الرئيسية » تحليل سياسات » حكمت المصري »   25 كانون الثاني 2022

قراءة/تحميل | | | |
نحو تعزيز ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية في المناهج الفلسطينية
حكمت المصري

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.

مقدّمة

أصبحت ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية، أسلوب حياة، يجب العمل على نشرها في المجتمع، لاسيما بعد التطور التكنولوجي الهائل والثورة التكنولوجية، التي أفرزت جيلًا مدمنًا على استخدام الهواتف الذكية، وما يترتب على ذلك من الاستخدام السلبي لها دون رقابة على المحتوى الذي يتم نشره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما ساهم في نشر خطاب الكراهية والعنصرية، والتسلط عبر الإنترنت، والأخبار المضللة، إضافة إلى التعقب الإلكتروني من قبل الحكومات والشركات المزودة لخدمات الإنترنت، وذلك لتحقيق هدف ربحي، أو خدمة لأجندات ومصالح معينة.[1]

وأصبحت شبكة الإنترنت اليوم تلعب دورًا في تربية الطفل، ما يترك أثرًا عليه؛ إما بشكل إيجابي، وإما بشكل سلبي، ونحن لا نستطيع أن نغلق الباب على أبنائنا، ونمنعهم من استخدام التكنولوجيا، وبخاصة أننا ندرك مدى أثر التكنولوجيا على تطوير قدراتهم، لذلك يجب أن نعلّم هذا الجيل ضرورة التفكير الناقد، وتثقيفهم وتسليحهم بمهارات التعامل مع الإعلام الرقمي والإنترنت بطريقة آمنة. والمخيف اليوم أننا وأطفالنا هدف للمعلنين ومروجي الرسائل المضللة والمسمومة، وكأننا عجينة جاهزة بين أيدي المبرمجين يقومون بتشكليها حسب أهوائهم، عبر ما يوفرونه خلال النشر، فلهذا أصبح الوضع يتطلب منا التصرف على قاعدة التثقيف والتمكين، لأنه لم يعد البحث عن سبل النجاة سهلًا، ولكنه، في الوقت ذاته، ليس أمرًا صعبًا.

يقصد بمفهوم التربية الإعلامية والمعلوماتية القدرة على التعامل مع الرسائل الإعلامية المنبعثة من الوسائل الإعلامية المختلفة، وتمكُّن أفراد المجتمع من الوصول إلى فهم وسائل الإعلام الاتصالية التي تستخدم في مجتمعهم، والطريقة التي تعمل بها، ومن ثم تمكّنهم من اكتساب المهارات في استخدام وسائل الإعلام للتفاهم مع الآخرين. وتعتبر التربية الإعلامية والمعلوماتية أمرًا مهمًا؛ كونها تساعد في تعزيز الوعي الإعلامي لدى الأفراد والمجتمع، وتعزيز ثقافة الحوار بين الثقافات والأديان، والسلام، وحرية الرأي والتعبير، والانتفاع بالمعلومات؛ من خلال تيسير بحث الأفراد عنها والحصول عليها وتقييمها بصورة نقدية، بما يعزز فهم الحقوق والمسائل الأخلاقية والمضامين الإعلامية وتفسيرها بحكمة، عبر الوسائل الإعلامية المختلفة. وتعزز التربية الإعلامية والمعلوماتية، أيضًا، من مهارات التفكير الناقد، والتفكير الإبداعي، والتعبير عن الذات لدى الأفراد، من حيث سؤال أنفسهم: ما هي المعلومات؟ ما هي وسائل الإعلام؟ ما هي الرسالة الإعلامية؟ وما الهدف منها؟ ... إلخ.[2]

هدف الورقة

تحاول هذه الورقة المساهمة في تقديم سياسات لتعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية في المناهج الفلسطينية، وتعزيز التعاون بين وزارة التربية والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني العاملة في هذا المجال، ومواجهة أي تداعيات يمكن أن تنشأ بسبب عدم وجود ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية في المناهج الفلسطينية، وأيضًا التعرف على أسباب المشكلة على المستويات كافة. وتدعو الورقة إلى نشر مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية ومهاراتها وأخلاقياتها، والتأكيد على أهميتها في توعية الطلبة حول التعامل مع مفاهيم الإعلام، والعمل على تنمية تفكير الطالب، ما يمكّنه من مواجهة الآثار السلبية لوسائل الإعلام في عصر يتسم بسرعة التقدم والتعقيد والاختراعات الهائلة في قطاع وسائل الإعلام.

المشكلة السياساتية

تخلو المناهج الفلسطينية من أسس التربية الإعلامية والمعلوماتية في ظل التوسع المطرد للفضاء الإعلامي والمعلوماتي والمفاهيم الإعلامية، وانتشار آثاره على المجتمع الفلسطيني. وتهدف التربية الإعلامية والمعلوماتية إلى تحسين قدرات المجتمع، وتحديدًا الأجيال الجديدة والشابة، في التعامل مع وسائل الإعلام ومصادر المعلومات، حيث تمكّن أفراده، وتقدم لهم الحماية من المخاطر التي تفرضها الاستخدامات غير المهنية والمحتوى غير الملائم لوسائل الإعلام ومصادر المعلومات؛ مثل خطابات الكراهية والعنصرية التي تدعو إلى التطرف والعنف والإرهاب. كما تهدف التربية الإعلامية والمعلوماتية إلى تعزيز قدرات الشباب على المشاركة المجتمعية بشكل إيجابي، من خلال وسائل الإعلام، وتحديدًا الرقمية، وتساعد في تمكينهم من حرية التعبير، والتفكير النقدي، والإبداع، والريادة.[3]

التربية الإعلامية والمعلوماتية

برز مفهوم التربية الإعلامية والمعلوماتية في أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث تركزت في ذلك الوقت على كيفية استخدام أدوات الاتصال ووسائل الإعلام "كوسيلة تعليمية" بهدف تحقيق منافع تربوية ملموسة. بحلول سبعينيات القرن الماضي، بدأ النظر إلى التربية الإعلامية على أنها تعليم، ومشروع دفاع يتمثل هدفه في حماية الأطفال والشباب من خطورة وسائل الإعلام، وركزت على كشف الرسائل "المضللة"، وتشجيع الطلاب على تجاوز القيم غير الملائمة. وقد تطور مفهوم التربية الإعلامية والمعلوماتية في السنوات الأخيرة، بحيث أصبح مشروع تمكين وليس مشروع دفاع، يهدف إلى إعداد الشباب لفهم الثقافة الإعلامية التي تحيط بهم، وتعزيز قدراتهم في التعامل معها، والمشاركة فيها بصورة فعالة ومؤثرة.[4]

وحتى تسهم عقولنا إسهامًا كبيرًا في فهم ما يجري حولنا، بشكل سليم، فهي بحاجة للمعلومات حتى تستطيع صقل أفكارنا ومعتقداتنا، والأهم من ذلك تحديد مواقفنا حيال جودة المعلومات التي نحصل عليها، بأشكال مختلفة، من أشخاص آخرين، أو من وسائل الإعلام، والمتاحف، والمكتبات، ودور النشر... إلخ.

لماذا التربية الإعلامية والمعلوماتية؟

يطلق على الإعلام السلطة الخامسة؛ لقدرته على التأثير الثقافي والاجتماعي والسياسي على المجتمعات، كما أنه يسهم في مساعدة الأفراد على تشكيل الرأي العام تجاه القضايا. ونظرًا لكون الإعلام يعمل على نشر المعلومات بما يخدم المصالح والأجندة الإعلامية لكل وسيلة، فقد أصبح من الضروري أن يعرف الأفراد آلية انتقاء المعلومات من خلال التفكير الناقد وتحليل مضمون كل ما يتعرضون له عبر الوسائل الإعلامية المختلفة.[5]

يشهد العالم نموًّا مطردًا في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فأصبح الفرد يتلقى كمًا كبيرًا من المعلومات، سواء من خلال الصحافة التقليدية، أو الإعلام الرقمي الحديث، إلا أن هناك أفرادًا ما زالوا محرومين من هذه المعلومات، ومن هنا، يأتي دور التربية الإعلامية والمعلوماتية في تمكين الأفراد من آلية التعامل مع المعلومات، من خلال طرح العديد من الأسئلة على أنفسهم مثل: كيف يمكننا الحصول على المعلومات والبحث عنها وتقييمها بصورة نقدية؟ ما هي الحقوق التي نتمتع بها سواء على شبكة الإنترنت أو غيرها من المنابر الإعلاميّة؟ كيف يمكننا الإسهام في وسائل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات للنهوض بأوجه المساواة وتعزيز الحوار بين الثقافات وبين الأديان، والسلام، وحرية التعبير، والانتفاع بالمعلومات؟[6]

تعد منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) الداعم الأكبر عالميًا للتربية الإعلامية. وتعقد "اليونسكو" مؤتمراتها للتأكيد على أهمية التربية الإعلامية بعبارة مهمة: "يجب أن نعد النشء للعيش في عالم سلطة الصورة والصوت والكلمة". وهي بذلك تشــير إلى أن الإعــلام يملــك سلــطة مؤثــرة على القيــم والمعتـقــدات، والتوجهات والممارسات في مختلف الجوانب اقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا. من خلال أنشطة اليونسكو المتعددة في هذا المجال، فإنها تعتبر التربية الإعلامية جزءًا من الحقوق الأساسية لكل مواطن، في كل بلد من بلدان العالم، وتوصي بضرورة إدخال التربية الإعلامية حيثما أمكن، ضمن المناهج التربوية الوطنية، وكذلك إدخالها ضمن أنظمة التعليم غير الرسمية، والتعلم مدى الحياة.[7]

تحمي التربية الإعلامية والمعلوماتية المجتمعات من فوضى انتشار خطاب الكراهية والعنف. لذلك، يعتبر اعتماد التربية الإعلامية والمعلوماتية كمشروع تمكين يساعد في تحسين أساليب ومناهج التربية والتعليم من جهة، وتحسين المنتج الإعلامي من جهة أخرى. وقد "أثبتت الأبحاث أن التربية الإعلامية والمعلوماتية لها أثر إيجابي في الحياة اليومية وحرية الرأي والتعبير، وتمنح الناس الفرصة لاتخاذ قرارات استنادًا إلى معلومات دقيقة".[8]

تلعب التربية الإعلامية والمعلوماتية دورًا مهمًا في حقول الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وتنمية المجتمعات، لأنها تسهم في إتاحة الفرصة للفرد والمجتمع في كيفية الانتفاع من المعلومات، وتحليلها، والعمل على هيكلة إنتاجها ومشاركتها مع الآخرين. وتسهم التربية الإعلامية والمعلوماتية في خلق جيل منتج في القرن الواحد والعشرين. وتمنح الأجيال الجديدة منهجًا إيجابيًا في التكيف مع عالم الاتصال والمعلومات، وكيفية استثمار هذه الوسائل لنشر مفاهيم حقوق الإنسان، والحد من خطاب الكراهية والعنف، وحماية حرية الرأي والتعبير.

في فلسطين

بدأت بذور نشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية في فلسطين من خلال جهود بذلتها المؤسسات المجتمعية لتمكين الأفراد بمهارات التعامل مع الإعلام ومع الرسائل الإعلامية. وكان من نتائج هذه الجهود عقد مؤتمر إقليمي تناول عرض تجارب عربية رائدة، وأعلن خلاله عن إطلاق شبكة التربية الإعلامية والمعلوماتية الدولية في فلسطين. وتعد الهيئة الفلسطينية للإعلام وتفعيل دور الشباب–بيالارا من مؤسسي هذه الشبكة، التي جمعت ما بين الإطار النظري لمحاور التربية الإعلامية والمعلوماتية، والإطار العملي أو التجريبي من خلال ما يحتويه من تمارين.[9]

منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، بدأ العمل على تنفيذ الأنشطة الإعلامية المدرسية في فلسطين، من خلال تضمينها ضمن خطة برامجية قصيرة المدى في وزارة التربية والتعليم العالي، وكذلك في المؤسسات الأهلية والحكومية والتعليمية الأخرى، إلا أن ذلك لم يسهم، بشكل فاعل، في نشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية على نطاق واسع داخل المدارس، وهنا عمدت الوزارة لتكثيف الجهود إعلاميًا منذ 1997 من خلال إصدارها جريدة مسيرة؛ وهي أول جريدة تربوية شهرية تصدر عن وزارة التربية والتعليم، متخصصة في التاريخ الفلسطيني، ومن ثم تحولت إلى دورية تصدر كل شهرين، وتضم مواضيع ومقالات تربوية، ومقالات لبعض الطلبة. كما تواصلت الجهود المؤسساتية في التعزيز من أجل نشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية، من خلال تنفيذ المشاريع الهادفة التي تتيح للطلبة التعبير عن آرائهم، عبر الكتابة والرسم والفن.[10] ولكن في ظل التطور التكنولوجي، وظهور شبكات التواصل الاجتماعي بعد 2007، برزت حاجة ملحة لضرورة تثقيف الأجيال في كيفية التعامل مع الإعلام، لكونه يساهم في تعزيز مفهوم المشاركة الاجتماعية والسياسية ومفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة.

إن الإجراءات الإسرائيلية والقيود التي تفرضها الشركات الفلسطينية المزودة للإنترنت، جعلت فرصة وصول المواطن الفلسطيني إلى المعلومات والاستفادة منها في مجالات التعليم، والتوظيف، وغيرها، أقل من الدول الأخرى التي دخلت عالم الإنترنت.[11] وإن الدور الذي لعبته التربية الإعلامية والمعلوماتية في تعليم الطلبة آليات نقد المحتوي الإعلامي ساهم في زيادة نسبة استخدام الإنترنت بعد العام 2018، لأن نشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية، وتزويد الطلبة بالمهارات التي تؤهلهم لاتخاذ المواقف الصائبة تجاه ما يردهم، أو يسمعونه، أو يرونه، أو يقرؤونه عبر وسائل الإعلام، يقع على عاتق المؤسسات التربوية الرسمية والمؤسسات الأهلية.[12]

ولنشر التربية الإعلامية والمعلوماتية، استقطبت تلك المؤسسات المعلمين والمعلمات من داخل المدارس، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، لتدريبهم على مهارات التربية الإعلامية والمعلوماتية، ومن ثم اعتماد تلك المهارات منهجًا دراسيًا يدرّس في المدارس والجامعات.

إن السبب الرئيسي في انتشار الإشاعات هو الركض خلف السبق الصحافي، والحصول على المعلومات وقت الأزمات والحروب من مصادرها غير الرسمية. وفي سياق التصدي للإشاعة، فإن التربية الإعلامية والمعلوماتية تشكل لدى طلبة المدارس والجامعات من خلال المشاريع التي تنفذها المؤسسات، بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم، أداة لمحاربة الإشاعة والحد من انتشارها؛ ذلك أنها تمنح العقل فرصة التفكير المنطقي والنقدي لتحليل المعلومة.

ولذلك، يجب أن ينتبه المختصون في المجال الإعلامي إلى ضرورة تربية الأجيال القادمة على منظومة فكرية متكاملة، تعرف كيف تكتشف وتتحقق من الأخبار المضللة والمحيطة بالقضية الفلسطينية، وأن تكون لديها معرفة كافية لمحاربة الشائعات والمواد التحريضية، وهذا هو الدور الذي تؤديه التربية الإعلامية في تنمية التفكير الإبداعي والتحليل الناقد، وتعزيز القيم الإعلامية من صدق وموضوعية وعدم التحيز وتغليب الصالح العام.

تكاتفت الجهود الفلسطينية للعمل على تزويد طلبة المدارس بالمهارات الإعلامية من أجل التعبير عن أنفسهم بشكل أفضل عبر وسائل الإعلام المدرسية، الممثلة بمجلة الحائط والإذاعة الصباحية بشكل خاص، وزيادة وعيهم حول كيفية التعامل مع وسائل الإعلام المختلفة، من خلال التدريبات التي تهدف إلى تنمية مهاراتهم في مواضيع عدة كالفنون الصحافية، والتفكير الناقد، والأخبار الكاذبة، والحماية الرقمية، والتنمر الإلكتروني، وخطاب الكراهية، وأيضًا تمكين الطلبة من الوصول إلى أنماط مختلفة من وسائل الإعلام وتحليلها وتقييمها.

وقد ساهمت تلك الجهود، أيضًا، في إصدار دليل التربية الإعلامية للمعلمين 2017، الذي يجمع ما بين الإطار النظري لمحاور التربية الإعلامية والمعلوماتية، والإطار التطبيقي أو التجريبي، من خلال ما يحتويه على تمارين عملية. كما تم إطلاق أول جائزة حول التربية الإعلامية والمعلوماتية حملت اسم "أفضل طاقم مشرف على التربية الإعلامية والمعلوماتية"، واستهدف المعلمين من الضفة الغربية وقطاع غزة. كذلك صدرت دراسة بحثية، العام 2019، بهدف قياس حجم انتشار التربية الإعلامية والمعلوماتية في سبع دول عربية، هي: فلسطين، الأردن، مصر، المغرب، لبنان، الجزائر، تونس. ويذكر، في هذا السياق، أن مؤسسة بيالارا فازت بجائزة التحالف العالمي من أجل إقامة الشراكات بشأن المعرفة الإعلامية والمعلوماتية والحوار بين الثقافات التي تشرف عليها اليونسكو، والتي أعلنت عنها في مؤتمر إطلاق الأسبوع الدولي للتربية الإعلامية والمعلوماتية الذي تم تنظيمه في السويد يوم 24/9/2019. وهذه الجائزة تعكس الاهتمام الدولي بدور الجهود الفلسطينية واهتمامها المتزايد بالتربية الإعلامية والمعلوماتية.[13]

معيقات نشر التربية الإعلامية في فلسطين

أورد فطافطة ومجموعة من المؤلفين عددًا من المعيقات التي تحول دون نشر التربية الإعلامية والمعلوماتية في فلسطين، وهي:

  • المخصصات المالية المرصودة لا تكفي لتحقيق هذا الهدف، وعدم توفر الأجهزة والمعدات الإلكترونية الحديثة التي تساعد في نشر التربية الإعلامية والمعلوماتية.
  • ضعف معرفة معلمي المدارس وقلة مهاراتهم في استخدام التكنولوجيا المتطورة الخاصة بوسائل الإعلام الجديد.
  • العادات أو التقاليد التي قد تشكل حاجزًا يعيق تنمية مفهوم التربية الإعلامية والمعلوماتية ونشره.
  • شح الأدلة والتدريبات الخاصة بالتربية الإعلامية والمعلوماتية.
  • ندرة الكفاءات المؤهلة في مجال التربية الإعلامية والمعلوماتية في المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني.
  • خلط المدرسين والمؤسسات التعليمية بين مفهومي التربية الإعلامية والمعلوماتية والإعلام التربوي أو إعلام المؤسسات.[14]

البدائل السياساتية

تقدم الورقة خمسة بدائل أساسية، من شأنها تعزيز سياسات التربية الإعلامية والمعلوماتية بين القطاعات المجتمعية المختلفة، والحد من الإشكاليات والتشوهات البنيوية التي تحول دون مأسسة التربية الإعلامية والمعلوماتية، وإعادة هيكلتها قانونيًا ومؤسسيًا.

البديل الأول: الجامعات الفلسطينية

ضرورة تفعيل دور الجامعات الفلسطينية في تعزيز التربية الإعلامية، والعمل على توعية الطلبة بالسلوكيات الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية، وإرشادهم نحو التمسك بالقيم السليمة، ونبذ القيم الهدامة، باعتبارها معايير السلوك الجيد ومدخلًا للتعامل المثمر والإيجابي مع وسائل الإعلام، من خلال طرح مساق كمتطلب جامعي يعالج هذا الموضوع، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم العالي.

تقوم فكرة هذا البديل على تنفيذ عدد من التدابير والإجراءات العاجلة ضمن خطة تعزيز مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية، وذلك من أجل سد الفجوات وتقليل الخسائر التي نتجت عن الاستخدام السيئ لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الذي كان السبب في تفشي خطاب الكراهية، والابتزاز الإلكتروني، والأخبار المضللة في الآونة الأخيرة.

المعقولية: يمكن الاستناد إلى ما قامت به الجامعات بالشراكة مع جهود المؤسسات في وضع خطة للحد من مخاطر الاستخدام السيئ للإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتنفيذ التدابير المطروحة، وبخاصة تعزيز الشراكة مع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية لتعزيز مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية.

المقبولية: يحظى هذا البديل بمقبولية لدى الحكومة، وبخاصة وزارة التربية والتعليم، لذا يُمكن قبوله والعمل على تبنيه، وبخاصة أنها تسعى إلى تعزيز مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية، وكيفية الاستعانة بها لنشر قضيتنا الفلسطينية.

إمكانية التطبيق: يمكن تطبيق هذا البديل على مستوى مناطق السلطة الفلسطينية، وبخاصة الجامعات التي تتبع التعليم العالي والبحث العلمي.

الربح والخسارة: سيعمل هذا البديل على أن تربح كل من الحكومة والمواطن، من خلال تخفيف الأعباء التي تتحملها نتيجة انهيار الوعي الثقافي عند المواطنين.

البديل الثاني: وزارة التربية والتعليم

تعد أنظمة الحماية رافعًا أساسيًا للنظام السياسي، وركيزة في حماية الفرد وتنميته، وبخاصة في التصدي للأزمات، وهذا يتطلب من وزارة التربية التعليم اعتماد منهج التربية الإعلامية والمعلوماتية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وفي الجامعات كمساق منفصل. وإن لم تستطع الوزارة فرض منهج التربية الإعلامية كمساق منفصل، يتم دمجه ضمن منهج التربية الوطنية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، من خلال تشكيل لجنة تضم خبراء في التربية الإعلامية، لاختيار أهم الدروس التي يجب دمجها في كل مرحلة.

المعقولية: البديل قابل للتطبيق في حال إجراء حوار مع المؤسسات المختصة والمؤسسات الدولية مثل اليونسكو وغيرها، وأيضًا هناك دليل للتربية الإعلامية والمعلوماتية شاركت وزارة التربية والتعليم في إنجازه، وهذا كله يسهل عملية طرح مساق حول التربية الإعلامية والمعلوماتية.

المقبولية: كانت هناك محاولات عدة من المؤسسات الشريكة لنشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية بين الطلبة وموظفي العلاقات العامة في وزارة التربية والتعليم، وهذا كله ساهم في قبول هذه الثقافة والتعامل معها.

الربح والخسارة: سيعود نشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية في المرحلتين الثانوية والإعدادية بالفائدة على خلق جيل يؤمن بقضيته وكيفية نشرها عبر التواصل الاجتماعي، وأيضًا سيكتسب مهارة التفكير والتحليل قبل نشر أي معلومة أو التعامل معها.

البديل الثالث: نقابة الصحافيين الفلسطينيين

يقترح هذا البديل العمل على تقوية قاعدة الصحافيين، عبر تعزيز مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية، من خلال تبني سياسة التدريبات، بالتنسيق مع المؤسسات المختصة والجامعات، وبخاصة كليات الإعلام، من خلال ميثاق شرف بين النقابة والمؤسسات الإعلامية والجامعات بإشراف وزارة الإعلام. وهذا يتطلب تبني سياسة واضحة لتحديد العلاقة بين الجميع، ودور كل جهة من هذه الجهات المختصة في تنمية الفرد وتطويره.

المعقولية: يمكن تطبيق هذا البديل في حال أبدت نقابة الصحافيين استعدادها لتبني الميثاق، وهذا ليس بالصعب على النقابة، لأنها شريكة مع مؤسسات المجتمع المدني، وبخاصة ذات الاختصاص بالتربية الإعلامية والمعلوماتية، ضمن خطوات متدرجة تراعي حالة الفرد، ومن الضروري إشراك الأطراف المعنية والفاعلة في هذا الميدان كافة، مع أخذ الآراء والجهود كافة على محمل الجد، لضمان نجاح هذا البديل، وأن يتم تشكيل لجنة تتابع سير الخطة وتقيّمها.

المقبولية: هناك العديد من الجهات والشخصيات الأكاديمية والوطنية، وأيضًا الدراسات والبحوث، التي تنادي بضرورة تنمية مهارات الفرد لأنه أساس المجتمع، وهناك الكثير من الشراكات مع دول صديقة ومؤسسات دولية ستدعم نشر مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية.

إمكانية التطبيق: في سبيل تحقيق هذا البديل، يجب أن تتضافر الجهود الحكومية والمؤسساتية في مجال تسهيل العمل، عبر منح المنشآت العاملة في هذه الأنشطة تسهيلات استثنائية. كما يمكن أن تقوم النقابة، بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني والحكومة، بإعداد برنامج واضح ومحدد للقطاع الإعلامي.

الربح والخسارة: يوفر هذا البديل، في حال تطبيقه، الكثير من المميزات والمكتسبات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ سيعود بالنفع على جميع فئات المجتمع، وسيفتح الفرص التي تساهم في تطوير وتنمية عجلة الإعلام، وسيرتقي بمستوى وعي الفرد.

البديل الرابع: وزارة الإعلام

تبني وزارة الإعلام للتربية الإعلامية والمعلوماتية وتعميمها على الإذاعات والهيئات، من خلال نشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية ضمن برامجها، وفي أوساط موظفيها، إلى جانب نشرها في المؤسسات التربوية، بالتركيز على موظفي العلاقات العامة والإعلام في مؤسسات الدولة الرسمية، بصفتهم واجهة هذه المؤسسات ونقطة الاتصال المباشرة مع جماهيرها.

المعقولية: يمكن تطبيق هذا البديل من خلال وزارة الإعلام عبر نشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية من خلال تشكيل هيئة رقابة على الإذاعات والهيئات الإعلامية، بالتوافق بينها وبين هذه الإذاعات والهيئات.

المقبولية: الجميع ينادي بثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية، وهذا يدل على قبول هذه الثقافة، وبخاصة الحكومة التي أكدت ذلك في مؤتمر "منارات عربية" على لسان الناطق باسمها محمد ملحم، الذي أكد أهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية، وأنه سينقل توصيات المؤتمر للحكومة للأخذ بها والعمل عليها.[15]

إمكانية التطبيق: حتى يتحقق هذا البديل، يجب أن يكون هناك دور للحكومة في تسهيل عمل وزارة الإعلام، ومنحها الصلاحيات لتسهيل عملها، ورفع الغطاء الحزبي عن الإذاعات والهيئات الإعلامية لتكون جميعها تحت مظلة وزارة الإعلام.

الربح والخسارة: يعمل هذا البديل، في حال تطبيقه، على تطوير عجلة الإعلام، وتمكينه للتصدي للأكاذيب التي يروج لها الإعلام الإسرائيلي.

البديل الخامس: القوانين والتشريعات

إثراء القوانين الخاصة بالإعلام بمفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية، من خلال إعادة النظر في هذه القوانين، ودمج مضامين ومفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية في المنهاج الوطني الجديد على شكل دروس منفصلة، أو مواد متضمنة في الدروس.

المعقولية: يمكن تطبيق هذا البديل من خلال استصدار مرسوم رئاسي بإعادة النظر في القوانين لتتناسب مع ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية، وبما يخدم الفرد والمؤسسات الإعلامية.

المقبولية: في ظل الشراكات بين وزارة التربية والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني لنشر مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية، تبرز الحاجة لقوانين تتبنى هذه المفاهيم، وتعزز وجودها في المشهد الإعلامي.

إمكانية التطبيق: حتى يتحقق هذا البديل، يجب أن يكون هناك دور للحكومة في تقديم مشروع قانون يسهل تطبيق ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية ومنحها غطاء قانونيًا.

الربح والخسارة: يعمل هذا البديل، في حال تطبيقه، على نشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية في الجامعات والمدارس والوزارات وتطوير عجلة الإعلام.

المفاضلة بين البدائل

سعت هذه الورقة، من خلال هذه البدائل الخمسة، إلى وضع مجموعة من الحلول والإجراءات بين يدي صانعي القرار، يمكن الاعتماد عليها في مواجهة الفضاء الرقمي والأخبار المضللة، وبخاصة الأخبار التي يروج لها الاحتلال من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

تخضع جميع البدائل المقترحة، بشكل أساسي، إلى عامل الإرادة السياسية، ويمكن المفاضلة بينها على أساس الواقعية ومدى التطبيق. ويعدّ البديلان الثاني والخامس الأكثر واقعية والأقرب تطبيقًا، ويجب تطبيقهما بشكل متوازٍ، لما لهما من دور في تحديد المسار الأفضل في تطوير عجلة الإعلام ونشر ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية، من خلال مظلة القانون، وتطوير قدرات الفرد ليتمكن من التعامل مع الآلة الإعلامية الإسرائيلية والتصدي لها.

الهوامش

[1] محمود فطافطة وآخرون، التربية الإعلامية والمعلوماتية في شرق المتوسط وشمال أفريقيا (الواقع والمستقبل)، الهيئة الفلسطينية للإعلام وتفعيل دور الشباب (بيالارا)، رام الله، 2019.

[2] سهير حنفي، التربية الإعلامية وتحديات الإعلام الجديد، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2021، ص 20–75.

[3] محمود فطافطة وآخرون، التربية الإعلامية والمعلوماتية، ص 7-9.

[4] فهد الشميمري، التربية الإعلامية: كيف نتعامل مع الإعلام؟، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 2010.

[5] سليمان الطعاني، لماذا التربية الإعلامية، وكالة عمون الإخبارية، 23/1/2020: cutt.us/2aUu1

[6] الدراية الإعلامية والمعلوماتية، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو): cutt.us/CSKxX

[7] فهد الشميمري، التربية الإعلامية، ص 17-20.

[8] غادة الشيخ، إعلاميون: التربية الإعلامية تحمي من الانزلاق إلى مطبات الفوضى والكراهية، الغد، 30/10/2016: cutt.us/vbfsw

[9] المؤتمر الإقليمي تجارب عربية رائدة، بيالارا، 2021.

[10] حلمي أبو عطوان، دور العلاقات العامة في المؤسسات الأهلية في توعية المجتمع الفلسطيني بأهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية: "بيالارا نموذجًا"، (رسالة ماجيستير)، الجامعة العربية الأميركية، جنين 2021، ص 82.

[11] حلمي أبو عطوان، دور العلاقات العامة في المؤسسات الأهلية، ص 87.

[12] بشرى الحمداني، التربية الإعلامية ومحو الأمية الرقمية، دار وائل للنشر، عمان، 2015، ص 91.

[13] برنامج التربية الإعلامية والمعلوماتية، بيالارا: cutt.us/Fg8H4

[14] محمود فطافطة وآخرون، التربية الإعلامية والمعلوماتية، ص 95.

[15] مؤتمر منارات عربية، بيالارا، 19-20 أيلول/سبتمبر 2021.

 
 
 
 
 
 
مشاركة: