الرئيسية » تقدير موقف » هديل زهران »   31 تشرين الأول 2021

قراءة/تحميل | | | |
الانسحاب من اتفاقية إسطنبول والعلاقات التركية الأوروبية
هديل زهران

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدورة السابعة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

مقدمة

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انسحاب بلاده رسميًا من اتفاقية إسطنبول لمناهضة العنف ضد المرأة، في 1 تموز/يوليو 2021، واعتبر أن الاتفاقية "لم تجلب الاحترام للمرأة في تركيا، ولا حول العالم".[1]

يضيف هذا الانسحاب التركي من اتفاقية المرأة تباينًا جديدًا في التطلعات التركية والأوروبية، وبخاصة بعد الانتقادات الواسعة للدول الغربية، ويشكّل خطوة أخرى تجعل مسألة عودة المفاوضات لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أمرًا مستبعدًا. ومع ذلك، فإن هناك الكثير من القضايا المشتركة بين الجانبين كأزمة اللاجئين، وملف الانضمام التركي للاتحاد الأوروبي.

وجاء الإعلان بعد تصريحات أدلى بها أردوغان في آذار/مارس 2021 للانسحاب من الاتفاقية، وهو ما أثار انتقادات واسعة على الصعيدين المحلي والدولي، وبخاصة الاتحاد الأوروبي الذي انتقد انسحاب تركيا على لسان جوزيب بوريل رئيس السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بقوله إن "تركيا ترسل رسالة خطيرة للعالم حول حقوق المرأة"[2]، علمًا أن المادة (80) من الاتفاقية تعطي الحق في الانسحاب لأي دولة وقعت عليها[3]، ما يثير تساؤلات حول المبررات التركية للانسحاب، وتداعياتها على طبيعة العلاقات الأوروبية-التركية.

اتفاقية إسطنبول

وقّع المجلس الأوروبي اتفاقية "للوقاية من العنف ضد النساء والعنف المنزلي ومكافحتهما"، تضمنت (81) مادة بشأن حقوق المرأة في 12 نيسان/أبريل 2011[4]، وقد تمت صياغة هذه الاتفاقية بواسطة مجلس أوروبا؛ وهو منظمة دولية تم إنشاؤها بعد الحرب العالمية الثانية للدفاع عن حقوق الإنسان، بهدف وضع الأسس القانونية التي تضمن عقاب المتعدين على حقوق المرأة، وللحيلولة دون وقوع العنف، والعمل على حماية ضحاياه.[5]

كانت تركيا من أولى الدول التي وقّعت على الاتفاقية التي أبرمها المجلس الأوروبي، وفتح باب الانضمام والتوقيع عليها في 11 أيار/مايو 2011 في إسطنبول، ودخلت حيز التنفيذ في 1 آب/أغسطس 2014[6]، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت تعرف باسم "اتفاقية إسطنبول". وقد أثار توقيع تركيا على الاتفاقية جدلًا واسعًا في أوساط المجتمع التركي، وبخاصة بين المحافظين المعارضين، والمؤيدين كجمعيات حماية المرأة، ولا زال الجدل قائمًا بين هذه الأطراف حتى بعد الانسحاب من الاتفاقية.

دوافع انسحاب تركيا

أعلنت تركيا من خلال خطابات عدة عن مجموعة دوافع ومبررات للانسحاب من الاتفاقية؛ فقد صرح الرئيس أردوغان عقب الانسحاب من الاتفاقية 14 نيسان/أبريل 2021، بأنها "لم تجلب الاحترام للمرأة في تركيا ولا حول العالم"، ولفت أردوغان إلى أن 11 دولة في الاتحاد الأوروبي (لم يذكر أسماءها)، بصدد الانسحاب من الاتفاقية مستقبلًا. وأضاف "ممارسة العنف ضد المرأة في ديننا الإسلامي حرام، ويمكننا إعداد اتفاقية أعدل وأجمل وأقوى من تلك الاتفاقية".[7]

وبرر الرئيس أردوغان خلال لقائه مجموعة شبابية تركية في مكتبة الأمة بالمجمع الرئاسي، الانسحاب على أساس أن المرأة التركية مصانة الحقوق في الدستور التركي، وتحديدًا في المادة (10) منه[8]، مؤكدًا أن الانسحاب من الاتفاقية لن يؤدي إلى أي تقصير قانوني أو عملي في منع العنف ضد المرأة.[9]

وفي وقت سابق، أوضح بيان صدر عن الرئاسة التركية، يوم 21 آذار/مارس 2021، أن "خطوة الانسحاب صورة إجرائية، وأن المادة 80 من "اتفاقية المجلس الأوروبي المعنية بوقف العنف ضد المرأة والعنف الأسري ومكافحتهما"[10]، تسمح لأطرافها بالانسحاب، وذلك بإبلاغ المجلس الأوروبي". وموضوعيًا، انتقد البيان اتفاقية إسطنبول، وقال "إنها كانت في البداية تهدف إلى التشجيع على تعزيز حقوق المرأة، ولكن تم التلاعب بها من قبل شريحة تحاول تطبيع المثلية الجنسية التي تتعارض مع قيم تركيا الاجتماعية والعائلية".[11]

ومع ذلك، لم تُبد تركيا أي تحفظ عند توقيع الاتفاقية، مع أن المادة (78) من الاتفاقية تعطي الدول الأعضاء الحق في التحفظ، حيث ذهب الرئيس التركي في خطاباته إلى إعلاء شأن القوانين المحلية على حساب الاتفاقية الدولية، مؤكدًا على سيادة القرار التركي.

على الصعيد الداخلي، يبدو أن أردوغان نجح في استعادة قاعدته الجماهرية من المحافظين الأتراك الذين رفضوا الاتفاقية، وبخاصة بعد اقتراب موعد الانتخابات العامة المقررة في العام 2023، وهو ما يدعمه استطلاع الرأي الذي أجرته شركة أوبتمار بعد قرار الانسحاب بعشرة أيام ما بين 10-13 تموز/يوليو 2021، والذي أشارت نتائجه إلى ارتفاع في نسبة المؤيدين لأردوغان إلى 41.7%، بعد أن انخفضت في أيار/مايو إلى 36.7%.[12]

على الصعيد الدولي، تجابه تركيا تحديات كبرى في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي منذ إعلانها لأول مرة نية الانضمام للعضوية الكاملة العام 1987، وتزايدت تلك التحديات بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العام 2018، التي كانت تدعم عضوية تركيا، على عكس فرنسا صاحبة الحضور القوي في الاتحاد التي تعارض انضمام تركيا، وعبّر عن هذا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي (2007-2012) بقوله: "لا أعتقد أن تركيا لها مكان في الاتحاد"، وفضّل أن تقيم أنقرة شراكة مميزة مع الاتحاد الأوروبي بدلًا من الانضمام الكامل له.[13] هذا إضافة إلى أزمة اللاجئين التي تؤرّق كلًا من تركيا والاتحاد الأوروبي.

يسعى حزب العدالة والتنمية، صاحب الهوية الإسلامية، الذي يقود تركيا إلى الانسحاب من الاتفاقية، إلى تحقيق مجموعة مصالح على المستوى الداخلي، وبخاصة بعد قرب موعد الانتخابات الرئاسية. أما على المستوى الخارجي، فلم تستطع تركيا تحقيق مكاسب كالدعم المالي الأوروبي للاجئين، أو الانضمام للاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، تتطلع تركيا إلى تعزيز دورها في الاتحاد الأوروبي والإقليم آنيًا، وتبقى فكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي طموحًا تركيًا تسعى إليه، على الرغم من الرفض الأوروبي على مستوى الاتحاد أو الدول الأعضاء.

انتقادات دولية واسعة

جاءت الانتقادات الأوروبية والدولية على انسحاب تركيا من الاتفاقية حادة، حيث أدانت الأمينة العامة للمجلس الأوروبي، ماريا بيجونفيتش بورتيش الخطوة التركية، وقالت إنها "تُقوّض حماية المرأة في تركيا، وعبر أوروبا وخارجها". فيما غردت أورسولا فون ديرليين، رئيسة المفوضية الأوروبية، على حسابها على موقع تويتر "النساء تحتاج إلى إطار قانوني لحمايتهن".[14]

في السياق ذاته، أكدت ماريا أديبهر، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الألمانية، أن "انسحاب تركيا من الاتفاق يبعث بإشارة خاطئة لأوروبا وللمرأة التركية، مشددة على أنه لا يمكن للتقاليد ولا غيرها من الأعراف أن تكون عذرًا لتجاهل العنف ضد المرأة".[15] وقد اعتبر الرئيس الأميركي جو بايدن انسحاب تركيا من المعاهدة الدولية لحماية المرأة من العنف خطوة "مخيبة للآمال"، وتمثّل "خطوة محبطة إلى الوراء"، لجهود إنهاء العنف ضد النساء.[16]

ومن الجدير ذكره، أن هناك بعض الانتقادات الأوروبية للاتفاقية، حيث شجّع المسؤولون بالحكومة المحافظة في بولندا في العام 2020 على الانسحاب من اتفاقية إسطنبول. وتسعى الحكومة البولندية إلى استبدال الاتفاقية بأخرى يمكن أن تمنع زواج المثليين والإجهاض، إضافة إلى أن كلًا من سلوفاكيا وبلغاريا والمجر وقعت على الاتفاقية دون المصادقة النهائية، بسبب انتقاداتها للاتفاقية. فيما ذهبت بلغاريا إلى استصدار حكم بعدم دستورية الاتفاقية العام 2018.[17]

تداعيات الانسحاب على العلاقات التركية-الأوروبية

على الرغم من سعي تركيا الحثيث إلى طلب عضوية الاتحاد الأوروبي منذ العام 1987، وقبول ترشيحها في العام 1999، فإن مفاوضات العضوية الكاملة لم تبدأ إلا في العام 2005 في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية.[18] وعلى الرغم من تلك المفاوضات، فإن الاتحاد الأوروبي، بدلًا من منح تركيا العضوية، كان يوجه لها الانتقادات، ويلوح بفرض العقوبات، كما حدث عندما انتقد البرلمان الأوروبي سياسة تركيا الخارجية تجاه "قبرص واليونان، والتدخلات العسكرية في سورية وليبيا"، وقد هدد البرلمان بتبني توصية لتعليق طلب انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، الأمر الذي رفضته أنقرة لعدم موضوعيته في أيار/مايو 2021[19]، وهو ما حصل في السابق، عندما نظر الاتحاد الأوروبي في ملف توسيع العقوبات، لتقييم مدى تدهور ملف حقوق الإنسان في أنقرة، والخلافات التركية مع قبرص واليونان حول التنقيب عن النفط شرق المتوسط، ومطالب تركية بإعادة النظر في اتفاق الهجرة الموقع العام 2015.[20] وتكرر ذلك بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016، حيث انتقد الاتحاد الأوروبي السياسات والإجراءات التي اتّخذتها الحكومة التركية، واتهمت المفوضية الأوروبية تركيا "بالتراجع بدرجة خطيرة" فيما يتعلق بالحقوق وحكم القانون منذ الانقلاب الفاشل في 15 تموز/يوليو 2016.[21]

وعليه، فإن الاتحاد الأوروبي قد يوظّف انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول كذريعة إضافية لتوجيه الانتقادات والعقوبات، وربما التمسك بتأجيل المفاوضة على العضوية في الاتحاد الأوروبي، التي هي بالأساس مؤجلة. وعلى الرغم من الانتقادات الأوروبية، فإن الاتحاد معني بشراكة مع تركيا في ملفات عدة، وهو ما أكّدته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرليين للرئيس التركي؛ التي على الرغم من تعبيرها عن "القلق البالغ" حيال انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، فإنها شدّدت بأن تركيا "شريك مهم"، مؤكدة تصميم الاتحاد الأوروبي على مساعدة أنقرة في الاستجابة لاحتياجات اللاجئين.[22]

وينسحب ذلك على الرئيس أردوغان الذي ينتقد ازدواجية الأوروبيين، ويشدد على أهمية الشراكة معهم في آنٍ واحد، وكان ذلك واضحًا بعد إعلانه نيته الانسحاب من الاتفاق في آذار/مارس 2021، وبدء الانتقادات الأوروبية، حيث قال في رسالة نُشرت بمناسبة "يوم أوروبا" في 9 أيار/مايو 2021 إن "الاتحاد مصاب بالعمي الإستراتيجي، ولم يلتزم بوعوده بشأن انضمام تركيا"[23]، ومع ذلك، اتفق مع تصريحات الاتحاد الأوروبي بشأن أهمية الشراكة التركية-الأوروبية.

خاتمة

يُعطي انسحاب تركيا من اتفاقية "إسطنبول" ذريعة للاتحاد الأوروبي لتوجيه مزيد من الانتقادات لتركيا، وربما لفرض مزيد من العقوبات، وجعل أي خطط لاستئناف مداولات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، أمرًا مستبعدًا أكثر من الماضي. مع ذلك، تبقى تركيا جارًا وشريكًا رئيسيًا للاتحاد الأوروبي في قضايا عدة، ولعل أهمها: تأمين اللاجئين من جهة تركيا، وهو ما أكدت عليه التصريحات الأوروبية والتركية المتبادلة. وهكذا تتقلص احتماليات العودة لمناقشة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، بينما يتحول التركيز لتفاهمات وحوارات في عدد من القضايا، يفرضها الجوار الجغرافي، لكن بعيدًا عن أن تصبح تركيا جزءًا من "الاتحاد".

الهوامش

** ما يرد في هذه الورقة من آراء تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.

[1] أردوغان: اتفاقية إسطنبول لم تجلب الاحترام للمرأة، وكالة الأناضول، 14/4/2021: bit.ly/3ACXQw5

[2] الولايات المتحدة تدين انسحاب تركيا من اتفاقية مناهضة للعنف الأسري، بي بي سي عربي، 22/3/2021: bbc.in/3fPgqJp

[3] تركيا: الانسحاب من "اتفاقية إسطنبول" لا يعني التهاون في حماية المرأة، وكالة الأناضول، 22/3/2021: bit.ly/2WYTWPS

[4] اتفاقية الوقاية من العنف ضد النساء والعنف المنزلي ومكافحتهما، سلسة معاهدات مجلس أوروبا – رقم 210، إسطنبول، 11/5/2011.

[5] اتفاقية إسطنبول – لمكافحة العنف ضد المرأة وليس لها أجندة أخرى، دويتشه فيله، 20/3/2021: bit.ly/3jIuANr

[6] عدنان عبد الرازق، اتفاقية إسطنبول ... انقسام اجتماعي يعززه انسحاب تركيا، العربي، الجديد، 22/3/2021: bit.ly/3tgetuS

[7] أردوغان: اتفاقية إسطنبول لم تجلب الاحترام للمرأة، مصدر سابق.

[8] الدستور التركي للعام 1982 مع تعديلاته حتى العام 2002، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2014، ص 3.

[9] تركيا تنسحب رسميًا من "اتفاقية إسطنبول" لمكافحة العنف ضد المرأة، فرانس برس، 1/7/2021: n9.cl/pb6ov

[10] سلسة معاهدات مجلس أوروبا، مصدر سابق، ص 26.

[11] مآخذ تركيا على "اتفاقية حماية المرأة" والنصوص التي دفعتها للانسحاب منها، روسيا اليوم، 23/3/2021: bit.ly/3iCuebV

[12] جابر عمر، استطلاع رأي: عمدة أنقرة ينافس أردوغان "بقوة"، العربي الجديد، 16/7/2021: bit.ly/38JbtxM

[13] فرنسا تعرقل مفاوضات تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي، دويتشه فيله، 26/6/2007: bit.ly/3zSrrlf

[14] الولايات المتحدة تدين انسحاب تركيا من اتفاقية مناهضة للعنف الأسري، مصدر سابق.

[15] "نبأ مدمر" استنكار دولي لانسحاب تركيا من اتفاق المرأة، العربية نت، 21/3/2021: bit.ly/3hdr6SR

[16] الولايات المتحدة تدين انسحاب تركيا من اتفاقية مناهضة للعنف الأسري، مصدر سابق.

[17] اتفاقية إسطنبول – لمكافحة العنف ضد المرأة وليس لها أجندة أخرى، مصدر سابق.

[18] تركيا والاتحاد الأوروبي .. خطوة للأمام وعشر للوراء، الجزيرة نت، 31/1/2015: bit.ly/3z30euZ

[19] البرلمان يهدد تركيا بتبني توصية لـ "تعليق" طلب تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي وأنقرة ترد، يورونيوز، 20/5/2021:  bit.ly/38J42qw

[20] هل لتركيا مقومات للانضمام للاتحاد الأوروبي، روسيا اليوم، 9/5/2021: bit.ly/3AAuhe

[21] المفوضية الأوروبية: تركيا تتراجع في مسعاها للانضمام للاتحاد الأوروبي، بي بي سي عربي، 9/11/2016: bbc.in/3zJcSAe

[22] الاتحاد الأوروبي يعبر عن قلقه بشأن ملف حقوق الإنسان في تركيا مقابل التأكيد على أهمية الشراكة معها، فرانس 24، 6/4/2021: bit.ly/3lThbEX

[23] أردوغان يتهم الاتحاد الأوروبي بالعمى الإستراتيجي، سبوتنيك عربي، 9/5/2021: bit.ly/3tAixGN

 
 
 
 
 
 
 
مشاركة: