التي اتخذها المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الثلاثين حول الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل.[24]

وللوصول إلى هذا البديل، يجب على الحكومة والنقابات العمل على التخلص من آثار الانقسام السياسي الذي أثر في عمل النقابات. وهنا يجب استكمال خطوات اتفاقيات الدمج التي بدأت بين اتحاد النقابات واتحاد العمال ليشمل فروع قطاع غزة، وذلك من خلال تفعيل الاتفاقيات التوحيدية والتوافقية بين مختلف النقابات العمالية والفرعية والاتحادات حول البرامج التي تخدم العمال، وتضع جانبًا أي خلاف سياسي يؤثر في شكل العمل النقابي وجوهره، مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الاقتصادية التي يعيشها عمال الضفة وغزة والداخل المحتل. فعلى سبيل المثال، ما أحدثه فيروس كورونا في وقف العمالة بسبب الحجر الصحي، يتطلب تكاثف الجهود في حماية العمال من خلال التعاون بين النقابات والحكومة متمثلة بوزارة العمل.

ثم يأتي الشق الآخر من البديل حول تفعيل دور النقابات في رسم السياسات العامة في مواجهة الاحتلال سياسيًا واقتصاديًا. هنا، يجب التباحث في القضايا المشتركة التي تعمل عليها الحكومة والنقابات جميعًا، بحيث يتم اختيار ممثلين عن كل نقابة لدراسة تلك القضايا، ووضع برنامج يوحد الجهود بين النقابات، ومن ثم دراسة شكل السوق المحلي من خلال الاستعانة بالخبراء الاقتصاديين لدمج العمال في السوق الفلسطيني، كخطوة عملية في الانفكاك عن الاحتلال الإسرائيلي. وتبين أزمة كورونا وتعامل الإسرائيليين مع العمال الفلسطينيين ضرورة اتحاد النقابات والحكومة بوضع سياسات عامة تحمي العمال والفلسطينيين من آثار الاحتلال.

المعيقات والفرص: قد يواجه هذا البديل بعض المعيقات، فيما يخص توحيد فروع الضفة والقطاع نتيجة ظروف الانقسام السياسي، وإصرار كل طرف على تمثيله للعمال، وعدم التنازل من قبل القيادات الحالية، بالإضافة إلى دور الاحتلال المعطل لأي فرصة توحيد فلسطينية وتحقيق إنجاز وطني، وذلك من خلال الضغط السياسي والاقتصادي على الحكومة والعمال.

ولكن في ظل الظروف الراهنة، وما يعانيه العمال من ظروف اقتصادية صعبة، ومطالباتهم باتخاذ إجراءات لحمايتهم قد تكون فرصة جدية لتحقيق هذا البديل.

المقبولية: يشكل هذا البديل مقبولية مرتفعة لدى شريحة واسعة من القيادات الفصائلية والنقابية التي قدمت مقترحات عدة لإنهاء حالة الانقسام السياسي، ومقبولية عالية من الحكومة الفلسطينية التي قامت بالعديد من الإجراءات في سياق الانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال. فهذا البديل يعبر عن رؤية نقابية وسياسية على المستوى البعيد تعيد للمؤسسة النقابية دورها في العمل النقابي والسياسي العام.

المعقولية: يحقق تنفيذ هذا البديل تفعيل دور النقابات العمالية بكفاءة أعلى، وينهي حالة التشرذم والضعف التي أصابت الحركة النقابية، ويعيدها إلى دورها الحقيقي في خدمة العمال ورسم السياسات العامة.

المنفعة والخسارة: إن توحيد الجهود، وإعادة دمج فروع الاتحادات التي انقسمت بعد الانقسام سيزيد من تفعيل دور النقابات على مستوى الوطن، كما أنه سيزيد من فرص تجاوز الانقسام كخطوة عملية على رأب الصدع في المشهد السياسي، إلى جانب أنه يعطي الحكومة ورقة ضغط إضافية لمواجهة سياسات إسرائيل التي تمارس الضغط والقرصنة على أموال الشعب الفلسطيني.

الرأي العام: إن توحيد الجهود وإنهاء حالة التشرذم في الحركة النقابية، ستنعكس عند الفلسطينيين من خلال إعادة الأمل بضرورة إنهاء الانقسام السياسي والآثار المترتبة عليه اجتماعيًا واقتصاديًا. كما أن تفعيل دور النقابات في السياسة العامة، يعيد صورة النقابات لدى العمال والفلسطينيين في دورها الوطني والسياسي في مواجهة الاحتلال.

المفاضلة بين البدائل

يحظى كل بديل من البدائل المطروحة أعلاه بأهمية عالية في معالجة ضعف وتشرذم العمل النقابي، كما أنها تمثل بدائل متكاملة للحل في ثلاثة مستويات "توعية – وحدة – تمثيل".

إن إجراء الانتخابات من الناحية النظرية يمثل أقصر الطرق للوصل إلى حلول نموذجية لمختلف الأزمات التي يعانيها العمل النقابي. وبما أن الواقعية تستدعي الأخذ بعين الاعتبار المرحلية في التطبيق، من خلال العمل أولًا وفق البديل الأول حيث إجراء الانتخابات، ثم الانتقال إلى البديل الثاني الخاص بتعزيز استقلالية العمل النقابي، وتفعيل الدور الرقابي للحكومة، وصولًا إلى تهيئة الظروف الملائمة لإنهاء حالة التشرذم والانقسام النقابي والسياسي، وتعزيز صمود العمال والفلسطينيين أمام ممارسات الاحتلال.

الهوامش

[1]" عقد المؤتمر رغم قرار الرئيس بوقفه وتزكية شاهر سعد، دنيا الوطن، 18/4/2016: bit.ly/2AjOtYg

[2] حسن لدادوة وآخرون، مقياس المجتمع المدني: التقرير الثاني النقابات العمالية، شبكة المنظمات الأهلية، 2019، ص 11.

[3] أيمن عبد المجيد ورانيا أبو غبوش، الحركة العمالية والنقابية والبحث عن العدالة الاجتماعية في فلسطين المحتلة، معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، بيروت، 2017، ص 22.

[4] حسن لدادوة وآخرون، ص 18.

[5] المصدر السابق، ص 18.

[6] المصدر السابق، ص 24.

[7] الاتحاد العام لعمال فلسطين، موقع منظمة التحرير الفلسطينية: bit.ly/2TSGtEz

[8] المصدر السابق.

[9] نبذة تاريخية عن العمل النقابي العمالي، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا): bit.ly/2MhyqNh

[10] الاتحاد العام لعمال فلسطين، مصدر سابق.

[11] الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، وكالة وفا: bit.ly/3cmrfhl

[12] المصدر السابق.

[13] المصدر السابق.

[14] اتحاد نقابات عمال فلسطين واتحاد عمال فلسطين يوقعان اتفاقية اندماج، وكالة معًا الإخبارية، 1/10/2018: bit.ly/3dmvvyX

[15] صفحة الاتحاد على موقع الفيسبوك.

[16] حسن لدادوة، وآخرون، مصدر سابق، ص 23.

[17] عدنان أبو عامر، العمل النقابي والإصلاح السياسي العلاقة في الواقع الفلسطيني، مدونة عدنان أبو عامر، 16/1/2018: bit.ly/2ZV0Q7L

[18] المصدر السابق.

[19] المصدر السابق.

[20] المصدر السابق.

[21] مقابلة مع الباحث عدنان أبو عامر، 15/4/2020.

[22] المصدر السابق.

[23] المادة 38 من قانون العمل الفلسطيني، ونصّت على "لا ينتهي عقد العمل في حالة صدور قرار إداري أو قضائي بإغلاق المنشأة أو بإيقاف نشاطها مؤقتًا لمدة لا تزيد على شهرين، وعلى صاحب العمل الاستمرار في دفع أُجور عمّاله طيلة فترة الإغلاق أو الإيقاف المؤقت".

[24] المجلس المركزي يقرر إنهاء التزامات منظمة التحرير والسلطة الوطنية كافة تجاه اتفاقاتها مع سلطة الاحتلال، وكالة وفا، 29/10/2018: bit.ly/3gDkCuF

مشاركة: