الرئيسية » تقدير موقف » عبد الله هاني »   29 كانون الأول 2021

| | |
مشروع قناة إسطنبول .. التحديات والفرص
عبد الله هاني

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدورة السابعة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

مقدمة

بعد عشر سنوات من الإعلان عن مشروع قناة إسطنبول، افتتح رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان بدء العمل بالمشروع، في حزيران/يونيو 2021، الذي يسعى من خلاله لشق قناة مائية تربط بحر مرمرة بالبحر الأسود. وقد طُرح المشروع كحل لمشكلة ازدحام السفن وزيادة أمن الملاحة وتقليل الضغط أثناء عبور مضيق البسفور[1]، إلا أنّ للمشروع معاني اقتصادية سياسية مهمّة.

على الرغم من بدء العمل في تنفيذ المشروع، إلا أنّه يواجه جملة من التحديات قد تؤثر على فرص استكماله، ومن أهمها أصوات المعارضة التركية، وقدرة الاقتصاد التركي على توفير التمويل اللازم، فيما تظهر التحديات الخارجية في شكل وطبيعة المصالح المتقاطعة مع المصلحة التركية من المشروع.

وتحاول الورقة الكشف عن أهمية المشروع السياسية والاقتصادية، في حال تنفيذه.

يبدو أنّ أردوغان عازم على المضي قدمًا في تنفيذ المشروع، الذي أكد عليه أثناء توليه منصب رئاسة الوزراء في العام 2011 بالقول إنه "مشروع العصر"[2]، خاصة في ظل وجود فرص متنوعة تظهر على شكل مصالح مشتركة، خاصة مع الصين والإمارات العربية المتحدة، في مقابل صعوبات اقتصادية ومعارضة داخلية وتحفظات خارجية.

ماهية المشروع

يستهدف المشروع إنشاء قناة مائية تربط بحر مرمرة بالبحر الأسود، بطول 45 كم، وعمق 20-75 مترًا، وعرض قاعدتها 275 مترًا على الأقل، وتم مراعاة أن يتيح حيز القناة مرور الناقلات العملاقة بطول 275 مترًا ولا يزيد غاطسها عن 17 مترًا، ومتوسط حمولتها 145 ألف طن.

ستكون القناة بديلًا يستوعب أعدادًا أكبر مما يستوعبه مضيق البسفور بمسار أكثر سلاسة دون موعد الانتظار الذي يصل حاليًا إلى حوالي 14 يومًا لعبور المضيق. وتشمل مخططات المشروع إنشاء مرسى للسفن، ومنطقة لتفريغ الحاويات وتحميلها غرب مدخل بحر مرمرة، وميناء حاويات في البحر الأسود، ومركزًا للوجستيات.

تقدر تكلفة القناة المباشرة بحوالي 15 مليار دولار، ومن المتوقع أن تنجز خلال 6-10 أعوام، بدءًا من العام 2021. ويشمل المخطط أيضًا إنشاء تجمعات سكنية تستوعب حوالي 500 ألف نسمة، تشمل سكان المناطق التي جرى عليها المشروع، ويخصص نصف التجمعات السكنية لتفريغ أحياء عدة من إسطنبول مهددة من تأثير الزلازل الطبيعية.[3]

حلم متجدد

مع بدء المشروع، يفتح أردوغان صفحة طويت مرات عدة تاريخيًا، بدأت منذ زمن السلطان العثماني سليمان القانوني (1520-1566)، وتجددت عبر التاريخ، وكان آخرها في العام 1994 ضمن دعاية انتخابية من قبل رئيس الوزراء التركي الأسبق بولنت أجاويد.[4] وعاد أردوغان إلى الفكرة أثناء توليه رئاسة الوزراء، إذ أنجزت الحكومة دراسات لتحديد مسار القناة.

وشهد العام 2014 بدء الأعمال الأولية لإجراء الدراسات الجيولوجية والجيوتقنية، تخللتها عمليات حصر لمؤسسات لديها مشاريع قائمة أو مخطط لها على مسار المشروع، وانتهت الدراسة في نهاية العام 2016، وتبعها تقييم بيئي انتهى بحلول العام 2020، وأصبحت جاهزة للبدء.[5]. وتأجل انطلاق المشروع بسبب جائحة كورونا حتى أعلن أردوغان بدء العمل بالمشروع في حزيران/يونيو 2021.

المعارضة التركية في مواجهة الحكومة

صعّدت المعارضة التركية حملتها ضد القناة، بعد فوز مرشحها أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول في العام 2019، وأطلقت موقعًا إلكترونيًا لجمع المسوغات والأوراق البحثية ضد المشروع، ويصرّح أوغلو تصريحات مناهضة للقناة، كان آخرها قوله: "إنّ حزب الشعب الجمهوري ملتزم أمام الشعب التركي بأن قناة إسطنبول لن تبنى".[6]

وركزت المعارضة على الضرر البيئي المحتمل، كتضرر الحقول الزراعية، والمراعي، ومصادر مياه الشرب، والغابات، ومشاكل بيئية لبحر مرمرة، إضافة إلى مخاطر الزلازل كون إسطنبول تقع في منطقة زلزالية نشطة.[7]

ونجحت المعارضة في إقناع ستة بنوك رئيسية بالإحجام عن المساهمة في تمويل المشروع[8]، إذ أكد كمال كليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري، أن المؤسسات التي ستمول مشروع قناة إسطنبول لن تتمكن من الحصول على تعويضات من خزينة الجمهورية التركية. كما سيتم طلب تعويض عن أي ضرر طبيعي ناتج عن المشروع على الأراضي التركية".[9]

في المقابل، ترى الحكومة بأن هذا المشروع يخدم عملية التحول الحضري بإعادة بناء ما يقرب من 68 ألف وحدة سكنية آيلة للسقوط[10]، إلا أن أحمد داوود أوغلو، وزير الخارجية حينها، طالب الحكومة بـ "دراسة المشروع بشكل أكبر".[11]

أما مراد قوروم، وزير البيئة والتخطيط العمراني التركي، فدحض مزاعم المعارضة حول وجود أخطار تتعلق بالمشروع، مؤكدًا أن "الحكومة التركية ردت على المعارضة بتقارير وأدلة علمية تنفي مزاعمهم".[12] كما نفى كاراسمايل أوغلو، وزير البنية التحتية التركي، عدم رغبة بعض البنوك في تمويل المشروع، موضحًا أنها مجرد شائعات، وأنهم يجرون محادثات مع مؤسسات مالية عالمية، مؤكدًا عدم وجود مشكلة في التمويل".[13]

الجدوى الاقتصادية

تعتقد الحكومة بأن 10 سنوات من الإعداد للمشروع كانت كفيلة بجعل المشروع أحد سبل إنعاش الاقتصاد التركي، ونشرت العديد من التحليلات حول الدخل المتوقع للمشروع من عائدات العبور مقارنة بالقناتين العالميتين بنما والسويس، الأكثر تشابهًا من حيث الأهمية وعدد السفن العابرة، إذ يلاحظ من الجدول أدناه قدرة الحكومة التركية على تحقيق دخل مرتفع لو فرضت رسومًا مشابهة، وسيكون الدخل مضاعفًا كون القناة ستلبي الحاجة المتزايدة للعبور التي ستصل إلى 65 ألف سفينة خلال سنوات قادمة.

ويمكن الاستدلال أيضًا على جدوى مشروع القناة من معرفة أهمية المضائق التركية للحركة التجارية العالمية التي يمر عبرها نحو خُمس صادرات القمح العالمية، وسُدس صادرات الذرة، والتي تعدّ ضمن أهم 8 مناطق للأمن الغذائي العالمي، وممرًا لصادرات النفط، سواء عبر الناقلات أو الأنابيب، وصولًا إلى محطات التصدير على البحر المتوسط.

 

العام 2019

قناة بنما

قناة السويس

مضيق البسفور

عدد السفن

13 ألفًا

19 ألفًا

41 ألفًا

الدخل السنوي

3.3 مليار دولار

6 مليارات دولار

136 مليون دولار (البسفور والدردنيل)

 

 

وحسب مخططات المشروع التي نشرتها الحكومة، ستكون القناة محطة دعم لوجستي وتقني تجعلها محطة تجارية عالمية، وليس ممرًا للعبور فقط، بسبب موقع تركيا، وذلك مواكبة للطلب العالمي على التجارة البحرية التي تشكل 90% من التبادلات العالمية.[17]

كما يمثل المشروع رافعة اقتصادية مهمة للاقتصاد التركي، ومصدرًا مهم للعملة الأجنبية، خاصة في ظل تراجع سعر صرف الليرة التركية، ويتيح الفرصة لمحور تنموي جديد على ضفاف القناة، يتوقع أن يجذب استثمارات أجنبية واسعة في مجالات متعددة من العقارات، والخدمات، والترفيه.

الأهمية السياسية لتركيا

تضمّن خطاب أردوغان في المجمع الرئاسي في أنقرة، أواخر العام 2019، البعد السياسي للقناة، ومدى تأثيراتها العالمية.[18]

وعلى الرغم من التحديات القائمة، إلا أن الاستمرار في المشروع يحقق لتركيا أبعادًا جيوسياسية مهمة، يمكن رصدها على النحو الآتي:

  • سيسرع مشروع القناة من الحركة الاقتصادية القادمة نحو منطقة البحر الأسود، ويمكن لمجموعة دول استخدامه في المرور التجاري.
  • تتمتع تركيا بعلاقات سياسية متساوية مع كافة الدول الكبرى، سواء الشرقية أو الغربية، ما يؤدي إلى مرور تجاري للدول كافة.
  • قد يشكل مشروع القناة أحد ممرات الصين إلى أوروبا وفقًا لمبادرة "الحزام والطريق" التي انضمت إليها تركيا في العام 2015[19]، خاصة في ضوء فشل محاولات الصين منذ العام 2013 بشق قناة البلقان، بسبب ضغوط الاتحاد الأوروبي وضعف دول البلقان.[20]
  • قد تشكل القناة نقطة التقاء بين تركيا ودول الخليج العربي، إذ لا يمكن إغفال التقارب الذي حدث مؤخرًا بين تركيا والإمارات بعد فترة طويلة من القطيعة.[21]. فقد صرح أردوغان عقب لقائه مع طحنون بن زايد، مستشار الأمن القومي الإماراتي، في أنقرة، في آب/أغسطس 2021، أنهما تحدثا حول استثمارات الإمارات في تركيا، وقال: "أعتقد أن الإمارات ستنفذ قريبًا استثمارات كبيرة في بلدنا، إذ إن لديها أهدافًا وخططًا استثمارية جادة للغاية".[22] ونقلت صحيفة القدس العربي عن مصادر تركية أنّ الاستثمارات الإماراتية قد تمتد إلى الاستثمار في مشروع القناة.[23]

تركيا والجوار ... صفر مشاكل

صرح ألكسندر لوكاشيفيتش، المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية، أن بلاده "مرتاحة لتأكيد تركيا التزامها باتفاقية مونترو"[24]، إذ ساهمت سياسة "الشراكة المعززة المتعددة الأبعاد" في تحسين العلاقة مع روسيا في إطار مجلس التعاون عالي المستوى الذي تأسس في العام 2010 بهدف تعميق الحوار الودي والتعاون المتبادل.[25]

إن وجود مصالح مشتركة تغطي على الخلافات؛ ووجود ارتياح رسمي روسي نحو الالتزام التركي باتفاقية مونترو[26] جعل البدء بالمشروع ممكنًا، مع التأكيد على جهود روسيا المستمرة للحفاظ على منافذ لها على المياه الدافئة باعتبارها مسألة أمن قومي، وهو ما يعني تسخير الأمر الواقع لصالح روسيا، وربما الوصول إلى شراكة في التنفيذ[27]. وكذلك لم يصدر أي تصريح رسمي من باقي دول البحر الأسود حول المشروع، ما يجعلها في دائرة المستفيدين.

خاتمة

اختار أردوغان الوقت المناسب لبدء المشروع بعد 10 سنوات من الدراسة، ليكون البدء في ظل سيطرته الكافية على مفاصل الدولة التركية لحماية المشروع من المعارضة، التي لم تنجح رؤيتها المقابلة لنموذج أردوغان في حشد الدعم الكاف لوقف المشروع.

وناورت تركيا بعلاقاتها مع الدول الإقليمية بلغة الشراكة نظرًا لرسمها رؤية واضحة ومرنة، بنيت على تحقيق شراكات تعزز مبدأ "الكل رابح"، وحصدت مؤشرًا مهمًا بإعلان وكالة "ستاندرد آند بورز" بأنّ نظرتها المستقبلية للتصنيف الائتماني لتركيا مستقرة، مع توقعات بانخفاض التضخم، وزيادة النمو، وانخفاض في البطالة.[28]

وبعد أن حيدت تركيا معظم التحديات السياسية، بدأت العمل في المرحلة الأولى من المشروع، إلا أنه لم يتم تجاوز تحدي التمويل بشكل نهائي، خاصة في ظل عدم الإعلان رسميًا عن تأمين كامل لتكلفة المشروع، أو وجود شراكات استثمارية أو ائتمانية، وهي ليست مستحيلة.

الهوامش

 ** ما يرد في هذه الورقة من آراء يعبر عن رأي كاتبها، ولا يعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.

[1] Daren Butler, "Kanal Istanbul" project kicks off with bridge construction, Reuters, 26/6/2021: reut.rs/2Xd2SRv

[2] عدي جوني، قناة إسطنبول … حلم أردوغان، الجزيرة نت، 9/6/2011: bit.ly/3DyGx1t

[3] للمزيد، انظر:

- أبعاد مشروع قناة إسطنبول، الموقع الرسمي لقناة إسطنبول: bit.ly/3ixoCQ1
- التكلفة الإجمالية لقناة إسطنبول، الموقع الرسمي لقناة إسطنبول: bit.ly/3s5jmXc

[4] Ahmet Hakan: Kanal İstanbul'un fikir babası Ecevit'tir, CNN Turk, 16/12/2019: bit.ly/3i6SYs6

[5] الموقع الرسمي لقناة إسطنبول: bit.ly/3ixoCQ1

[6] إمام أوغلو يتحدى أردوغان: قناة إسطنبول لن تُبنى، صحيفة زمان، 17/11/2021: bit.ly/3DxTbx6

[7] Türkiye Deprem Tehlike Haritası İndeksi: bit.ly/3lzX1hI

[8] Can Sezer and Ebru Tuncay, Turkey’s banks shy away from Erdogan’s 'crazy canal sourceS, Reuters, 27/4/2021: reut.rs/3gXl3BM

[9] تغريدة لكليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض على حسابه على تويتر، 30/6/2021: bit.ly/38zBYFQ

[10] تدمير 165 ألف و556 مبنى محفوف بالمخاطر في تركيا منذ العام 2012، الأناضول، 31/1/2020: bit.ly/3EERNdl

[11] AKP'den istifa eden 150 kişiye rozet takan Davutoğlu: Cumhur İttifakı dağılacak, Artigercek, 3/7/2021: bit.ly/3kQjTsI

[12] الموافقة على خطط تطوير المشاريع المائية المستقبلية، وكالة أنباء تركيا، 27/3/2021: bit.ly/3yB5zJp

[13] Haber Merkezi, Bakan Karaismailoğlu: Kanal İstanbul'un finansı konusunda Hollanda, Belçika, Çin ve Rusya ilgileniyor, Yenisafak, 20/4/2021: bit.ly/3Abgv2b

[14] Annual Report, Panama Canal: bit.ly/39BJiBc

[15] أرقام وحقائق، قناة السويس الجديدة: bit.ly/39C62RG

[16] TÜRK BOĞAZLARI GEMİ GEÇİŞ İSTATİSTİKLERİ, Denizcilik İstatistikleri: bit.ly/3kJFdS7

[17] الموقع الرسمي لقناة إسطنبول: bit.ly/3ixoCQ1

[18] خطاب لأردوغان في المجمع الرئاسي، أنقرة، 12‏/12‏/2019: bit.ly/3EOMBmo

[19] Wang Yi Holds Talks, Ministry of Foreign Affairs- china, 25/3/2021: bit.ly/3ERoWCB

[20] Dragan Dunčić, The Project to Construct the Danube-Morava-Vardar-Aegean Canal, Danubius, 26/9/2013: bit.ly/3mWcY3Z

[21] تغريدة لأنور قرقاش، وزير دولة الإمارات للشؤون الخارجية على تويتر، 18/8/2021: bit.ly/3yMeXdf

[22] حجم التبادل التجاري والاستثمارات بين تركيا والإمارات، تي أر تي عربي، 19/9/2021: bit.ly/3oWlnpd

[23] زيارة بن زايد المتوقعة إلى تركيا .. ملفات اقتصادية "واضحة"، القدس العربي، 16/11/2021: bit.ly/3qL32fC

[24] Russia welcomes Turkey’s assurances of commitment to Montreux Convention, TASS,14/4/2014: bit.ly/3Cc8zhC

[25] سياسة "صفر مشاكل" مع الجوار، وزارة الخارجية التركية، 15/9/2021: bit.ly/2VFXy8G

[26] تنظم اتفاقية مونترو التمييز بين السفن التجارية والسفن الحربية بين الدول المطلة وغير المطلة على البحر الأسود، بين أوقات الحرب والسلام وحالات الخطر. للمزيد: قناة إسطنبول واتفاقية مونترو، موقع قناة إسطنبول: bit.ly/3gQG1SI

[27] Haber Merkezi, Bakan Karaismailoğlu, Ibid.

[28] "ستاندرد آند بورز" تبقي على تصنيفها الائتماني لتركيا، وكالة الأناضول، 23/10/2021: bit.ly/3cp4I66

 
 
 
 
 
 
مشاركة: