الرئيسية » تحليل سياسات »   04 حزيران 2020

قراءة/تحميل | | | |
آليات الانفكاك عن الاحتلال ... الخدمة الطبية.. نموذجاً

هذه الورقة من إعداد  إسماعيل عثماني، راني بني عودة، علي عبد الوهاب، ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" الذي يشرف عليه مركز مسارات - الدورة السادسة 2019-2020. 

مقدّمة

منذ تأسيسها، بدأت السلطة الفلسطينية اشتباكاً سياسياً واقتصادياً مع الاحتلال الإسرائيلي بهدف تحقيق الاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الأرض والموارد، وبناء اقتصاد وطني مستقل عن الاقتصاد الإسرائيلي.  وعلى الرغم من ذلك لم تنجح السلطة في الانفكاك عن سياسات الاحتلال أو العمل بمعزل عنها، فأصبحت تشكل أدوات ضغط على السلطة، وتحد من قدرتها على تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، كاستخدام أموال المقاصة أداة مساومة.

كل ما سبق تسبب في إرهاق النظام السياسي الفلسطيني واقتصاده؛ فنتجت تشوهات عديدة انعكست على جميع القطاعات، بما فيها القطاع الصحي.  وفي خطوة لتقليل هذه التشوهات، انتهجت حكومة سلام فياض، التي تشكلت العام 2007، سياسة تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للفلسطينيين، وإقامة مؤسسات الدولة المستقلة، ألا أنها لم تستهدف القطاع الصحي بشكل مباشر.

عزّز هذه الخطوة قرار المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته السابعة والعشرين، التي عقدت في آذار/مارس 2015، بوجوب تحديد العلاقة مع إسرائيل،[1] فيما اتّخذ المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية العام 2018، قراراً بالانفكاك عن إسرائيل، والطلب من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات دولة فلسطين العمل على تنفيذ ذلك.[2]

شكلت حكومة رامي الحمد الله لجنة لدراسة الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل عقب قرار المجلس المركزي في 15 كانون الثاني/يناير 2018، الذي دعا إلى الانفكاك عن الاحتلال، إلا أنه لم ينتج شيء عن تلك اللجنة.[3]  تبعها تشكيل حكومة فلسطينية جديدة برئاسة محمد اشتية مطلع العام 2019، وأعلنت عدم استلام أموال المقاصة التي تجبيها إسرائيل بسبب الخصومات التي قامت بها لرواتب الشهداء والأسرى، كما أوقفت الحكومة التحويلات الطبية إلى المستشفيات الإسرائيلية.[4]

نتج عن هذا القرار تقليص موازنة التحويلات الطبية (شراء الخدمة) من 17% من موازنة الوزارة إلى نحو 5% حسب وزيرة الصحة الفلسطينية مي كيلة،[5] إلى جانب ريادة صناعة الأدوية في فلسطين التي تتكفل بإنتاج 55% من الاحتياج المحلي، إلى جانب الاستيراد من الاحتلال الذي يقدر بـ25% من إجمالي الواردات.[6]

"خلال سنة يجب وحتماً ألا يكون هناك أي مريض يعالج خارج هذا الوطن"، هذا ما صرح به الرئيس محمود عباس بتاريخ 19/9/2019 خلال افتتاحه مستشفى "اتش كلينك" التخصصي في مدينة البيرة، مضيفاً "... بعد عام من هذه الأيام، يجب ألا نرى إنساناً على أرض هذا الوطن يعالج في مكان آخر".[7]

ستقدم هذه الورقة بدائل عدة لمساعدة الحكومة في التقدم نحو الانفكاك التدريجي صحياً عن الاحتلال الإسرائيلي، لاستكمال ما حققته حتى الآن.

هدف الورقة

تقديم آليات تساهم في توطين الخدمة الصحية الفلسطينية، وتعزيز قدرتها على مجابهة إجراءات الاحتلال، والتقدم نحو الانفكاك عنه، ما يساهم في تطبيق السياسة الوطنية نحو توفير خدمات الرعاية الصحية الشاملة للجميع، والارتقاء بصحة المواطن ورفاهيته.

المشكلة السياساتية

يعاني القطاع الصحي الفلسطيني من قلة الموارد المادية والبشرية والمعدات؛ يأتي ذلك في ظل انخفاض الإنفاق الحكومي الموجّه نحو الصحة، وضعف الاستثمار في القطاع الصحي بمجمله، يضاف إلى ما سبق تواصل السياسات الإسرائيلية التي تحد من قدرة القطاعات الفلسطينية على العمل بكفاءة وتطوير ذاتها؛ وعدم اتّخاذ السلطة أي خطوة نحو مراجعة الاتفاقيات الموقعة على الرغم من استمرار الاحتلال بعدم الالتزام بها.

لم يفلت القطاع الصحي من التبعية للاحتلال، من خلال شراء خدمة التحويلات الطبية التي تتم للمشافي الإسرائيلية، واستيراد الأدوية الإسرائيلية إلى السوق الفلسطيني على الرغم من توفر بديل لها وطنياً.  وتتنوع الأسباب المؤدية إلى هذه التبعية كعدم الثقة بالمنتج والخدمة الفلسطينيين، وضعف ثقافة المقاطعة، وغياب القرار الفلسطيني منذ العام 1998 مع انتهاء المرحلة الانتقالية من اتفاق أوسلو للانفكاك عن الاحتلال، وممارسات الاحتلال العنصرية ضد القطاع الصحي، إضافة إلى عدم وجود إطار قانوني ينظم العلاقة مع الاحتلال، ويقدم سياسات حمائية للخدمات والسلع المحلية.  فيما يمكن إحالة كل ما سبق، إلى ثلاثة أسباب رئيسية كما يلي:

  • ضعف الاستثمار في القطاع الصحي

تراجع إمكانات وقدرات القطاع الصحي انعكس سلباً على أداء الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، إضافة إلى عدم توفر طواقم متخصصة كافية، ويعود السبب في ذلك إلى ضعف الإنفاق الحكومي الموجه نحو القطاع الصحي بشكل عام، الذي لم يتجاوز 9% من موازنة السلطة الفلسطينية للعام 2018 البالغة 5 مليارات دولار؛ فيما تراوحت مخصصات الأمن -مثلاَ- ما بين 30-35%.[8]

وبلغت الموازنة المخصصة لوزارة الصحة العام 2018 حوالي 1.787.731.915 شيكلاً، 48% منها موجهة نحو الرواتب، فيما تم تخصيص حوالي 25% لحوالي95 ألف تحويلة لشراء الخدمة خارج مرافق وزارة الصحة، كما تم تخصيص 280 مليون شيكل لشراء الأدوية، ولم تتجاوز النفقات التطويرية والرأسمالية 9% من الموازنة.[9]

الاستثمار في القطاع الصحي لا يتوقف على النفقات التطويرية أو الرأسمالية الحكومية الموجهة نحو قطاع الصحة فحسب، إنما يذهب إلى أبعد من ذلك من تطوير الكادر البشري، والتشابك خلفياً مع التعليم، وتحقيق الشراكة بين القطاع العام والخاص والأهلي، وتشجيع الاستثمار الخاص الصحي، الأمور التي تعتبر من أهم الفجوات التي يعاني منها القطاع الصحي حسب دراسة تحليل الفجوات في الصحة الفلسطينية العام 2017.[10]

  • الانقسام الفلسطيني الفلسطيني

لم تكن أضرار الانقسام الفلسطيني مقتصرة على الأرض والنفوذ، ولم تنحصر في الجانب السياسي؛ بل كان لها أثر كبير على جميع القطاعات ومنها الصحية، وأصبح هناك ازدواجية في السياسات الصحية، وضعف التنسيق بين الضفة وغزة، وزيادة اعتماد غزة على المستشفيات الإسرائيلية بسبب ضعف البنية المؤسسية وعملية التشغيل، إضافة إلى السيطرة على إيرادات وزارة الصحة من قبل حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، باعتبارها الحاكم الفعلي لقطاع غزة، على الرغم من إصدار مرسوم رئاسي العام 2007 بإعفاء المواطنين في المحافظات الجنوبية من دفع الضرائب ورسوم الخدمات،[11] مع استمرار تحمل الوزارة في الضفة نفقات القطاع الصحي في قطاع غزة.

  • الاتفاقيات مع الاحتلال

شكل اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقيات أخرى كاتفاقية باريس الاقتصادية، إلزاماً للسلطة الفلسطينية بالتعامل مع الاحتلال، وعلى الرغم من مرحلية هذه الاتفاقيات، فإن السلطة واصلت العمل بها حتى الآن، ولم تقم السلطة بعملية مراجعة للاتفاقيات إلا بعد قرار المجلس الوطني حول الانفكاك،[12] أو وقف التعامل بها على الرغم من خرق الاحتلال لها منذ توقيعها، كما إنه لم يتم استغلال المزايا التي تمنحها هذه الاتفاقيات للطرف الفلسطيني، وكان هنالك ضعف وتجاهل في متابعة تنفيذها.

واقع الصحة في فلسطين

بناء على التقديرات السكانية التي أعدها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، هناك حوالي 5 ملايين نسمة في دولة فلسطين للعام 2019، 2.53 مليون ذكر، و2.45 مليون أنثى، وبلغ عدد سكان الضفة الغربية 2.99 مليون نسمة، منهم 1.53 مليون ذكر، و1.46 مليون أنثى، بينما قدر عدد سكان قطاع غزة في العام نفسه بحوالي 1.99 مليون نسمة، منهم 1.01 مليون ذكر، و980 ألف أنثى.[13]

الجهات المشرفة على القطاع الصحي الفلسطيني

تتولى أربع جهات الإشراف على القطاع الصحي في الأراضي الفلسطينية، وهي: وزارة الصحة، وكالة الغوث، الخدمات الطبية العسكرية، المؤسسات الأهلية العاملة في القطاع الصحي، إضافة إلى العديد من العيادات والمراكز الصحية الخاصة.

تقدم هذه المؤسسات الحكومية خدماتها من خلال المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، والبعض منها يعتمد نظام التأمين الصحي، والبعض الآخر كالمؤسسات الأهلية يقوم بالتنسيق مع وزارة الصحة لتقديم الخدمات، حيث تحاول هذه الجهات جاهدة، نظراً للزيادة الكبيرة في عدد السكان، توفير الخدمات الصحية الأساسية للمواطن الفلسطيني.

الرعاية الصحية الأولية في فلسطين

بلغ عدد مراكز الرعاية الصحية الأولية التي تضم مستشفيات وعيادات ومراكز صحة أولية، 732 مركزاً، منها 585 مركزاً في الضفة الغربية، و147 في قطاع غزة، وتتبع الغالبية العظمى من هذه المراكز لوزارة الصحة الفلسطينية، حيث بلغت المراكز الحكومية 468 مركزاً، وتمثل نسبة 63.9% من إجمالي مقدمي الخدمات الصحية، بينما بلغ عدد مراكز وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التي تقدم خدماتها للاجئين الفلسطينيين 65 مركزاً، فيما بلغ عدد المراكز التابعة للخدمات الطبية العسكرية 17 مركزاً.

المستشفيات والأسرة في فلسطين

في العام 2018 بلغ عدد المستشفيات العاملة في فلسطين 82 مستشفى، يعمل 52 منها في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وتشكل ما نسبته 63.4% من مجمل المستشفيات في فلسطين.

ويبلغ إجمالي عدد أسرّة المستشفيات (بما في ذلك مستشفيات الأمراض النفسية والعصبية) 6.440 سريراً، بمعدل 754 نسمة لكل سرير؛ بما فيها أسرة مستشفيات القدس الشرقية، و760 نسمة لكل سرير في قطاع غزة، و750 نسمة لكل سرير في الضفة الغربية.

تصنيف المستشفيات حسب التخصص:

#

نوع المستشفى

تعريف

النسبة/العام 2018

1-

المستشفى العام

وهي مستشفيات تقدم خدمات الرعاية الصحية الثانوية للمنطقة الجغرافية التابعة لها، وبعض من الرعاية الصحية الثلاثية.

55.8%

2-

المستشفى المتخصص

وهي مستشفيات تقدم خدمات الرعاية الصحية الثانوية للمنطقة الجغرافية التابعة لها، وبعض من الرعاية الصحية الثالثية.

19.8%

3-

مستشفيات الولادة

وتقدم هذه المستشفيات الخدمات في مجال أمراض النساء والتوليد.

19.2%

4-

مراكز التأهيل

وهي مراكز طبية تقدم خدمات التأهيل والعلاج الطبيعي

5.8%

 

مستشفيات وزارة الصحة

تملك وزارة الصحة وتدير 53.8% من أسرّة المستشفيات في فلسطين، ويبلغ عدد مستشفيات وزارة الصحة 27 مستشفى، بسعة سريرية قدرها 3.462 سريراً.

أما أسرّة مراكز التأهيل والعلاج الطبيعي في فلسطين، فجميعها مملوكة ومدارة من قبل الجهات الحكومية.  ويوجد 14 مستشفى من مستشفيات وزارة الصحة في الضفة الغربية، بسعة سريرية قدرها 1.668 سريراً، وهو ما يعادل 48.2% من مجمل أسرّة مستشفيات وزارة الصحة؛ بينما يوجد 13 مستشفى من مستشفيات وزارة الصحة في قطاع غزة؛ حيث يبلغ عدد أسرّة مستشفيات وزارة الصحة في قطاع غزة 1.794 سريراً؛ أي 51.8% من مجمل أسرّة مستشفيات وزارة الصحة في فلسطين.

توزيع أسرّة مستشفيات وزارة الصحة حسب التخصص:

#

الأسرّة/الاختصاص

العدد

النسبة/العام 2018

1-

أسرّة الأمراض الداخلية وتخصصاتها الفرعية

648 سريراً

24.4%

2-

أسرّة الجراحة العامة وتخصصاتها الفرعية

967 سريراً

27.9%

3-

أسرّة طب الأطفال

670 سريراً؛ إضافة إلى 14 سريراً

19.4%

4-

أسرّة الأمراض النسائية والتوليد

484 سريراً

14.0%

5-

أسرّة العناية المركزية (الرعاية الخاصة)

تشمل أسرّة وحدات العناية المركزية العامة ووحدات العناية المركزة للقلب، والعناية المركزة لحديثي الولادة والعناية المركزية للأطفال، ووحدات لعلاج الحروق، ويبلغ مجموع هذه الأسرّة 481 سريراً.

13.9%

6-

أسرّة الأمراض النفسية والعقلية

وزارة الصحة هي الجهة الوحيدة التي تقدم هذه الخدمة للمواطن الفلسطيني، ويتم تقديمها من خلال مستشفيين: أحدهما في قطاع غزة سعته السريرية 41 سريراً، والآخر في الضفة الغربية بسعة سريرية قدرها 140 سريراً.

0.4%

 

التأمين الصحي الفلسطيني

يهدف التأمين الصحي إلى إزالة العائق المالي بين المريض وحصوله على الخدمة الطبية، وتوفير خدمة طبية متكاملة للمواطن بكلفة مقبولة، وتحسين مستوى الخدمات الطبية المقدمة للفرد، والمساهمة في توفير موارد مالية لتمويل نفقات القطاع الصحي الباهظة التكاليف، وبالتالي تخفيف الأعباء عن الميزانية العامة للحكومات، إلا أن 40% من الخدمة الطبية المقدمة العام 2018 كانت على نفقة متلقي الخدمة.

تخضع إدارة التأمين الصحي في فلسطين لوزارة الصحة، وينظمها قانون التأمين الصحي والعلاج في الخارج رقم 11 للعام 2006.  وتلتزم وزارة الصحة بتقديم رزمة موحدة من الخدمات الصحية لحاملي بطاقة التأمين الحكومي، بصرف النظر عن قيمة أقساطهم، كذلك تتعهد بتوفير أو شراء أي خدمة صحية غير متوفرة بمرافقها عبر التحويلات الطبية.

جودة الخدمة الصحية في فلسطين

أشادت منظمة الصحة العالمية بالخدمة الصحية المقدمة في فلسطين عبر مراكز الرعاية الأولية التي تشمل رعاية الأمومة والطفولة والتطعيم ضد الأوبئة، ويدعم ذلك المؤشرات الصحية للسكان في فلسطين، التي تشير إلى ارتفاع معدل العمر المتوقع عند الولادة وانخفاض معدل وفيات المواليد، وتحقيق نسبة 100% من التطعيمات ضد الأوبئة؛ إلا أن هنالك ضعفاً واضحاً في قدرات النظام الصحي على تقديم خدمات الرعاية الثانوية والثالثة.

بلغ إنفاق الحكومة الفلسطينية الصحي على الفرد العام 2018 حوالي 357.6 شيكل/سنوياً، وهو ما يعادل حوالي (100$)، وهو مشابه لمعدلات الإنفاق في البلدان المصنفة من الفئة الدنيا ذات الدخل المتوسط حسب تصنيف البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية، وهو مقارب أيضاً للإنفاق على الصحة في جمهورية مصر العربية (106$)، في حين أنه يبلغ أقل من ثلث معدل ما تنفقه دولة مثل الأردن على الفرد والبالغ (360$).

إن تدني الإنفاق الموجه نحو الصحة في فلسطين يبرر تدني جودة الخدمات الصحية الثانوية التي يتم توفيرها عبر الأخصائيين للمرضى المحولين من مراكز الرعاية الأولية، وهي تحتاج لتدخلات معاينة وفحص مخبري وتشخيص شعاعي، كذلك الرعاية الثلاثية أو الاستشارية، التي يتم تقديمها عبر استشاريين وتحقيق تدخلات علاجية سريرية أو جراحية عبر مستشفيات إقليمية مجهزة، وطواقم طبية متخصصة، وكوادر فنية مؤهلة؛ وهو ما يعني ضرورة اللجوء إلى مزود خدمة خارجي.

لا يقتصر السبب في تراجع الجودة على الإنفاق فقط، بل يعود ذلك، أيضاً، إلى ارتفاع ضحايا مسيرات العودة في السنتين الماضيتين، والتاريخ المليء بالاعتداءات العسكرية على المدنيين في قطاع غزة، ما يعني تزايد خطوط الانتظار للخدمة، يضاف إليها العجز المسجل في مستودعات الأدوية.  أما في الضفة الغربية، فتقسيم مناطق الضفة بشكل تمييزي مثّل عوائق كبيرة أما سهولة تقديم الرعاية الصحية وسرعة الاستجابة الطارئة، إضافة إلى ضرورة الحصول على تصاريح لتلقي الخدمة الصحية خارج غزة أو الضفة.

وتكافح منظمة الصحة العالمية وشركاء الصحة الإنسانية من أجل تلبية الاحتياجات الصحية الأساسية للناس في الأرض الفلسطينية المحتلة.  وقال د. جيرالد روكنشوب، رئيس مكتب منظمة الصحة العالمية للضفة الغربية وقطاع غزة، إننا قلقون من أنه بدون دعم من مجتمع المانحين الدولي، لن يتمكن آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة.[14]

الصحة في الموازنة العامة

تستحوذ الرواتب والأجور على ما يقارب 46% من إجمالي موازنة الحكومة الفلسطينية المخصصة للعام 2018، علماً أن موازنة 2019 لم تصدر رسمياً حتى الآن.[15] بينما بلغ عدد الموظفين المدنيين مطلع العام 2018 ما یقارب 77 ألف موظف، منهم ما يقارب 11500 موظف يتبعون لوزارة الصحة، فیما بلغ عدد الموظفين العسكريين مطلع العام 2018 ما یقارب 51 ألف موظف.

القطاعات الرئيسة ضمن الموازنة العامة وحصة كل قطاع من الموازنة[16]

يقـف تمويل الخدمات الصحية في القطاع العام أمام مفترق طرق خطير فـي الضفة الغربية وقطاع غزة.  فقد أحدثت الأوضاع السياسية اختلالات كبيرة ومتقطعة في تمويل الخدمات الصحية في القطاع العام.  حـسب المعطيات الـواردة مـن الـدائرة الماليـة فـي وزارة الـصحة الفلـسطينية، فإن إجمالي الموازنة الجارية للوزارة للعام 2018، بلغت 1.787.683.000 شيكلاً، ويتوزع الإجمالي على بنود الموازنة الرئيسية، حيث شكل بند الرواتب أعلى نسبة (48% من إجمالي الموازنة)، يليها العلاج في الخارج بنسبة 25%، في حين بلغ بند الأدوية والمستهلكات الطبية نسبة 18%، وشكل بند النفقات التشغيلية أصغر نسبة (9%).

بلغت الإيرادات العاملة لوزارة الصحة 218.624.185 شيكلاً، موزعة حسب نوع الإيراد، حيث شكلت الرعاية الصحية الأولية أكبر نسبة (50.3%)، تلتها إيرادات التأمين الصحي 26.6%، وإيرادات المستشفيات الحكومية 16.5%، أما الإيرادات المحصلة من المراكز الإدارية، فبلغت 6.6%.

العلاج في الخارج وشراء الخدمة

يحتاج المرضى الذين يقطنون في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية إلى استشارة أو علاج غير متوفر في مستشفيات وزارة الصحة، ويـتم تحويلهم إلى المستشفيات والمراكز الصحية الخاصة وغير الحكومية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، إضافة إلى مستشفيات الأردن ومصر وإسرائيل ... وغيرها.

بلغ العدد الكلي لتحويلات شراء الخدمة من خارج مرافق وزارة الصحة 109.818 تحويلة، بزيادة مقدارها 15.7% عن العام السابق 2017، وأيضاً بزيادة عن العام 2016 بمقدار 19.5%، وبلغت تكلفة التحويلات الإجمالية 724.622.913 شيكلاً، وتزيد عن العام 2017 بنسبة 68.1%.

عدد وتكلفة التحويلات خارج وزارة الصحة للعامين 2017-2018

العام

2017

2018

التحويلات خارج وزارة الصحة

94.939

109.818

التكلفة

431.074.775 شيكلاً

724.622.913 شيكلاً

 

 

عدد وتكلفة التحويلات خارج وزارة الصحة للضفة الغربية وقطاع غزة

 

الضفة الغربية

قطاع غزة

عدد التحويلات والتكلفة

2018

78.949 تحويلة، بتكلفة 490.259.422 شيكلاً

30.869 تحويلة، بتكلفة 234.363.491 شيكلاً

 

أماكن التحويلات وعددها وتكلفتها للعام 2018

أماكن التحويلات للعام 2018

الإحصائيات

القدس الشرقية

43.256 تحويلة بكلفة 278.138.660 شيكلاً، بواقع 30.906 للضفة، و12.350 لقطاع غزة

مصر

2.301 تحويلة، بكلفة 5.256.826 شيكلاً، وجميعها لقطاع غزة

الأردن

34 تحويلة بكلفة 140.268 شيكلاً، منها 13 للضفة، و21 لقطاع غزة

تركيا

تحويلتان بتكلفة 486.500 شيكل من الضفة

داخل الخط الأخضر

18.348 تحويلة بكلفة 180.977.302 شيكلاً، منها 13.576 للضفة و4.772 لقطاع غزة[17]

 

الأمراض التي يتم تحويلها خارج مستشفيات الحكومة للعام 2018 حسب وزارة الصحة الفلسطينية

المرض

العدد

الأورام

25.834

أمراض الكلى والمسالك البولية

9.738

أمراض القلب

9.457

أمراض الدم

7.360

الجراحة العامة

7.031

أمراض الأطفال

6.790

أمراض العيون

6.371

قسطرة القلب

4.795

جراحة العظم

4.145

الأعصاب وجراحة الأعصاب

3.434

المجموع

84.955

 

السياسات الحكومية مقابل قدرات القطاع الصحي

خلت وثيقة إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة التي اتبعتها حكومة سلام فياض بعد العام 2007 من الحديث عن القطاع الصحي بشكل خاص، واتبعت سياسات البناء والتطوير، بشكل عام، لمؤسسات الدولة الفلسطينية.  أما حكومة رامي الحمد الله فاتبعت في أجندة السياسات الوطنية "المواطن أولاً" 2017-2022، سياسة وطنية متمثلة بـ:

  1. توفير خدمات الرعاية الصحية الشاملة للجميع، والارتقاء بصحة المواطن ورفاهيته من خلال إصلاح التأمين الصحي العام.
  2. تعزيز الاستدامة المالية لنظام الرعاية الصحية، والارتقاء بمستوى الخدمات الصحية وجودتها، وزيادة المساواة في الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والحصول عليها.
  3. تعزيز الرعاية الصحية الوقائية، وتعزيز الوعي والسلوك الصحي للمواطنين.
  4. تبني نهج صحة العائلة، وتعزيز برامج إدارة الأمراض المزمنة، وتطبيق السياسة الوطنية بهذا الخصوص.

وتتبنى استراتيجية "المواطن أولاً" هذه السياسات وفقاً للإستراتيجية الوطنية الصحية 2017-2022 المبنية على ستة أهداف وطنية تتمثل بـ:

  1. ضمان توفير خدمة صحية شاملة لجميع المواطنين والعمل على توطين الخدمات الصحية.
  2. تعزيز برامج إدارة الأمراض غير السارية والرعاية الصحية الوقائية والوعي الصحي المجتمعي وقضايا النوع الاجتماعي.
  3. مأسسة نظم الجودة في نواحي تقديم الخدمة الصحية كافة.
  4. تعزيز نظام إدارة الموارد البشرية الصحية.
  5. تعزيز الحوكمة الصحية والقوانين والتشريعات والتنسيق عبر القطاعات، والتكامل ما بين مقدمي الخدمات وصولاً إلى توطين الخدمات والتغطية الصحية الشاملة.
  6. تعزيز التمويل الصحي، وتعزيز الحماية المالية للمواطن في مواجهة التكاليف الصحية.

مع تولي رئيس الوزراء محمد اشتية رئاسة الحكومة الفلسطينية العام 2018، وبدء الأزمة الاقتصادية بين السلطة وإسرائيل، اتبعت حكومته سياسة الانفكاك عن الاحتلال كسياسة وطنية تبعاً لقرارات المجلسين الوطني والمركزي في هذا الصدد، وبدأت بخطوات لتحقيق ذلك، ومنها الخدمات الطبية مع دولة الاحتلال.

يواجه القطاع الصحي سلسلة من نقاط الضعف والتشوهات جرّاء السياسات والعوائق والقيود التي مارستها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وما زالت وزارة الصحة مضطرة إلى تحويل عشرات آلاف الحالات المرضية سنوياً إلى مستشفيات خارج فلسطين، وتحمّل تكاليف باهظة، يضاف إلى ذلك ما تتكبده الأسر من تكاليف ومعاناة خلال مرافقة مرضاها، أو تغطية تكاليف علاجهم في بعض الحالات.

وضعت الاستراتيجية الصحية الوطنية في أولوياتها توطين الخدمات الصحية، إلا أن مشكلة التحويلات الطبية بقيت مستمرة، وكذلك نقص الأدوية في السوق الفلسطينية على الرغم من اتّخاذ الحكومة الفلسطينية العام 2019 قراراً بوقف التحويلات الطبية إلى إسرائيل، أيضاً عدم وجود البدائل لذلك، إضافة إلى ارتفاع التكلفة في حال التوجه إلى دول أخرى مثل الأردن، ومصر، وتركيا، كما أظهرته أرقام وزارة الصحة لبعض التحويلات لتلك الدول العام 2018، وأيضاً قلة الإمكانيات البشرية والتخصصات.

قرار وقف التحويلات الخارجية المفاجئ جعل من السياسات المقترحة صعبة التنفيذ في الوقت الحالي، فقد أشار أمين عام المجلس الطبي الفلسطيني الدكتور أمين ثلجي، إلى وجود نقص في المرافق الطبية والأطباء في بعض التخصصات مقارنة بما تطلبه منظمة الصحة العالمية، وأننا على عتبة الحد الأدنى من الأطباء (1.1 طبيب لكل 1000 نسمة) ويلزم رفع النسبة إلى (2.5 طبيب لكل 1000 نسمة كحد أدنى).

كذلك وجود عجز واضح في تخصصات مثل (الأورام، وأمراض الكلى والمسالك البولية، وأمراض القلب، وأمراض الدم، والجراحة العامة، وأمراض الأطفال، وأمراض العيون، وقسطرة القلب، وجراحة العظام والأعصاب) وهي الأمراض الأكثر سبباً للوفاة في فلسطين.  يذكر أن الضفة الغربية يوجد فيها 7 أطباء أورام مقابل 3 ملايين نسمة، في حين أن غزة تمتلك 3 أطباء فقط؛ أي إن كل طبيب أورام يقابله 250 حالة أورام في الضفة وغزة بالمعدل، إضافة إلى وجود مناطق مثل مدينة رفح -مثلاً- لا تحتوي على مستشفيات مجهزة تجهيزاً متقدماً لتقديم رعاية ثانوية وثالثية.

البدائل والمعايير السياساتية

إن تبني آليات للانفكاك التدريجي عن مقدم الخدمة الإسرائيلي، يمثل الحل الأمثل لهذه المعضلة، وإن أي توقف مفاجئ عن شراء الخدمة له تبعات صحية وإنسانية صعبة على بعض الحالات التي يجب أخذها بعين الاعتبار، وقد يكون الأمر له جدوى مالية سريعة؛ لكن تبعاته الاجتماعية ستكون صعبة على المرضى وذويهم.  لذلك، فإن البدائل المقترحة تتنوع ما بين بدائل قابلة للتنفيذ فوراً، وبين بدائل قد تحتاج بعض الوقت كما يلي:

البديل الأول: الاستثمار في القطاع الصحي بكل مكوناته البشرية والمادية، ورفع نسبة حصة الصحة من الموازنة العامة، حيث تفتقر فلسطين -على الرغم من توفر العديد من المستشفيات- إلى قطاعات صحية مهمة، وتي تلجأ إلى تحويلهم إلى خارج منشآتها.

ويمكن الاستثمار في القطاع الصحي من خلال:

  1. ملاءمة مخرجات التعليم في التخصصات الطبية مع متطلبات واحتياجات القطاع الصحي، وهو ما يتطلب مزيداً من التنسيق بين الجامعات والحكومة وباقي مقدمي الخدمة، بما يضمن تشكيل ثلاثية إبداع، لتحقيق أفضل المخرجات، وذلك من خلال:
  • تحديد احتياجات القطاع الصحي وأولوياته الاستراتيجية بشكل منتظم، بما يضمن تنظيم عملية القبول ونوعية المقبولين ومعدلاتهم.
  • الحفاظ على جودة الكادر الأكاديمي في المؤسسات التعليمية الطبية.
  • تفعيل الابتعاث الخارجي والتبادل الطلابي ومنح الاختصاص والشراكات الخارجية.
  • بناء مستشفيات جامعية تتضمن تقديم تدريبات عالية الجودة للطلاب.
  • تعزيز الإنفاق المخصص للتعليم الطبي، ودعم برامج البحث العلمي.

وهو ما أكد عليه كل من مدير عام التعليم الصحي في وزارة الصحة الدكتورة أمل أبو عوض، ونائب نقيب الأطباء الدكتور بشار أحمد؛ بإحداث اختراق حقيقي في تطوير منظومة التعليم الطبي في فلسطين، والاستثمار في الجامعات الفلسطينية وبرامجها الطبية.

  1. إصلاح نظام الخدمة المدنية للأطباء والممرضين
  • رفع الأجور وتقديم الحوافز وتشجيع الكفاءات للعمل في القطاع الحكومي.
  • استقطاب الكفاءات الفلسطينية العاملة في الخارج، إما كمقيمين وإما كزائرين، مع ضرورة تنظيم هذه العملية، والاستفادة من الكادر الطبي الفلسطيني في الداخل المحتل.
  • الاهتمام بتخصصات معينة وتوفير التدريب والتطوير المستمر للمهارات.

وقد أكد أمين عام المجلس الطبي الفلسطيني الدكتور أمين ثلجي، وجود نقص في المرافق الطبية والأطباء في بعض التخصصات، مقارنة بما تطلبه منظمة الصحة العالمية. وأوضح أن تشغيل الأطباء الفلسطينيين والحيلولة دون هجرتهم إلى الخارج، يتطلب بناء المزيد من المرافق الطبية.

  1. الشراكة بين القطاع العام والخاص والأهلي
  • تعزيز عملية التنسيق والشراكة بين مزودي الخدمة الصحية لتوزيع الأعباء.
  • التوجيه السليم والمخطط عبر سياسات إنفاق موحدة للمساعدات الخارجية.
  • استقطاب مستثمرين مطورين للقطاع الصحي للاستثمار في المستشفيات التخصصية ومراكز التشخيص الأكثر تقدماً؛ بهدف توطين الخدمة الصحية.
  • تفعيل مراكز المسؤولية الاجتماعية في الشركات الكبرى، وتخصيص جزء مها نحو الإنفاق الصحي الاستثماري.
  • تعزيز صناعة الأدوية وتقديم سياسات حمائية لها تضمن الاعتماد عليها لتلبية الطلب المحلي، مع ضمان معايير جودة مناسبة.
  • دعم التوجه نحو منظمة الصحة العالمية باعتبارها مرجع السياسات الصحية للدول، واتباع تعليماتها وطلب مساعدتها لتحقيق أكبر عائد ممكن من الاستثمار والشراكة.

وفي حال تمت الشراكة بين القطاعات، فإن ذلك سيعود بالنفع عليها جميعاً من خلال توفير وظائف جديدة، إضافة إلى تحويل الأموال إلى القطاع الخاص الفلسطيني بدلاً من شراء الخدمة من إسرائيل، وبالتالي تبقى حصة التحويلات داخل الاقتصاد الفلسطيني، إضافة إلى تخفيض نسبة البطالة بين الخريجين وقطاعات أخرى (عمال، نظافة، ...) وهو ما يساعد في تحقيق ما جاء في رؤية وزارة الصحة الاستراتيجية، وهو ما يتلاءم مع رؤية الأمم المتحدة نحو تحقيق التنمية الشاملة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

محاكمة البديل الأول:

  • المقبولية: يعتبر هذا البديل مقبولاً بنسبة عالية من جميع القطاعات المختصة بالقطاع الصحي، وكذلك الحكومة التي تسعى إلى الانفكاك الطبي كما صرح رئيس دولة فلسطين محمود عباس.
  • إمكانية التطبيق: يمكن تطبيق هذا البديل على الأمد المتوسط (5-7 سنوات) بحيث نكون قادرين على الانفكاك الكلي عن الاحتلال في حال طبقت الخطط الاستراتيجية والسياسات لتوطين القطاع الصحي.
  • الربح والخسارة: تخسر الحكومة الفلسطينية في بداية تطبيق هذا البديل من خلال دعم القطاعات الصحية والطلاب والأطباء، ولكن تحقق الربح مستقبلاً من خلال وقف فاتورة التحويلات المكلفة، ومن خلال الاستغناء عن الاحتلال وابتزازه لفلسطين.
  • المنفعة: جميع القطاعات الصحية داخل فلسطين ستحقق المنفعة، وأيضاً الحكومة ستحقق المنفعة المادية وكذلك السيادية، فقد بلغت تكلفة التحويلات الإجمالية للعام 2018 724.622.913 شيكلاً، وفي حال توقفت هذه التحويلات يمكن الاستفادة من تلك الأموال في الاستثمار في القطاع الصحي، ويضاف إلى ذلك مساهمات المجتمع المدني والأهلي والقطاع الخاص في تطوير القطاع الصحي، ليستطيع توفير العلاج البديل عن المتوفر بدولة الاحتلال الإسرائيلي.

البديل الثاني: توحيد السياسات الصحية في الضفة وقطاع غزة وتجنيبه تبعات الانقسام، حيث يعاني قطاع الصحة في قطاع غزة من نقص في الكادر الطبي بسبب هجرة الأطباء، إضافة إلى عدم توفر الإمكانيات بسبب الحصار المفروض منذ سنوات، وعلى الرغم من توفير وزارة الصحة جزءاً من تكلفة القطاع الصحي في قطاع غزة (أجور، ومعدات، وأدوية، ومستشفيات) فإنها لا تحصل على أي عائد مادي.

إن استمرار انقسام القطاع الصحي كامتداد للانقسام الذي نعانيه، سيبقي التحويلات الطبية للمواطنين في قطاع غزة على حالها، وبالتالي تأخير عملية الانفكاك الطبي عن الاحتلال الإسرائيلي، لذلك على الحكومة الفلسطينية التعامل مع الأمر الواقع، وتجنيب القطاع الصحي تبعات الانقسام من خلال:

  • ضرورة الاتفاق على تحييد الخدمات الاجتماعية كالقطاع الصحي عن أي خلافات سياسية.
  • توحيد السياسات الصحية يتطلب وحدة الأمر ودمج الهيكلين ليصبحا هيكلاً واحداً يقدم الخدمة بكفاءة وفعالية.
  • يمكن الاستفادة من وجود المؤسسات الدولية لضمان استمرار التنسيق بين الطرفين بما يضمن تحييد الخدمة الطبية.
  • تفعيل حملات الضغط والمناصرة لتطوير القطاع الصحي، منطلقين من الحق في الصحة غير القابل للتفاوض.
  • قد يساهم وجود متعهدين لتقديم الخدمة الصحية في بعض المجالات، وبالشراكة مع الحكومة، في رفع كفاءة الخدمة والحفاظ على وحدة السياسات المنفذة.

على الرغم من أن هذا البديل لا يلبي طموحاتنا بضرورة تحقيق الوحدة في كل القطاعات، فإنه أصبح ضرورة ملحة في ظل توقف جهود المصالحة بين طرفي الانقسام، ما يعني أن المتضرر هو المواطن فقط، ويتطلب تحقيق هذا البديل وجود رغبة بين طرفي الانقسام في تحييد الصحة عن رهانات السياسة والاختلاف الداخلي، إضافة إلى تقبل وجود طرف ثالث يضمن سريان تقديم الخدمة مهما اختلفت الظروف.

محاكمة البديل الثاني

  • المقبولية: يلاقي هذا البديل مقبولية لدى المواطنين الذين يعانون، وبخاصة في قطاع غزة، إضافة إلى مقبولية لدى الحكومة الفلسطينية التي تنفق على القطاع الصحي في غزة دون أي عائد مادي، وسيرفض من قبل حركة "حماس" التي ستحرم من الاستفادة من إيرادات القطاع الصحي.
  • إمكانية التطبيق: العقبة الوحيدة أمام تطبيق هذا البديل هي عدم رغبة حركة "حماس"، بوصفها الحاكم الفعلي لقطاع غزة، في المضي قدماً نحوه.
  • الربح والخسارة: تربح الحكومة الفلسطينية من هذا البديل، من خلال تخفيض حجم التحويلات البالغ عددها العام 2018، 109.818 تحويلة، بتكلفة إجمالية تبلغ 724.622.913 شيكلاً، وإعادة إدارة القطاع الصحي في قطاع غزة.
  • المنفعة: ستعود على المواطنين الذين لا يجدون الخدمة المناسبة في قطاع غزة، إضافة إلى عودة الكفاءات الطبية التي هاجرت، وتسلمها العمل من جديد، واستقطاب كفاءات جديدة.

البديل الثالث: مراجعة الاتفاقيات مع الاحتلال قانونياً: منذ العام 1998 وانتهاء المرحلة الانتقالية لاتفاقية أوسلو، لم تقم السلطة الفلسطينية بخطوات لمراجعة تبعات هذه الاتفاقية، وما لحقها من اتفاقيات.  وعلى الرغم من أن اتفاق باريس الاقتصادي نص على أن تقوم لجنة اقتصادية مشتركة بمناقشة تنفيذ الاتفاقية وتكييفها مع الظروف المتغيرة لاتفاقية الوضع النهائي، فإنه لم يحدث أي تغير بها، وكان آخر لقاء ثنائي العام 2009.

ومع بداية العام 2019، وافقت إسرائيل على إعادة فتح اتفاقية باريس الاقتصادية، وبحث بعض بنودها، إلا أن تسارع الأحداث السياسية المذكورة، وبسبب ظهور ما يعرف بصفقة القرن، وقطع الاتصالات جزئياً مع الاحتلال، لم يعقد هذا اللقاء.  يمكن القيام بخطوات فعلية على الأرض من خلال تطبيق قرارات المجلس المركزي حول الانفكاك والمقاطعة، ووقف المشاورات الأمنية مع إسرائيل، وتعزيز التعاون مع الفعاليات الشعبية والأهلية والفصائل لتحويل المقاطعة إلى ثقافة شعبية.

كما أوقفت السلطة استيراد العجول من الاحتلال وحققت إنجازاً في ذلك، وعليها الاستفادة من تجربة وقف التحويلات الطبية، حيث عانت قطاعات اقتصادية في إسرائيل من ذلك، وهو ما سوف يهدد سلامة الاقتصاد الإسرائيلي بسبب اعتماد جزء مهم من قطاعاته على الاستهلاك الفلسطيني.

في آب/أغسطس 2019، كشفت صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية، عن أزمة مالية تهدد المشافي الإسرائيلية، إذ أوضحت أن وزارة الصحة الإسرائيلية حصلت على مبلغ 272 مليون شيكل من السلطة مقابل علاج مرضى الضفة والقطاع في العام 2018، وتراجع الرقم في العام 2019 إلى 205 ملايين شيكل، ويتوقع أن يبلغ في العام 2020 حوالي 80 مليون شيكل.  وأكدت الصحيفة أن مستشفى هداسا سيتكبد نصف هذه الخسائر، فضلاً عن أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى أزمة مالية في مستشفيي "إيخلوف" و"تل هشومير".

محاكمة البديل الثالث

  • المقبولية: يعتبر هذا البديل مقبولاً من جميع القطاعات الفلسطينية الرسمية والشعبية والأهلية، إلا أنه غير مقبول لدى إسرائيل.
  • إمكانية التطبيق: يمكن تطبيق هذا البديل في حال أوقفت السلطة التعامل مع الاحتلال إلى جانب وقف جميع أشكال التعاون واللقاءات، حيث سيجبر الاحتلال على الجلوس للتفاوض، ويمكن الاستدلال بمقاطعة استيراد المواشي من الجانب الإسرائيلي، حيث تكبدت إسرائيل خسائر من ذلك، ما جعلها تجلس للتفاوض وحل الأزمة.
  • الربح والخسارة: تربح السلطة، بشكل عام، والقطاع الصحي الذي يمكنها تطويره في حال سمح الاحتلال بإدخال جميع المعدات المطلوبة، كما إن هذا البديل يحقق خسائر غير محتملة في القطاع الصحي الإسرائيلي، ما يزيد من التأثير على أداء مستشفياته كما ذكر سابقاً مع مستشفيات "هداسا"، و"إيخلوف"، و"تل هشومير".
  • المنفعة: سوف تستطيع السلطة الاستفادة من مواردها، وكذلك الاستيراد والتصدير دون وجود وسيط، وبالتالي يمكن لها تحسين موازنتها ورفع حصة القطاع الصحي منها.

الخلاصة

على المدى المتوسط (5-7) سنوات، يمكن تطبيق بديل الاستثمار في القطاع الصحي، حيث يعتبر البديل المناسب في الوقت الحالي، وبخاصة عقب ظهور جائحة كورونا التي أرهقت القطاع الصحي بسبب عدم وجود إمكانيات كافية.  ويكون الاستثمار في القطاع الصحي من خلال رفع حصتها من الموازنة العامة، واستقطاب مستثمرين في مجال التطوير الصحي، إضافة إلى الاستفادة من المساعدات المقدّمة من المؤسسات الدولية والدول الصديقة.

وفي حال عدم وجود الإمكانيات المادية، يمكن إعادة النظر في حصة الأمن التي تستحوذ على نصف الموازنة؛ من خلال تطبيق قانون التقاعد الإجباري، وتحويل عائدات التقاعد إلى القطاع الصحي لاستثمارها في تطوير الكادر والمعدات.

ويمكن تطبيق بديل مراجعة الاتفاقيات مع الاحتلال فوراً في حال طبقت قرارات المجلس المركزي بوضع خطة وطنية جامعة، يكون هدفها المقاطعة والصمود في وجه الابتزاز الإسرائيلي.

أما بديل توحيد السياسات الصحية بين الضفة وغزة، فعلى الرغم من صعوبة تحقيق ذلك، فإنه قابل للتحقيق فوراً لو تحققت الرغبة المشتركة، وبخاصة في ظل التزام وزارة الصحة الفلسطينية بالإنفاق على المؤسسات الصحية الحكومية في قطاع غزة.


[1] قرارات المجلس المركزي، الدورة السابعة والعشرون، وكالة وفا، 5/3/2015: bit.ly/2TeYM52.

[2] الدورة الثامنة والعشرون "دورة القدس العاصمة"، رام الله، وفا، 2018: https://bit.ly/2VEDBfL

[3] "هل تنجح السلطة الفلسطينية بتطبيق الانفكاك عن إسرائيل؟"، عربي 21، 8/2/2018: https://bit.ly/2yJvBBf

[4] الصحة توقف التحويلات إلى إسرائيل: سنتكفل بإيجاد البدائل، وكالة وفا، 26/3/2019: https://bit.ly/2SbeJKy

[5] "كيلة: انخفاض نسبة شراء الخدمة من التحويلات الطبية للجانب الإسرائيلي..."، وكالة وفا، 3/11/2019: https://bit.ly/2VrgoMy

[6] "قطاع صناعة الأدوية في فلسطين يحقق تطوراً غير مسبوق"، جريدة القدس العربي، 23/11/2019: https://bit.ly/2RzH7Wd

[7] "الرئيس يفتتح مستشفى اتش كلينك"، وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، 19/9/2019: https://bit.ly/2VB4Bvj

[8] موازنة المواطن للسنة المالية 2018، وزارة المالية والتخطيط: https://bit.ly/2Y9T1dx

[9] المرجع السابق.

[10] الاستراتيجية الصحية الوطنية - فلسطين 2017-2022: https://bit.ly/3b3ifwS

[11] مرسوم رئاسي: إعفاء مواطني قطاع غزة من رسوم الخدمات والضرائب، وكالة وفا، 26/6/2007:

http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=T4b5wWa147189553203aT4b5wW

[12] مرجع سابق، وفا: bit.ly/2TeYM52

[13] أوضاع السكان في فلسطين بمناسبة اليوم العالمي للسكان، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 11/07/2019.

[14] 1.2 million people in the occupied Palestinian territory are in need of humanitarian health assistance, WHO, 20 Dec 2018, https://bit.ly/3at5WKh

[15] مرجع سابق، وزارة المالية والتخطيط: https://bit.ly/2Y9T1dx

[16] المرجع السابق.

[17] وزارة الصحة، مركز المعلومات الصحية الفلسطيني، التقرير السنوي، فلسطين 2018.

مشاركة: