الرئيسية » تقدير موقف » فادي الشافعي »   08 تشرين الثاني 2021

قراءة/تحميل | | | |
هل تثبّت الجهود المصرية وقف إطلاق النار بغزة؟
فادي الشافعي

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدورة السابعة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

مقدمة

زار وفد قيادي من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) جمهورية مصر العربية، في 5/تشرين الأول/أكتوبر 2021،[1] في إطار المحاولة لتثبيت وقف إطلاق النار القائم بغزة بين فصائل المقاومة وإسرائيل برعاية مصرية، بعد جولة التصعيد الأخيرة، في أيار/مايو 2021، وهي الأعنف منذ سبع سنوات، وذلك بالتزامن مع صعود قيادة جديدة إلى الحكم في إسرائيل، وتجديد القيادة عند حركة حماس.

تجري محاولات تثبيت وقف إطلاق النار بغزة عبر المفاوضات عقب مناوشات ميدانية على الحدود مع قطاع غزة بين الطرفين ترتفع وتيرتها وتنخفض من أسبوع إلى آخر، وتشمل إطلاق صواريخ منفردة وبالونات حارقة على المستوطنات المحيطة بالقطاع، ويقابلها قصف إسرائيلي لمواقع عسكرية تابعة للفصائل بغزة.

هل ستفضي الجهود المصرية إلى تثبيت وقف إطلاق النار بين الفصائل بغزة وإسرائيل؟ إذ تشير تصريحات الطرفين حول المفاوضات إلى وجود فجوة واسعة بينهما تتعلق بالقضايا التي يجري التفاوض عليها، وأبرزها: صفقة تبادل الأسرى، وفك الحصار عن غزة.

تبادل للنيران ومفاوضات برعاية مصرية منذ 16 عامًا

ترعى مصر منذ 16 عامًا، مفاوضات إبرام تهدئة بين فصائل المقاومة الفلسطينية بغزة وإسرائيل؛ بهدف تحويل الهدوء النسبي بين الجانبين إلى "هدنة رسمية". ومنذ تبادل الرسائل الأولى في العام 2005 ظهرت "إشكالية مفاهيمية" تتمثل بتفريق الفصائل بغزة بين مفهومي "الهدنة" و"التهدئة"؛ إذ قبلت بـ"تهدئة" محددة بإطار زمني ومشروطة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، فيما رغبت "إسرائيل" بـ "هدنة" دائمة.[2]

وجدت إسرائيل نفسها في العام 2006 وحتى 2011 أمام حاجة ملحة للتفاوض مع الفصائل بغزة عقب أسرها للجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، وازدادت هذه الحاجة بعد فشل تحريره بالقوة العسكرية، فضربت حصارًا عسكريًا مشددًا على قطاع غزة، وطرحت معادلة فك الحصار مقابل الإفراج عن الجندي. فيما وجدت الفصائل بغزة نفسها أمام حاجة للتفاوض مع إسرائيل لفك الحصار المفروض منذ العام 2007 حتى الآن، لكنّها رفضت المعادلة التي طرحتها إسرائيل للتفاوض وطرحت معادلة "شاليط" مقابل الإفراج عن الأسرى من السجون الإسرائيلية.[3]

أظهرت المعادلتان فجوة في الرؤية بين الطرفين أدت إلى عدم قدرة الوسيط على بلورة "إطار للتفاوض"، وظلت المفاوضات تراوح مكانها بالتزامن مع مناوشات عسكرية محدودة حتى العام 2008 الذي شهد عملية عسكرية إسرائيلية مفاجئة ضد قطاع غزة، تصدّت لها الفصائل حتى نجحت الجهود المصرية في التوسط لوقف إطلاق النار، وظهر مفهوم تثبيت "وقف إطلاق النار" كإطار جديد للتفاوض بين الطرفين، وفي ضوء ذلك نجحت الجهود المصرية برعاية اتفاق لتبادل الأسرى في العام 2011، بينما ظل الحصار الإسرائيلي قائمًا إلى الآن.

شنّت إسرائيل عدوانين ضد قطاع غزة في العامين 2012 و2014، فتصدّت لهما الفصائل بغزة حتى نجحت الجهود المصرية بإعلان الطرفين وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات. ونتج عن مفاوضات 2012 إبرام الاتفاق المكتوب الأول[4] لوقف إطلاق النار وتخفيف الحصار، بينما نتج عن عدوان 2014 أسر الفصائل جنديَين إسرائيليين وآخريْن في مرحلة لاحقة.

معادلات ونيران للتفاوض

في أيار/مايو 2021، اعتدت القوات الإسرائيلية على الأهالي في مدينة القدس المحتلة، فردت الفصائل بغزة بإطلاق صواريخ، و"انزلق" الطرفان إلى تبادل واسع للنيران، حتى نجحت الجهود المصرية في التوسط لوقف إطلاق النار بعد 11 يومًا.

وتجري المفاوضات الآن برعاية مصرية لتثبيت وقف إطلاق النار المعلن، ونقلت القناة 11 الرسمية الإسرائيلية، في 27 أيار/مايو 2021، أن القاهرة وجهت دعوة لكل من إسرائيل و"حماس" للبدء في مفاوضات لإبرام صفقة لتبادل الأسرى[5]، فيما قالت حركة حماس أن رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية تلقى دعوة مصرية لزيارة القاهرة، لبحث تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل وإعادة إعمار قطاع غزة.[6]

طرحت إسرائيل معادلة جديدة للتفاوض ذات سقفٍ أدنى من معادلتها الأولى، وهي: الإفراج عن الأسرى والمفقودين المدنيين بغزة مقابل إعادة إعمار ما دمرته الحرب، أي أقل من المفهوم السابق لتخفيف الحصار، وجاء ذلك على لسان بيني غانتس، وزير الحرب الإسرائيلي، الذي قال خلال مقابلة أجراها مع قناة كان الإسرائيلية الرسمية أنّ "إعادة إعمار قطاع غزة مرهون بتسوية قضية الجنود الإسرائيليين الأسرى في القطاع".[7]

أما الفصائل بغزة فطرحت معادلات عدّة للتفاوض، وتطالب بمعالجتها بشكل منفصل:

الأولى: التفاوض على "أسرى مقابل أسرى"، إذ قال خليل الحية، عضو المكتب السياسي لحماس، في 30 أيار/مايو 2021، "لا نقبل ربط ملف التبادل بالإعمار والحصار"، مؤكدًا أنّ "ملف تبادل الأسرى مستقل عن كل الملفات ولا نقبل ربطه".[8]

الثانية: تخفيف الحصار - وضمنه إعادة الإعمار - مقابل الهدوء على حدود غزة، وفي هذا السياق قال الحية: لا يمكن عودة الهدوء والاستقرار إلا إذا رُفع الحصار عن غزة بالكامل.[9]

الثالثة: إطلاق الصواريخ مقابل الاعتداءات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية، مع اعتبار أنّ تقييم حجم الاعتداء الذي سيرد عليه بالصواريخ يخضع بشكل حصري لفصائل المقاومة بغزة، وهو ما ظهر بشكل واضح خلال تبادل النيران الأخير بين "إسرائيل" والفصائل بغزة، إذ أمهلت "الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية" إسرائيل، لسحب جنودها من المسجد الأقصى وحي "الشيخ جراح" بمدينة القدس المحتلة والإفراج عن المعتقلين؛ وهو ما تسبب بالانزلاق إلى تبادل واسع للنيران في أيار/مايو. ومساء يوم 16 آب/أغسطس 2021، أطلقت الفصائل بغزة صاروخين[10] نحو المستوطنات المتاخمة للقطاع في أعقاب الإعلان عن استشهاد 4 شبّان في جنين خلال اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال في صباح اليوم ذاته.[11]

تظل هذه المعادلات تتكرر، وتستخدم إسرائيل والفصائل أدوات ميدانية للضغط وتحريك المفاوضات بالقاهرة، تربطها علاقة طردية، فما تنفك إسرائيل أن تعلن عن تشديد الحصار ضد القطاع حتى ترفع الفصائل وتيرة الاحتكاك الشعبي على الحدود، وما إنّ تنفذ القوات الإسرائيلية اعتداءات جديدة، حتى تنطلق الصواريخ من غزة وفق معادلات وحسابات المقاومة، وما أن يؤكد المسؤولون الإسرائيليون أنّ الأسرى والمفقودين مقابل إعادة الإعمار يسارع المسؤولون في غزة إلى التأكيد "أسرى مقابل أسرى".

إسرائيل: غزة ملف واحد

تشكلت حكومة ائتلافية في إسرائيل، في حزيران/يونيو 2021، برئاسة نفتالي بينيت، وهي قيادة غير التي شنّت العملية العسكرية الأخيرة ضد غزة، إلا أنها ترفع شعار "ما كان في غزة ليس ما سيكون" في إشارة إلى تبنيها لسياسة جديدة في العلاقة مع غزة.[12]

وتلوّح حكومة بينيت باستخدام قوة عسكرية أكبر ضد قطاع غزة في حال حاولت الفصائل بغزة فرض إحدى معادلاتها، خاصة الثانية والثالثة. وتطرح كل القضايا المتعلقة بالقطاع، من الحصار مرورًا بإعادة الإعمار وليس نهاية بالإفراج عن أسراها الجنود ومفقوديها المدنيين في غزة، كملف واحد يجب أن يجري التفاوض عليه دفعة واحدة وبشكل متصل وفق معادلتها. وتعتبر أنّ التسهيلات التي تقدمها إلى القطاع بين الفينة والأخرى، لأسباب "إنسانية" صرفة، لا يحول دونها إلا تدهور الأوضاع الأمنية على حدود غزة.

وتشير الحركة المتسارعة للوفود ذات الصلة بمفاوضات تثبيت وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل، إلى أنّ الأخيرة مهتمة بتحقيق اختراق بالمفاوضات الجارية بالقاهرة وفق معادلتها.[13] كما يشير بقاء مسؤول ملف الأسرى والمفقودين الإسرائيليين في غزة يرون بلوم كرئيس للوفد الإسرائيلي المفاوض بالقاهرة أنّ قضية المفقودين الإسرائيليين بغزة هي أولوية "إسرائيل" في المفاوضات الجارية.[14]

الفصائل: غزة ملفات عدّة

تقود "حماس" الفصائل بغزة منذ العام 2007، وتجري المفاوضات الحالية بالقاهرة عشيّة انتخابات داخلية للحركة فاز فيها لقيادة غزة الثلاثي يحيى السنوار ومروان عيسى ونزار عوض الله، الذين لعبوا دورًا فاعلًا ومباشرًا في التفاوض غير المباشر مع "إسرائيل" برعاية مصرية لإتمام صفقة تبادل الأسرى في العام 2011، وهو ما يشير إلى أنّ قضية الأسرى أولوية بالنسبة إليها.[15]

وتعتبر "حماس" بحسب حسام بدران، عضو المكتب السياسي للحركة، أنّ المفاوضات برعاية مصر "متعثرة"[16]، وتشترط للسير قدمًا في مفاوضات لتبادل الأسرى إعادة الإفراج عن الأسرى الذين أعادت إسرائيل اعتقالهم بعد أن أفرج عنهم بموجب صفقة 2011.

وخلافًا للموقف الإسرائيلي، تطرح "حماس" قضايا غزة كملفات منفصلة[17] على طاولة المفاوضات وفق معدلاتها الثالثة آنفة الذكر، ويبدو أن الحركة تطمح بذلك إلى إحراز أي تقدمٍ في القضايا الثلاث: تبادل الأسرى، تخفيف حصار غزة، إعادة الإعمار؛ من أجل تقديمه للجمهور الفلسطيني كإنجاز وطني، ولأهل غزة خاصة كمكافأة لتحملهم الصعوبات التي يواجهونها.

الوسيط المصري: معنيون بالاستقرار

تهدف مصر من رعاية المفاوضات غير المباشرة بين الفصائل وإسرائيل إلى تثبيت الهدوء في القطاع، التي يجمعها به علاقة تاريخية وحدود برية بطول 13 كم، بالإضافة إلى أنّ دورها كوسيط بين الطرفين يزيد من حضورها الإقليمي في المشهد العربي، خاصة في الساحات الملتهبة، وتقول القاهرة إنها "معنية بالحفاظ على استقرار الأوضاع بصورة دائمة".

ورغم النجاح النسبي للوساطة المصرية في رعاية المفاوضات إلا أنها افتقرت إلى القدرة على توفير ضمانات أو حوافز تجعل الأطراف تلتزم بما يجري الاتفاق عليه، إذ أعادت "إسرائيل" اعتقال عشرات المفرج عنهم ضمن صفقة 2011، كما شنت إسرائيل خلال 16 عامًا أربع حروب مع المقاومة.

نجحت مصر في احتواء عشرات التوترات عالية الوتيرة بين الفصائل وإسرائيل استمرت بعضها لساعات، وأطلقت خلال بعضها عشرات الصواريخ نحو المستوطنات مقابل عشرات الغارات ضد قطاع غزة، وفي الوقت الحالي، يحول الوسيط المصري دون انزلاق الطرفين إلى تبادل جديد لإطلاق النار حين ترفع الفصائل بغزة وتيرة الاحتكاك مع "إسرائيل" على حدوده الشرقية، أو تطلق صواريخ منفردة نحو المستوطنات المتاخمة للقطاع.[18]

خاتمة

إنّ الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار بغزة - قد يتطور إلى "تهدئة" أو اتفاق "هدنة" رسمي – ما زال هدفًا صعب المنال؛ بفعل صراع الطرفين المتواصل لفرض رؤيتهما لقضايا قطاع غزة، فبينما تنظر "إسرائيل" إلى غزة كملف واحد يجب معالجته بشكل متصل على نفس طاولة المفاوضات، ترى الفصائل أنّ قضايا غزة عبارة عن ملفات عدّة لا تقبل بمعالجتها إلا بشكل منفصل فوق طاولات مختلفة للمفاوضات.

يضاف إلى ذلك أنّ عوامل التوتر الميدانية لا تزال قائمة بفعل سياسة إسرائيل تجاه غزة، المتمثلة في تخفيف الحصار وتشديده وفق وتيرة الاحتكاكات على الحدود من جهة، أو بفعل إطلاق الصواريخ مقابل الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس من جهة أخرى.

في ضوء ذلك، سيستمر وقف إطلاق النار الهش - كما استمر على مدار 16 عامًا مضت - وقد ينجح الطرفان في الوصول إلى صفقة لتبادل الأسرى، أو إلى آلية لتخفيف الحصار عن غزة، وضمنه إعادة الإعمار، لكسب مزيد من الوقت لتأخير عودة الاشتباك بالنار.

الهوامش

** ما يرد في هذه الورقة من آراء تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.

[1] وفد قيادي برئاسة هنية يزور القاهرة، موقع حركة حماس، 2/10/2021: bit.ly/3iZdGKV 

[2] السلطة تسلمت أريحا و"حماس" والجهاد مع التهدئة لا الهدنة، الجزيرة نت، 16/3/2005:   bit.ly/3kjreRk

[3] المقاومة ترفض تحرير شاليط مقابل فكّ الحصار، جريدة الأخبار، 27/1/2009:   bit.ly/3jYMfS6

[4] اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يدخل حيز التنفيذ، فرانس 24، 21/11/2012:   bit.ly/385i8Sv

[5] قناة إسرائيلية: مصر دعت إسرائيل و"حماس" إلى مفاوضات لتبادل أسرى، الجزيرة نت، 27/5/2021:   bit.ly/3gsBhlU

[6] لبحث التهدئة وإعادة إعمار غزة .. هنية يتلقى دعوة مصرية لزيارة القاهرة، الجزيرة نت، 25/5/2021: bit.ly/3mMpdOV

[7] غانتس: إعادة إعمار غزة مرهون بتسوية قضية الأسرى الإسرائيليين، وكالة الأناضول، 22/5/2021: bit.ly/3Dyx5ub

[8] "حماس" تعلن رفضها ربط إسرائيل ملف الأسرى بالهدوء والإعمار في غزة، القدس العربي، 31/5/2021: bit.ly/2YThdDg

[9] المصدر السابق.

[10] الاحتلال: إطلاق صاروخين من غزة تجاه مستوطنات الغلاف، بوابة الهدف، 16/8/2021: bit.ly/3AH0OyY

[11] شهداء في اشتباك مسلّح مع قوات الاحتلال في جنين، بوابة الهدف، 16/8/2021: bit.ly/3FK8nsG

[12] بينيت وغانتس يهددان غزة: سنعمل في المكان والشروط الملائمة لنا، عرب 48، 17/8/2021:   bit.ly/2WkMvla

[13] وسائل إعلام: وفد إسرائيلي إلى القاهرة لاستكمال مفاوضات وقف إطلاق النار مع "حماس"، روسيا اليوم، 11/7/2021: bit.ly/3mqS5xM

[14] وفد إسرائيلي في مصر لبحث "تبادل الأسرى" مع "حماس"، وكالة الأناضول، 30/6/2021: bit.ly/2Y6MH92

[15]  كيف تجري "حماس" انتخاباتها الداخلية؟ وكالة الأناضول، 16/3/2021:   bit.ly/3kmnK0z

[16] بدران: "حماس" والفصائل سيستخدمون كل الوسائل للضغط على الاحتلال، موقع حركة حماس، 25/7/2021:   bit.ly/3y4BTEo

[17] المصدر السابق.  

[18] صفارات الإنذار تدوي في سديروت بعد إطلاق صاروخ من غزة، الجزيرة نت، 16/8/2021:   bit.ly/3sAgCkS 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
مشاركة: