الرئيسية » مقالات » فيحاء عبد الهادي »   28 أيلول 2021

| | |
د. إلهام أبو غزالة: العنقاء أبداً
فيحاء عبد الهادي

»أيتها المرأة/ انهضي/ وارفعي قبضتك عالياً/ أكِّدي عشقك للحرية/ أنت الأم/ أنت الحياة/ أنت القوة/ لا تمشي في الخلف/ فرفيقك والثورة يمشون في الأمام/ وهو مكانك الذي تستحقين/ وعندما يريد أحد/ أن يبتزّ طاقاتك/ وأن يجعل منك امرأة لا تملك إلّا جسدها/ ارفسيهم/ قاتليهم/ اركليهم/ أيتها المرأة/ أيتها القوة/ أيتها الأم/ أثبتي أنك أنت الثورة ».
شاعرة موزمبيقية/ ترجمة د. إلهام أبو غزالة    

من يافا إلى القدس إلى نابلس إلى رام الله، مروراً بعمّان والكويت والقاهرة، وبانجر/ بريطانيا، وجينزفل/ فلوريدا، مسيرة حياة ثرية عاشتها د. إلهام أبو غزالة، منذ ولادتها عام 1939 في يافا، حتى رحيلها في الكويت يوم 18 أيلول 2021.
مضت بعد أن تركت إرثاً غنياً من الكتب العلمية والنقدية والأدبية والسيرة الذاتية، وعشرات الأبحاث والمقالات، باللغتين العربية والإنجليزية، بالإضافة إلى مسيرة كفاحية ملهمة، على الصعيد التربوي والثقافي والنسوي والسياسي.
*****

أينما حلَّت إلهام أبو غزالة كان يحلّ المرح والحيوية والنشاط وتحلّ روح التمرّد والرفض والثورة. ما زالت صورتها طازجة في ذاكرة الطفولة، حين دخلت إلى الصفّ بمدرسة الفاطمية في نابلس، كي تعلِّمنا اللغة الإنجليزية في المرحلة الإعدادية، معلمة مختلفة منذ اليوم الأول، لم تضع حدوداً تقليدية بينها وبيننا، كانت تستفزّ عقولنا، وتدعونا إلى أن نكون أنفسنا، دعتنا إلى رفض اليقينيات، والبحث عن الحقيقة بأنفسنا. فتحت الأبواب لاستقبالنا دون تكلّف، واعتبرتنا صديقات. حثَّتنا على العمل الجماعي والتفكير الناقد، وتقبّل الاختلاف. شرحت بشكل مبسَّط ماهية العنصرية والتمييز على أساس الجنس أو الطبقة أو اللون أو الدين، لتجعلنا نرفضها بوعي. عنيت بالعمل الثقافي بأشكاله، ورعت مواهب الطالبات الفنية والأدبية.
امتدَّت العلاقة بيننا مع صداقة العائلتين، خاصة صداقتي لشقيقتها الصغيرة شادية، ثم ارتباطي العائلي بشقيقها وائل. ورغم أننا عشنا كل في بلد لفترة طويلة، بسبب إبعادي سبع وعشرين سنة عن البلاد، إلّا أن الاهتمامات الثقافية والسياسية والنسوية والعائلية بقيت عاملاً مشتركاً بيننا.
*****

منذ الطفولة، شكَّل الغضب معلماً رئيساً من شخصيتها، وانعكس على أفكارها ومعتقداتها، وقبل أن يأكلها حوَّلته إلى دافع للعمل.
أدركت أن التعليم حين يرتبط بالثقافة يمكن أن يشكِّل سلاحاً فاعلاً على المستوى الفردي والمستوى العام، وأن التعليم فعل تحرّري، ما جعلها تقرّر بعد نيل شهادة البكالوريوس، في اللغة والأدب الإنجليزي، عام 1964، من جامعة القاهرة، أن تستكمل دراستها الجامعية العليا لتنال شهادة الماجستير في اللغويات التطبيقية من جامعة بانجر/ويلز، في بريطانيا، عام 1977، ثم درجة الدكتوراه في علم لغة النص/ تحليل الخطاب من جامعة جينزفل/ فلوريدا في الولايات المتحدة، عام 1983.
امتهنت التدريس في مدارس الفاطمية، وكرم الحلو، والعائشية، في نابلس (1964-1976)، ثم في جامعة بيرزيت منذ 1984 حتى تقاعدها، تخلّلها التدريس في الكلية الإبراهيمية بالقدس، وفي كلية سيدة الناصرة لروشستر بنيويورك.
*****

مارست د. إلهام الكتابة العلمية والإبداعية، والنشاط السياسي والثقافي، إلى جانب التعليم، وعبر كتاباتها، ونشاطاتها، يتبيَّن بوضوح رؤيتها للعالم ولنفسها.
اختارت أن تترجم عام 1987 أشعاراً لنساء، ضمَّنتها كتاباً حمل عنواناً دالّاً: «أنا.. أنت والثورة: شعر المرأة في العالم الثالث».
آمنت بأن قضية المرأة رغم تداخلها مع قضايا الرجل تحمل خصوصية تجدر دراستها، وهذا ما فسَّر سبب اختيارها أن تترجم أشعاراً لنساء من العالم الثالث، أو لمن صنَّفتهن من العالم الثالث، رغم أنهن يعشن في العالم الرأسمالي المتطور، من آسيا وأميركا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. حاولت أن تضع يديها على المشترك بين جميع نساء الأرض: الاضطهاد الخاص المرتبط بالاضطهاد العام، والنضال ضد الاستعمار وامتداداته الاحتكارية، ومعرفة مواطن القوة لدى النساء، والعمل على ربط الثورة السياسية بالثورة الاجتماعية.
وضمن تركيزها على النساء أعدَّت وحرّرت مع بني جونسون كتاب «نساء رياديات: د. هالة عطا الله/ تذكرات الأصدقاء»، الذي صدر عن جامعة بيرزيت، 1998.
كما أعدَّت وحرّرت كتاب: «باقية هنا: شهيدة فلسطين شادية أبو غزالة»، الذي أصدرته لجنة تخليد ذكرى شقيقتها الشهيدة شادية، عام 1998، في الذكرى الثلاثين لاستشهادها، والذي أرَّخ عبر الشهادات لحياة الشهيدة، ونضالها السياسي والعسكري بعد العام 1967.
وضمن هذه الرؤية، أصدرت عام 1997 مجموعة قصصية بعنوان «نساء من صمت»، ونشرت عام 1998 قصة للأطفال بعنوان: «لوزة تغني للشجر».
وأدّى إيمانها بأهمية تسليط الضوء على النساء بشكل علمي إلى مساهمتها في تأسيس معهد دراسات المرأة في واشنطن عام 1989، والمساهمة بفاعلية في تأسيس برنامج دراسات المرأة في جامعة بيرزيت عام 1995، الذي تحوَّل إلى معهد دراسات المرأة عام 1997.
ترجمت د. إلهام كتاب «التربية من أجل الوعي الناقد»، للمفكر والتربوي البرازيلي باولو فريرو، عام 1990، إيماناً منها بأهمية الفكر النقدي الذي يفضي إلى عمل جماعي للخلاص من القهر.  
وبالتعاون مع الناقد د. علي حمد، أصدرت عام 1992 كتاباً بعنوان «مدخل إلى علم لغة النص»، ناقشت فيه دلالات النص المعرفية والاجتماعية بالاستعانة بعلوم أخرى.
كما نشرت سيرة ذاتية في كتابين، أولهما صدر عام 2009: «العنقاء أبداً: الخروج من يافا بدءاً»، والثاني عام 2012: «رفرفات العنقاء: سيرة فلسطينية».
ومن خلال السيرة بجزأيها، أرَّخت الكاتبة للمراحل التاريخية التي عاشتها شخصياً، وعاشتها عائلتها، وأصدقاؤها، والطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها، والمجتمع الفلسطيني.
*****

أستاذتي وشقيقتي الغالية،
أخلصتِ لرؤيتك لعالم خالٍ من الحروب، يسوده الحب والعدل والمساواة، آمنتِ بالحرية بمفهومها الشمولي، لذا ناضلتِ من أجل حرية فلسطين وحرية أبنائها، زرعتِ في طلاّبك بذرة التفكير النقدي، وبذرة الإبداع، وبذرة الثورة، في إيمان راسخ بأن الحصاد آتٍ مهما طال الزمن.
سوف يفتقدك طلاّبك، وطلاّب المعرفة، وسوف يفتقدك أصدقاؤك، وعائلتك، والعمل الثقافي، والنسوي، والسياسي، وسوف تستقرّ نشاطاتك وإنجازاتك العلمية في الذاكرة الشعبية الجماعية للشعب الفلسطيني.   

 

 
 
 
 
 
مشاركة: