الرئيسية » تحليل سياسات » آية المغربي »   27 كانون الثاني 2021

| | |
نحو سياسات لدعم مؤسسات المجتمع المدني الإغاثية في ظل أزمة كورونا
آية المغربي

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.

مقدمة

تعدّ مؤسسات المجتمع المدني مكونًا أساسيًا من مكونات المجتمع، وتسعى بطبيعتها غير الربحية إلى تحقيق أهداف وغايات عامة تخدم المجتمع، وتساهم في ارتقائه، وكذلك تلعب دورًا مكملًا للحكومة في توفير الخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية، وتخضع لإشراف ومتابعة وزراة الاقتصاد الوطني للمؤسسات المرخصة وفق تصنيف "شركة غير ربحية"، ولوزارة الداخلية للمؤسسات المرخصة وفق تصنيف "جمعية خيرية".

تقوم كل مؤسسة بتنفيذ خطة وسياسة معينة لتحقيق أهداف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو إغاثية معينة، سواء في الظروف العادية، أو الاستثنائية، وتبلغ ذروة أنشطة بعض هذه المؤسسات والجمعيات، خاصة ذات الدور الإغاثي، في حالات الأزمات والكوارث والحروب؛ الأمر الذي نفتقده حاليًا بسبب معاناة هذه المؤسسات من إشكالية نقص التمويل الوافد إليها من الدول المانحة.

يلاحظ أن إشكالية نقص التمويل على المؤسسات الإغاثية تزداد وتتفاقم بمرور الوقت، مع وجود مطالبات من المستويين الشعبي والمجتمعي لإنقاذ هذه المؤسسات من الإغلاق. وبعد البحث والاطلاع نرى أن السلطة الوطنية الفلسطينية لم تقم باتخاذ أي إجراء يساهم في تحسين أوضاع هذه المؤسسات، أو التخفيف من حدة الأزمة المالية التي تمر بها، بل على العكس كان لتدخلاتها ودورها أثرًا سلبيًا، إذ قامت خلال المدة (2007-2013) بالإغلاق التعسفي لـ 223 مؤسسة (133 في الضفة الغربية، و90 في قطاع غزة)[1]، أو حجر حساباتها البنكية وتوقيف حوالاتها المالية بشبهة انتمائها لحركة حماس، وذلك في إطار الصراع الدائر بين حركتي فتح وحماس. وفي المقابل، قامت الحكومة في غزة التي تسيطر عليها حركة حماس بحل نحو (171) جمعية خيرية في غزة العام 2008، إلى جانب تعقيد إجراءات تسجيل الجمعيات الجديدة بإضافة شرط تقديم حسن السيرة والسلوك.

ستقوم الورقة باقتراح بدائل عدة تساعد صانع القرار الفلسطيني على تحسين ظروف هذه المؤسسات، وتخفيف حدة أزمتها المالية قدر الإمكان في حال تبنيها.

تحليل المشكلة

يبلغ عدد المنظمات غير الحكومية في المناطق الفلسطينية (3600) منظمة تعمل في مجالات متنوعة صحية واجتماعية واقتصادية وإغاثية وتنموية، وتتوزع بواقع (2800) في الضفة الغربية، (36) منها مؤسسة إغاثية[2]، و(800) في قطاع غزة، (389) منها خيرية إنسانية[3]، وتخلق هذه المنظمات أكثر من (40 ألف) فرصة عمل مدفوعة الأجر[4]، وقد حصلت على تمويل دولي خلال المدة (1994-2017) يقارب 34 مليار دولار.[5]

تواجه مؤسسات المجتمع المدني المحلية (الإغاثية) منذ العام 2007 تقليص التمويل الوافد إليها من الجهات الممولة لأسباب جُلها مرتبط بالحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، والتضييق الدولي المفروض عليها في الضفة، إضافة إلى أسباب أخرى مثل اعتماد المؤسسات الكلي على التمويل الخارجي، أو توجيه التمويل إلى فئات أخرى متضررة من دول الجوار بعد اندلاع ثورات "الربيع العربي" في العام 2011، مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن، أو بسبب وجود تحول في سياسات المانحين أنفسهم وتوجهاتهم وأجنداتهم السياسية المختلفة من وقت إلى آخر، مثل ما يفرضه الاتحاد الأوروبي من شروط للتمويل، وهذا ما قوبل برفض فلسطيني، إذ أصدرت أكثر من 132 مؤسسة بيانًا رافضًا لتلك الشروط.

كما أجبرت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID)) - التي تعد أحد أهم الممولين للمؤسسات الفلسطينية - المؤسسات التي ترغب بالحصول على تمويل منها التوقيع على وثيقة "مناهضة الإرهاب"، التي تنص على عدم استخدام الأموال في أنشطة لها علاقة بالإرهاب، إضافة إلى خضوع جميع العاملين في المؤسسة للفحص الأمني للإرهاب.

وفي هذا السياق، يُصنف نشطاء المجتمع المدني الذين اعتقلوا سابقًا أو وضعوا رهن الاعتقال الإداري والمرفوضون دوليًا على أنهم إرهابيون، وكذلك المنظمات والجماعات التي تدعم حركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها (BDS)، على اعتبار أنها تهدد المصالح الإسرائيلية.

واشتدت أزمة هذه المؤسسات بعد زيادة تقليص التمويل بعدما أوقفت الوكالة الأميركية عملها في الأراضي الفلسطينية، إلى جانب وقف الدعم الأميركي للسلطة، وخصم إسرائيل لأموال العائدات الضريبية (المقاصة).[6]

ألقت كل هذه الأسباب بظلالها على حجم الدعم المادي وتناقصه، الأمر الذي أدى إلى إغلاق عدد كبير من المؤسسات، أو تقليص عدد موظفيها أو خدماتها الإغاثية، وبالتلاي تقليل عدد المستفيدين منها، إذ أظهرت دراسة مسحية أجرتها شبكة المنظمات الأهلية في العام 2017 أن 60% من المنظمات الأهلية في غزة باتت غير قادرة على تغطية نفقاتها ومصاريفها، وما لا يقل عن 80% من تلك المنظمات يؤثر عجز التمويل على جودة خدماتها، وأن ما نسبة 30% من هذه المنظمات قلصت نفقاتها التشغيلية، و58% استغنت عن خدمات بعض عامليها، و22% قلصت من رواتب العاملين في سبيل مواجهة نقص التمويل.[7]

وفي الضفة الغربية، أثّر نقص التمويل على المؤسسات الإغاثية الصحية سلبًا، إذ تسبب بإغلاق العيادات الصحية المتنقلة، التي تقدم خدمات لحوالي 40 ألف مواطن في مناطق (ج) ومنطاق التماس، فضلًا عن توقف الخدمات الإغاثية الغذائية منذ العام 2018، الأمر الذي أدى إلى توقّف أنشطة برنامج النقد مقابل العمل التي تنفذها المؤسسات، وبالتالي تعريض حوالي 78 ألف شخص للخطر.[8]

وما يزيد من أزمة نقص التمويل الآن أزمة جائحة كورونا التي خلّفت أكثر من 100 مليون إصابة، ووفاة أكثر من مليونين، إضافة إلى خاسائرها الاقتصادية الفادحة، وخاصة في أوروبا، التي تشكل نسبة تمويلها 70% من إجمالي موازنات المؤسسات الأهلية المحلية الفلسطينية، بما فيها الإغاثية.[9]

وفي سياق مواجهة وباء كورونا، أعلن الرئيس محمود عباس حالة الطوارئ منذ آذار 2020 وحتى الآن، وشملت إجراءاتها خلال الأشهر الماضية إغلاقات كلية، ومن ثم إغلاقات جزئية، وتعطل العديد من القطاعات الاقتصادية والسياحية والدينية والتعلمية، ما أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي في فلسطين، وانعكاساته على مختلف نواحي الحياة.

تتعدد طبيعة عمل المؤسسات الإغاثية، ما بين التعليم والرعاية الاجتماعية أو الصحية أو الغذائية أو الإيوائية، ونظرًا لوجود أزمة كورونا الحالية، فإن الدور الأساسي المنوط والمتوقع من المؤسسات الإغاثية تقديم الدعم الفوري النقدي والعيني من طرود غذائية وصحية، ولكن تعجز المؤسسات الإغاثة عن القيام بدورها نتيجة نقص التمويل.

تعتمد مؤسسات المجتمع المدني المحلية بطبيعتها على التمويل من الخارج بدرجة كبيرة، إلى جانب بعض التمويل المحلي والتبرعات، إذ تتسم بأنها غير ربحية ومستقلة ماديًا، ولا تتبع في تمويلها لأي جهة محلية، سواء كان القطاع الخاص أم الحكومة، إلا أن مشكلة نقص التمويل تستدعي تدخلًا حكوميًا على اعتبار أن هذه المؤسسات مكون أساسي من مكونات المجتمع المدني، ومع ذلك لم تقم الحكومات الفلسطينية المتتالية باتخاذ أي إجراء لمساندتها لتتمكن من أداء دورها، وإن كان بإمكانيات وحدود أقل من السابق منذ بداية أزمتها المالية وحتى تاريخ أزمة كورونا، على الرغم من دخول هذه المؤسسات في صراع البقاء ضمن موارد محدودة للغاية، واعتمادها على العمل التطوعي المجتمعي، وتقديم بعضها لخدمات زهيدة لعدد محدود جدًا من المستفيدين، أو اقتصار أنشطتها على التوعية من الفيروس فقط.

إن التحدي الكبير القائم قادم وسيزداد مداه ويتعمق بعد انتهاء جائحة كورونا، لما ستتركه من أثر سلبي على الاقتصاد، وما تشكله من تهديد للأمن الغذائي. وفي هذا السياق، قال غاي رايدر، المدير العام لمنظمة العمل الدولية، "هذه ليست مجرد أزمة صحية فحسب، بل أيضًا أزمة سوق عمل كبرى، أو أزمة اقتصادية كبرى"، ووفقًا لتقديرات منظمة العمل الدولية يمكن أن تؤدي أزمة سوق العمل والاقتصاد التي سببها كورونا إلى زيادة البطالة العالمية بنحو 25 مليونًا.[10]

وعلى صعيد فلسطين، تقدر الخسائر المتوقعة 2.5 مليار دولار أميركي، حيث من المتوقع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 14% في العام 2020 مقارنة مع العام 2019[11]، وارتفاع نسبة الأسر الفقيرة إلى 30% بالضفة و64% بالقطاع، فضلًا عن ارتفاع معدل البطالة بين الشباب إلى 38%.[12]

الأهداف

يتمثل الهدف الرئيسي للورقة في تقديم بدائل واضحة لصانع القرار، ليستند إليها في استحداث سياسات داعمة وبناء استجابة مُنسقة لمنظمات المجتمع المدني الإغاثية التي تقدم مساعدات للفقراء والمهمشين، لا سيما في ضوء تراجع التمويل الخارجي في ظل حالة الطوارئ المتكررة والمستمرة، إضافة إلى تعزيز مساهمات جميع مكونات المجتمع المدني لمؤسساته، وتصحيح النظرة تجاه طريقة عملها حتى وإن كانت ذات طابع إغاثي.

البدائل السياساتية المقترحة

البديل الأول: تعزيز المشاركة والمسؤولية المجتمعية لمؤسسات القطاع الخاص تجاه المجتمع لتساهم في تقديم دعم مادي لصالح المؤسسات الإغاثية، أي "الاستعانة بالتمويل المحلي"

يقتضي هذا البديل دعوة السلطة الفلسطينية مؤسسات القطاع الخاص لتقديم دعم مالي للمجتمع من خلال المؤسسات الإغاثية، ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية المقرة لديها؛ ذلك عبر إجراءات محفزة ومشجعة للقطاع الخاص لتزيد من حجمها مسؤوليتها الاجتماعية أو تعتمد برامج مماثلة في حال عدم وجودها، لا سيما الشركات الكبرى المؤسسات التي تحقق أرباحًا بالملايين، مثل قطاع الاتصالات والبنوك والاستثمار والتأمين[13]، ومن الممكن أن تقدم الحكومة إعفاءات ضريبية أو تسهيلات للشركات المستجيبة لدعواتها، وهذا البديل لا علاقة له بالدعم المباشر الذي تقدمه الحكومة للمواطنين المتضررين من موازنتها الخاصة.

البديل الثاني: الاتجاه إلى التمويل العالمي والعربي الشعبي

يتضمن هذا البديل قيام دولة فلسطين بالتوجه نحو إطلاق الاعتماد على التمويل الشعبي، سواء من الأفراد أو الجاليات الفلسطينية في الخارج، أو الحكومات لصالح المؤسسات الخيرية الإغاثية، عن طريق فتح باب التبرعات، أو تشكيل لجنة تسمى لجنة حشد ودعم مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية، وبخاصة للمؤسسات الإغاثية، بحيث تتولى هذه المهمة ويتم التبرع لحساباتها، على غرار حملة صندوق صندوق "وقفة عز" التي أطلقته الحكومة الفلسطينية بهدف حشد الدعم لمواجهة جائحة كورونا.[14]

البديل الثالث: تخصيص جزء من موازنة الحكومة في حالة الطوارئ لدعم المؤسسات الإغاثية

يقع هذا البديل ضمن واجبات دولة فلسطين في دعم صمود ووجود مؤسسات المجتمع المدني على اعتبار أنها هيئات تكميلية لها وتعزز دورها، ولها جمهورها من المواطنين المستفيدين من خدماتها بقوائم بياناتهم المختلفة، وكذلك لديها الخبرة الكبيرة في العمل الإنساني والإغاثي، ومن الممكن أن تخفف عن الحكومة حدة ضغط العمل في الميدان، فغالبًا ما تكون هذه المؤسسات مُنشأة في الأحياء بين السكان وقريبة منهم، وهذا لا يتعارض مع الاستقلال المالي للمؤسسات بطبيعتها، خاصة المؤسسات التي تجمع بين أكثر من هدف إلى جانب الإغاثي، إلا أنه من واجب الدولة دعم هذه المؤسسات في الظروف العادية والاستثنائية من باب أولى، وهذا ما يطبق في نموذج المجتمع المدني في الكيان الصهيوني، إذ يمثل التمويل الحكومي حوالي 64% من إجمالي التمويل الذي تحصل عليه المؤسسات.[15]

يوجد في القانون الفلسطيني مساحة تشريعية تسمح بذلك، فموازنات حالة الطوارئ وفق أحكام قانون موازنة الطوارئ تتسم بالمرونة، وتسعى للحفاظ على صحة المواطنين وتوفير متطلباتهم، ووفق تصريح لرئيس الوزراء محمد اشتية أكد أن موزانة الطوارئ ستحافظ على فئات أربع: الأمن، والصحة، والتعليم، والموظفين والفقراء.[16]

ويجب أن يكون هذا الدعم غير مشروط إلى حين تجاوز الأزمة بحد أدنى، وذلك خشية حدوث تضارب في فلسفة عمل كل من الحكومة والمؤسسات الأهلية، وتحوّل هذا التمويل إلى مال سياسي مُوجّه.

البديل الرابع: إعادة إحياء فكرة العمل التطوعي لمؤسسات المجتمع المدني

يقوم هذا البديل على التطوع الفردي أو الجماعي بشكل تلقائي أو منظم بوقت دون أي عائد مادي، بهدف المشاركة في تحمل مسؤوليات المجتمع، والمساهمة في حل مشكلاته وتحقيق طموحاته، وهذا ينسجم مع فلسفة عمل مؤسسات المجتمع المدني بأنها "تسعى لتحقيق أهداف مجتمعية غير ربحية".

المفاضلة بين البدائل

محاكمة البديل الأول

المقبولية: يلاقي البديل الأول القبول والدعم والتأييد من قبل أبناء الشعب الفلسطيني، خاصة في ظل حالة التعبئة وشعور المواطنين تجاه العديد من شركات القطاع الخاص بالاحتكار، وقلة التضامن الوطني والاجتماعي من قبلهم، والأرباح الباهظة التي تجنيها الشركات من المواطنين، وهذا ما يتضح مثلًا في الحملات المطالبة بتخفيض أسعار الاتصالات.

وستشكل الإعفاءات الضريبية التي ستقدمها الحكومة لهذه الشركات حافزًا قويًا لها، وكذلك يسساهم التبرع في تحسين الصورة الإعلامية والوطنية لهذه الشركات أمام المواطنين "المستهلكين/العملاء".

الإمكانية: تبدو الإمكانية واردة جدًا ومقبولة، بل من المفترض أن تكون مبادرة ذاتية من المؤسسات الربحية لمساندة أبناء شعبها.

التكلفة: يعدّ صدور قرار من مجلس الوزراء الفلسطيني بدعوة المؤسسات الربحية إلى تقديم الدعم المالي للجمعيات الخيرية مقابل بعض الإعفاءات الضريبية أمر غير مكلف البتة، خاصة في ظل انعقاد دوري لمجلس الوزراء.

الشرعية: يعدّ البديل بحد ذاته مشروعًا؛ كونه يحافظ على سلامة الأفراد، والوفاء بمتطلباتهم واحتياجاتهم الأساسية، واستخدامه صلاحية قانونية ممنوحة لمجلس الوزراء.

محاكمة البديل الثاني

المقبولية: يلاقي البديل مقبولية لدى الكثيرين، خاصة أنه من الرائج في الأزمات فتح باب التبرعات من قبل الدول والأفراد لمساندة بعضهم في تخطي الأزمة.

الإمكانية: يعدّ البديل ممكنًا جدًا وسهل التطبيق، خاصةً إذا ما قامت الدولة بتنفيذه عبر قنوات إعلامها الرسمي والصحافة التابعة لها، واستخدمت قوتها الديبلوماسية. ولكن، في حال تبني هذا البديل ستبرز إشكالية كبرى تتمثل في القيود المالية، ومنع الحوالات المالية الواصلة إلى فلسطين من قبل الاحتلال الإسرائيلي بحجة تمويل الإرهاب.

التكلفة: لا يوجد أي تكلفة لهذا البديل.

الشرعية: لا يوجد أي مانع قانوني يحول دون قيام الدولة بتنفيذ هذا البديل كونه يصب في الأعمال النافعة ومن صلاحيات الحكومة كجهة إدارية لإصدار أي لوائح تنفيذية وتشريعات تصب في مصلحة المواطنين.

محاكمة البديل الثالث

المقبولية: رغم قيام مجلس الوزراء بجلسته رقم (52) المنعقدة بتاريخ 13/4/2020 بالموافقة على طلبات تمويل عدد من الشركات غير الربحية، إلا أن هذا البديل قد لا يلاقي المقبولية الكبيرة لدى مجلس الوزارء لجميع المؤسسات، خاصة في ظل قلة الموازنة بفعل عملية المقاصة التي تقوم بها إسرائيل لأموال السلطة، وعِظم التحدي الراهن المنوط بوزارتي الصحة والداخلية، وفي ظل توقع استمرار العجز في موازنة السلطة.

الإمكانية: تتوافر الإمكانية النسبية في حال صدر القرار عن مجلس الوزراء، وهذا يعني اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لذلك، بما فيها دعم جميع مكونات المجتمع.

التكلفة: لا تكلفة لإقرار البديل، إنما ينضوي البديل نفسه على تحويل جزء من الموازنة لصالح هذه المؤسسات.

الشرعية: لا يوجد أي عوار قانوني في هذا البديل كونه يقع ضمن صلاحيات الحكومة.

محاكمة البديل الرابع

المقبولية: إن قيام الأفراد أو الجماعات بالتطوع في المؤسسات الخيرية أمر مقبول ومتعارف عليه خاصة لمن يؤمن بفكرة معينة ويسعى لمناهضتها، أو لأولئك الذين يسعون لاكتساب الخبرة في مجالات معينة.

الإمكانية: تتوافر الإمكانية للسماح بالتطوع، فهو جزء من فلسفة عمل المجتمع المدني، وسيقوم هذه البديل بتوفير جزء كبير من تمويل المؤسسات الذي كان مخصصًا للرواتب.

التكلفة: لا تكلفة لإقرار البديل، على أن تلتزم هذه الجمعيات بقواعد المؤتمر العالمي للتطوع العام 1990 في باريس الذي سُمي بـ"الإعلان العالمي المتعلق بحقوق وواجبات المتطوعين"، والذي أكد المبادئ الأساسية وأهمية العمل التطوعي كأداة للتنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وحدد حقوق المتطوعين وواجبات الجمعيات تجاههم من حيث احترام وظيفة كل متطوع بشكل واضح، وتغطية الأخطار التي يتعرض لها المتطوعون أثناء ممارسة وظائفهم، والأضرار التي يتسببون فيها دون عمد، وتسهيل وصول المتطوعين إلى تعويض النفقات.

الشرعية: لا يوجد أي عوار أو مانع قانوني في هذا البديل.

خاتمة

على الرغم من أهمية وقيمة كل بديل وفعاليته، إلا أنه لا يمكننا إدراج توصية تتناغم مع ظروف أزمة كورونا فقط بعيدًا عن السياق والأجندة الوطنية الفلسطينية، وبعيدًا عن مكنونات إعلانات التمويل المالي للإستراتيجية الأوروبية المشتركة لدعم فلسطين 2017-2020 المعتمدة من قبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

ترجح الورقة البديلين الأول والرابع، ففي البديل الأول يبتعد الفلسطينيون عن الاعتماد على التمويل الخارجي، وقد يكون باكورة لاعتماد المؤسسات على التمويل المحلي؛ لذلك يعد البديل الأول هو الأفضل من حيث المقبولية والوطنية، وفيه تعزيز للمشاركة المجتمعية وتوفير لحاجات الناس الأساسية، وضمانًا لاستمرارية عمل هذه المؤسسات وتعزيز صمودها. أما البديل الرابع فيزيد من مشاركة ومساهمة أبناء المجتمع في بنائه ورفعته وحل مشكلاته، ويؤدي إلى بناء قدراتهم في المحصلة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذين البديلين لن يحلا أزمة المؤسسات بشكل كامل، وإنما يخففان من حدتها.

الهوامش

[1] هل تعود الجمعيات المغلقة إلى أنشطتها، وكالة وطن للأنباء، 9/2/2013: bit.ly/2Y3Xga0

[2] دليل المؤسسات العاملة في فلسطين، عرب دوت أورغ: bit.ly/3ehBhRT

[3] آية شمعة، في غزة جمعيات خيرية تحاصرها إجراءات الاحتلال والسلطة، المركز الفلسطيني للإعلام، 10/6/2017: bit.ly/324JBCd

[4] بكر اشتية، فوضى الـ NGO في فلسطين، بوابة اقتصاد فلسطين، 26/1/2016: bit.ly/2Av9nUh

[5] المجتمع المدني الفلسطيني: لن نخضع لشروط التمويل، المنصة الدولية لمنظّمات المجتمع المدني العاملة لأجل فلسطين، 12/5/2020: bit.ly/2zIXklM

[6] طلال أبو ركبة، المنظمات الأهلية في غزة: تداعيات التمويل المشروط وتحديات كورونا، عرب 48، 30/4/2020: bit.ly/3dMwubl

[7] 60% من المنظمات الأهلية تعاني أزمة مالية بقطاع غزة، بواية اقتصاد فلسطين، 14/9/2017: bit.ly/361MPpO

[8] النقص الحاد في التمويل يهدد جميع أشكال الاستجابة الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (أوتشا)، 9/8/2018: bit.ly/2ZXanK0

[9] ناهض أبو حمّاد، التمويل الدولي للمؤسسات الأهلية وأثره على التنمية، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، غزة، 2020.

[10] مها قطاع، الصمود في مواجهة الأزمات والعمل اللائق يخففان من آثار وباء كورونا على سوق العمل الأردني، منظمة العمل الدولية، 26/3/2020:bit.ly/2Wyh7xi

[11] الإحصاء الفلسطيني يعلن التنبؤات الاقتصادية لعام 2020 جراء جائحة كورونا، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 13/4/2020: bit.ly/3iQ0DtL

[12] الاقتصاد الفلسطيني يعاني وجائحة كورونا تكبده الخسائر، البنك الدولي، 1/6/2020: bit.ly/3fijVWp

[13] أكثر 5 شركات فلسطينية تحقيقًا للأرباح في 2018، ألترا فلسطين، 27/2/2019: bit.ly/2Z7TjSA

[14] الإعلان عن أسماء أعضاء صندوق "وقفة عز"، الاقتصادي، 8/4/2020: bit.ly/3fSj2oe

[15] تيسير محيسن، منظمات العمل الأهلي في قطاع غزة: نحو سياسات تمويلية بديلة، ورقة بحثية غير منشورة، شبكة المنظمات الأهلية، حزيران/يونيو 2017.

[16] خلال جلسة استثنائية لمجلس الوزراء: أزمة كورونا ستعكس نفسها على موازنة 2020، موقع مجلس الوزراء، 14/3/2020: bit.ly/2UQLiyC

مشاركة: