الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   18 حزيران 2021

| | |
أهي هبة أم انتفاضة أم تباشير ثورة؟ (4)
غانية ملحيس

يوحد أبناء الشعب الفلسطيني - على اختلاف مناطق تواجدهم الجغرافي وانتماءاتهم الإثنية والدينية والعقائدية والفكرية والسياسية والحزبية والفصائلية وفئاتهم العمرية - هدف تحرير فلسطين وعودة اللاجئين من المنافي وتقريرمصيرهم الجمعي فيه.

ويوحدهم، أيضا، الخطر الوجودي الذي يواجهونه بسبب الاستهداف الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري لوطنهم الفلسطيني الصغير. الذي يشكل مركز الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري داخل منطقة ثرية ممتدة تقع في مركز العالم، وتشرف على خطوط التجارة والملاحة والاتصالات الدولية. واختصه الخالق بجعله موئلا للديانات السماوية المتتابعة الثلاث التي يدين بها ثلثا البشرية. ما جعل السيطرة على فلسطين - عبر العصور - هدفا مركزيا للقوى الدولية المتنفذة الساعية للسيطرة على عموم المنطقة الجيو- استراتيجية، التي تلعب دورا حيويا في ترجيح موازين القوى على الصعيد العالمي.

وجعل الشعب المرابط على أرضها رأس حربة في الدفاع عن عموم المنطقة. حيث يرتبط مصير شعوبها الجمعي انتصار وانكسارا بما يحدث في فلسطين، باعتبارها خط الدفاع الأول. فتحمل، بذلك، شعبها مسؤولية الثبات والصمود والتصدي وتقدم الصفوف للدفاع عن وجوده أساسا. ولاستنهاض شعوب الأمة لترابط مصيرهم الجمعي. ففلسطين كما يظهر تاريخ المنطقة، ولخصه محمود درويش بدقة لافتة، أم البدايات وأم النهايات.

وعلى أهمية ما يوحد أبناء الشعب الفلسطيني ضد العدو الوجودي الذي غزا وطنهم قبل قرن، وبات يحتل كامل أرضهم منذ أكثر من نصف قرن. ويواصل للعقد الثامن على التوالي حروب الإبادة والتطهير العرقي لاستئصالهم من التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا. كي يتسنى له الاستقرار فوق أنقاضهم ومواصلة التقدم مع رعاته الدوليين للسيطرة على عموم المنطقة. 

إلا أنهم - فيما عدا ذلك - ما يزالون يختلفون على كل شيء آخر :     يختلفون على شكل الوطن - الذي يفتدونه بأرواحهم - بعد تحريره. فبعضهم يريده دولة إسلامية في إقليم إسلامي ممتد. وبعضهم يريده دولة قومية في وطن عربي كبير. واتجاه ثالث يريده دولة لجميع مواطنيها، تتعايش فيها الأديان والأعراق كما كان عليه الحال عبر قرون. ورابع لا يمانع في دولة ثنائية القومية أو دولتين قوميتين في اتحاد فيدرالي -لاعتقاده بأن يهود إسرائيل يشكلون قومية -. واتجاه خامس لا يمانع في مواطنة متساوية تحت السيادة الإسرائيلية، إذ يعتبر أن التساوي في الحقوق المدنية بين يهود إسرائيل والفلسطينيين المقيمين تحت سيطرتها - الذين يعادلونهم في الوزن الديموغرافي - كفيل بتغييرطبيعتها العدوانية وإنهاء عنصريتها. وسادس يرتضي تقسيم فلسطين إلى دولتين متجاورتين وفقا لقرارات الشرعية الدولية. بعضهم يريد القسمة وفقا لقرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 الصادرعن الجمعية العامة للأمم المتحدة وعودة اللاجئين وفقا للقرار 194، اللذين قبلت عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة على أساس تعهدها بنفاذهما.

بينما يرجح دعاة الواقعية السياسية أن تجري القسمة وفقا للأسبقية الزمنية لاستعمار أجزاء الوطن الفلسطيني، بمقايضة ما احتل عام 1948 بما احتل عام 1967. وحل عادل لمشكلة اللاجئين / يتم التفاوض على صيغه/ وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967، و338 لعام 1973.           

ويقبل الأكثر طوعا للواقعية السياسية بتعديلات حدود العام 1967، بما يمكن إسرائيل من إبقاء الغالبية العظمى من مستوطنيها في الضفة الغربية حيث هم، وضم الكتل الاستيطانية المقامة على أراضيها إلى حدود دولة إسرائيل، ومبادلتها بمساحات متساوية في الحجم والنوع تضم للدولة الفلسطينية المأمول إقامتها.

واتجاه سابع يؤمن بأن الحل يكمن في إقامة دولة وطنية علمانية ديموقراطية مدنية تفصل الدين عن الدولة. يكون فيها الفلسطينيون المقيمون واللاجئون العائدون من المنافي، ويهود إسرائيل الراغبون في البقاء - عند تحررهم من عقيدتهم الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية العنصرية - متساوون تماما في الواجبات، وفي جميع الحقوق الفردية والجماعية، السياسية والمدنية والدينية والحق في تقرير المصير، ويعيشون سويا كأسياد أنداد، يتشاركون العيش في وطن واحد حر سيد مستقل بتساو تام أمام القانون. 

وتعكس هذه المقاربات المتباينة حد التناقض بين الفلسطينيين لحل الصراع إغفالها لحقيقتين :-

الأولى: أن حل هذا النوع من الصراعات يستغرق زمنا طويلا يمتد لعدة أجيال، وينجز بالتدرج والتراكم.

الثانية: الافتقار إلى الأساس المرجعي القيمي الموحد المتصل بالعدالة وحقوق الانسان الذي يتوجب أن تبنى في ضوئه أية اجتهادات لحل الصراع.

ما أدى إلى التخبط وفقدان البوصلة والضياع الذي ما نزال نعيش تداعياته، حيث يحاول كل جيل البحث عن حلول للصراع ترتبط بزمنه. دون التبصر بتداعيات الحلول المرحلية على تحقق الهدف التحرري الجامع كلفة وسرعة. وفاقم من ذلك، تعدد المرجعيات القيمية عند محاولة اجتراح الحلول.

فاندفع من اعتمد التاريخ مرجعا وحيدا إلى التشبث بالماضي الذي انقضى، والسعي لمحاولة استرجاعه بذات الصيغة التي كان عليها.

وارتأى البعض الآخر الخضوع لقانون الغاب الذي تحكمه موازين القوى المتغيرةعلى الدوام، بالإذعان للوقائع التي يفرضه اختلالها في لحظة تاريخية تعقب الحروب، فيوحي العدو المنتصر الذي يمتلك رؤية ومشروعا وخطة محكمة لتنفيذه، بوجود فرصة لحل الصراع بتثبيت الوضع المستجد والانطلاق منه. ويعتقدها الطرف الفلسطيني المهزوم فرصة ممكنة للإقرار بالواقع الناشئ تجنبا لخسارة أفدح.

فيما يصر آخرون عند السعي لبلوغ حقوقهم على تجاهل ما أفرزته الوقائع التاريخية من حقائق ديموغرافية يتعذر القفز عن وجوب مراعاتها عند اجتراح الحلول، وتجنب الإخلال بحقوق الانسان المتساوية لجميع بني البشر (بغض النظر عن العرق أو الدين أو اللون أو الجنس أو العمر - في العيش الحر الآمن الكريم وتقرير المصير )، عندما يتعارض إحقاقها مع العدالة المطلقة، بينما يتيح الاسترشاد بمنظومة قيمية توائم بين العدالة وحقوق الانسان صيغا ممكنة لتحقيق عدالة نسبية. لا تجعل حل مشكلة يولد مشكلة أخرى. ولا تقايض حقوق أحد بحقوق آخرين.   

ربما يهيأ للبعض أن ما سبق تناوله يندرج في باب التنظير الذي يتهم به عادة المثقفون والمحللون. غير أن الدلائل كافة، تشير إلى أن استمرار غياب التوافق الفلسطيني حول شكل المستقبل المرغوب بلوغه في نهاية المطاف. هو المسؤول الرئيس عن التيه الكبير الذي ما يزال يعيشه الشعب الفلسطيني للقرن الثاني على التوالي. وهو ما أدى إلى تعدد الاجتهادات الفلسطينية وتعارضها حد التناقض عند البحث عن الحلول والبدائل لحل الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي. ذلك أن لكل بديل منهج لبلوغه بسبب اعتماد مرجعيات مختلفةً ومعايير وأدوات قياس متباينة في تقييم كفاءة المناهج والوسائل والآليات والأدوات والتحالفات. والافتقار إلى مرجعية قيمية موحدة واضحة تنظم الاختلافات وتربطها بمعايير موضوعية موحدة يحتكم إليها الجميع للمفاضلة بين البدائل والخيارات المختلفة، عبر قياس دقيق لمؤشرات الكلفة والسرعة لكل بديل في بلوغ الهدف الوطني المجمع عليه المتمثل في التحرير والعودة وتقرير المصير.      

ينعكس اختلاف الاجتهادات الفلسطينية بشأن الخيارات والبدائل لحل الصراع على الوسائل المنتهجة والبنى التنظيمية والتحالفات بين القوى التي تجد مصلحة في تحقيقها. سواء الفلسطينية منها أم الإسرائيلية أم العربية أم الإقليمية أم الدولية. ما يؤدي إلى تصادم القوى المحلية المتعارضة، وتنافسها والاستقواء بحلفائها الخارجيين للتأثير على ميزان القوى الداخلي، بغية تعزيز مواقعها في النظام السياسي الفلسطيني.        وتتفاقم خطورة، ذلك، بالنظر إلى أن للحلفاء جميعا أهدافا ومصالح ومطامح خاصة مختلفة، وأنها تسعى إلى توظيف حاجة حلفائها الفلسطينيين لدعمها، لتحقيق أهدافها ومصالحها وطموحاتها، وتعزيزموقعها التنافسي في صراعاتها البينية على النفوذ، ما يفاقم تعقيد الوضع الفلسطيني ويقوض فرص التوافق الوطني.

وعليه، ليس صحيحا أنه يمكن تأجيل حسم الخلافات الفلسطينية بشأن المستقبل الفلسطيني المرغوب كما يطالب كثيرون. ويدعون -عوضا عن ذلك - للتركيز على ما يوحد الفلسطينيين في المدى القصير والمنظور فقط. وهو أمر يخالف منطق تطور حركة التاريخ الذي يؤكد أن الحاضر ليس سوى حلقة وسطى بين الماضي والمستقبل في سلسلة الزمن المتصلة. كما يتعارض مع العلم الذي يعرف الهدف بأنه " النهاية العملية لبداية نظرية لتحقيق الغاية المبتغاة ". وعليه لا ضمانة لبلوغ المستقبل الفلسطيني المأمول الذي لا توجهه بوصلة وخريطة طريق واضحة تعينه على انتهاج سياسات عبر المراحل المختلفة، تؤسس للاقتراب منه بشكل تدريجي وتراكمي.

وبإمعان النظر في الحالة الفلسطينية الحافلة بالاختلافات والخلافات الفلسطينية. يتضح أن غياب الرؤية المستقبلية وضبابية الهدف الفلسطيني العام / التحريروالعودة وتقرير المصير/ وعدم ارتباط بلوغه بزمن ممكن محدد، وبمنظومة قيمية تتصل بالعدالة وحقوق الانسان، وبخريطة طريق واضحة تحدد ما يمكن تحقيقه في كل مرحلة دون تقييد فرص بلوغه. حيث حسم الصراع لن يتم بالضربة القاضية، وإنما عبر مراحل متتابعة تحقق كل منها إنجازات صغيرة تتراكم مفاعيلها وتؤدي إلى بلوغ الهدف النهائي. فلم ينجح الصهاينة باستعمار فلسطين والبقاء فيها ومواصلة التقدم، إلا لأنهم امتلكوا رؤية واهدافا ومشروعا وآليات تنظيمية ومؤسسية مؤهلة وخارطة طريق وخطط تنفيذية لبلوغها.

وما لم يتمكن الفلسطينيون من بلورة رؤية واضحة للمستقبل المنشود، ويمتلكوا مشروعا تحرريا إنسانيا نقيضا للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري، ويوفروا موجبات تحقيقه. فسيتحول هدفهم التحرري إلى مجرد حلم طوباوي تتحكم الأقدار بتحقيقه، وقد لا يتحقق على الإطلاق.

وبإسقاط ما تقدم على الحالة الفلسطينية، يتبين أن الفلسطينيين الذين يوحدهم هدف التحرير والعودة وتقرير المصير. ما يزالون يخوضون صراع البقاء، ويتكبدون تضحيات بشرية ومادية جسيمة، ولا يمتلكون بوصلة مرشدة، ويختلفون على المناهج والأولويات والسبل والوسائل لبلوغ هدفهم التّحرُّري.

فبعضهم يراه بانتهاج الكفاح المسلح كطريق وحيد، ويربط ذلك بتحالفات خارجية تعول على الصراعات القطبية الإقليمية والدولية. ويتجاهلون أن الحلفاء هم الأقدرعلى توظيف عدالة القضية الفلسطينية لحشد القوى وتعزيز مواقعهم في التنافس الاستقطابي الإقليمي والدولي.

وبعضهم يراه بالنضال اللاعنفي والتعويل على المجتمع الدولي وقواه المتنفذة الراعية لإسرائيل، باعتبارها الأكثر مقدرة على التأثير والضغط عليها، ويرتضون التفاوض وفقا للأسس والضوابط التي تضعها هذه القوى. ويتجاهلون أن ما يحكم السياسات الخارجية للقوى الدولية المتنفذة مصالحها فقط. ويغفلون أن التزام الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الغربيون بأمن إسرائيل وتمسكهم بيهوديتها، لا علاقة له كما يروج بالمسؤولية الأخلاقية التي يدعونها اتجاه ضحاياهم اليهود. فقد سبقت الإشارة إلى تواطؤ الحكومات الغربية مع الحركة الصهيونية والنازية لتسهيل اقتلاع يهود أوروبا من أوطانهم الأصلية، من أجل توظيفهم في إنشاء مستعمرة استيطانية يهودية تشكل امتدادا حضاريا للغرب الاستعماري على أرض فلسطين، وتلبي حاجتهم لقاعدة استعمارية استيطانية أجنبية متقدمة تضطلع بحماية مصالحهم الحيوية بالمنطقة بكلفة مادية وإنسانية وأخلاقية أقل بأضعاف مما لو اضطلعوا بها بأنفسهم. كما سبقت الإشارة إلى تقييم الرئيس الأمريكي

جو بايدن لجدوى وجود إسرائيل بقوله " لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان على الولايات المتحدة الأميركية أن تخلق إسرائيل كي تحمي مصالحها ". ثم أعاد التأكيد على التزام أمريكا بحماية أمن إسرائيل والحفاظ على نقائها اليهودي خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع نظيره الكوري الجنوبي بتاريخ 22/5/2021، بعد الجولة الأخيرة من حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. فأعلن بوضوح لا يقبل التأويل شروطه لتسوية الصراع. بأنه"لن يكون هناك سلام حتى تعترف المنطقة بأسرها، وبشكل لا لبس فيه، بالحق الوجودي لإٍسرائيل كدولة يهودية مستقلة"

وبالرغم مما يعنيه ذلك. ما يزال الفلسطينيون يتصارعون فيما بينهم، وينسون أنهم يخوضون صراعا وجوديا يتهدد بقاءهم جميعا.

فيختلفون على مفهوم الصمود. اذ يعتقد بعضهم بأن مجرد البقاء في أرض الوطن صمود حتى عند انعدام البدائل. فلا يبالون بالسياسات والسلوكيات التي يمارسها القادة - كل في مناطق سيطرته - وتتسبب في تقويض مقومات استمرار البقاء بإضعاف المناعة الوطنية والمجتمعية، تارة بالانقسام والإقصاء والصراع على النفوذ. وتارة أخرى بانتهاج سياسات اقتصادية تشجع الإثراء الفردي المتلازم مع الإفقار الوطني والمجتمعي. وسلوكيات تعمق الارتهان الاقتصادي والمعيشي الفلسطيني للعدو الوجودي ورعاته الدوليين والممولين العرب (عندما يأذن لهم سادتهم ). وسياسات اجتماعية تحابي القوي والثري وتفاقم اختلال التوازن المجتمعي وتعمق الفوارق الجهوية والمناطقية والطبقية، ولا تبالي بأخطارتجاور البطر مع الفقر على الصمود.
ويختلفون في تفسير ذات الوقائع حد التناقض. فما يعتبره البعض نصرا مؤزرا يراه آخرون هزيمة ساحقة. 
ويختلفون في تعريف الخسائر وكيفية احتساب حجمها، فالبعض يقيسها بمدى مساسها بالقادة. فيما أرواح الجماهير إما ودائع جاهزة للاستثمار في أوقات المواجهة. وإما رأسمال بشري تزداد قيمته في المناكفات السياسية، وتتلاشى في الميادين والساحات عندما تتجرأ الجماهير على الاحتجاج على سياسات إدارة حياتها.
ويختلفون على أحقية القيادة. فبعضهم يرى استحقاقها حصريا بأعضاء التنظيم الذي حظي بشرف إطلاق الرصاصة الأولى، واكتسب على أساسه شرعيته التمثيلية الفلسطينية والعربية والدولية. حتى وإن تخلى قبل ثلاثة عقود رسميا عن الكفاح المسلح واعتبر المؤمنين بشرعية استخدامه وفقا للقانون الدولي، خارجين عن القانون الفلسطيني - ولو كان للدفاع عن النفس والممتلكات والمقدسات ضد اعتداءات المستوطنين المدججين بالأسلحة والمعززين بحماية الجيش الإسرائيلي - ما يستوجب إخضاعهم للملاحقة والمساءلة القانونية والجزائية. بل والتنسيق مع العدو في تعقبهم.فاستكمل، بذلك، شروط الاعتراف بشرعيته التمثيلية إسرائيليا وأميركيا وغربيا.

 وبعضهم الآخر يربط استحقاق القيادة بمستجدات موازين القوى الداخلية التي تفرزها جولات المواجهة المنفردة مع العدو، والتي تغيب عنها القوى الفلسطينية الأخرى الوازنة. مدفوعة بأوهام إمكانية محاكاة تجربة سابقة سبق وأن سمحت لقوة من خارج النظام السياسي الفلسطيني / حركة فتح/ في لحظة تاريخية محلية وعربية ودولية مواتية أتاحتها المواجهة العسكرية الأولى التي قام بها مجموعة محدودة من الثوارالفلسطينيين وتمكنوا من الصمود وصد العدو الإسرائيلي - الذي كان قبل أشهر قليلة، قد ألحق بالنظام العربي الرسمي بأسره هزيمة ساحقة في حزيران عام1967 - ما سمح، آنذاك، لحركة فتح بالاستحواذ على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية - حديثة النشأة - عام 1969.

ولا تلتفت حماس وحلفاؤها من تنظيمات المقاومة الفلسطينية، إلى التغيرات النوعية الجوهرية التي طرأت على المشهد الفلسطيني والإسرائيلي والعربي والإقليمي والدولي، ولم تعد تسمح باستنساخ ذات التجربة التي نجحت قبل نصف قرن، مع أن حماس وحلفاءها قد تمكنوا خلال المواجهة العسكرية الأخيرة التي واكبوا بها هبة المقدسيين، من تحدي العدو في لحظة انتصاره باختراق النظام العربي باتفاقات أبراهام، وما تتيحه من فرص للاستفراد بالشعب الفلسطيني. وتمكنوا أيضا من تحدي استكانة وجمود وعجز السلطة الفلسطينية، فبعث ذلك الأمل الفلسطيني بالتغيير، خصوصا في ظل التضامن العربي والعالمي الواسع مع الشعب الفلسطيني.

وبالتوازي مع التنافس بين حركتي فتح وحماس على أحقية القيادة الفلسطينية، يرى بعض الفلسطينيين استحقاق القيادة وثيق الصلة بالبنى الفصائلية القائمة، حتى لو لم يعد لغالبية الفصائل حضور شعبي ملموس. ويراه البعض الآخر مشروطا بالانتماء الجهوي والعشائري والقبلي والعائلي. ويراه آخرون ممكنا عبر التمرد والتحالف بين مراكز القوى داخل الأطر التنظيمية وخارجها، ما فاقم المأزق الفلسطيني.

 وقد تجلى اختلاف الفلسطينيين على أحقية القيادة في واقعتين متتاليتين ما تزال تداعياتهما تتفاعل وتهدد بمزيد من التيه الفلسطيني :

الأولى : جسدها المشهد الانتخابي الذي استدعته المراسيم الرئاسية التي تتابع إصدارها بالإجراء والإلغاء. وعكسته الصراعات بين مراكز القوى داخل التنظيمات والفصائل والأحزاب وبينها. فتشظت عندما أخفقت مفاوضات اللحظة الاخيرة بين أقطابها، وأعاد بعضها التموضع في تحالفات وفقا لتفاهمات حول المواقع في القوائم قبل التوافق على البرامج الانتخابية. ما أسفرعن تقدم 36 قائمة للانتخابات تضم 1400مرشحا للتنافس على 132 مقعد لمجلس حكم ذاتي فلسطيني هجين. لا يشبه حتى ذاك الذي أنشأه اتفاق اوسلو، الذي أوكل لإدارة الحكم الذاتي المسؤولية عن كامل فلسطينيي الضفة الغربية (استثنى منهم المقيمين في القدس الشرقية ) وقطاع غزة. وحصر صلاحيات إدارة الأراضي والموارد بمناطق ا ( 18% من مساحة الضفة والقطاع ) التي كان جيش الاحتلال قد أعاد التموضع في محيطها. فيما تخضع مناطق ب ( 22%) لإدارة مشتركة فلسطينية - إسرائيلية تتحكم إسرائيل بحدود صلاحياتها. وحمل السلطة مسؤولية إدارة شؤون السكان الفلسطينيين المقيمين في مناطق ج (60%)، التي تخضع بكاملها للسيادة الاسرائيلية. 

ولم يلفت انتباه الطبقة السياسية الفلسطينية أثناء تنافس أقطابها على المواقع والنفوذ. أن الحكم الذاتي - الذي بني عليه اتفاق أوسلو – وأضاعوا الفرص الضئيلة التي كانت تتيحها بعض بنوده لبناء قدرة ذاتية فلسطينية تقلص الارتهان المعيشي للعدو ورعاته الدوليين، لم يعد له وجود. وانه قد تم تقويض مرتكزاته عند إعادة اجتياح مناطق الحكم الذاتي في ربيع عام 2002 واحتلال ما سبق أن تموضع خارجه في الضفة الغربية. فوسع حدود منطقة ج لتشمل كامل الضفة الغربية بإخضاعها للسيطرة الاسرائيلية الكاملة. وأبقى على السلطة الفلسطينية التي يحتاج لدورها كوكيل محلي لإخضاع سكانها ولجم مقاومتهم. وفصل قطاع غزة وأحكم الحصارعليه برا وبحرا وجوا، لكسر استعصاء سكانه عبر جولات متتابعة من حروب الإبادة والتدمير الممنهج. ووفر الإمكانية لاستدامة سلطة فلسطينية موازية تديم انقسام النظام السياسي الفلسطيني، وتتولى إدارة حياة سكان القطاع بما تيسر من موارد تمويل يقدمه الممولون العرب عبر إسرائيل. ويقيد بشروط هدنة مؤقتة يتم تشديدها بعد كل جولة تحاول فيها السلطة الناشئة في القطاع تقليص الضغوط، بتوظيف ما استطاعت تأمينه من قوة عسكرية تعزز قوتها التفاوضية لتأمين استدامة بقائها مقابل الحفاظ على الهدوء من جهة، ولتعزيز مواقعها في النظام السياسي الفلسطيني ثنائي القطبية من جهة أخرى. 

أما الواقعة الثانية فيجسدها الفشل في عقد اللقاء الفلسطيني الذي كان مخططا بالقاهرة يوم السبت الماضي. وما رشح من معلومات حول الشروط التعجيزية المتبادلة التي وضعها طرفي النظام السياسي الفلسطيني - تم تناول تفاصيلها في وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والدولية - ما تسبب بإلغائه، والإخفاق في التوافق على أولويات العمل الفلسطيني في مواجهة التحديات الوجودية المتنامية، والتي دللت على نقص أهلية فتح وحماس على السواء لقيادة مرحلة مفصلية ربما الأخطر منذ النكبة الكبرى.

أدرك أنني أثقل بمقالاتي الطويلة التي يلومني كثيرون على طولها وهم محقون. خصوصا في عصر الاختزال الذي أحدثته الثورة التكنولوجية. ثم فاق كل الحدود منذ أن عمت جائحة الكورونا الكرة الأرضية وأشغلت البشرية على امتدادها بخوف وجودي من عدو غير مرئي لا يعترف بالقواعد التي ألفها الناس لإدارة حياتهم، فأربك أولوياتهم وباتوا على عجلة من أمرهم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالشأن العام، فلا يلفتهم إلا ما قل ودل، ولا يهتمون بتشخيص المرض، ويفضلون القفز مباشرة إلى الحلول. 

لكني أنتمي إلى جيل مخضرم يفتقر إلى مهارة الاختزال، ويسابق الزمن لنقل خلاصة تجربته للأجيال الفتية قبل أن يغادر الدنيا، حتى لا يرتكبوا ذات الخطايا. ويرى أن وظيفة المقالات مناقشة أسباب المشاكل باسهاب، وإثارة الأسئلة واستدعاء التعليقات لإثراء الحوار الوطني حول المشتركات التي تجمع الشعب الفلسطيني بكافة مكوناته داخل الوطن وخارجه، ويعي تماما تعذر إمكانية اجتراح الحلول الناجعة دون معالجة جذور المشكلة المسؤولة عن اختلال الواقع الفلسطيني. ودون توحيد المرجعية الوطنية الموجهة للكل الفلسطيني، ودون التوافق على خريطة طريق تؤمن تحقيق الهدف التحرري، كي تبنى في ضوئها الخيارات الصحيحة، والنظام السياسي الوطني المؤهل العابر للحدود التي تفصل الفلسطينيين داخل الوطن وفي المنافي، ليحل محل النظام السياسي الفصائلي المتكلس العاجز. ويتولى قيادة النضال الفلسطيني والتقدم بثبات لإنجاز هدف التحرير والعودة وتقرير المصير. 

 

مشاركة: