الرئيسية » تقدير موقف » ريناد المجدلاوي »   18 تموز 2021

| | |
العدوان الإسرائيلي في وسائل الإعلام الأميركية
ريناد المجدلاوي

مقدمة

أدى تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية وسياسة التهجير القسري في القدس بداية أيار/مايو 2021، وما تبعها من عدوان على قطاع غزة، واندلاع الهبة الشعبية ضد سياسات الاحتلال في كل التجمعات الفلسطينية، إلى إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في المشهد الدولي.

اعتمد الإعلام الأميركي في تغطية الأحداث الجارية مع بدء العدوان العسكري على قطاع غزة على تصريحات المؤسسات السياسية والعسكرية الإسرائيلية من جهة، والإدارة الأميركية الجديدة من جهة أخرى، مع أن الولايات المتحدة تمتلك كبرى وسائل الإعلام في العالم؛ ما أثر بشكل مباشر على طبيعة تغطية الأحداث في الساحة الفلسطينية، بما يتعارض مع معايير الصحافة المهنية.

يثير هذا الحدث مجموعة من التساؤلات عن منهجية عمل الصحافة الأميركية في نقل الأحداث، بدءًا من سياسة التهجير القسري في حي الشيخ جراح بالقدس، وحتى وقف العدوان العسكري على قطاع غزة؟

وستحاول الورقة تقديم قراءة حول تغطية وسائل الإعلام الأميركية للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، وتحليل مضامينه، والدور الذي لعبته في تسخير إمكاناتها الضخمة لخدمة السياسة الإسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية. كما ستناقش مضامين الأخبار التي غطت العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، والمصلحات المستخدمة، ومدى مهنيتها.

منظومة الإعلام الأميركية والقضية الفلسطينية

يتقاسم الإعلام الأميركي مكانة متساوية مع المؤسسات الحكومية، إذ تلعب الصحافة أو "السلطة الرابعة" دورًا حيويًا كحارس للديمقراطية الأميركية بحسب الدستور الأميركي 1789 الذي نص على "ألا يشرع الكونغرس أي قوانين تختزل حرية الصحافة". وتتنامى أهمية الإعلام بموقعه الاقتصادي باعتباره إحدى أكبر مجموعات الأعمال في الولايات المتحدة، إذ تزيد إيراداته السنوية عن 242 مليار دولار.[1]

على الرغم من قوة منظومة الإعلام الأميركي، إلا أنها تتأثر بمجموعة من العوامل، ولعل أهمها: طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والرؤية الإعلامية بأن إسرائيل تمثل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، إضافة إلى عناية اللوبي اليهودي في أميركا والجمعيات اليهودية كـ"جمعية الصحافة الأميركية اليهودية" التي تضم كبار الصحفيين والمحللين السياسيين والخبراء في مجال صناعة الإعلام.[2]

يبدو أن العوامل السابقة وُظّفت لتوجيه الإعلام نحو خدمة الرواية الإسرائيلية على حساب الروايات الأخرى، إذ تتصف الإجراءات والسياسات الاحتلالية ضد الشعب الفلسطيني بالديمومة والاستمرار، وهي لم تغط بشكل مهني في الإعلام الأميركي، الأمر الذي دعا أكثر من 500 صحفي أميركي إلى توجيه رسالة إلى وسائل الإعلام الأميركية حول تعاملها مع فلسطين، وتضمنت الرسالة تخلي تلك الوسائل عن القيم الصحفية والبحث عن الحقيقة، وأن كل ما تقدمه حجب جوانب أساسية للاحتلال العسكري الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري تجاه الفلسطينيين.[3]

التهجير القسري في الإعلام الأميركي

بدا اهتمام الإعلام الغربي بشكل عام، والأميركي بشكل خاص، مع بدء العدوان على قطاع غزة، ولم تكن هناك تغطية موضوعية للتهجير القسري لسكان أحياء مدينة القدس، ولا للمضايقات التي تعرض لها المصلون في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، والتي تصاعدت بعد اقتحام المسجد الأقصى، ما أدى إلى اشتعال هبة جماهيرية في كل التجمعات الفلسطينية.

يبدو أن الإعلام الأميركي يتعمد بشكلٍ ممنهج عند تغطية الأحداث الجارية على الساحة الفلسطينية استخدام مسميات محددة دون غيرها، لا سيما الأماكن الدينية، فأغلب الإعلام الغربي يذكر "الأماكن الدينية" دون تحديد مسميات دقيقة.

أوضح عدد من النشطاء الفلسطينيين والمناصرين للحقوق الفلسطينية على مواقع الإعلام التقليدي والاجتماعي حقيقة ما يجري في القدس والتجمعات الفلسطينية، ومنهم من يسكن في حي الشيخ جراح ويتعرض لسياسة التهجير القسري؛ الأمر الذي ساهم في كسب تعاطف الشعب الأميركي وإيصال رسالة واضحة إلى المجتمع الغربي. وفي ضوء ذلك، اعتمدت وسائل الإعلام التقليدي سياسة مسايرة نقل الأحداث، خاصة مع بدء العدوان على غزة، وفق خطاب إعلامي متحيز للرواية الإسرائيلية.

وفي ذات السياق، أجرت قناة سي إن إن مقابلة مع محمد الكرد، أحد المهددين بالتهجير القسري في حي الشيخ جراح، في 17 أيار/مايو 2021، ووجهت له المذيعة سؤالًا: "أنت كبرت في الحي، ومنزل عائلتك مهدد بالإخلاء .. ما المشهد الآن؟"، فأجاب: "استنكر ضبابية المصطلح المستخدم "إخلاء"، لأن ما يجري تهجير عرقي، فالاحتلال لا يملك شرعية قانونية، والإخلاء لا يتضمن المئات من عناصر الجيش والشرطة والمستوطنين المدججين بالسلاح، ويرمون السكان في الشارع ويعتقلون ويعتدون على من يقاومهم".[4]

إن سياسة تغييب مسببات الهبة الشعبية التي اعتمدها الإعلام الأميركي تظهر تحيزه للرواية الإسرائيلية، رغم أن القدس بحسب عشرات القرارات الأممية هي أرض محتلة، وكان آخرها قرار مجلس الأمن 2334 في العام 2016، الذي نص على أن "إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي المحتلة منذ العام 1967، بما فيها القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية".

من الجدير ذكره أن سياسة الإعلام الأميركي التقليدي كانت معاكسة لوسائل التواصل الاجتماعي، التي هي أيضًا شركات أميركية، لأن نقل الأحداث كان مهمة مستخدمي منصاتها (النشطاء الفلسطينيون)، الذين نقلوا الأحداث الجارية مباشرة دون خضوعهم لهيئات التحرير وسياسات النشر في الإعلام التقليدي، لكنهم تعرضوا لسياسات تقييد المحتوى من قبل شركات التواصل الاجتماعي وحذف حساباتهم.

العدوان في الإعلام الأميركي 

بدا اهتمام وسائل الإعلام الأميركية بعد بدء العدوان على قطاع غزة، وفق خطاب إعلامي ممنهج، إذ استخدم الإعلام بكل توجهاته الليبرالية والمحافظة مصطلحات إعلامية ضبابية في تغطية الأحداث، ما جعلها تحتمل التأويل لدى المشاهدين الأميركيين والرأي العام العالمي.

وكثفت غالبية وسائل الإعلام المقروءة والمرئية تغطية الأحداث بعد 11 أيار/مايو، إذ اعتبرت صحيفة "واشنطن بوست" الأحداث الجارية بأنها توتر بين "الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين"، وأرجعت السبب إلى إخلاء (6) أسر فلسطينية فقط لصالح إسرائيليين بقرار محكمة.[5]وصورت الصحيفة العدوان على غزة بأنه "تبادل لإطلاق الصواريخ بين حماس وإسرائيل"، وعللت الغارات الجوية الإسرائيلية بأنها رد على إطلاق "حماس" سبعة صواريخ على القدس.[6]

من جهتها، اعتمدت وكالة "الأسوشيتد برس" نفس التوجه في أخبارها، فقالت إن سبب الاشتباكات الدائرة بين "إسرائيل وحماس" هو إطلاق الأخيرة صواريخها، هذا على الرغم من تعرض مكتبها في برج "الجلاء" بغزة للتدمير الكلي.[7]

من جانب آخر، غطّت حسابات مواقع التواصل الاجتماعي لوسائل الإعلام الأميركي المقروء والمرئي الأحداث بصورة متحيزة، إذ نشرت صحيفة نيويورك بوست خبرًا كاذبًا على تويتر زعمت فيه أن "حماس" قتلت (20) إسرائيليًا بينهم (9) أطفال، وعندما تفاعل نشطاء التواصل الاجتماعي مع المنشور، وأوضحوا بأن الضحابا فلسطينيون قتلتهم الطائرات الإسرائيلية حذفت الصحيفة الخبر من دون توضيح أو اعتذار.

يضاف إلى ذلك، حملات التشهير التي تعرض لها الصحفيون والشخصيات المؤثرة في الولايات المتحدة التي ناصرت الحق الفلسطيني عبر الإعلام الأميركي. فقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" إعلانًا مدفوعًا، من قبل جمعية يهودية، في الصحفة الخامسة في عدد 22 أيار/مايو اتهم فيه دوا ليبا وعارضتي الأزياء بيلا وجيجي حديد بدعم للإرهاب. فيما فصلت وكالة "الأسوشيتد برس" الصحفية إميلي وايلدر بسبب منشوراتها على تويتر، حيث غرّدت، يوم 20 أيار/مايو، قائلة: "تعرضت للتشهير بأني معادية للسامية، وطُردت بعد أقل من 48 ساعة، وكان رد الوكالة بأني انتهكت سياسة وسائل الإعلام الاجتماعي".[8]

ضبابية المصطلحات الإعلامية الأميركية

اعتمد الإعلام الأميركي مصطلحات ضبابية في تغطية الأحداث، فكان يسمي تصاعد وتيرة العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين بأنه "توتر" Tensions (instead of) Escalations. أما العدوان العسكري الإسرائيلي على المناطق الفلسطينية فكان يسميه بـ"العنف المتبادل" Israel & Palestine violence (instead of) Israeli attacks.

وعلى الرغم من وجود توجه إعلامي عام إلا أن هناك بعض الاختلافات في السياسات الإعلامية التي تتبعها المواقع والصحف والقنوات الفضائية، وتتضح تلك السياسات في موقع "فوكس نيوز" الذي يتحدث بعناوين عامة عن الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وعن اقتحامات المسجد الأقصى، غير أن مضامين الأخبار المدونة على صفحة الموقع تعرض الخلافات القائمة بسبب وجود أماكن مقدسة لثلاث ديانات، تؤدي إلى احتكاك مباشر بينهما، وتتدخل قوات الشرطة لوقف أعمال العنف.[9]

من جانب أخر، يعتمد الإعلام الأميركي على تصريحات المؤسسات الإسرائيلية السياسية والعسكرية في مضامين الأخبار، رغم أن إسرائيل هي الدولة القائمة بالاحتلال، والاعتماد على ما تنشره يقود إلى تحيز للرواية الإسرائيلية.

وفي ذات السياق، يربط الإعلام الأميركي الأحداث الجارية بأن إسرائيل ترد على صواريخ حركة حماس، وكأن الرد على سياسة التهجير القسري ورفض الفلسطينيين لها والاعتقالات والشهداء والإغلاقات والقصف مساو للنضال الوطني، الذي كفله القانون الدولي من أجل "حق تقرير المصير". ويضاف إلى ذلك استخدام مصطلح "الحرب" بدلًا من "الاعتداء"، فالحرب تشتعل بين كيانين وليس بين كيان محتل وشعب تحت الاحتلال.

تكامل الأدوار بين السياسة والإعلام الأميركي

يبدو أن هناك تكاملًا في الأدوار ما بين الإعلام والإدارة الأميركية، إذ صرّحت الأخيرة بأن "الفلسطينيين والإسرائيليين يستحقون العيش في أمان وأمن والتمتع بمقاييس متساوية من الحرية والرخاء والديمقراطية. وستواصل الإدارة إشراك الفلسطينيين والإسرائيليين وغيرهم من الشركاء الإقليميين للعمل من أجل تحقيق هدوء مستدام".[10]

وتختلف تصريحات الإدارة الأميركية عن الممارسة السياسية، إذ أفشلت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن التوصل إلى صيغة بيان بشأن العدوان الإسرائيلي ثلاث مرات متتالية، وفي تلك الفترة قصفت غزة بوحشية.[11] واعتبر موقع "آي بي سي نيوز"  اتصال الرئيس الأميركي جو بايدن برئيس الحكومة الإسرائيلية – حينها- بنيامين نتنياهو، تغيرًا جديدًا في الإدارة الأميركية "لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس"، حيث ذكر الموقع بأن بايدن قال: "أتوقع خفضًا كبيرًا للتصعيد على طريق وقف إطلاق النار".[12]

في ذات السياق، تعهد أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي، خلال مؤتمر صحفي عقده بالقدس مع نتنياهو، بالتزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل، ونزع فتيل الأزمة في القدس والضفة، وتقديم مساعدات إنسانية تفيد غزة لا حماس، مشيرًا إلى دعم واشنطن لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.[13].

لاقت هذه الرؤية تغطية ممنهجة في الإعلام الأميركي، فهي تصور احتلال إسرائيل والصراع القائم من أجل الحرية والحقوق الفلسطينية واختزاله بأنه توتر عنيف بين "إسرائيل وحماس"، وليس بين احتلال قائم وشعب يناضل من أجل حقوقه التاريخية والشرعية.

خاتمة

إن الانحياز الأميركي لإسرائيل ليس وليد الأحداث الأخيرة في القدس، وإنما تمتد جذوره إلى عقود سابقة، خاصة بعد أن أصبحت الولايات المتحدة ترى إسرائيل الحليف الإستراتيجي إبان الحرب الباردة في المنطقة العربية، وامتد هذا الانحياز إلى معظم المؤسسات الأميركية الرسمية وغير الرسمية، وعززه اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة.

تتطلب توجهات الإعلام الأميركي من الفلسطينيين تصدير خطاب إعلامي متسلح بالحقوق الشرعية والقانونية للشعب الفلسطيني، على وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية، لمواجهة الانحياز الإعلامي الأميركي.

الهوامش

** هذه الورقة تعبر عن وجهة نظرة كاتبتها، ولا تعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.

[1] U. S Diplomatic Mission to Germany, Public Affairs, Information Resource Centers, The Media in the United States, March 2020: bit.ly/3gUPPKG

[2] سمية اليعقوبي، الإعلام العالمي والقضية الفلسطينية: التيارات التقليدية والمكاسب الجديدة، موقع منشور، 29/5/2021: bit.ly/3gZh72i

[3] 500 صحفي أميركي يطالبون وسائل الإعلام بالكشف عن قمع الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين، الجزيرة نت، 12/6/2021: bit.ly/3j55wBD

[4] تفاعل واسع على لقاء الشاب محمد الكرد، موقع قناة سي إن إن بالعربية على يوتيوب، 17/5/2021: bit.ly/3cE1tIF

[5] Palestinians and Israeli police clash in Jerusalem over planned Arab evictions, The Washington post, 8/5/2021: wapo.st/3zlCP9e

[6] Hamas and Israel exchange rocket fire following contentious 'Jerusalem Day’ clashes, The Washington post, 11/5/2021: wapo.st/3zme1hn

[7] Gaza children bearing the brunt in Israel-Hamas conflict, AP NEWS, 19/5/2021: bit.ly/3grtBzH

[8] حساب إميلي وايلدر على تويتر، 22/5/2021: bit.ly/3fJbzZn

[9] LIVE UPDATES: Israeli warplanes rain fire on Gaza as Middle East violence intensifies, Fox News, 16/5/2021: fxn.ws/3wlwZ5J

[10] Ibid.

[11] للمرة الثالثة .. مجلس الأمن يفشل في إصدار بيان حول غزة بسبب أميركا، الجزيرة نت، 16/5/2021: bit.ly/3pPWTwa

[12] White House changes tone in new calls for Israel-Hamas ceasefire, News 20/5/2021: gma.abc/3zrbVNa

[13] بلينكن من القدس: ملتزمون بأمن إسرائيل وندعم مساعدات إنسانية تفيد غزة لا حماس، الجزيرة نت، 25/5/2021: bit.ly/3gM5iwH

مشاركة: