الرئيسية » تحليل سياسات » غدير عرفة »   31 تشرين الأول 2021

قراءة/تحميل | | | |
نحو تحقيق "العدالة المناخية" في فلسطين: التوجهات القانونية والسياسات المستقبلية في ظل الصراعات والأزمات
غدير عرفة

مقدّمة

انضمت فلسطين، مؤخرًا، إلى اتفاقية باريس الدولية للتغير المناخي التي وقع عليها الرئيس محمود عباس بتاريخ 22 نيسان 2016 في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. تلزم هذه الاتفاقية جميع دول العالم بمواجهة ظاهرة ارتفاع الاحتباس الحراري للكرة الأرضية، وذلك بخفض انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن الممارسات البشرية والأنشطة الصناعية، لإبقاء متوسط درجة الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي. ينبثق عن هذه الاتفاقية 17 هدفًا تنمويًا، تم استنباط بعضها من أهداف التنمية الألفية التي تم الاتفاق عليها في أيلول/سبتمبر 2000 كأجندة عمل لمدة 15 عامًا، وترحيلها إلى أجندة التنمية المستدامة 2030. وتستند أهداف التنمية المستدامة إلى تعزيز الاستراتيجيات الوطنية للدول المشاركة، بما يتلاءم وتحقيق التنمية المجتمعية والنمو الاقتصادي، بما يشمل التعليم، والقضاء على الفقر، والصحة، والحماية الاجتماعية، والعرقية، وزيادة فرص العمل للشباب، وتمكين النساء المهمشات، إضافة إلى التصدي لمعالجة التغير المناخي، وحماية الموارد المائية والطبيعية، والحفاظ على البيئة من التدهور.

ونظرًا إلى الحالة السياسية التي تعيشها فلسطين في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وقياس ما تم تحقيقه من أهداف إنمائية للألفية في الاستراتيجية الفلسطينية حتى العام 2015، وكما ورد في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأخير،[1] فإن المؤشرات تشير إلى أن هناك تراجعًا في تحقيق تلك الأهداف؛ أهمها عدم تمكن فلسطين من السيطرة على مواردها المائية والطبيعية الناتجة بسبب الاحتلال وما يفرضه على الشعب الفلسطيني من تحديات وحرمان من الحقوق، إضافة إلى تركيز المانحين على المساعدات الطارئة الإغاثية، دون التطرق إلى الأهداف التنموية طويلة المدى.

وفي السياق ذاته، وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن معظم القطاعات الاقتصادية، منها الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة، تعاني من تدمير إسرائيلي متعمد بغية إضعاف مقومات الاقتصاد الفلسطيني،[2] حيث تجرّف قوات الاحتلال مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وقامت باقتلاع أكثر من مليون شجرة مثمرة، إضافة إلى تدمير البنية التحتية لقطاع البيئة، بما في ذلك طمر النفايات الخطرة والسامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإغلاق الطرق المؤدية إلى مكبات النفايات، وتدمير شبكات وأحواض الصرف الصحي، وشبكات وآبار المياه، إضافة إلى الاستنزاف المستمر للمصادر الطبيعية، ومنع الفلسطينيين من استغلال حقوقهم من هذه المصادر وآبار المياه، وكذلك مصادرة الأراضي الفلسطينية لإقامة المستعمرات عليها، والطرق الالتفافية، ونقل المصانع الملوثة وغير المقبولة بيئيًا إلى داخل المستعمرات؛ ما ترك آثارًا سلبية على الصحة العامة والتنوع الحيوي في فلسطين. كل هذه المتغيرات تساهم في عدم تحقيق عدالة مناخية، تستوجب على فلسطين وضع خطط وإجراءات تخفيفية وتكيفية من أجل الحد من تداعياتها.

المشكلة السياساتية

مع أن ظاهرة التغير المناخي هي أحد أكبر التهديدات الكونية التي تواجه البشرية ككل على كوكب الأرض، والتي قد تؤدي إلى هلاكها إذا ما لم يتم اتخاذ خطوات احترازية للتخفيف من وطأة خطورتها أو التكيف مع آثارها، فإن وقوع فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي، وفرض غطرسته وسيطرته على معظم الموارد الطبيعية الفلسطينية، دون إعطاء الفلسطينيين الحق في التصرف بها، وتقرير المصير، وعرقلة اتّخاذ التدابير الرامية للتكيف والتخفيف مع آثار التغير المناخي، يضعف الموقف الفلسطيني اتجاه مواجهة آثار التغير المناخي عليهم، ما يؤول إلى تفاقم هذه المشكلة بيئيًا وسياسيًا على حد سواء، ما يستدعي تسليط الضوء عليها عالميًا، استجابة للدعوة إلى ضرورة إحراز تقدم في هذا المضمار.

تساهم الساحة الفلسطينية المنقسمة سياسيًا ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة في تباطؤ الجهود الرامية اتجاه التعامل مع التغير المناخي، فضلًا عن تجزئة أراضي الضفة إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، والأخيرة لا سلطة للسلطة الفلسطينية عليها حسب تصنيفات أوسلو، وتدهور أغوار الأردن، ما يسفر عن شح المعلومات الضرورية لدراسة التغير المناخي، وعدم بناء قاعدة بيانات رئيسية يمكن الاعتماد عليها لإنتاج المعرفة، بسبب سوء التنسيق والتعاون ما بين مختلف القطاعات.

مؤشرات تأثير التغير المناخي على فلسطين

يتمثل أحد الجوانب المهمة لتغير المناخ في فلسطين في انخفاض معدلات الأمطار السنوية، يصحبه ارتفاع في درجات الحرارة، وهو ما ينعكس في نقص الجريان السنوي الذي يتناقص بشكل كبير، وانخفاض توافر المياه في نهاية المطاف، وهو المورد الأساسي المستغل إسرائيليًا، ما يفاقم أزمة الطلب على المياه الذي ستكون له آثار مباشرة على طبولوجيا الشبكة الغذائية، التي تشكل موردًا مهمًا يدعم اقتصاد فلسطين، علاوة على أن فلسطين تعد من أكثر المناطق هشاشة، وتعاني بالفعل من أزمة مياه كبيرة. تشير تنبؤات تغير المناخ لفلسطين من نماذج مناخية إقليمية عالية الدقة، أهمها توقعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في جنوب المتوسط وشرقه،[3] حيث تتوقع احترارًا عالميًا أعلى من المعدل المتوسط خلال القرن الحادي والعشرين يتراوح بين 2.2-5.1 درجة مئوية وفقًا لسيناريو انبعاثات واقعي. من المحتمل أن تنخفض معدلات هطول الأمطار السنوية الموسمية في فلسطين بناء على توقعات مشروع كلايماساوث في منطقة الشرق المتوسط إلى 20% بحلول العام [4]2050،  مع زيادة مخاطر الجفاف والتصحر في الصيف، ما يؤثر حتمًا على باقي القطاعات؛ وأهمها الزراعة والطاقة، يتبعها تفاقم البطالة وارتفاع نسبة الفقر والهجرة القسرية بسبب الأوضاع الناجمة عن التغير المناخي، التي قد يكون لها تداعيات إقليمية مدمرة.

المياه والعدالة المناخية

قطاع المياه يعتبر من أكثر القطاعات المتأثرة بسبب التغير المناخي من حيث وفرتها وجودتها على حد سواء، حيث ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ارتفاع التبخر، ما يؤدي إلى زيادة شح المياه العذبة وتفاقمه في ظل ازدياد النمو السكاني، فضلًا عن احتياجات المياه لباقي القطاعات، منها الزراعي والصناعي، إلى جانب أن ظاهرة الهطول، بشكل مكثف وغزير لفترات قصيرة، بسبب ظاهرة الاحتباس، قد تؤدي إلى حدوث فيضانات في المناطق المأهولة، وخلطها بمياه الصرف الصحي لعدم وجود بنية تحتية متمكنة، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف معالجتها.

الزراعة والعدالة المناخية

تعتبر الزراعة العمود الفقري للفلسطينيين، علاوة على مساهمتها في دعم الاقتصاد الفلسطيني وتوفير فرص عمل. إلا أن التغيير في هطول الأمطار بسبب التغير المناخي قد يشكل خطرًا كبيرًا على الإنتاجية الزراعية، أو أن ارتفاع درجات الحرارة قد يؤثر على جودة المنتجات. علاوة على ذلك، فإن القطاع الزراعي يستهلك القيمة العظمى من المياه الجوفية، كما قد تؤثر موجات الجفاف والتصحر على المحاصيل والماشية، الأمر الذي قد يؤثر، أيضًا، على ارتفاع أسعار المنتجات في ظروف الأزمة. يتسبب الاحتلال في وضع قيود مرورية لتقييد حركة المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، كما يشترط حصولهم على تصاريح خاصة عند المناطق المحاذية للجدار الفاصل، هذا فضلًا عن تقييد حركتهم لعرقلة وصولهم إلى الأسواق العالمية للحصول على معدات حديثة، الأمر الذي يفاقم أزمة المناخ في المنطقة دون وجود حلول دائمة.

قياس قابلية التأثير والتأثر بالتغير المناخي وقياس الظلم المناخي فلسطينيًا

يمكن اعتماد قياس مدى التأثر بالتغير المناخي على عوامل عدة أهمها تحديد خطة للتخفيف والتكيف مع المتغيرات الطارئة؛ سواء على المدى القريب أو البعيد، مع الأخذ بعين الاعتبار مدى الجاهزية لتنفيذها. وحتى نتمكن من قياس ذلك، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار تاريخ فلسطين منذ وقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي، بما شهدته من تهجير قسري، ولجوء، ونزاع على الموارد الطبيعية، ودمار للبيئة الفلسطينية المتعمدة، من خلال اقتلاع الأشجار، وطمر النفايات الخطرة داخل الأراضي الفلسطينية، فضلًا عن تدمير البنية التحتية في قطاع غزة التي تعاني من الاعتداءات الأشد فتكًا.[5]

إن إغلاق الطرق، وعرقلة حركة المرور، والجدار الفاصل، والتوسع الاستيطاني غير القانوني - كلها قضايا تؤثر وتتأثر، بطريقة أو بأخرى، بظاهرة التغير والاحتباس المناخي، حيث يمكن اعتبار الظلم البيئي أو المناخي الواقع على فلسطين بسبب الاحتلال، بمثابة حالة نادرة لا يمكن إنكارها عالميًا، ويجب أخذها كحالة خاصة لدراسة قابلية تفاقم الأخطار المناخية على الشعب الفلسطيني، حيث يتعمد الاحتلال وضع قيود لإضعاف قدرة الفلسطينيين على تنفيذ خططتهم التكيفية، من خلال سياساته غير العادلة والمتغطرسة والهادفة إلى نهب موارد الفلسطينيين، ما يزيد من قابلية تأثرهم سلبًا بالتغير المناخي.

جاء في خطة العمل الوطنية للتكيف مع ظاهرة التغير المناخي التي وضعتها السلطة الفلسطينية منذ العام 2016،[6] مجموعة من المبادئ التي على أساسها تم تقييم قابلية التأثر، تشمل جوانب عدة، منها الأمن المائي والغذائي، والزراعة، والطاقة، حيث تمت الإشارة إلى نقص البيانات المطلوبة من أجل تحديد الأولويات وخيارات للتكييف بشكل أفضل داخليًا.

من جانب آخر، وعلى الرغم من أن فلسطين لا تؤثر بشكل نسبي على ظاهرة التغير المناخي عالميًا، فإن ذلك لا يشفع لها تخبطها في عدم إدارة مواردها المتاحة داخليًا، وعدم العدالة في توزيع الحصص المائية، والتبعثر في الصناعات المحلية دون وجود مكان مخصص لاحتضانها، ومعالجة نفاياتها بشكل ممنهج، الأمر الذي، بدوره، يؤثر على الصحة البشرية، ما يتطلب من الحكومة الفلسطينية اتخاذ إجراءات جادة لتخفيفها. ولا يمكن إغفال ازدياد عدد السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة بوتيرة عالية مع معدل كثافة سكانية 468 نسمة/كم في الضفة الغربية6 فضلًا عن احتساب رجوع اللاجئين إلى أراضيهم بعد أن تعاد حقوقهم لهم، فالاكتظاظ السكاني يزيد من قابلية التأثر بالتغير المناخي، ما يضاعف اللاعدالة غير المنصفة لجميع السكان القاطنين في منطقة التأثر.

السياسات الداخلية في فلسطين لمواجهة التغير المناخي

في العام 2011، تم إعداد الاستراتيجية الوطنية للتكيف مع التغير المناخي7 من قبل سلطة جودة البيئة الفلسطينية، بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وعلى أثر ذلك، تم تشكيل اللجنة الوطنية لتغير المناخ في فلسطين، وهي المرجعية العليا للسياسات في تغير المناخ، حيث تتألف من 27 عضوًا يمثلون جهات حكومية وغير حكومية، وكل الأطراف التي لها علاقة بتغير المناخ. وفي العام 2016، تم نشر النسخة المحدثة من خطة التكيف الوطنية مع الآثار السلبية لتغير المناخ، التي تم إعدادها بمشاركة ذوي العلاقة في فلسطين مع الجهات الحكومية وغير الحكومية، حيث تستهدف 12 قطاعًا هي الأكثر تأثرًا بالمناخ.

بلغت القيمة الإجمالية للخيارات المقترحة للقطاع المائي والزراعي للتكيف المناخي في التقرير ما يعادل 3.2 مليار دولار لمدة عشر سنين. إلا أن خيارات التمويل تنحصر في دعم الدول المانحة، بما فيها صندوق التمويل الأخضر، حيث تم اعتماد سلطة جودة البيئة كنقطة اتصال وطنية لصندوق المناخ الأخضر بقرار من مجلس الوزراء، وذلك بعد أن وقّعت دولة فلسطين على اتفاقية باريس المناخية العام 2016 بصفتها دولة مراقب غير عضو، حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/19.

السياسات الإسرائيلية للتعامل مع التغير المناخي

تتفوق إسرائيل دوليًا على نظيراتها في السياسات التي تتبعها والخطط التكيفية التي تنفذها، حيث وضعت على عاتقها تحقيق هدف خفض انبعاثات غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري بحلول العام 2030، وذلك بعد انعقاد مؤتمر باريس للتغير المناخي في العام 2015، من خلال الخطة الوطنية لتقليل انبعاثات غازات الدفيئة، وزيادة كفاءة استخدامات الطاقة، التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية في العام 2016، من خلال خفض استهلاك الكهرباء بما يعادل 17%، وتوليدها من مصادر متجددة للطاقة، إضافة إلى خفض الانبعاثات الناجمة من عوادم السيارات بنسبة 20%، وذلك من خلال تشجيع الاستثمار في السيارات الكهربائية، أو استخدام الوقود الديزل الحيوي بدلًا من الوقود البترولي.

كما أنشأت إسرائيل المركز الدولي لمعلومات المناخ، وذلك لتوثيق المعلومات وجمعها كبنك للمعلومات المناخية من أجل استخدامها للتخطيط الوطني المناخي، ودمجها مع السياسات الطاقوية والمائية والزراعية ضمن خططتها القصيرة وطويلة الأمد.

قياس اللاعدالة المناخية في منطقة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي

لا شك أن القانون الدولي يضع على عاتق إسرائيل كدولة احتلال، المسؤولية القانونية لتلبية احتياجات السكان الواقعين تحت سيطرتها، بما فيها بنود "الاحتلال الناجم عن الحرب".5 من جانبه، يصف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ممارسات إسرائيل من تدمير للبنية التحتية، وانتهاكها الأراضي الفلسطينية وموارد الفلسطينيين المائية والزراعية، بالخروقات القانونية التابعة للقانون الإنساني الدولي، ما يستدعي فتح تحقيق من قبل المجتمع الدولي، بحيث يكون تحقيقًا مستقلًا لا لبس فيه.[7] فمن هذا المنطلق، يمكن قياس مدى الظلم المناخي الذي تسببه إسرائيل لفلسطين، من حيث تقييد تنفيذ سياسات التكيف، ما يهدد الأمن والتغير المناخي. وعلى الرغم من أن إسرائيل تمتلك سمعة حسنة دوليًا فيما يتعلق بتحقيق قدرة عالية على التخطيط والتكيف مع آثار التغير المناخي، من خلال امتلاكها تكنولوجيا متطورة في المجالات البيئية، حيث تحتل إسرائيل المرتبة الـ17 من ضمن الدول الأقل قابلية للتأثر بالتغير المناخي، بناءً على قياس مؤشر نوتردام للتكيف المناخي، كما تحتل المرتبة 31 من بين الدول الأكثر استعدادًا لمواجهة آثار التغير المناخي[8]، فإنه لم يتم ذكر الأراضي الفلسطينية المحتلة ضمن قائمة الدول في مؤشر نوتردام للتكيف العالمي، كما يجهل المجتمع الدولي أو يتغاضى عن السياسات التعسفية التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين، ما يتناقض مع نهج سياساتها الداخلية في التخفيف والتكيف مع آثار التغير المناخي.

البدائل

تعتبر قضية العدالة المناخية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أولوية قصوى يجب تداركها ووضع الخطط وتنفيذها على حد سواء؛ من أجل استحداث وإصلاح البنية التحتية لكافة القطاعات الحيوية ودعم استراتيجيات ربطها مع بعضها؛ كونها تتأثر، بطريقة أو بأخرى، سواء القطاع الطاقوي، أو المائي، أو الزراعي، والمناخ، دون الإغفال عن دور الاحتلال في فرض القيود على الفلسطينيين، والحد من قدرتهم في تبني المشاريع الكبيرة في مناطق (ج) كبناء لوحات شمسية لإنتاج الطاقة الشمسية المتجددة، أو حفر آبار مياه، أو غيره. لذلك، اقتضت الورقة اقتراح عدد من البدائل الفاعلة؛ من أجل الوصول إلى تحقيق العدالة المناخية في فلسطين.

البديل الأول: فضح ممارسات الاحتلال في محكمة الجنايات الدولية، والضغط عليها من قبل المجتمع الدولي والأمم المتحدة. ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تدعم الإرادة السياسية والشعبية في مواجهة الظلم البيئي واللاعدالة المناخية الواقعة عليهم بسبب الاحتلال، وطرح العديد من القضايا لمحاسبة إسرائيل عليها، وطلب التعويض منها؛ كملف المياه واللاجئين والمستوطنات والطاقة ككل ... إلخ. كما يجب أن يضغط المجتمع الدولي على السياسات الإسرائيلية؛ فدون استخدام أوراقه لكبح غطرسة إسرائيل، ستبقى على الحال نفسه دون أن يحركها ساكن. علاوة على ذلك، لا يمكن للأمم المتحدة أن تدعم إسرائيل وتميزها تقنيًا واستراتيجيًا داخل حكومتها بما تنفذه من خطط تكيفية ناجحة، ومن جهة أخرى أن تغض النظر عن الانتهاكات التي تمارسها بحق الفلسطينيين، من حيث انتهاك البيئة واستنزاف مواردها. والاهم من هذا كله هو إنهاء الاحتلال.

ثمة العديد من الخيارات التي يمكن تنفيذها وتثبت فاعليتها في هذا الإطار، ويمكن القياس عليها في قصص نجاح سابقة، من أهمها كسب قضية النفايات الخطرة العابرة للحدود وطمرها في الأراضي الفلسطينية ضمن اتفاقية بازل للمواد الكيميائية الخطرة العابرة للحدود.
تعتمد كفاءة هذا الخيار على الأشخاص المكلفين بالمهمة، ومدى تمكنهم من متابعتها حتى تحقيقها.

إمكانية للتطبيق: يمكن تطبيقها طالما وجدت الإرادة السياسية للحكومة الفلسطينية والإرادة السياسية والحقوقية للمجتمع الدولي، والإرادة الدولية لتحقيق العدالة في أروقة الأمم المتحدة.

 تعتمد مرونة هذا البديل على اندماج وتواصل الأطراف كافة لتحقيق الهدف نفسه.

الوعي العام: هناك وعي عام لدى الحكومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي لهذا البديل، ولكن السعي إلى تحقيقه يسير بشكل بطيء.

البديل الثاني: على غرار اعتماد الحكومة الفلسطينية على الدعم والتمويل الخارجي الأخضر من أجل تنفيذ خططتها، فيجب على الحكومة الفلسطينية فتح صندوق اقتصادي من خزينة الدولة، وتخصيصه لدعم المشاريع والخطط والمبادرات الخضراء منها، وبخاصة الشبابية، والقطاع الخاص، التي تساهم في تكاتف الجهود لتنفيذ البرامج للتكيف مع المناخ، بما يمكنها -على الأقل- من تنفيذه داخل مناطق (أ) و(ب)؛ ومنها تشجيع الاستثمار في إنتاج منتجات صديقة للبيئة على سبيل المثال لا الحصر.

الفاعلية: هذا البديل فعال بشكل كامل طالما تم تخصيص نسبة عامة سنوية لدعم هذه الخطط والمشاريع.

الكفاءة: يحتاج هذا البديل إلى متابعة دائمة لنجاح كفاءته، بما فيها وضع فريق متخصص لمتابعة سير العمل.

إمكانية التطبيق: يمكن تطبيقه طالما وجدت الإرادة المالية للحكومة الفلسطينية لدعم الاقتصاد الأخضر في فلسطين.

المرونة: تعتمد مرونة هذا البديل على موافقة الحكومة الفلسطينية على إنشاء الصندوق الأخضر الداخلي.

الوعي العام: لا تنكر الحكومة الفلسطينية أهمية هذا البند.

البديل الثالث: إنشاء بنك معلومات فيما يتعلق بالمتغيرات المناخية التي يمكن على أساسها قياس مدى الظلم واللاعدالة البيئية والمناخية، وذلك من خلال استحداث العديد من الدراسات والقراءات البحثية، بحيث يؤخذ بعين الاعتبار تأمين الأجهزة والمعدات اللازمة لتحقيق ذلك.

الفاعلية: ليس من الصعب إنجاز ذلك طالما توافر الدعم المالي.

الكفاءة: بحاجة إلى توفير فريق متخصص ومتمكن علميًا ووطنيًا.

إمكانية التطبيق: يمكن تطبيقه بسهولة.

المرونة: مرن بشرط توحيد الجهود الإدارية، وبخاصة ما بين قطاع غزة والضفة الغربية.

الوعي العام: تعي الحكومة الفلسطينية أهمية هذا البديل، حيث يمكّنها من امتلاك أوراق رابحة في قضية العدالة المناخية التي يمكن إثباتها والبناء عليها ضد إسرائيل، فضلًا عن تمكنها من وضع خطط تكيف بشكل مهني.

البديل الرابع:  دعم الخطط والاستراتيجيات التخفيفية، والخطط والاستراتيجيات التكيفية، والتأقلم لمكافحة التغير المناخي. لا شك أن استقرار الوضع الداخلي في فلسطين مرهون بمدى حسن إدارتها لمختلف القطاعات للحد من تأثيرها على المناخ، وأبرزها القطاعان الصناعي والزراعي. فبدلًا من التبعثر في خطتها، وغض البصر عن الملوثات الصناعية التي يتم رميها في البيئة دون معالجتها أو معاقبة فاعليها، وقرب المنشآت من الأماكن المأهولة سكانيًا، يجب وضع استراتيجيات تخفيفية لمختلف القطاعات، بحيث تتم معاقبة الجناة؛ إما بتصويب أوضاعهم القانونية، وإما بإغلاق منشآتهم أو مصالحهم لحين تصويب أوضاعهم.

الفاعلية: فاعل بشرط التنازل عن تشجيع الاقتصاد على حساب الضرر البيئي، وعدم الأخذ بعين الاعتبار الأضرار البيئية والمناخية والصحية على المستوى البعيد.

الكفاءة: يحتاج هذا البديل إلى تكاتف الجهود ما بين سلطة جودة البيئة، ووزارة الاقتصاد الوطني.

المرونة: يحتاج هذا البديل إلى إعادة السيطرة البيئية على الوضع الحالي، فهناك نحو ألف منشأة غير مرخصة يتم التغاضي عن أضرارها البيئية.

إمكانية التطبيق: يمكن تطبيق ذلك من خلال إلزام المنشآت باستصدار شهادات خضراء، أو منع انبعاث ثاني أكسيد الكربون المعتمدة عالميًا.

الوعي العام: تعي الحكومة ذلك، ولكن سوء الوضع الاقتصادي للمواطنين يدفعها إلى التغاضي عن تلك الملوثات أو حتى معاقبة فاعليها.

المفاضلة بين البدائل

استنادًا إلى اختيار البديل الأمثل، والمفاضلة بينها، والاعتماد على المعايير التقييمية التي تم قياسها من خلال إعطاء رقم تقييمي تصاعدي من 1–5 لكل معيار، وبلورتها في مصفوفة لقياس البديل الأفضل والمفاضلة فيما بينها حسب ما هو مجدول أسفل، فإنه تبين لنا أن البديل الثالث هو من أهم البدائل المثالية من أجل البدء والسير قدمًا في قضية العدالة المناخية، فبدون بنك للمعلومات يتم تبويبها وتصنيفها وإنتاجها فلسطينيًا ستبقى قضية فلسطين الحقوقية من أجل المطالبة بالعدالة المناخية ضعيفًا إقليميًا ودوليًا. لذلك، فإن إنشاء بنك للمعلومات يساهم في الحصول على نتائج ذات مرجعية واضحة ودقيقة. يلي هذا البديل في الأهمية البديل الرابع بحصوله على مجموع 15 نقطة، فهو بديل، أيضًا، لا يقل أهمية عن غيرة، وبخاصة في المساهمة في جعل فلسطين نظيفة بيئيًا، وتلزم بذلك سياسات إنشاء المصانع وغيرها بالخضوع للشهادات الخضراء قبل إتمام التراخيص، بالتوازي مع وضع خطة تطويرية لتصويب أوضاع المنشآت القائمة حاليًا، ما يساهم في التخفيف من أثر تغيرات المناخ على المنطقة. البديلان الأول والثاني حصلا على التقييم نفسه بمجموع نقاط بلغ 12 نقطة لكل واحد منهما. اعتماد صندوق أخضر داخلي لدعم المشاريع الخضراء مهم جدًا في بناء عجلة الاقتصاد الفلسطيني، وسيره نحو الاتجاه الصحيح في بناء اقتصاد أخضر ومستدام. ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية دوليًا أمام المحافل الدولية، ومحكمة الجنايات الدولية، مهمّة للغاية من أجل استعادة ما استنزفه الاحتلال الإسرائيلي من الحقوق الفلسطينية، ورفع الظلم البيئي وما ينتج عنه من ظلم مناخي واقع على الفلسطينيين منذ عقود، من خلال تعويضهم، وهو هدف إذا ما تم السعي إليه سيحقق نتائج مرضية.

الهوامش

[1] تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2015

[2] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني, البيئة والتنمية المستدامة في فلسطين، 2014.

[3] الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في جنوب المتوسط وشرقه، تقييم تأثير الموارد المائية في ظل سيناريوهات تغير المناخ في مستجمعات المياه في البحر الأبيض المتوسط، 2016.

[4] Climate Change Adaptation Strategy and Programme of Action for the Palestinian Authority, UNDP: https://bit.ly/3vYFsMW

[5]  انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، منظمة العفو الدولية، 2019.

[6] خطة العمل الوطنية للتكيف مع ظاهرة التغير المناخي التي وضعتها السلطة الفلسطينية منذ العام 2016.

[7] يورام دينشتاين، القانون الدولي للاحتلال العدواني، كامبريدج، مطبعة جامعة كامبريدج، 2009.

[8]  التصنيفات، مبادرة التكيف العالمية في نوتردام، جامعة نوتردامز، 2021.

 
 
 
 
 
 
 
مشاركة: