الرئيسية » أوراق وتقارير » عبد الجبار الحروب »   21 أيلول 2020

| | |
الصين وقضية الإيغور
عبد الجبار الحروب

مقدمة

لا يمكن تجاهل الدور الكبير الذي تقوم به الصين في العالم خلال السنوات القليلة الماضية، سواء على الصعيد الاقتصادي أو التكنولوجي، حتى أضحت أو على وشك أن تكون القوة الاقتصادية الأولى في العالم، لا سيما بعد أن تفوقت على الولايات المتحدة في التبادل التجاري الثنائي، إذ بلغ العجز التجاري الأميركي مع الصين في العام 2017 أكثر من 335 مليار دولار، وتستعد بكين لأن تكون الأولى اقتصاديًا، حيث يتوقع د. وليد عبد الحي، الخبير في الدراسات المستقبلية، أن يصل الناتج الصيني في العام 2030 إلى 38 تريليون مقابل 23.5 تريليون للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من المكانة العظيمة التي تحتلها الصين، ونجاحها مؤخرًا في السيطرة على وباء كورونا وتقديم الدعم لمعظم دول العالم لمواجهة هذه الجائحة، إلا أنها تواجه تحديات عدة، ومنها الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، واستقلال تايوان، وقضية بحر الصين الجنوبي الذي لا تعترف الولايات المتحدة بسيطرة بكين عليه، إضافة إلى الجدل المستمر حول تعامل بكين مع الأقليات، وخاصة المسلمين الإيغور في إقليم شينجيانغ وسط اتهامات أميركية ودولية لها بانتهاك حقوق الإنسان.

إقليم شينجيانغ

يقع إقليم شينجيانغ الذي يتمتع بحكم ذاتي شمال غرب الصين، ويشكل خُمس مساحة الصين، ويمتلك ثروات طبيعية كبيرة، ويعيش معظم المسلمين الإيغور البالغ عددهم وفق المصادر الرسمية الصينية حوالي 13 مليونًا في هذا الإقليم، في حين تقول إحصائيات أخرى أن عددهم أكثر من 35 مليونًا، ويتهم الإيغور السلطات الصينية بممارسة التمييز ضدهم، بينما تقول بكين إن عناصر من الإيغور تشن حملة عنف تشمل التآمر للقيام بعمليات تفجير وتخريب وعصيان مدني من أجل إعلان دولة مستقلة.

ويشكل هذا الإقليم أهمية كبيرة لبكين لما يمتلكه من مصادر للطاقة، إذ يحتوي على 40% من مخزون الصين للفحم، و20% من احتياطيات النفط والغاز، بالإضافة إلى 20% من الطاقة الهوائية، فضلًا عن أهميته في مشروع طريق الحرير.

حملات تروّج لانتهاكات صينية

تنشر العديد من وسائل الإعلام، بما فيها الأميركية، ادعاءات وأخبارًا مفادها أن السلطات الصينية تحتجز أكثر من مليون من الإيغور في معسكرات جماعية، وأن هناك أعدادًا من الأطفال تحتجزهم الحكومة المحلية، إذ أشار تقرير للأمم المتحدة بأن السلطات تحتجز 10% من سكان الإقليم داخل معسكرات إعادة تأهيل، إضافة إلى أخبار حول اضطهاد الإيغور ومنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية، وهدم المساجد، وتذويب الإيغور في المجتمع الصيني، من خلال فرض اللغة الصينية عليهم، إضافة إلى الإعقام القسري.

وفندت بكين هذه الادعاءات بقولها إن هذه حملة إعلامية، موضحة أن الدستور الصيني يضمن تأمين حرية الأديان، بما فيها الدين الإسلامي، وأن الحكومة الصينية تحرص على تجسيد ذلك، بدليل وجود أكثر من 20 ألف مسجد، وأكثر من 29 ألف رجل دين، إضافة إلى 103 جمعيات إسلامية تعمل في الإقليم، و10 معاهد إسلامية، فضلًا عن ترجمة القرآن والسنة إلى اللغة الإيغورية، ووجود ضمانات كافية لأداء المسلمين الزكاة والحج، حيث حجّ أكثر من 50 ألف مسلم إيغوري إلى مكة المكرمة خلال السنوات الأخيرة، فضلًا عن أن معدل النمو السكاني في إقليم شينجيانغ هو الأعلى.

ضغوط من المجتمع الدولي

تتعرض بكين لضغوط متزايدة من أطراف دولية بسبب سياساتها في شينجيانغ، إذ وافق مجلس الشيوخ الأميركي في أيار 2020 على تشريع يدعو إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تشديد ردها على حملة الصين ضد أقلية الإيغور المسلمة، بما فيها فرض عقوبات على كبار المسؤولين الصينيين الذين تدعي أنهم على علاقة بالحملة ضد المسلمين في شينجيانغ، في المقابل أدانت بكين هذا الأمر، معتبرة إياه تدخلًا في الشؤون الداخلية الصينية.

كما قررت الولايات المتحدة في أيلول 2020 وقف صادرات صينية من إقليم شينجيانغ، متهمة بكين بانتهاك الحقوق الإنسانية لأقلية الإيغور، وفرض "العمل القهري" لإنتاج هذه السلع، في أماكن من بينها "مراكز التأهيل".

وفي آب 2020، رفض قنغ شوانغ، نائب مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، اتهامات مندوبي الولايات المتحدة وبريطانيا بشأن شينجيانغ، مشيرًا إلى أن "لا أساس لها من الصحة وسخيفة"، مضيفًا "أن الوضع في شينجيانغ شأن داخلي محض للصين، وليست قضية تتعلق بدين أو حقوق إنسان، ولكنها تتعلق بمكافحة الإرهاب والتطرف، متطرقًا إلى زيارة أكثر من 70 وفدًا أجنبيًا شينجيانغ منذ أواخر العام 2018، "حيث رأوا بشكل مباشر أن منطقة شينجيانغ مستقرة ومزدهرة ومتطورة".

وفي هذا السياق، اقترح الاتحاد الأوروبي على الصين خلال المحادثات الدائرة بين الطرفين، إرسال مراقبين "محايدين" إلى إقليم شينجيانغ، غير أنه يشار إلى أن الحكومة الصينية نظمت خلال العام الماضي وما قبله زيارات لأكثر من ألف شخص من 90 دولة لزيارة الإقليم، ونظمت زيارة ثانية للإقليم لوفد من منظمة التعاون الإسلامي، وخرج بانطباعات إيجابية مخالفة لما يُروّج له.

وفي حزيران 2019، وجهت 22 دولة رسالة إلى الأمم المتحدة تهاجم فيها سياسة الصين في منطقة شينجيانغ، وكرد عليها وجهت 37 دولة بينها دول عربية كالسعودية وقطر والجزائر وسوريا، رسالة إلى الأمم المتحدة تدعم فيها سياسة بكين تجاه الأقليات في هذه المنطقة، وأشادت هذه الدول "بإنجازات الصين اللافتة على صعيد حقوق الإنسان"، و"أخذوا علمًا بالأضرار الهائلة التي تسبب بها الإرهاب والتوجه الانفصالي والتطرف الديني لكل المجموعات الإثنية في شينجيانغ". وقد أضافت الرسالة أنه "في مواجهة التحدي الخطير للإرهاب والتطرف، اتخذت الصين سلسلة إجراءات لمكافحة الإرهاب والتطرف في شينجيانغ، وخصوصًا عبر إنشاء مراكز تعليم وتدريب مهنية".

تنمية في شينجيانغ

تشير السلطات الصينية إلى تنمية مزدهرة في إقليم شينجيانغ، إذ قامت السلطات ببناء أكبر شبكة كهرباء على مستوى المقاطعة في الصين، وتم استثمار حوالي أكثر من 10 مليار دولار أميركي في تطوير شبكة الكهرباء في منطقة شينجيانغ خلال الفترة بين عامي 2016-2020، وأكملت شينجيانغ حتى الآن بناء 24 محطة فرعية و60 خطًا لنقل الطاقة بطول إجمالي يبلغ 8261 كم.

كما سجلت منطقة التخزين المؤقت الشاملة في ولاية كاشغار بشينجيانغ ارتفاعًا في حجم التجارة بـ 4.4 ضعف على أساس سنوي، حيث قفزت الواردات بأكثر من 250 بالمئة، ويضاف إلى ذلك انتشال ما يقرب من 3 ملايين شخص من براثن الفقر، مع أهمية العمل على تعزيز حقوق الإيغور والمساواة.

الصين والعرب

تقول الصين إن مصدر الحملات الإعلامية التي تتهمها بانتهاكات حقوق الإنسان هي أميركية أو موالية لها، وتعمل ضمن أجندات هدفها التقليل من مكانة الصين وتقدمها. وتأتي هذه الحملة في ظل قضاء بكين على وباء كورونا في وقت فشلت فيه الولايات المتحدة على السيطرة على الوباء، فضلًا عن وصول معدل النمو الاقتصادي في الصين إلى 1.8% وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وفق توقعتا أيلول 2020، في ظل تسجيل العالم نموًا اقتصاديًا بالسالب، حيث بلغ معدل النمو الأميركي -3.8%، والبريطاني -10.1%، أما العالم فقد بلغ – 4.8%.

وقد يقول سائل: هل الولايات المتحدة حريصة على مسلمي الإيغور، وهي تشن الحروب على المسلمين، ودمرت بلدانًا وارتكبت المجازر وفرضت الحصار، ما أدى إلى وفاة أكثر من مليون شخص، وخاصة في أفغانستان والعراق وغيرهما من البلدان والمناطق، فضلًا عن دعم الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان في فلسطين؟

تشكل الصين اليوم رقمًا صعبًا، فهي قاب قوسين أو أدنى من قيادة العالم، مع أنها تقول إن هدفها ليس قيادة العالم، بل عمل علاقات قائمة على المصالح المشتركة مع دول العالم.

وتشير الإحصاءات إلى تزايد العلاقات التجارية بين الصين والدول العربية، حتى أضحى حجم التبادل التجاري العربي الصيني أكبر من حجم التبادل التجاري العربي الأميركي، فقد بلغ حجم التبادل التجاري العربي الصيني في العام 2019 حوالي 266 مليار دولار بزيادة ما نسبته 9% على أساس سنوي، في حين كان التبادل التجاري مع الولايات المتحدة في العام 2017 حوالي 158 مليار دولار مقابل 235 مليار مع الصين، إضافة إلى أن الدول العربية أكبر مصدر للنفط إلى الصين، إذ استوردت بكين 221 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية في العام 2019، ما يشكل 43.7% من إجمالي واردات النفط الخام، الأمر الذي يشير إلى تطور أكبر في العلاقات التجارية العربية مع الصين.

 وبناء عليه، المطلوب من الفلسطينيين على وجه الخصوص، والعرب على وجه العموم، بناء إستراتيجية تدفع باتجاه التعاون على مختلف المجالات، بصورة أكبر مع الصين، القوة الصاعدة بثقة لتلعب دورًا قياديًا أكبر، واستغلال هذا التعاون لدعم القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية، والبناء على مخرجات اجتماع منتدى "التعاون الصيني العربي" والمستقبل المشترك" الذي عقد في تموز 2020، وخرج بـ"إعلان عمّان"، الذي ركز على تعميق التعاون والعلاقات بين الصين والدول العربية، وتعزيز نمط جديد من العلاقات الدولية يقوم على الاحترام المتبادل والنزاهة والتعاون متبادل النفع، إلى جانب تعزيز الجهود الصينية العربية لمواجهة وباء فيروس كورونا المستجد.

 

مشاركة: