الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   05 أيلول 2020

| | |
وداعًا شيخ العلماء الدكتور أنطوان زحلان
غانية ملحيس

رحل عن دنيانا في الأول من أيلول عام 2020 القامة الوطنية الكبيرة العلامة الدكتور أنطوان زحلان، لروحه الرحمة والخلود .

رجل سكنته قضية شعبه الفلسطيني وقضايا أمته العربية، فجاب الدنيا وحاضر في أعرق الجامعات . وأمضى حياته العملية في البلاد العربية ساعيا لبناء وتنمية الوعي المعرفي العربي، ومنبها إلى أن المشكلة لا تكمن فينقص الكفاءات العربية، فلدينا علماء وخبراء عرب في كافة المجالات العلمية والتكنولوجية . ولا تكمن في نقص المواردالمالية فهي وفيرة .

وإنما تكمن أساسا في غياب الإرادة العربية على المستويين الوطني والقومي لتوظيف هذه الكفاءات والإمكانات في بناء قاعدة معرفية وطنية . وان لا سبيل أمام العرب للنهوض واستئناف دورهم الحضاري، الا عبر انتهاج سياسات وطنية تعطي الأولوية لبناء قاعدة علمية وطنية داخل الحضارة العربية، بتطوير البحث العلمي فيالجامعات، وانشاء مراكز البحوث التطبيقية والبناء التراكمي على المعارف التقنية التي أنتجتها البشرية، والاهتمام بتوطينها في بلادنا .

سيرته ومسيرته الحافلة بالعطاء العلمي والبحثي تستحق ان تدرس للأجيال . واسمه يستحق ان يخلد. باطلاقه علىالميادين في فلسطين والوطن العربي .

للجيل الفتي الذي لا يعرف الدكتور أنطوان زحلان موجز عن حياته وعطائه .

ولد أنطوان زحلان عام 1928 في مدينة حيفا . وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الفرير في المدينة، ثم تابعه في القسم الداخلي لكليةتراسنطة في القدس، حيث بقي فيها نحو خمس سنوات.

وعشية قيام القوات الصهيونية باحتلال مدينة حيفا في نيسان/أبريل 1948، اضطر زحلان إلى اللجوء مع أسرته إلى لبنان . ولتفوقه حصلعلى منحة تعليمية مكنته من الالتحاق بكلية العلوم في الجامعة الأميركية ببيروت، حصل عام 1951 على شهادة البكالوريوس في الفيزياء، ثم حاز عام 1952 على درجة الماجستير في التخصص نفسه. وسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة دراسته العليا، والتحق بجامعةسيراكوز في نيويورك، حيث حاز على درجة الدكتوراه في الفيزياء سنة 1956.

وبعد عودته إلى بيروت، عمل زحلان، خلال الفترة 1956 - 1969، أستاذاً ورئيساً لدائرة الفيزياء في كلية العلوم بالجامعة الأميركية.

في أواخر ستينيات القرن الماضي، تقدم مع اصدقائه وليد الخالدي وبرهان الدجاني وإيلي بغدادي بمقترح إلى الملك حسين لتأسيسجمعية علمية تعنى بالفجوة الكبرى في المعرفة العلمية بين العالمين العربي والغربي، والتي كشفت عمقها هزيمة حزيران عام 1967 . وقدرحب الملك بالمقترح واشترط عليهم أن ينضموا إلى مجلس أمناء الجمعية . فاستقال زحلان من عمله في الجامعة الأميركية في بيروتسنة 1969 ليتولى منصب المدير التنفيذي للجمعية، التي حملت اسم الجمعية العلمية الملكية الاردنية (القائمة حتى الآن) .

وبعد أحداث أيلول/سبتمبر 1970 المأساوية بين المقاومة الفلسطينية والحكومة الأردنية، انسحبوا من الجمعية، وعاد زحلان إلى عمله في الجامعة الأميركية ببيروت.

اتفق الخالدي وزحلان والدجاني، ورجل الأعمال الفلسطيني حسيب الصباغ، على القيام بمحاولة ثانية لتنفيذ الفكرة التي قامت عليهاالجمعية الملكية العلمية في عمان . على أن يتولى حسيب الصباغ مسوؤلية رعايتها، وأن تسجل المؤسسة، "مؤسسة المشاريع والإنماءالعربي (-APD Arab Projects and Development) " كمؤسسة تجارية غير ربحية، كي تعود جميع عائداتها لتمويل وتنمية أنشطة المؤسسة حصريا . وقد انضم كل من الصباغ والخالدي والدجاني إلى مجلس أمناء المؤسسة وتولى زحلان عام 1973 الذي استقالمن عمله في الجامعة الأميركية منصب المدير العام، وكان من أهم المشاريع التي تولتها المؤسسة مشروع مسح الطاقة البشرية العليا فيالعراق .

غير ان انفجار الحرب الأهلية في لبنان، وتعثر عمل المؤسسة بسبب ذلك، اضطرها عام 1976 إلى التوقف عن العمل .

وكان زحلان قد أنجز في العام 1975 وثيقة استشرافية متميزة بعنوان: "مستقبل العالم العربي سنة 2000"، كما انتُخب، في العام ذاته رئيساً للجمعية الفيزيائية العربية.

خلال عامي 1976 و1978 عمل زحلان بصفة زميل زائر في جامعة ساسكس، بالقرب من مدينة برايتون البريطانية . وبعد عودته إلى بيروت، أسس شركته الاستشارية الخاصة، وعمل خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي مستشاراً وخبيراً لدى عدد من المؤسسات العربيةوالدولية .

إذ عمل خبيراً ومؤسساً لبنك الأدمغة في المهجر التابع لجامعة الدول العربية، وخبيراً لنقل التكنولوجيا وتطويرها لدى اللجنة الاقتصاديةوالاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA) التابعة للأمم المتحدة، ومستشاراً لمؤسسة عبد الحميد شومان في مشروع الإصلاح الزراعي فيالأردن وسورية والسودان، ومستشاراً لشركة اتحاد المقاولين (CCC)، ومستشاراً لمنظمة العمل الدولية في الأمور المتعلقة بنقل التكنولوجيا، ومستشاراً للبنك الدولي لإعداد استراتيجية لنقل وتوطين التكنولوجيا في فلسطين .

ولعل أهم ما قام به، عندما كان مستشاراً لجامعة الدول العربية للتحضير للقمة الاقتصادية العربية الأولى التي عقدت عمان عام 1980، . إعداد الوثائق الأساسية الثلاث : "ميثاق العمل الاقتصادي القومي"، ومشروع "عقد التنمية العربية"، "واستراتيجية العمل الاقتصاديالعربي المشترك" . وقد تم إقرارها في القمة، ولو أتيح لها التنفيذ لربما كان المشهد الاقتصادي والسياسي العربي قد تغير جذريا .

شارك د . زحلان في مجالس العديد من المنظمات والمؤسسات العربية والمراكز البحثية المهتمة بالعلوم، فكان عضو في مجلس المنظمةالعربية للتربية والثقافة والعلوم / 1983-1988 / وعضو في مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، وفِي مجلس أمناءمؤسسة التعاون، وغرفة التجارة العربية- البريطانية، وأكاديمية العلوم في نيويورك .

أفاد الدكتور نبيل قسيس ان الدكتور زحلان كان له دورا مهما مع الدكتور يوسف صايغ في تأسيس المجلس الاقتصادي الفلسطينيللتنمية والإعمار / PECDAR/ وكان عضو في مجلس المحافظين، وكان له دور، أيضا، في تأسيس معهد ابحاث السياساتالاقتصادية الفلسطيني / ماس/ . وأنه كان لديه أكبر قاعدة معلومات عن العلماء الفلسطينيين والعرب . وقد أسهم عام 1994 بمساعدة عددمن الخبراء والمختصين الفلسطينيين المغتربين على العودة عبر برنامج " TOKTEN " لنقل المعرفة، الذي يشرف عليه البرنامج الانمائيللأمم المتحدة / UNDP/ من أجل الإسهام في عملية البناء في الأراضي الفلسطينية المحتلة . وكان د . زحلان، أيضا، شديد الاهتمام بمتابعة التطور العلمي في" اسرائيل "، ومتابعا لما ينشره علماؤهم، وله دراسات مقارنة مع الانتاج العربي .

وعمل خلال الفترة 2008 و2009، مستشارا لدى رئاسة وزراء إقليم كردستان-العراق لإنشاء صناعة وطنية.

أسس زحلان عام 2010 منظمة باسم منظمة المجتمع العلمي العربي، يشرف على نشاطها مجلس أمناء مكون من علماء من العراق ومصروالكويت وقطر ولبنان، هدفها تقوية الروابط بين العلماء العرب، وتشجيع التعاون البحثي والتطبيقي، وتبادل الخبرات على مستوى العالمالعربي.

كما عمل د. أنطوان زحلان كأستاذ زائر في العديد من الجامعات الغربية، منها جامعة ستانفورد، وجامعة نورث كارولينا، وجامعة إسكس، ومركز الأبحاث للتنمية الدولية في كندا.

 يعتبر أنطوان زحلان من أبرز علماء العرب في مجال العلوم التطبيقية والعلاقة بين العلوم والمجتمع، وبين العلوم والتقدم، ومسؤولية العلماءالاجتماعية، وفي مجال توطين منظومات العلم والتقانة في الدول العربية. وهو من أبرز الباحثين العرب في الدراسات المستقبلية .

 تميز الدكتور أنطوان زحلان بانتمائه القومي، وتطلعه إلى نهضة عربية تقوم على العلم والتقانة والثقافة والمواطنة . وكان من القلائل الذيناهتموا بمراجعة نقدية للتجربة العربية في المجال المعرفي، للوقوف على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الانقطاع بين الماضي، عندما كانت المنطقة أهم مركز للعلوم والاختراعات في مختلف المجالات، قبل اكثر من خمسة قرون .

وبين الواقع القائم حاليا، حيث يتخلف العرب عن ركب العلوم والتقدم .

وتتبع تطور التجارب منذ عام 1498 . ورأى ان الأسباب الرئيسة في ذلك لا تكمن في قلة العلماء او الموارد المالية، اذ لدى العرب منالموارد البشرية المؤهلة على الصعيد الفردي ما يفوق عدد ما تمتلكه دول متقدمة، ناهيك عن وفرة الموارد المادية وكثرة الإنفاق على استيرادمنتجات العلوم والتكنولوجيا . وتبين له أن السبب الرئيس في التخلف العربي يعود إلى غياب السياسات العامة التي تستهدف توطينالعلوم والتكنولوجيا في الحضارة العربية كما تفعل الأمم الأخرى التي تطورت . ويعود إلى اهتمام الحكومات العربية بالمدى القصير، والاعتماد في تلبية الاحتياجات على منتجات الآخرين .

وبين تأثير اختلاف السياسات على النتائج، فأشار الى أسلوب التفاعل العربي مع التكنولوجيا، الذي اعتمد استيراد منتجاتالتكنولوجيا / تسليم المفتاح / وليس توظيف المعرفة لتعلم كيفية الإنتاج الذي يؤدي إلى توطينها .

وقارن بين تجربة محمد على واليابان المتزامنتين بفارق 40 سنة أسبقية لمحمد علي . لكنه خلافا لليابان، اعتمد محمد علي على الخبرات الأجنبية لإنتاج ما يحتاجه لتعزيز قوته العسكرية، ولم يسع إلى بناء قاعدة معرفية وطنية تمكن من الاعتماد مستقبلا على الذات فيتوفير الاحتياجات، كما فعلت اليابان، وكما فعلت غالبية الدول الأوروبية.

وما يزال الحال على ذلك في كافة الدول العربية، بما في ذلك تجربة عبد الناصر وصدام حسين والجزائر والتصنيع في دول الخليج / بتفاوت محدود/ .

ورغم إدراكه لمساعي الغرب في تعويق النهوض العربي باستخدام الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية . الا أن هذه السياساتالغربية لم تقتصر على العرب وحدهم . ومع ذلك نجحت كثير من الدول في التغلب على المعوقات الغربية، عندما انتهجت السياساتالوطنية السليمة للنهوض .

وكان يرى أن المشكلة الرئيسة في العالم العربي تكمن في أن العقل العربي ما يزال يعيش في العصر ما قبل الصناعي . ولهذا، تفشل كل تجارب التحديث والتطور التكنولوجي .

وأن استسهال نقل منتجات المعرفة التي باتت متاحة بكلفة زهيدة، وتشجيع الاستيراد عوضا عن تنمية الإنتاج المحلي، هو المسؤولالرئيس عن اتساع الفجوة المعرفية، وتخلف العرب عن مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي . ويؤكد أن موضوع التطور ليس اجتهاد فردي لعلماء وخبراء، وإنما هو جهد وطني، وهو غير ممكن دون انتهاج سياسات عامة تولي توطين المعرفة أولوية أولى، وتوفر البيئةالمواتية، وتخصص الموارد اللازمة لذلك .

وقد نبه زحلان مرارا إلى أهمية النهوض بالبحث العلمي في الجامعات العربية، وإلى ضرورة توثيق التعاون بين الجهات الإنتاجيةالزراعية والصناعية العربية، وبين منتجي البحوث التطبيقية في الجامعات والمراكز البحثية

أصدر زحلان عشرات الأبحاث والدراسات والمؤلفات باللغتين العربية والإنكليزية في مجالات العلم والتكنولوجيا والتربية. ومن اهم مؤلفاته:

  • "العلم والتعليم العالي في إسرائيل". القاهرة: دار الهلال، 1970؛ بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1970.
  • "العلم والسياسة العلمية في الوطن العربي". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1979.
  • "العلم والتكنولوجيا في الصراع العربي الإسرائيلي". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981.
  • "البعد التكنولوجي للوحدة العربية". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985.
  • "العرب والعلم والتقانة". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.
  • "إعادة إعمار فلسطين: القضايا، الخيارات، السياسات، الاستراتيجيات" بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997.
  •  "العرب وتحديات العلم والتقانة: تقدم من دون تغيير". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999.
  • "العلم والسيادة. التوقعات والإمكانات في البلدان العربية". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012.
  • "الأمية التقانية وتأثيرها في التنمية العربية". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013.

 مؤلفاته باللغة الانجليزية:

“The science and Technology Gap in the Arab-Israeli Conflict”. Journal of Palestine Studies, vol. I, no. 3, (Spring 1972), pp. 17-36.

(with Edward Hagopian) "Palestine's Arab Population: The Demography of the Palestinians." Journal of Palestine Studies 3, no. 4 (Summer 1974): 32-73.

(with Rosemary Zahlan) “The Palestinian Future: Education and Manpower”. Journal of Palestine Studies, vol. VI, no. 4, (Summer 1977), pp. 103-112.

Science and Science Policy in the Arab World. New York: St. Martin's Press, 1980.

Acquiring Technological Capacity. London: Palgrave Macmillan, 1991.

(ed.) The Reconstruction of Palestine: Urban and Rural Development. London: Kegan Paul International, 1997.

Science, Development and Sovereignty in the Arab World. London: Palgrave Macmillan, 2012.

لروحه الرحمة والسكينة

 

مشاركة: