الرئيسية » تحليل سياسات » أحمد الكومي »   06 تموز 2020

قراءة/تحميل | | | |
نحو إستراتيجية صحيّة موحّدة لمواجهة "جائحة كورونا" بالضفة والقطاع
أحمد الكومي

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.

مقدمة

تواجه الأراضي الفلسطينية المحتلة خطر فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، بصورة استدعت إعلان الرئيس محمود عباس حالة الطوارئ في جميع الأراضي الفلسطينية في بداية آذار/مارس 2020، لكن ذلك لم يسمح بالعمل وفق خطّة صحية موحدّة تمكّن من مكافحة الوباء، وتراعي حالة الضعف التي يعانيها الجهاز الصحي الفلسطيني، في مرحلة حرجة مليئة بتحديات قد تهدد المنظومة الصحية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي الشهر الخامس لحالة الطوارئ، يظهر منحنى إصابات كورونا في الأراضي الفلسطينية الخلل المترتب عن غياب الإستراتيجية الصحيّة الموحّدة، كما لا تتوفر مؤشرات لنهاية وشيكة للوباء أو نهاية زمنية واضحة في الرسم البياني له، بصورة تهدد قدرة نظام الرعاية الصحية على تقديم المساعدة، ويرفع مستويات هذا التهديد عدم الالتزام الواضح من المواطنين بإجراءات الوقاية.

لقد منح فيروس كورونا فرصة الاطلاع على السياسات الصحية وإدارة الدولة لها، ومدى درجات الاهتمام بالقطاع الصحي التي بدأت تظهر نتائجها في مستوى الاستجابة الوطنية لمواجهة الوباء، وقد يمثّل الانقسام الفلسطيني عاملًا معرقلًا للعديد من أطروحات الحلّ، لكن المرحلة الحالية المحفوفة بأخطار كورونا وفّرت بيئة وعوامل معززة تدفع باتجاه بدائل واقعية بإمكانها تجاوز ذلك، والبناء عليها. وهذا ما تهدف إليه الورقة وفق بدائل سياساتية تسمح بأن يتحوّل كورونا من تهديد إلى فرصة.

الهدف العام

التعرّف إلى الخطط الصحية لمواجهة كورونا في الضفة الغربية وقطاع غزة، وطرح بدائل سياساتية تساهم في صياغة إستراتيجية صحيّة توحّد جهود مواجهة الوباء، وقد تشكّل مدخلًا لتوافق في قضايا أخرى.

المشكلة السياساتية

منذ إعلان الطوارئ في الأراضي الفلسطينية لمواجهة كورونا، لم يتمّ تبنّي أيّ خطة مشتركة بين الضفة الغربية وقطاع غزة لمكافحة الوباء، وأُديرت الأزمة بشكل منفصل، فانعكس هذا الأمر على قدرة الجهاز الصحي على العمل، في ظل واقع الضعف الذي يعاني منه عمليًا، وعدم جاهزيته للاستجابة لحالة تفشّي الوباء، فقد سجلت الأراضي الفلسطينية حتى صباح يوم 6/7/2020، 4786 إصابة و21 حالة وفاة منذ بدء انتشار الفيروس، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، إلا أن هذا الوضع لم يشكّل هاجسًا لدى الجهات الحكومية في الضفة والقطاع للتوجّه نحو صياغة إستراتيجية صحيّة موحّدة تعزّز صمود الجهاز الصحي الفلسطيني.

واقع خطط المواجهة في الضفة والقطاع

أعلن رئيس الوزراء محمد اشتية، بتاريخ 9/4/2020، عن موازنة الخطة الفلسطينية لمواجهة وباء كورونا، عُرفت بـ "موازنة الطوارئ"، بتكلفة بلغت 137 مليون دولار، تشمل توفير الأدوية والمعدات وتجهيز القطاع الصحي لمواجهة الوباء في الضفة، بما فيها القدس، والقطاع.

تقوم الخطة على إنشاء لجنة طوارئ وطنية، تنبثق عنها لجان صحية واقتصادية واجتماعية وأمنية، تدرس كل منها تداعيات الأزمة من جانب مختلف، وتضع حلولًا خلاّقة للتعامل معها نحو إعادة الحياة إلى طبيعتها فور انتهاء خطر الوباء، إضافة إلى خلية أزمة في كل محافظة تتبع لها لجان شعبية ومحلية في كل قرية ومدينة ومخيم.[1]

وعملت الحكومة برام الله على وضع خطة طوارئ للتعامل مع عودة العمال الفلسطينيين من الداخل المحتل، وعددهم نحو 150 ألف عامل، عشية تفشي الوباء، وهو ما يزيد من حدّة المخاوف لدى الحكومة من إمكانية نقل العدوى إلى داخل الضفة، مع توجيهات للعمال العائدين بحجر أنفسهم لمدة 14 يومًا عند عودتهم.[2]

وتشمل الخطة الانتشار قرب المعابر التي سيدخلون منها، والعمل مع الجهات الصحية فيما بعد على متابعة عملية حجرهم المنزلي، وعدم خروجهم مطلقًا، والتأكيد على عدم احتكاكهم بأفراد أسرهم؛ لضمان عدم تفشّي الفيروس في حال كان أحدهم قد أصيب به.

ولم تعلن السلطة رسميًا قيمة التبرعات والمساعدات الخارجية التي تلقتها لمواجهة كورونا، لكن تقارير صحافية ذكرت أنها تلقت أكثر من 130 مليون دولار أميركي كدعم طارئ، كان أبرزها الدعم المقدّم من الاتحاد الأوروبي بقيمة 71 مليون يورو، و30 مليون دولار من قطر، و20 مليون دولار من منظمة الصحة العالمية، و10 ملايين دولار من السعودية.[3]

على الجانب الآخر، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة عن خطتها لمواجهة الوباء، بدأتها بحجر القادمين من الخارج، وإغلاق المعابر ومناطق التجمع العامة، وصالات الأفراح والمطاعم والجامعات والمدارس وغيرها. ونشرت الوزارة سلسلة الإجراءات التي اتخذتها في القطاع للوقاية من الفيروس وأبرزها[4]:

تشكيل لجنة حكومية متعددة القطاعات برئاسة وزارة الصحة، مكونة من وزارات (الداخلية، التعليم، الحكم المحلي، الأوقاف، المالية، الإعلام الحكومي).
تشكيل "لجنة صحية مركزية"؛ لاتخاذ التدابير والإجراءات والسياسات والبرتوكولات الصحية.
تشكيل فريق استشاري من الخبراء وأساتذة الجامعات ومنظمة الصحة العالمية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"؛ لتقديم المشورة الفنية.
تشكيل لجان فرعية في كل مستشفى ومركز رعاية أولية.
إقامة مستشفى ميداني لعزل الحالات المشتبه بإصابتها بالفيروس على معبر رفح، يتسع لـ 38 حالة، وقابل للاتساع ومجهز بأقسام مبيت وعناية مركزة ومختبر وأشعة.
تعزيز القطاع الصحي بالكوادر البشرية الطبية المتخصصة من خلال برامج التشغيل المؤقت (400 عقد تشغيل مؤقت) تضمن تخصصات الطب البشري والتمريض والصيدلة والتحاليل الطبية والأشعة.
التواصل والتنسيق مع المؤسسات الدولية المانحة؛ لدعم صمود قطاع غزة في مواجهة الوباء.

يلاحظ في الخطط الإجرائية أعلاه خلوها من أي إجراءات للتنسيق المشترك بين الضفة والقطاع، ولا محاولات فتح قنوات اتصال وتنسيق تراعي الظرف الخطير والقابل للخروج عن السيطرة، الذي يمكن القول إن نتائجه بدأت تظهر مبكرًا من خلال التحذير الذي أطلقته وزارة الصحة بغزة، بفقدان قدرتها على فحص فيروس كورونا؛ بسبب شح المواد المخبرية اللازمة لهذا الغرض، وإعلانها أن "مقوماتنا الصحية المتاحة محدودة للغاية، وما وصلنا من مختلف الجهات مساعدات خجولة لا تسعفنا في مواجهة كورونا".[5]

تقدّر وزارة الصحة في غزة احتياجها المالي لخطتها لمواجهة كورونا بمبلغ 59 مليون دولار، وتقول إن ما وصلها من مؤسسات إغاثية بلغ 1.7 مليون دولار فقط. فيما بلغ قيمة ما وصل الوزارة بغزة من رام الله 2 مليون و250 ألف دولار منذ بداية العام الجاري، وهي بحسب أشرف القدرة، المتحدث باسم الصحة بغزة، "ضمن الإرساليات الاعتيادية، وتمثل 5% من احتياجنا السنوي المقدّر بـ 47 مليون دولار للأدوية والمستهلكات الطبية ولوازم المختبرات".[6]

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن آخر إرسالية طبية لوزارة الصحة برام الله إلى غزة كانت في مطلع شهر نيسان/إبريل 2020، وهي عبارة عن 1500 مسحة ضمن المساعدات الصينية التي وصلت إلى فلسطين، بحسب ميّ الكيلة، وزيرة الصحة.[7]

وتشكو الوزارة بغزة من نقص نسبته 39% من رصيد الأدوية الأساسية، ونحو 65% من المستهلكات الطبية ومستلزمات المختبرات، إضافة إلى افتقار مخازنها للمواد المخبرية الخاصة بفحص كورونا.

ويمكن ملاحظة غياب التنسيق المشترك في إعلان وزيرة الصحة، بتاريخ 29/4/2020، عن انتكاسة لإحدى الحالات المصابة بفيروس كورونا في القطاع، قبل أن تنفي الوزارة بغزة ذلك.[8] وهذا الموقف يمثل انعكاسًا لحالة اختلاف أكبر وأكثر وضوحًا تبدو في وجود مؤتمري إيجاز يومي، أحدهما بالضفة والآخر في القطاع؛ للإعلان عن الفحوصات والحالات وأي مستجدات حول كورونا.

يقول أحمد عزم، رئيس وحدة الشؤون الإستراتيجية في رئاسة الوزراء، إنه "منذ الإعلان عن حالة الطوارئ بسبب كورونا، لم نلمس أي تعاون من سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، وتم رفض الانصياع لتنفيذ حالة الطوارئ، وطلب السلطة بعدم التنقل، فضلًا عن تعمد حركة حماس عقد مؤتمر صحافي بالتزامن مع المؤتمر الصحافي اليومي للحكومة الفلسطينية، وهي رسالة واضحة"، بحسب رأيه.[9]

يعدّ قطاع غزة المتضرر الأكبر من غياب إستراتيجية صحيّة موحّدة، والأكثر حاجة إليها للأسباب الآتية:

  • الحصار الإسرائيلي المفروض منذ 14 عامًا؛ بصورة أنهكت القطاع الصحي في غزة.
  • نقص الأجهزة الطبية والأدوية والمستهلكات بنسبة وصلت إلى 50%، وفق منظمة الصحة العالمية.
  • انعدام الموارد المالية وعدم القدرة على استقبال الدعم والتبرعات من المانحين إلا عبر بوابة السلطة.
  • يتقاضى الآلاف من موظفي الصحة في غزة رواتبهم من السلطة برام الله، وتوجد مخاوف من إمكانية إحالتهم إلى التقاعد.

في هذا السياق، أعلن عبد الناصر صبح، مدير مكتب منظمة الصحة العالمية في غزة، أن "القطاع سيواجه جائحة كورونا عاجلًا أم آجلًا"، وأن "غزة لم تبدأ في منحنى الانتشار، لكن الانتشار مسألة وقت".[10] وقال في تصريح آخر، إن قدرة القطاع تكفي للتعامل مع 150-100 إصابة بفيروس كورونا فقط.[11]

كما حذرت "اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة" من أن انتشار فيروس كورونا في القطاع، سيؤدي إلى "كارثة حقيقية"، وقالت إن "الوضع الإنساني والصحي المتدهور في غزة، يتطلب تدخلًا دوليًا عاجلًا لرفع الحصار الإسرائيلي، وإمداد القطاع بالمستلزمات الطبية اللازمة والأدوية؛ خاصة في ظل تفشي كورونا في العالم، والإعلان عن بعض الإصابات في القطاع"، مجددة تحذيرها بأن "الوضع في قطاع غزة لا يحتمل التأجيل والمماطلة".[12]

يعدّ الانقسام الفلسطيني المُسبب الرئيسي لغياب خطط صحية موحدة في مواجهة كورونا، وغياب الرغبة أيضًا في التوجّه نحو ذلك، بالرغم من عدم الإعلان عن حلول علاجية أو لقاحات واعدة لهذا الوباء منذ تفشيه، أو فصل ختامي له، بما يعني استمرار الأزمة وحالة الطوارئ، واحتمالية تطوّرها للأسوأ.

ويضاف إلى ذلك جوانب ضعف أخرى فاقم كل منها الآخر:

أولًا: ضعف بنية النظام الصحي الفلسطيني، فقد بلغ عدد المستشفيات العاملة في الأراضي الفلسطينية 82 مستشفى، تملك وزارة الصحة 27 مستشفى منها (14 في الضفة الغربية، و13 بقطاع غزة). ويبلغ إجمالي عدد أسرة المستشفيات 6440 سريرًا، بمعدل 750 نسمة لكل سرير في الضفة، و760 نسمة لكل سرسر في القطاع.[13]

ويبلغ عدد الأطباء العاملين في مختلف مراكز ووحدات وزارة الصحة 2525 طبيبًا، بمعدل 5.2 طبيب لكل 10 آلاف نسمة من سكان فلسطين، بمعدل 4.6 طبيبًا في الضفة، و6.1 طبيبًا في القطاع.

ثانيًا: افتقاد النظام الصحي إلى الخبرة الكافية في مجال الوقاية ومكافحة الأوبئة الخطيرة مثل كورونا؛ بشكل زاد الضغط عليه، وتحوّل إلى تحدٍ وشكل من أشكال الكوارث.

ثالثًا: ضعف الاهتمام الرسمي بقطاع الصحة، ويبرز ذلك في النسبة المخصصة له من موازنة السلطة الفلسطينية للعام 2018، حيث بلغت نحو 1.78 مليار شيكل (أقل من ست مئة مليون دولار)، أي ما نسبته 10.8 % من إجمالي الموازنة. في الوقت الذي ترجح فيه كفّة الإنفاق لصالح قطاع الأمن، بنسبة بلغت 21% للعام نفسه، أي ضعف موازنة الصحة، وفق المنتدى المدني لتعزيز الحكم الرشيد في قطاع الأمن[14]؛ مما تسبب في ضعف الإنفاق على قطاعات خدمية وتنموية مهمة، مثل قطاع الصحة.

يتضح من ذلك أنه لم يكن هناك تخطيط ضمن السياسات الصحية لإمكانية حدوث حالة طوارئ يصبح فيها القطاع الصحي المتصدر للمشهد، والقائم بكل هذا العبء.

وبحسب الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)، تعدّ الموازنة العامة الأداة الأساسية التي تحدد أهداف الحكومة وسياساتها وبرامجها في كيفية استغلال الموارد وعملية توزيعها، وعنصرًا مهمًا في عملية التخطيط التنموي.[15]

تتواصل هذه الحالة دون تطوّر إيجابي في العلاقة أو التواصل، يراعي التوقيت الحرج جدًا الذي تمر به الأراضي المحتلة، والذي يزيد من قيمة وأهمية التوصّل إلى خطّة صحية موحّدة ترفد الجهات الحكومية بسياسات علاجية، وتدعم نشوء إدارة صحية متماسكة في مواجهة الأزمة ومتأهبة لأسوأ السيناريوهات، ومن بينها ما اعتبره يوسف أبو الريش، وكيل وزارة الصحة في غزة، "السيناريو الأصعب"، أي وصول عدد المصابين في قطاع غزة إلى 16-20 ألفًا، بمعدل ثمانية مصابين لكل ألف مواطن.[16]

أما بالنسبة إلى الضفة الغربية، فتشير التقديرات إلى أن الوضع لن يكون أفضل حالًا؛ بسبب الاحتكاك الكبير بالإسرائيليين والمستوطنات، ويستدل على ذلك تدني معدل الإصابة بالفيروس في غزة الأقل احتكاكًا بهم، وهي 1.66% من إجمالي الإصابات في فلسطين.[17]

وبدأت نتائج ذلك تظهر في بدء الموجة الثانية من انتشار كورونا بالضفة بأسرع من المتوقع، وباتت الأرقام تشكل تسارعًا كبيرًا لا سيما في محافظة الخليل التي أصبحت مركزًا لانتشار الوباء هناك بواقع 3200 إصابة حتى تاريخ 6/7/2020، بما نسبته 67% من عدد الحالات الكليّة المسجلة في فلسطين، وفق معطيات وزارة الصحة. وفي هذا السياق، حذرت وزيرة الصحة، من خروج الوباء عن السيطرة في الخليل، مشيرة في الوقت نفسه إلى "أن هناك سيناريوهات سيئة وأسوأ".[18]

وقد دشّن ناشطون فلسطينيون حملة إلكترونية تحت وسم "#الخليل_منكوبة"؛ لدعم المدينة في ظل تفشّي وباء كورونا، وسط اتهامات للحكومة بالتقصير، وغياب الدعم اللوجستي والصحي للمحافظة وبلداتها، ودعوا لتوفير أدوات الدعم والإسناد للمحافظة الكبرى في الضفة.[19]

المعايير المعتمدة

تتناول الورقة البدائل التي يمكن من خلالها تحقيق الأهداف المنشودة، ويتطلب ذلك تحديد معايير محددة تحكمها، وهي كالآتي:

  • المصلحة الفلسطينية العامة التي تفرضها الحاجة إلى صياغة إستراتيجيّة صحيّة موحدة.
  • واقعية البدائل وإمكانية تنفيذها وفق الإمكانات المتوفرة، والقدرة على التعامل مع التحديات القائمة.
  • توافق البدائل مع فكرة "التضامن العالمي" المتبادل في مواجهة كورونا، من خلال العمل الخارجي والتنسيق مع المؤسسات والمنظمات الدولية المختصة.
  • النتائج الصحية الفاعلة في حال العمل على تنفيذ هذه البدائل، وتطوير السياسات.

البدائل السياساتية المقترحة

البديل الأول: خطّة صحيّة مشتركة

تقوم فكرة هذا البديل على تأسيس تعاون بين الضفة والقطاع في إطار خطة عمل مشتركة لوزارة الصحة، والبناء على التعاون القائم بين بعض الدوائر، وهو بديل يبدو أكثر واقعية، ولا يشترط بالضرورة إنهاء الانقسام، الذي يفترض أن يكون الخطوة الأولى والطارئة لمعالجة غياب خطّة صحيّة موحدة؛ لكونه أساس المشكلة.

ويدعم ذلك واقع تقديم الحكومة في رام الله رواتب دائمة للكادر الطبي العامل في غزة، ومستلزمات طبية بين فترة وأخرى للوزارة بالقطاع، إضافة إلى وجود العديد من العوامل التي تفرض الإسراع نحو هذا البديل، وأهمها ضعف النظام الصحي في الضفة والقطاع.

وفي إطار ذلك، يمكن البدء بهذا البديل عبر التوافق على صياغة "خطة عمل مشتركة" لإدارة الجهاز الصحي الفلسطيني، ومعالجة ضعفه كمرحلة أولى، وتجاوز الإشكالات السياسية في الوقت الراهن، خصوصًا المتعلقة بعدم نيل حكومة اشتية على التوافق الوطني منذ تشكيلها في نيسنا/أبريل 2019، فقد وصفتها حركة حماس بـ "الانفصالية وفاقدة الشرعية"، ودعت في حينه إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية.[20]

وتنطلق الخطة برسم السياسة العامة للقطاع الصحي، ووضع إستراتيجية وفقًا لجدول زمني محدد ضمن معايير الإدارة الصحية، وبما يراعي خطورة الوضع، وصنع القرار الصحي المتسق مع المعايير الدولية والعلمية، ثم تقدير الاحتياجات والأولويات الصحية ضمن كشف موحّد، وما يتبع ذلك من توحيد اللجان الوزارية المشكلة بالضفة والقطاع في لجان مشتركة، إلى جانب ضمان تحقيق مشاركة مجتمعية حقيقية تقود في النهاية إلى تحقيق الاستقرار للنظام الصحي وتدعيم قدرته على مواجهة الوباء.

  • يحظى هذا البديل بمقبولية عالية كونه يمثل مطلبًا وطنيًا، ويمكن البدء بالخطة لإدارة الجهاز الصحي الفلسطيني كحلّ ابتدائي طارئ، خاصة أن رئيس الوزراء اشتية أعلن بأن حكومته "ستكون حكومة الكل الفلسطيني"، وفي ظل عدم الممانعة التي أبدتها "حماس" في غزة من خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس، مع اشتية، ودعاه إلى "خطوات جادة لبناء الجسور، وتكريس الوحدة الوطنية، والعمل باهتمام ليخرج شعبنا من هذه الجائحة".[21]
  • يحظى هذا البديل بالمعقولية والقابلية للتنفيذ، وتحقق لدى الفلسطينيين الاستشعار بخطورة المرحلة الحالية التي يجتمع فيها "صفقة القرن وكورونا والضمّ".
  • إهمال هذا الطرح، والسماح باستمرار الوضع الحالي للقطاع الصحي؛ يعني تهديد الصحة العامة للشعب الفلسطيني، وتعريضها للخطر والكوارث.
  • يمكن أن يشكل البدء بهذا البديل تجربة قد تنسحب على أجسام وزارية أخرى، ومدخلًا لاستئناف حوارات الوحدة الوطنية فيما يخدم جهود مكافحة كورونا، لذا فهو مطلب شعبي.
  • يعدّ الانقسام عائقًا أمام تنفيذ هذا البديل، لكن بالإرادة وتقدير المصلحة العامة يمكن تذليل ذلك.

البديل الثاني: المجلس الصحي الفلسطيني الأعلى

يستند هذا البديل إلى فكرة دعم جهود مكافحة وباء كورونا عبر تفعيل "المجلس الصحي الفلسطيني الأعلى" الذي تشكّل بمرسوم رئاسي رقم (8) لسنة 2015، ويتبع منظمة التحرير، ومرجعيته المالية والإدارية للصندوق القومي الفلسطيني، ويتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري.

ويأتي هذا البديل استكمالًا لإنهاء الانقسام، وقد يكون مدخلًا للإصلاح الذي طالبت به فصائل فلسطينية لمنظمة التحرير.

وبحسب نصّ المرسوم فإنه يوكل إلى المجلس مهام عديدة، ومن أبرزها التي يمكن أن تكون ذات صلة بجهود مكافحة كورونا ما يأتي:

  1. رسم السياسات العامة للقطاع الصحي في فلسطين والشتات، ووضع الإستراتيجية العامة لتحقيقها.
  2. تنظيم العمل الصحي وتطويره بجميع قطاعاته؛ بما يحقق توسيع الخدمات الصحية لجميع الفلسطينيين وفقًا لأحدث الوسائل والأساليب والتقنيات العلمية الحديثة.
  3. تقييم السياسات الصحية بشكل دوري، وإدخال التعديلات اللازمة في ضوء نتائج تطبيقها.
  4. تحديد متطلبات القطاع الصحي، واتخاذ القرارات اللازمة بتوزيع الخدمات الصحية بجميع أنواعها على مناطق فلسطين والشتات؛ بما يحقق العدالة بينها والنهوض النوعي بالخدمات.
  5. تنسيق العمل بين المؤسسات والهيئات الصحية في القطاعين العام والخاص، بما يضمن تكامل أعمالها.
  6. تعزيز التعاون بين المؤسسات والهيئات الصحية وبين المؤسسات والهيئات العربية والإقليمية والدولية المعنية بالصحة.
  7. دراسة القضايا التي تواجه القطاع الصحي وإعداد التوصيات بشأنها، بما في ذلك إعادة هيكلة القطاع الصحي.
  8. النهوض بالقطاع الطبي ورفع كفاءة العاملين في القطاع العام، والتوصية بالحوافز المناسبة لهم.
  • يحظى هذا البديل بمقبولية؛ لأسباب عديدة أهمها أنه يعدّ مرجعًا أعلى لكل الجهات الصحية المختصة، ويضم كل القطاعات الخدمية والممثليات وذوي الخبرة والاختصاص، إضافة إلى أن العمل ضمن إطاره رسميًا يعني منح منظمة التحرير فرصة القيام بدورها وإشراكها في المسؤولية من موقعها التمثيلي، وبالتالي البناء على البديل الأول في سياق ما يخدم الحالة الفلسطينية. ويمكن أن يصبح المكان الشريك الذي تتم فيه عملية اتخاذ القرارات الأكثر أهمية لمكافحة كورونا.
  • تبعية هذا البديل لمنظمة التحرير يمنحه الشرعية المطلوبة للعمل، وهذا له إيجابيته في المساعدة باستقبال وإدارة الدعم المالي العربي والدولي، والتبرعات المقدّمة إلى القطاع الصحي من خلال الصندوق القومي، لكن قد يكون هناك تحفظ على عمل المجلس في قطاع غزة باعتباره من نتائج "قرارات الانقسام" غير المعترف بها. وفي المقابل قدّ تشكّل تبعيته للمنظمة مسألة خلافية لدى حركة حماس التي تدير العمل الحكومي في قطاع غزة، التي هي خارج إطار المنظمة، وتطالب دومًا بإصلاحها وإعادة تفعيلها على أسس الشراكة والوحدة الوطنية.
  • هناك إمكانية لتطبيق هذا البديل باعتبار أن المجلس قائم عمليًا ويمارس مهامه، لكن ليس بالفعالية المطلوبة، ويخدم بهذا الاتجاه الظرف الطارئ الذي يحتّم الحاجة إلى انعقاد المجلس سريعًا، وتصويب الحالة، إضافة إلى المرونة التي أبدتها "حماس" وتمثلت بالاتصال هنية باشتية، ودعاه إلى "خطوات جادة لبناء الجسور، وتكريس الوحدة الوطنية، والعمل باهتمام ليخرج شعبنا من هذه الجائحة".
  • تفعيل هذا البديل سيعود بمنفعة شاملة للقطاع الصحي، وعدم تنفيذه يعني مزيدًا من الهدر والضعف.

البديل الثالث: الإدارة الوطنية العليا للجان الطوارئ

يستند هذا البديل إلى فكرة توحيد اللجان الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت غطاء مؤسسة وطنية مختصة تعمل تحت إشراف وزارة الصحة المتوافق عليها وطنيًا ضمن مخرجات إنهاء الانقسام، وتساهم في تنفيذ خطط الاستجابة الوطنية. وتوجد نماذج وطنية قد تبدو مشجّعة لهذا البديل، أبرزها "الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة"، التي تشكّلت بإجماع وطني من مختلف قطاعات المجتمع الفلسطيني.

  • يحقق تنفيذ هذا البديل الضبط الميداني والعملياتي الذي يخدم جهود وزارة الصحة وعمل طواقمها، مع أهمية منح هذه الإدارة المساحة الكافية من الاهتمام.
  • يحقق هذا البديل المنفعة المطلوبة، حتى على الصعيد الإغاثي وتوزيع المساعدات، في ظل حجم الخسائر في الاقتصاد الوطني التي من المتوقع أن تصل إلى 3.2 مليار دولار حتى نهاية العام وفق رئيس الحكومة.[22]
  • يحظى هذا البديل بالشرعية الوطنية التي تتيح له العمل في المساحات المشتركة وخلق الشراكة الكاملة في صناعة القرار، لكن هذه الشرعية لن تكون كافية لتوفير الأمن الصحي، دون المتطلبات أعلاه، خصوصًا أن تعويل المواطن يكون بالدرجة الأولى على إجراءات الحكومة.

 

المفاضلة بين البدائل والتوصيات

هناك أهمية لجميع البدائل المطروحة في حلّ المشكلة، وقد تم رصدها وترتيبها وفق أهمية كل منها، لذا توصي الورقة بضرورة تبني البدائل وفق ما جاء في الترتيب، بدءًا بالبديل الأول الذي من شأنه إنهاء كل المشكلات وفي مقدمتها غياب الخطط الصحية الموحدة، ومن ثم البديل الثاني الذي يعزز الحضور الوطني وتفعيل مؤسسات الشعب الفلسطيني، ومن ثمّ العمل بالبديل الثالث الذي من شأنه توفير الإسناد الوطني والشراكة المجتمعية، وبما لا يتعارض مع الأدوار أو المهام الخاصة الجالبة للمصالح العامة.

إن تنفيذ هذه البدائل يعني، ضمن أهمّ وأسمى أهدافها، صناعة شكل جديد تحت الخطر من أشكال الوحدة الوطنية، يمكن المراكمة عليه والنفاذ به نحو قضايا وإشكالات أخرى، فننجح حينها في تحويل التهديد إلى فرصة.

الهوامش

[1] اشتية: 137 مليون دولار تكلفة خطتنا لمواجهة "كورونا"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 9/4/2020:  bit.ly/31KrjWx

[2] مخاوف فلسطينية من تفشي "كورونا" مع عودة العمال من إسرائيل، وكالة الأناضول، 8/4/2020:  bit.ly/3f1z3Hn

[3] أين حصة غزة من (مساعدات كورونا) التي وصلت السلطة؟، صحيفة الرسالة، 11/4/2020:  bit.ly/38qlmj0

[4] الصحة بغزة تنشر سلسلة إجراءاتها لمواجهة فيروس كورونا، دنيا الوطن، 12/3/2020:  bit.ly/38uGPr0

[5] صحة غزة: لوازم فحص "كورونا" ستنفد خلال أيام، وكالة الأناضول، 4/4/2020:  bit.ly/2VNtR2k

[6] القدرة: غزة تحتاج 59 مليون دولار لمواجهة جائحة كورونا، صحيفة فلسطين، 7/5/2020:  bit.ly/2ZBSUXf

[7] وزيرة الصحة: طائرة المساعدات الطبية الصينية تصل اليوم وتؤكد إرسالها أدوات فحص لغزة، وكالة سما، 12/4/2020:  bit.ly/38tJ8dO

[8] الصحة بغزة تنفي وجود أي حالة انتكاسة لمصابين بـ "كورونا"، صحيفة فلسطين، 29/4/4/2020:  bit.ly/3dYjpLB

[9] اتهامات بحرمان غزة من دعم كورونا، والسلطة الفلسطينية ترد: "لا محاصصات"، صحيفة العربي الجديد، 21/4/2020:  bit.ly/2VO1G3h

[10] منظمة الصحة العالمية: غزة لم تبدأ منحنى انتشار فيروس كورونا، لكن الانتشار مسألة وقت، موقع الأمم المتحدة، 28/4/2020:  bit.ly/2VMwt0A

[11] "الصحة العالمية": غزة لا تستطيع التعامل مع أكثر من 150 مصابًا بكورونا، العين الإخبارية، 31/3/2020:  bit.ly/3f0BtGh

[12] لجنة إغاثية: الوضع الصحي بغزة يتطلب تدخلًا عاجلًا، وكالة الأناضول، 2/4/2020:  bit.ly/2NSxIqG

[13] التقرير الصحي السنوي، فلسطين 2018، موقع وزارة الصحة الفلسطينية:  bit.ly/3f2afPI

[14] موازنات ضخمة للأمن الفلسطيني .. ما الأسباب؟، الجزيرة نت، 13/12/2019:  bit.ly/2Bv3Ga0

[15] واقع موازنة قطاع الأمن ضمن الموازنة العامة الفلسطينية، الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)، 2019:  bit.ly/2Az7S84

[16] أبو الريش: السيناريو الأصعب بغزة لفيروس (كورونا) هو ثماني إصابات لكل ألف مواطن، دنيا الوطن، 22/4/2020:  bit.ly/2YXc2zY

[17] وليد عبد الحي، فلسطين: تداعيات كورونا في ظل الاحتلال، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 7/4/2020: bit.ly/3gtJDaK

[18] الكيلة: إذا لم يتعاون أهلنا في الخليل سيخرج الوباء عن السيطرة، وكالة وفا، 5/7/2020:  bit.ly/38uJroO

[19] الخليل منكوبة .. حملة لإسناد الخليل في ظل جائحة كورونا، شبكة قدس الإخبارية، 23/6/2020:  bit.ly/2NXMaOg

[20] اشتية: الحكومة ستعمل على رفع المعاناة عن أهلنا في غزة، وكالة فلسطين اليوم، 15/4/2020:  bit.ly/2AwEjUH

[21] هنية يهاتف اشتية ويشيد بجهود القيادة الفلسطينية في مواجهة فيروس كورونا، الحياة برس، 5/4/2020:  bit.ly/2BEkfQK

[22] اشتية: 3.2 مليار دولار خسائر الاقتصاد الفلسطيني جراء كورونا، صحيفة القدس، 27/4/2020:  bit.ly/2AtDRGy

مشاركة: