الرئيسية » تحليل سياسات »   21 تشرين الثاني 2020

قراءة/تحميل | | | |
نحو سياسات تحمي الفئات الهشّة في الأراضي الفلسطينية في ظل جائحة كورونا

​هذه الورقة من إعداد: تهاني قاسم، علي موسى، محمد ريّان، هبة داود، منال علان، ضمن  برنامج تعزيز الأمن والعدالة للفلسطينيين والذي ينفذه مركز مسارات بالشراكة مع مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (DCAF).

مقدمة

كان من الواضع أنّ جائحة كورونا التي اجتاحت غالبية دول العالم، انطلاقًا من مدينة ووهان الصينية، في نهاية العام 2019، ستترك تأثيرات عميقة وجليّة على كافة الصعد، وخاصة الاقتصادي والاجتماعي. وكان من المتوقع أن تكون تأثيرات الجائحة أكثر عمقًا وتأثيرًا على الفئات الأكثر هشاشة وانكشافًا، خاصة في الدول ذات الاقتصاد الضعيف، وقد كان للجائحة التي وصلت فلسطين في آذار/مارس 2020 آثار جليّة واضحة على تلك الفئات في المجتمع الفلسطيني.

يمكن تعريف هذه الفئة، في سياق الورقة، بأنها القطاعات الأقل قدرة على الصمود في وجه التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الجائحة، وما رافقها من حالة طوارئ وإغلاقات وتعطيل متفاوت ومتقطع للاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتشمل هذه القطاعات بشكل أساسي العاطلين عن العمل، والعاملين بأجر يومي، أو دون عقود أو أنظمة تقاعد، في القطاع الخاص، إضافة إلى أصحاب المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر. وتشكل المدة الزمنية (آذار/مارس - أيلول سبتمبر) 2020 الإطار الزمني للورقة، فيما تشكل الضفة والقطاع الإطار المكاني لها.

تفترض الورقة أن أية محاولات لحماية الفئات الأكثر هشاشة ستكون بحاجة إلى تدخلات سياساتية إستراتيجية، بما يضمن حماية القطاعات الأكثر هشاشة من المزيد من التدهور نحو هاوية اجتماعية- اقتصادية لن تقتصر تبعاتها على هذه القطاعات، بل ستضر بالأمن المجتمعي والسلم الأهلي في الضفة والقطاع بشكل عام.

وتحاول الورقة طرح التدخلات السياساتية المرجوة من خلال بدائل سياساتية مع الجمع، حيثما أمكن، بين سياسات طويلة الأجل وتدخلات قصيرة الأجل عالية الأثر تتجاوز الجانب الإغاثي وتخدم البدائل السياساتية المقترحة.

كما تخاطب الورقة، من خلال السيناريوهات المتوقعة لتبعات جائحة كورونا، والبدائل السياساتية المقترح تطبيقها، كلًا من الحكومة الفلسطينية والقطاع الخاص والنقابات، وهي الأطراف الثلاثة المعنية بشكل مباشر بمحاور الأزمة التي تتناولها الورقة، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني المعنية بموضوع الحماية الاجتماعية، وتقديم الخدمات للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع، وبما يخدم الحفاظ على الأمن المجتمعي والسلم الأهلي الفلسطيني.

هدف الورقة

  • طرح تدخلات سياساتية لتدشين نظام حماية اجتماعية للفئات الأكثر هشاشة في الضفة والقطاع، يحمي الفئات الهشّة، ويوفر لها الأمان الوظيفي، كما يعزز الأمن المجتمعي والسلم الأهلي.

  • تقديم حلول منطقية وواقعية لجهات الاختصاص تساعدهم على اتخاذ ما يلزم من إجراءات قصيرة الأجل عالية التأثير في سياق الاستجابات السياساتية المطلوبة؛ للحد من تأثير الجائحة على الفئات الهشة في الضفة والقطاع.

المشكلة السياساتية

ساهمت عوامل عدة في تسريع انكشاف الفئات الأكثر هشاشة في الضفة والقطاع أمام الجائحة وتبعاتها، من أهمها غياب النظام الشامل للحماية الاجتماعية والأمان الوظيفي في فلسطين، وكانت التدابير والسياسات المتخذة لحماية الفئات الهشة ذات طابع إغاثي غالبًا، تتعامل مع التبعات المباشرة للجائحة وليس مع جذورها، مما قلل من جدواها في خدمة سياسات ذات طابع إستراتيجي لمواجهة حالات الطوارئ، وما تولده من أزمات اقتصادية واجتماعية، لا سيما في ظل قصور النظام السياسي الفلسطيني والانقسامات التي يعانيها، والضغوط الاقتصادية والمالية المتفاقمة أصلًا، وتراجع الدعم المالي الخارجي، وغياب أو ضعف حضور النقابات في الدفاع عن مصالح الفئات التي تمثلها، وكذلك ضعف دور القطاع الخاص.

واقع الفئات الأكثر هشاشة

لفهم حجم تأثيرات جائحة كورونا على الفئات الأكثر هشاشة في الضفة الغربية وقطاع غزة، تركز الورقة على واقع كل فئة على حدة (العاطلون عن العمل، العاملون بأجر يومي أو من دون عقود في القطاع الخاص، المشاريع الصغيرة، وخاصة النسوية منها).

بطالة وفقر

ورد في التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للربع الثاني من العام 2020 أنّ عدد العاطلين عن العمل بلغ حوالي 321 ألفًا (118 ألفًا بالضفة، و203 آلاف بالقطاع). وما يزال التفاوت كبيرًا في معدّل البطالة بين الضفة والقطاع، فقد بلغ في الضفة 15% مقابل 49% بالقطاع.[1]

وتعاني الأراضي الفلسطينية من معدلات فقر مرتفعة بلغت نسبتها حوالي 29% في العام 2017 (14% بالضفة و53% بالقطاع)، ولم يظهر أي تحسّن ملموس على تلك النسبة.[2] ووفقًا لنتائج مسح الحالة الاجتماعية والاقتصادية والأمن الغذائي الذي أُجري خلال العام 2018، تبين أن 68% من الأسر في قطاع غزة تعاني من انعدام الأمن الغذائي، مقابل 12% في الضفة.[3]

وفي ظل جائحة كورونا، ارتفع معدل البطالة في فلسطين،ن وفق الجهاز المركزي للإحصاء، إلى 26.6%، خلال الربع الثاني من العام 2020، وسط تأثير سلبي لتفشي فيروس كورونا على الوظائف، إذ تراجع عدد العاملين في السوق الفلسطيني، خلال الربع الثاني، بنسبة هبوط بلغت 12%، فيما تراجع عدد القوى العاملة الذين هم على رأس عملهم، في سوق الضفة بنسبة 10%، مقابل 17% بالقطاع. وذكر جهاز الإحصاء أن 264 ألف شخص تغيّبوا عن عملهم في الربع الثاني بسبب جائحة كورونا، والقيود الحكومية على الحركة، والحجر المنزلي.[4]

وخلصت دراسة لنصر عبد الكريم إلى أن قيمة المساعدات الاجتماعية خلال الربع الأول من العام 2020 بلغت 145 مليون شيقل، وهي أقل من نظيرتها في نفس الفترة في السنوات الماضية. وبالنسبة إلى إعانات البطالة، جاء في الدراسة أن الحكومة الفلسطينية أنفقت 52 مليون شيقل في الربع الأول من العام 2020، وهي تكاد تكون نفس مستويات الإنفاق السابقة. وتضيف الدراسة "لم يظهر في فلسطين تغيّرات جوهرية على مستوى الإنفاق لدعم الأُسر المحتاجة وزيادة مخصصات البطالة في الربع الأول من العام 2020، بالرغم من سريان حالة الطوارئ، وبالرغم من هشاشة الوضع الفلسطيني أصلًا قبل وجود أزمة كورونا".[5]

العمال الأكثر تضررًا وتهميشًا

بلغ عدد العاملين في القطاع الخاص، حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، 501,700 عامل في الضفة، و165,900 عامل في غزة، يمثلون حوالي 66% من إجمالي العاملين في فلسطين، منهم 46% يعملون دون عقد عمل، و37% يحصلون على مساهمة في تمويل التقاعد (مكافأة نهاية الخدمة)، فيما يقدر عدد العاملين في أراضي 48 والمستوطنات بـ 133,300 عامل.

وتمثل نسبة العاملين في القطاع غير المنظم (صاحب عمل، أو يعمل لحسابه، والمنشأة التي يعمل فيها لا يوجد لديها سجل ضريبي أو محاسبي) نحو 32% من إجمالي العاملين في فلسطين. أما نسبة العاملين عمالة غير منظمة (أي العاملين في القطاع غير المنظم، بالإضافة إلى المستخدمين بأجر الذين لا يحصلون على حقوق مكافأة نهاية الخدمة، أو إجازة سنوية، أو إجازة مرضية مدفوعة الأجر)، فقد بلغت حوالي 57% (بواقع 59% بالضفة، و51% بالقطاع)، وهذه الفئة يقع ضمنها غالبية العاملين في أراضي 48 والمستوطنات.[6]

في المقابل، أظهرت بيانات نشرها الجهاز المركزي للإحصاء لمسح أثر جائحة كورونا على الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر الفلسطينية عن فترة الإغلاق (5/3/-25/5)، مدى تأثر الأسرة الفلسطينية بالجائحة، إذ تبين أن %42 من الأسر الفلسطينية في الضفة والقطاع فقدت نصف دخلها فأكثر خلال فترة الإغلاق، وأن أسرتين من كل خمس أسر انخفض دخلها بمقدار 50%، فيما لم تستطع 31% من الأسر توفير مصادر دخل لتغطية نفقاتها خلال فترة الإغلاق، في حين تشعر 61% من الأسر بالقلق من عدم وجود ما يكفي من الطعام للأكل.[7]

وأوضحت البيانات أن 57% من الأسر لديها نظام غذائي أقل كمًا وتنوّعًا، و47% لا تستطيع تناول طعام صحي ومغذٍ. كما تبين انخفاض الإنفاق الشهري على المواد الغذائية، إذ إن 41% من الأسر انخفضت نفقاتها الشهرية على المواد الغذائية خلال فترة الإغلاق مقارنة بشهر شباط/فبراير 2020، إضافة إلى ارتفاع نسبة الأسر الفلسطينية التي عادة ما تقترض المال أو يشترون بالدين لتغطية نفقات الأسرة المعيشية، بما في ذلك الطعام، من 58% إلى 63% خلال فترة الإغلاق (بواقع 52% بالضفة و79% بالقطاع).[8]

يشير ما سبق إلى أن جائحة كورونا فاقمت من معاناة العمال الفلسطينيين وأسرهم وأثرت عليهم بشكل كبير، فمع إعلان الرئاسة الفلسطينية الإغلاق الشامل في سبيل مكافحة انتشار الفايروس، توفقت مختلف القطاعات والمنشآت الاقتصادية عن العمل. وأدت هذه الإجراءات إلى فقدان عدد كبير من العاملين مصادر دخلهم، وانخفاض حاد في معدلات الدخل لدى الكثير من الأُسر، وتراجع كبير في قدرتها على تأمين احتياجاتها الحياتية والحفاظ على أمنها الغذائي، لتنحدر تحت خط الفقر وتصنف ضمن الفئة المهمشة، خاصة الذين يعملون بنظام المياومة والعاملين في الأعمال الموسمية، وغالبيتهم يعملون دون عقود عمل، ولا يتمتعون بأي امتيازات أو حقوق أو تعويضات، وبالتالي من الصعب تحصيل حقوقهم ورواتبهم في ظروف قاهرة كجائحة كورونا. وقد سَرح العديد من المنشآت الاقتصادية، لا سيما الصغيرة، عمالها أو غالبيتهم، لتقتصر على عدد قليل جدًا منهم، بما يتناسب مع انخفاض الطلب على السلع والمنتجات، فيما قلصت منشآت أخرى ساعات العمل أو شغلت عمالها بدوام جزئي.

خَلصت دراسة للباحث أشرف سمارة أنّ عمال القطاع الخاص هم الأكثر عرضة للتضرر وعدم التعويض بسبب التعطل القسري عن العمل، وخسارة الوظائف ومصدر الرزق نتيجة لتوقف عجلة الاقتصاد في ظل جائحة كورونا. وتوقعت الدراسة بأن العاملين في فلسطين في القطاع غير المنظم سيخسرون يوميًا حوالي 27 مليون شيقل، فيما سيخسر العاملون في أراضي 48 والمستوطنات حوالي 33 مليون شيقل يوميًا، ما سيرفع نسبة الأسر الفقيرة إلى 30% في الضفة، و64% في القطاع.[9]

وبحسب دراسة لغرفة تجارة وصناعة رام الله، حول الآثار الاقتصادية للإغلاق أثناء جائحة كورونا في نيسان/إبريل 2020، فإن 13% فقط من المنشآت ليس لديها مشكلة في دفع الأجور للعاملين فيها، أي أن حوالي 87% من المنشآت التي تعطلت لن تدفع الأجور للعاملين فيها، بغض النظر عن السبب، سواء كان عدم القدرة أم عدم الرغبة في دفع الأجور.[10]

ووفق تقرير صدر عن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، تبين أن قرابة 20 ألف سائق أجرة تعطلوا عن العمل بسبب جائحة كورونا، ونحو 3 آلاف عامل في الغزل والنسيج، وقرابة 30 ألف مزارع، و600 عامل يعملون في المجمعات (المولات) التجارية، إضافة إلى آلاف الباعة المتجولين، وأصحاب البسطات، وعمال المحال التجارية بمجالات متعددة.[11]

المشاريع الصغيرة (المشاريع النسوية أنموذجًا)

يعاني قطاع المشاريع الصغيرة من ضعف واضحٍ في بنيته الأساسية نظرًا لارتفاع تكاليف الإنتاج، وغيرها من الخدمات الأساسية اللازمة لنجاح هذه المشاريع، جراء سياسات الاحتلال القمعية، وعدم توفر نظام موحد ينظم آليات عمل القطاع الإنتاجي الصغير وسياسات الإقراض والسياسات الضريبية.

ويضاعف من تأثير أزمة كورونا على المشاريع الصغيرة في فلسطين اعتمادها في حركتها الإنتاجية على الاقتصاد الكلي، الذي تراجع بشكل كبير جراء الجائحة، فيما سيشهد الناتج المحلي وفقًا لتوقعات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني انخفاضًا بنسبة 14% في العام 2020 مقارنة مع العام 2019، كما أشارت التوقعات إلى تراجع قدرة المنشآت المتوسطة ومتناهية الصغر على دفع الرواتب، بسبب تراجع الإنتاج والأرباح.[12]

وحذر صندوق الاستثمار الفلسطيني من تأثيرات جائحة كورونا على المشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة لما تمثله من أهمية كبيرة في الاقتصاد الفلسطيني، وطالب بإدارة الأزمة بحكمة ومهنية، ووضع حلول متكاملة ضمن رؤية شاملة لمعالجة التبعات الاقتصادية الطارئة، خاصة أن هذه الجائحة أظهرت انكشافًا مقلقًا على مجموعة من المحاور المؤثرة على الاقتصاد المحلي، التي نتج عنها انكشاف الاقتصاد الوطني وزيادة الاعتماد على المنتجات الأساسية القادمة من دولة الاحتلال[13]، نظرًا لتوقف المشاريع الفلسطينية.

أما فيما يتعلق بالمشاريع النسوية، فأظهر استطلاع رأي حول أثر جائحة كورونا على المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر والمتوسطة التي تديرها النساء في الأراضي الفلسطينية، والتي يتراوح عدد العاملين والعاملات فيها ما بين 1 وحتى 95 عاملًا وعاملة، بأن 95% من النساء في الضفة والقطاع اللواتي يدرن مشاريع متوسطة، أو صغيرة ومتناهية الصغر، تأثرن بشكل سلبي جراء جائحة كورونا، وأن 27% من المشاريع التي تديرها نساء توقفت عن العمل. وأفاد الاستطلاع أن 53% من النساء يفكرن في التخلي عن العمال والعاملات في المنشأة، إذ قال 42% من النساء اللواتي شاركن في الاستطلاع أنهن شهدن تناقصًا في الطلب، بينما أفادت 9% منهن أن القيود المفروضة على الحركة والتنقل أثرت على مشاريعهن، في حين قالت 7% من النساء إن زيادة عبء رعاية الأطفال في ظل الجائحة منعهن من استكمال عملهن في مشاريعهن.

ويتصدر قطاع المنتوجات الغذائية القطاعات الأكثر تأثرًا ضمن المشاريع الصغيرة بنسبة 26%، يليه قطاع التطريز بنسبة 20%، وقطاع الحضانات بنسبة 11%، في حين كانت القطاعات الأقل تأثرًا هي تكنولوجيا المعلومات والأثاث والخشب بنسبة 2%.[14]

سياسات الأطراف ذات العلاقة بحماية الفئات الأكثر هشاشة

ترصد الورقة فيما يلي أبرز السياسات والإجراءات المباشرة التي اتخذتها الأطراف ذات العلاقة خلال أزمة جائحة كورونا لدعم الفئات الأكثر هشاشة (الحكومة، القطاع الخاص واتحاد نقابات العمال، المجتمع المدني، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى - الأونروا)، مع التوقف عند بعض أوجه القصور أو محدودية التأثير.

الحكومة

بعد إعلان حالة الطوارئ، بتاريخ 5/3/2020، وتوقف العمل في العديد من المنشآت الاقتصادية وفرض الإغلاق، اتخذت الحكومة عددًا من الإجراءات بهدف التقليل من حدة الأزمة على الفئات الهشة، أهمها:

  • إنشاء صندوق "وقفة عز" بهدف مواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والصحية لأزمة كورونا، وكنوع من التضامن والتكافل بين أفراد ومؤسسات الشعب الفلسطيني. ووجهت الحكومة نداء غير إلزامي لجميع القطاعات في فلسطين ورجال الأعمال من أجل التبرع للصندوق بمبالغ مالية، إلا أن المبالغ المدفوعة لم تتجاوز نصف المبلغ المتوقع جمعه. وتم الإعلان عن بدء توزيع المستحقات خلال شهر أيار/مايو لأكثر من 40 ألف عامل من الضفة والقطاع[15]، وعلى الرغم من ذلك فإن ما تم توزيعه شمل فئة قليلة جدًا من العمال المتضررين، وبملبغ بسيط لا يتجاوز 700 شيقل.

  • أصدر الرئيس محمود عباس قرارًا ببدء العمل بموازنة طوارئ في الأراضي الفلسطينية، وأنفقت الحكومة الفلسطينية 52 مليون شيقل في الربع الأول من العام 2020 على إعانات البطالة، وهي تكاد تكون نفس مستويات الإنفاق السابقة.[16]

  • سعت الحكومة للحصول على تمويل من المانحين بأكثر من 475 مليون دولار، لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر الأكثر تضررًا من الجائحة، من خلال منح قروض ميسرة عبر برنامج "استدامة" الذي أطلقته سلطة النقد الفلسطينية.[17]

  • أصدرت سلطة النقد قرارات عدة منذ منتصف آذار/مارس 2020، أهمهــا تأجيــل الأقســاط الشــهرية الدوريــة لكافــة المقترضين للشــهور الأربعــة التالية قابلة للتمديــد، وللمقترضين مــن قطــاع الســياحة والفندقة للأشــهر الســتة التالية قابلــة للتمديــد[18]، بيد أن المقترضين يتحملون الفوائد التعاقدية المترتبة على التأجيل. كما جعلت سلطة النقد تسديد القروض اختياريًا من قبل المقترض، وطلبت من البنوك تمديد سقوف الائتمان والسقوف الممنوحة للمعتمدين، خاصة في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتم الإعلان عن تأجيل تحصيل الشيكات إلى ما بعد فترة الإغلاق[19]، إلا أن التعميم الأخير كان له أثر واضح على كمية ومبلغ الشيكات المرتجعة بعد القرار مباشرة، إذ إن درجة تأثير صعوبة الوضع الاقتصادي تفاوتت على القطاعات المختلفة، إلا أن القرار أعطى فرصة للمودعين لسحب أرصدتهم من البنوك حتى يتم إرجاع الشيكات، وبالتالي تأجيل الدفع.[20]

القطاع الخاص واتحاد نقابات العمال

  • قدم القطاع الخاص تبرعات مالية لصندوق "وقفة عز" لم تتجاوز حتى 8/5/2020، 14 مليون دولار، أي 50% فقط من المبلغ المتوقع جمعه[21]، كما قدمت البنوك حتى نهاية الربع الأول من العام 2020 حوالي 11 مليون شيقل معظمها من خلال هذا الصندوق.[22]

  • أبرمت الحكومة من خلال وزارة العمل اتفاقًا مع القطاع الخاص واتحاد نقابات العمال يقضي بصرف 50% من رواتب الموظفين والعمال لأول شهرين من الأزمة الاقتصادية والإغلاق، إلا أن دراسة غرفة تجارة وصناعة رام الله أشارت إلى أن 87% من المنشآت لم تدفع أجور العاملين لديها.[23]

  • عمل مجلس إدارة الصندوق الفلسطيني للتشغيل والحماية الاجتماعية للعمال وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP في الأراضي الفلسطينية، على توقيع اتفاقية بقيمة 575 ألف دولار، لدعم المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، المتضررة من جائحة كورونا.[24]

المجتمع المدني

تواجه مؤسسات المجتمع المدني العديد من التحديات المرتبطة بصعوبة وتعقيدات الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الفلسطينية. وعلى الرغم من التحديات في عملية التمويل والشروط المفروضة عليه من قبل الممولين، وتضرر القطاع الأهلي على غرار غيره من القطاعات الحيوية في ظل أزمة كورونا، إلا أنه لم يغب عن الساحة، ونفّذ تدخلات عدة في مجال الحماية الاجتماعية، والحملات الإغاثية، وتقديم برامج الدعم النفسي والصحي للمرضى، إضافة إلى توزيع الطرود الغذائية والمساعدات للأسر المستورة.[25]

الأونروا

اقتصرت تدخلات وكالة الأونروا على برامجها المنفذة سابقًا، مع تحديث بعض تلك البرامج، بما يلائم الوضع القائم في الضفة الغربية وقطاع غزة من حيث تقديم الخدمات عن بعد، وفتح خطوط المساعدة، ما أثر على تقليص العديد من خدماتها المقدمة.[26]

خيارات سياساتية مقترحة

تطرح الورقة خيارات سياساتية لجهات الاختصاص، في محاولة منها لوضع بدائل عدة للمساعدة في حماية الفئات الهشّة في الأراضي الفلسطينية، وتقديم ما يلزم لتلك الفئات لضمان حياة كريمة لها. ويمكن التعامل مع هذه البدائل بالتزامن، إذ إن كل بديل يدعم ويساند البدائل الأخرى في تحقيق الغاية المنشودة، لا سيما أنها تمزج ما بين السياسات الاقتصادية والمالية، وبناء أنظمة الحماية الاجتماعية متوسطة وبعيدة المدى، وتوصيات العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية، والنماذج التي اعتمدتها بعض الدول للاستجابة لتحديات الأزمة واحتمالات استطالة أمدها وتعمق تأثيراتها، من حيث اعتماد سياسات التكيّف والاستجابة لتحديات الأزمة عبر تدابير قصيرة الأجل عالية التأثير موجهة لدعم الفئات الأكثر تضررًا، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي في المدى المباشر، شريطة أن تخدم مخرجات سياسات التكيف والاستجابة السريعة الأهداف المتوخاة من السياسات بعيدة المدى.

البديل الأول: الاستجابة السياساتية لحالة الطوارئ عبر تدابير قصيرة الأجل عالية التأثير

على الرغم من أن الحكومة في الضفة الغربية عملت على تخفيف الأضرار التي لحقت بالفئات الهشة، كإنشاء صندوق "وقفة عز" الذي استفاد من خلاله 40 ألف عامل فقط، من إجمالي عدد العمال البالغ 600 ألف عامل، بمبلغ 700 شيكل للواحد، إضافة إلى قيام السلطات القائمة في قطاع غزة بصرف مساعدات مالية لحوالي 70 ألف مستفيد من المنحة القطرية، بمبلغ 100 دولار للأسرة، وشملت العمال المتضررين جراء جائحة كورونا؛ إلا أن هذه الإجراءات وغيرها من المساعدات الإغاثية الطارئة لم تكن كافية لسد احتياجات الفئات الهشّة التي تضررت بسبب جائحة كورونا.

تشير السيناريوهات المتوقعة لانتشار فايروس كورونا بشكل أوسع خلال فصل الشتاء وما بعده خلال العام 2021، إلى أن الإجراءات الرسمية التي يمكن اتخاذها للحدّ من التأثيرات الصحية لاتساع الجائحة سوف تنطوي على المزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المجتمع عمومًا، وعلى الفئات الأكثر هشاشة خصوصًا، وهو ما يؤكد الحاجة إلى تطبيق إجراءات أكثر شمولية تتجاوز الطابع الإغاثي على أهميته.

تقوم فكرة هذا البديل على أهمية تنفيذ عدد من التدابير والإجراءات العاجلة ضمن خطة إنعاش اقتصادي اجتماعي موجهة لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وذلك من أجل سد الفجوات وتقليل الخسائر التي نتجت جراء تفشي جائحة كورونا في مختلف المناطق الفلسطينية، التي أثرت تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا على الفئات الهشة، مثل: عمال المياومة، والعاملين في القطاع غير المنظم، والعمال داخل الخط الأخضر، والنساء صاحبات المشاريع الصغيرة، من خلال:

  • رصد الفئات التي تضررت جراء جائحة كورونا، وتحديد حجم الضرر الذي لحق بهذه الفئات في الضفة والقطاع.

  • دعم الفئات الضعيفة من المزارعين والصيادين وعمال المياومة والجمعيات التعاونية التي تضررت بسبب تراجع إمكانية الحصول على المدخلات الأساسية، أو الوصول إلى الأسواق، حسب ما تستدعيه الضرورة لحماية سبل عيشهم، إضافة إلى إعفاء هذه الفئات من دفع مستحقات خدمات الكهرباء، والماء، والاتصالات خلال فترات الأزمة، وعدم فصل هذه الخدمات عن المواطنين الأكثر تضررا نتيجة عدم مقدرتهم على الدفع.

  • التخفيف من آثار التدهور الاقتصادي الذي شهد المزيد من التفاقم نتيجة لفقدان دخل معظم الأسر الضعيفة، من خلال تقديم المساعدات النقدية متعددة الأغراض أو المساعدة في دفع الإيجارات.

  • تشجيع الحكومة للمبادرات الزراعية، لا سيما المبادرات التعاونية، التي تعمل على استصلاح وزراعة الأراضي، وتشجيع مبادرات الاقتصاد المنزلي، من خلال الإيعاز للاتحادات والنقابات لتوفير الأشتال والأسمدة وكل ما يلزم لنجاح الزراعة، وذلك للاعتماد على هذه المحاصيل لسد احتياجات الفئة الهشة.

  • دعم الوزارات التي تقدم خدمات مباشرة للفئات الهشة، مثل وزارتي التنمية الاجتماعية والعمل، لوضع آلية عمل مشتركة فيما بينهما والتنسيق معها في تنفيذ مهامها الأساسية، من خلال رصد موازنات خاصة استجابة للأزمة، لتنفيذ برامج تدخل عاجلة لمساعدة الفئات الهشّة.

  • تشجيع تقديم قروض ميسّرة طويلة الأجل للمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، لا سيما للنساء، بما في ذلك إنشاء صندوق لهذه الغاية تشارك في إدارته الأطراف الرسمية والقطاع الخاص والمنظمات الأهلية الناشطة في هذا المجال.

المعقولية: يمكن الاستناد إلى ما قامت به الحكومة الفلسطينية بوضع خطة استجابة للتعامل مع جائحة كورونا وإنشاء صندق "وقفة عز"، في تنفيذ التدابير المطروحة، وبخاصة في حالة تعزيز الشراكة بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والنقابات ومنظمات المجتمع المدني في عملية التخطيط والتنفيذ وحشد الموارد المادية اللازمة لإدارة الأزمة.

المقبولية: يحظى هذا البديل بمقبولية لدى الحكومة، لذا يُمكن قبوله والعمل على تبنيه، خاصةً أنها تسعى للتقليل من الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الفلسطيني وتداعيات ذلك على الفئات الهشة.

إمكانية التطبيق: يمكن تطبيق هذا البديل على مستوى مناطق السلطة الفلسطينية، وتوفير مصادر التمويل الداخلية والخارجية لمساعدة الفئات الهشة.

الربح والخسارة: سيعمل هذا البديل على أن تربح كل من الحكومة والمواطن، من خلال تخفيف الأعباء التي تتحملها نتيجة انهيار الوضع المعيشي للفئات الهشة.

البديل الثاني: بناء أنظمة حماية اجتماعية وضمان اجتماعي

تعدّ أنظمة الحماية الاجتماعية رافعًا أساسيًا للدولة، وركيزة لحماية الفئات الهشّة في المجتمعات، خاصة في التصدي للأزمات الكبرى التي تعصف بها، والتي تؤثر على الوضع الاقتصادي بشكل خاص، لما لهذه الأنظمة من قدرة فعّالة وسريعة في الحد من آثار خسارة الدخل والعمل وتهديد الأمان الوظيفي، والحد من الهشاشة الاجتماعية، وفي التقليل من زيادة معدلات البطالة والفقر. ويبرز دور الحكومة في توفير الحماية الاجتماعية لأفراد المجتمع، وخاصة الفئات المهمشة، وبضمنها العمال والعاملات، عبر إقرار سياسات وتوفير أنظمة الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي بشكل شمولي وعادل.

أبرزت الأزمة أهمية تعزيز الأنظمة الاجتماعية التي تضمن حقوق الفئات الضعيفة والمهمش، مثل نظام الضمان الاجتماعي، الذي أوضحت الأزمة حجم الثغرة الناجمة عن عدم وجوده ضمن منظومة التشغيل والحماية الاجتماعية.[27] ويعدّ الضمان الاجتماعي أحد الحقوق الإنسانية الاقتصادية الأساسية بحسب المادة (22) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي وقّعت عليه دولة فلسطين، وأصبحت بذلك ملزمة بالوفاء بالحقوق التي تكفلها تلك المواثيق.

المعقولية: البديل قابل للتطبيق في حال إجراء حوار مجتمعي واسع مع كافة المكونات المجتمعية والاقتصادية والقوى السياسية والمجتمع المدني، حول شكل أنظمة الحماية الاجتماعية، والضمان الاجتماع،  التي يجب على الفلسطينيين تبنيها، إضافة إلى تحويل برامج الحماية الاجتماعية من برامج تعتمد على مدى توفر التمويل الحكومي والدولي إلى أنظمة وطنية مستقلة تستقي تمويلها من مصادر عدة كأمر أساسي لاستمرارها، وقدرتها على الوصول إلى كافة الفئات المهمشة، بعيدًا عن معايير الاستحقاق الحالية التي لا تناسب الحالة الفلسطينية، وكذلك تحويل التعاطي معها من خدمة إلى حق أساسي، مع تمثيل كافة القوى العمالية والاجتماعية في إدارتها وحاكميتها، وعلى أساس توفير مساهمة مالية مباشرة من الدولة في صناديقها.[28]

المقبولية: كانت هناك محاولات عدة لإقرار قانون ضمان اجتماعي، آخرها قانون الضمان الاجتماعي الذي وضعته السلطة الفلسطينية في العام 2016، والذي جوبه بمعارضة من جهات مختلفة تشمل المجتمع المدني والقطاع الخاص والعمال، ما أدى إلى صدور قرار رئاسي في حزيران/يونيو 2019 بوقف تنفيذ القانون. وتعود أسباب الاحتجاج على القانون وبنوده إلى أمور عدة، أهمها افتقاره إلى الشفافية ومشاركة المجتمع الفلسطيني، إذ لم يتم التشاور مع النقابات المهنية ولا مع القطاع الخاص، فضلًا عن العديد من المآخذ على نصوص بعض بنوده ومدى جدواها وقانونيّتها.[29]

الربح والخسارة: سيعود قانون الضمان الاجتماعي بالنفع والربح على الشعب الفلسطيني، إذ يعدّ بمنزلة شبكة أمان تحمي العمال والموظفين ومصادر دخلهم، وتحدّ من الهشاشة الاجتماعية، وتحديدًا عند الأزمات الكبرى.

البديل الثالث: إعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطيني باتجاه الانفكاك عن الاحتلال

يقترح هذا البديل العمل على تقوية قاعدة الاقتصاد الفلسطيني عبر تعزيز الاستثمار ضمن قطاعي الزراعة والصناعة، لا سيما فيما يتعلق باستخدام التكنولوجيا والمبادرة والتسويق ومدخلات الإنتاج، وتنمية القدرات الفلسطينية في عملية الإنتاج بالقطاعات المختلفة، وتشجيع المشاريع الإنتاجية الصغيرة، وتطوير علاقات التجارة مع الدول الشقيقة والصديقة، وخفض الاعتماد على الاستيراد من إسرائيل.[30]

ويتوجب في هذه المرحلة إعادة النظر في مجمل السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تبنتها الحكومة خلال العقود الماضية، والتي أدت إلى زيادة ظواهر الفقر والبطالة، وتعميق الفجوة بين الطبقات والفئات الاجتماعية، وممارسة سياسات تنموية تحررية تقوم على كثافة التشغيل، والإنتاج، واستبدال الواردات، بما يؤدي إلى قفزة في الاقتصاد الوطني[31]، مع ضرورة أن يكون للحكومة دور مركزي في إنتاج بعض السلع الأساسية، وعدم الركون إلى الخصخصة في شتى المجالات.[32] وسيعمل ذلك على رفع القدرة التشغيلية للعمالة الإنتاجية في فلسطين، وخلق فرص عمل مستقرة وجيدة، تخفف من حدة الاعتمادية على العمل في إسرائيل.     

وهذا يتطلب تبني سياسة حكومية واضحة للانفكاك من علاقة التبعية الاقتصادية لدولة الاحتلال تدريجيًا، عبر إستراتيجية واضحة على المدى البعيد لبناء منظومة اقتصادية غير تابعة للاقتصاد الإسرائيلي، ومنفكة عن التأثير الكبير لتحكم الاحتلال بالاقتصاد الفلسطيني، الذي يبرز في كل أزمة،[33] في ضوء القيود المفروضة من قبل الاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني، والعمل على تخفيف الاعتماد القسري على سوق العمل الإسرائيلي، وإيجاد حلول جذرية للمشاكل المتعلقة بظروف العمل فيه، والضغط على الحكومة الإسرائيلية وأرباب العمل الإسرائيليين، بالاستناد إلى الاتفاقيات الدولية التي تنظم وتصون حقوق العمالة المهاجرة في الدول المضيفة، لإجبار الحكومة والمشغلين الإسرائيليين على الوفاء بالتزاماتهم التي ينص عليها القانون الإسرائيلي بهذا الخصوص.

المعقولية: يمكن تطبيق هذا البديل في حال إقرار سياسات حكومية واضحة تنظّم آلية الانفكاك وكيفيته، ضمن خطوات متدرجة تراعي الحالة الفلسطينية، وعمق تأثير إسرائيل وتحكمها في الاقتصاد الفلسطيني؛ حتى لا تحدث انتكاسة وتراجع يدفع ثمنه المواطن الفلسطيني. ومن الضروري في هذا السياق، إشراك كافة الأطراف ذات العلاقة والفاعلة في الميدان الاقتصادي في خطة الانفصال وإنعاش وتقوية الاقتصاد الفلسطيني، وأخذ كافة الآراء على محمل الجد والاهتمام لضمان نجاح البديل في تحقيق غايته، مع تأكيد ضرورة أن يتم تشكيل لجنة رقابة مختصة تراقب وتتابع سير الخطط، وتقيّمها.

المقبولية: نادت العديد من الجهات والشخصيات الوطنية والاعتبارية الفلسطينية، وكذلك العديد من البحوث والدراسات، بضرورة بناء اقتصاد فلسطيني مستقل وقائم بذاته ومعتمد على الموارد الفلسطينية والكادر البشري الفلسطيني. وعلى الصعيدين العربي والدولي، هناك العديد من الدول الصديقة والمؤسسات الدولية ستدعم هذا الحق، وتساهم في إنجاحه وتنفيذه، لما له من دور رائد في ترسيخ العدالة الاجتماعية والحرية.

إمكانية التطبيق: في سبيل تحقيق هذا البديل، يجب أن تتضافر الجهود الحكومية والبنوك التجارية في مجال تسهيل الإقراض، عبر منح المنشآت العاملة في هذه الأنشطة حوافز وتسهيلات استثنائية. كما يمكن أن تقوم الحكومة بالشراكة مع صندوق الاستثمار الفلسطيني بضمان القروض وفقًا لبرنامج واضح ومحدد لقطاعات مهمة مستهدفة.[34] ومن الممكن أيضًا فتح الباب للاستثمار أمام رؤوس الأموال في القطاع الخاص، وفي المؤسسات المعنية، بشرط أن تكون بنسب مدروسة لا تؤدي إلى الهيمنة على المجالات الاقتصادية المختلفة.

الربح والخسارة: يوفر هذا البديل في حال تطبيقه الكثير من المميزات والمكتسبات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسيعود بالنفع على جميع طبقات المجتمع، بدءًا من الفئات المهمشة والهشّة والعمال، إلى أعلى الطبقات من مشغلين وأصحاب رؤوس أموال. وسيفتح البديل الفرص لتوفير موارد مالية كبيرة ستساهم في استمرار عجلة الاقتصاد، وحماية الفئات المهمشة في حال وقوع الكوارث، وسيرفع من مستوى دخل الفرد ومستوى المعيشة في فلسطين.

خاتمة

ترى الورقة أن هناك علاقة ترابط وتكامل بين البدائل الثلاثة الواردة أعلاه، إذ إن توفير متطلبات بناء منظومة حماية اجتماعية فعّالة سيكون صعبًا من دون إعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطيني، وإعطاء الأولوية للقطاعات الإنتاجية القادرة على توفير فرص العمل، والحد من علاقات التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، وهو ما يتضمنه البديلان الثاني والثالث. وفي الوقت ذاته، تقتضي التأثيرات المتواصلة والقابلة للاشتداد في ضوء استمرار انتشار جائحة كورونا، اعتماد سياسات وتدابير قصيرة الأجل عالية التأثير تستجيب لحاجة الفئات الأكثر تضررًا لتوسيع شبكات وأشكال الحماية الاجتماعية، التي تصب في خدمة بناء نظام حماية اجتماعية فعّال، وإعادة هيكلة الاقتصاد والانفكاك التدريجي عن الاقتصاد الإسرائيلي على المدى الإستراتيجي، كما ينعكس في البديل الأول.

إن ضرر تعطل عجلة الإنتاج لا يقل ضراوة عن ضرر انتشار الفيروس، ما لم يتم اتخاذ تدابير لحماية الفئات الهشّة، وتعزيز أمنها الوظيفي والغذائي، بالتزامن مع تخصيص مساعدات عاجلة لها، تدعم صمودها، وتلبي احتياجاتها الحياتية اليومية، وهذا ما يسعى له البديل الأول في سياق ارتباطه بالبديلين الثاني والثالث، بحيث تكون البدائل الثلاثة متدرجة يسند بعضها الآخر ويمكّنه، وجميعها مطلوبة وملحة التنفيذ في ظل حالة الطوارئ الراهنة.

لمشاهدة وتحميل الورقة كاملة Pdf


[1] الإحصاء الفلسطيني يعلن نتائج مسح القوى العاملة، دورة الربع الثاني (نيسان – حزيران 2020)، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 9/9/2020: bit.ly/3jwbIzV

[2] الإحصاء الفلسطيني يستعرض أوضاع السكان في فلسطين بمناسبة اليوم العالمي للسكان، الجهاز المركزي للإحصاء، 11/7/2019: bit.ly/3katKrN

[3] انعدام الأمن الغذائي في الأرض الفلسطينية المحتلة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية - الأمم المتحدة، 14/12/2018: bit.ly/3k82NVS

[4] الإحصاء الفلسطيني يعلن نتائج مسح القوى العاملة، مصدر سابق.

[5] نصر عبد الكريم وعبد الله مرار، التداعيات الاقتصادية لانتشار وباء كورونا في فلسطين، (ورقة غير منشورة قدمت خلال حلقة نقاش)، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، 7/6/2020.

 

[6] مسح القوى العاملة الفلسطينية: التقرير السنوي 2019، الجهاز المركزي للإحصاء، أيّار/مايو 2020: bit.ly/3599K2z

[7] الإحصاء الفلسطيني يعلن نتائج مسح أثر جائحة كوفيد 19 (كورونا) على الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر الفلسطينية، الجهاز المركزي للإحصاء، 4/10/2020: bit.ly/3klXpyc

[8] المصدر السابق.

[9] أشرف سمارة، الخسائر والخاسرون جراء أزمة كورونا في الأراضي الفلسطينية، مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية (مرصد)، حزيران/يونيو 2020: bit.ly/3o34ndW

[10] الآثار الاقتصادية لإغلاق المنشآت: محافظة رام الله والبيرة كنموذج، غرفة تجارة وصناعة محافظة رام الله والبيرة، نيسان/إبريل 2020: bit.ly/3lZ5PME

[11] تضرر قرابة 160 ألف عامل والخسائر بلغت 27 مليون دولار، الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين - غزة، أيلول/سبتمبر 2020: bit.ly/3j8mPy0

[12] الإحصاء الفلسطيني يعلن التنبؤات الاقتصادية للعام 2020 جراء جائحة كورونا، الجـهـاز الـمـركـزي للإحصاء، 23/4/2020: bit.ly/2IKLwEt

[13] تحذير من تضرر المشاريع الصغيرة والمتوسطة بسبب كورونا، سند للأنباء، 6/4/2020: https://bit.ly/3595Syr

[14] استطلاع رأي حول أثر فيروس كورونا على المشاريع المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر التي تديرها النساء في فلسطين، صفحة الأمم المتحدة للمرأة – فلسطين على الفيسبوك.

[15] تحقيق إخباري: عمال المياومة الأكثر تضررًا من أزمة فيروس كورونا في الضفة الغربية وغزة، شينخوا، 14/4/2020: https://bit.ly/3dClKxd

[16] أشرف سمارة، الخسائر والخاسرون جراء أزمة كورونا، ص 11-12.

[17] فلسطين تسعى لجذب 472 مليون دولار لمتضرري كورونا، وكالة الأناضول، 8/9/2020: bit.ly/3dEFErm

[18] نصر عبد الكريم وعبد الله مرار، جهوزية النظام المصرفي الفلسطيني في مواجهة أزمة كورونا: فعالية الإجراءات والقدرة على الاستمرار، مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، تموز/يوليو 2020، ص 8: bit.ly/37gMz97

[19] تعليمات رقم 9/2020 لسلطة النقد الفلسطينية، 22/3/2020.

[20] نصر عبد الكريم وعبد الله مرار، جهوزية النظام المصرفي، ص 11.

[21] موقع صندوق "وقفة عز".

[22] نصر عبد الكريم وعبد الله مرار، جهوزية النظام المصرفي، ص 13.

[23] أشرف سمارة، الخسائر والخاسرون جراء أزمة كورونا، ص 23.

 [24]الصندوق الفلسطيني للتشغيل وUNDP يوقّعان اتفاقية لدعم المنشآت المتضررة من جائحة كورونا، الصندوق الفلسطيني للتشغيل والحماية الاجتماعية للعمل، 17/9/2020: bit.ly/3lSF6B6

[25] عصام يونس، واقع مؤسسات المجتمع المدني في الأراضي الفلسطينية: كيف نتفادى انهيارها؟، (ورقة غير منشورة قدمت خلال حلقة نقاش)، مركز مسارات، 14/6/2020.

[26] التقرير الأسبوعي حول فيروس كورونا (20-26 نيسان 2020)، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، 6/5/2020: bit.ly/2Hd0gLm

[27] أشرف سمارة، الخسائر والخاسرون جرّاء أزمة كورونا، مصدر سابق.

[28] رؤية لأنظمة الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي، مرصد، آب/أغسطس 2020: bit.ly/3492KDK

[29] كرم عمر، المعارضة الفلسطينية للضمان الاجتماعي: ثورة أم انتكاسة، شبكة السياسات الفلسطينية (الشبكة)، 22/9/2019: bit.ly/30UtLJ3

[30] جهاد حرب، تعزيز الصمود الفلسطيني في ظل التحديات الراهنة وأزمة كورونا: التداعيات السياسية لجائحة كورونا على الوضع الفلسطيني، (ورقة غير منشورة قدمت خلال حلقة نقاش)، مركز مسارات، 13/5/2020.

[31] رؤية لأنظمة الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي، مصدر سابق.

[32] أشرف سمارة، الخسائر والخاسرون جرّاء أزمة كورونا، مصدر سابق.

[33] المصدر السابق.

[34] نحو استجابة وطنية شاملة للتخفيف من صدمة وباء الكورونا على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، أيار/مايو 2020: bit.ly/31jJNw7

مشاركة: