الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   28 حزيران 2021

| | |
رحيل السيدة سهام أبو غزالة .. عاشقة فلسطين وحارسة الذاكرة والتراث
غانية ملحيس

محزن رحيل سهام أبو غزالة إحدى رائدات العمل التطوعي الفلسطيني وسط هذه الظلمة الحالكة التي يمر بها وطننا. فما أحوجنا اليوم إلى قادة ينتمون للوطن ويفتدونه، ويخدمون الشعب بإخلاص وترفع.

كانت سهام أبو غزالة تعمل بصمت لافت، وتتوارى خلف فريق عمل تقوده بكفاءة وتفان. وتستحضرفي المعارض التي تجوب بها العالم فلسطين الوطن والشعب. وتحرص على أن تبدأ صالات العرض باستحضارتاريخ فلسطين وجغرافيتها في جداريات تختزل فيها حكايا الوطن والشعب. وترفقها بعرض لمنتجات الفكر وأفضل ما تضمنته الكتب التي تثري الوعي المعرفي للأجيال المتتابعة حول فلسطين الوطن والشعب والقضية. 

في المعارض الدورية التي دأبت سهام مع ثلة من رائدات العمل التطوعي على تنظيمها،كن يستعدن بشغف حكايات المدن والقرى والبادية الفلسطينية، ويروونها على أثواب يعهدن للنساء الفلسطينيات توثيق خصوصية رموزها وتمايزألوانها ومدلولاتها. فكل غرزة تبوح بشوق وحنين وذكرى للحياة الجميلة التي كانت، قبل ان يسطوا الغزاة المستعمرون الصهاينة على فلسطين ويفتكوا بأهلها قتلا وتشريدا. فتحفظن عبر الأثواب ذاكرة المكان الذي تم سلبه، والزمان الذي عاشه الأجداد والجدات وما اعتادوه في الأعراس والأعياد ومواسم الزرع والحصاد. ويحفظن بذلك التراث من الاندثار، ويبعثونه حيا في عقول وقلوب الأجيال الفلسطينية الفتية التي تم اقتلاعها وحرمانها من نعمة ومتعة التواصل مع ماضيها العائلي والحضاري. ويوفرن في الوقت ذاته لعديد النساء الفلسطنينيات في مواطن اللجوء عملا كريما ودخلا يسهم في إعالة أسرهن. ومن عائدات بيع منتجاتهن في المعارض التي تجوب العالم، يدعمن صمود مؤسسات القدس التعليمية والصحية، ويسهمن في رعاية عديد الأسر الفلسطينية في مخيمات الوطن والشتات.

تأسرك سهام أبو غزالة بهدوئها وكبريائها وتفانيها وحزنها الدفين وهي تروي حكايات الوطن والشعب الذي تواطأ الكون بأسره لطمسها. وتذهلك بمقدرتها - رغم ذلك - على الاحتفاظ بشغف عيش مباهج الحياة الفلسطينية التي كانت. فتراها تحفظ الأهازيج والأغاني الوطنية والتراثية، وتشترك مع الصبايا والشباب في الدبكات الشعبية التي كانت تتخلل المعارض فتنثرالفرح والبهجة. وتستكمل استحضار فلسطين باستدعاء المطبخ الفلسطيني الحافل بأقراص الزيت والزعتر والميرمية والعكوب إن كان موسمه والفتوت والمفتول والمسخن والمقلوبة. فتحيي الوطن الذي تم تغييبه، وتحفز الأجيال الفتية على استحضاره والعيش فيه أينما حلوا. وترقب بحب وأمل تعلقهم بالأرض التي حرموا منها ، وإصرارهم على التمسك بحقهم في تحرير وطنهم والعودة إليه وتقرير المصيرالفلسطيني الجمعي على أرضه. 

وبحضورها الأنيق وابتسامتها الدافئة التي لا تفارقها ، حتى وهي تواري دمعة غاضبة لسلوك لا ترتضيه. وعتاب هامس يحفزه القلق على مستقبل المركز الذي كان لها وزميلاتها الرائدات شرف المبادرة لإنشائه في الكويت، وحافظن عليه بعد الاجتياح العراقي للكويت، وأعدن إحياءه في الأردن.

ولأجل استمراريته والحفاظ عليه،تكبدت سهام أبو غزالة عناء العيش في مكانين للمواءمة بين رعاية أسرتها ورفيق عمرها الذي أقعده المرض في الكويت، وبين متابعة وإدارة مركز التراث في عمان، وظلت تسابق الزمن لتوفير مقومات استمرار المركز وتنميته وتطوره بالتنظيم والمتابعة والتحديث والمأسسة. 

لروح الراحلة الكبيرة الرحمة والسكينة، ولذكراها العطرة الخلود، ولأبنائها وشقيقتها إلهام وأشقائها المهندس وائل والشيخ حازم وأسرهم، ولعموم عائلة أبو غزالة الكريمة، ولأصدقائها الكثر وعموم الشعب الفلسطيني الذي أمضت العمر في خدمة قضيته العادلة أحر التعازي.

 

 

 

مشاركة: