الرئيسية » هاني المصري »   08 آذار 2022

| | |
التغيير الفلسطيني قادر على تحويل الحرب الأوكرانية من تحدٍّ إلى فرصة‎‎
هاني المصري

سأحاول في هذا المقال أن أدافع عن فكرة أنّ إجراء تغيير عميق في النظام السياسي الفلسطيني، بمختلف مكوناته، يحقق توحيده، على أساس رؤية ووعي وإرادة وقيادة؛ قادر على تحويل الحرب الأوكرانية وتداعياتها المحتملة من تحدٍّ خطير إلى فرصة تاريخية. طبعًا، هذا بحاجة إلى وقت طويل نسبيًا، فالحرب طويلة، وهناك حاجة ماسة للتغيير الشامل قبل الحرب الأوكرانية وبعدها.

إنّ خطورة ما يجري في أوكرانيا أنّه بداية حرب طويلة قد تعرف الهدن والتوقف، ولكنها جزء من المرحلة الانتقالية التي يمر بها العالم، والتي ستنتهي بعالم جديد، وهي بداية للحرب العالمية الثالثة. فالحرب ليست فقط عسكرية، بل هناك الحصار والعقوبات التي لم يُفرض مثلها من قبل، وشيطنة روسيا، وإرسال الأسلحة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من كل حدب وصوب، والسماح بتدفق "المتطوعين الأمميين". فكل ذلك من أشكال الحرب، وما يمنع أن تتحول - حتى الآن - إلى حرب عالمية ثالثة عسكرية أنها إذا اندلعت فستدمر العالم، ولن يخرج منها منتصر ومنهزم، بل سيخرج الجميع منهزمًا.

سأتوقف في هذا المقال أمام الآثار الخطيرة الماثلة والمحتملة على القضية الفلسطينية، جراء الحرب الأوكرانية وتداعياتها، التي تظهر في تراجع الاهتمام بها، والفوائد التي تعود على دولة الاحتلال والأبارتهايد، من خلال تدفق المهاجرين اليهود من أوكرانيا وروسيا وأوروبا إلى فلسطين، ومنح حرية حركة لدولة الاحتلال أكثر من السابق، إضافة إلى إمكانية أن توظّف الأوساط الفلسطينية النافذة ما يجري في أوكرانيا لتعميق الانقسام، والمضي في سياسة تغييب المؤسسات والمشاركة، والإمعان في انتهاكات حقوق الإنسان ... إلخ، لدرجة غياب الحديث عن إجراء الانتخابات العامة، وتشكيل حكومة جديدة، أو تعديل الحكومة الحالية.

من تحدٍّ خطير إلى فرصة تاريخية

على الرغم من ذلك، هناك فرصة لتحويل التحدي الخطير إلى فرصة تاريخية، وهذا ينبع من أن ما حصلت عليه أوكرانيا في أيام قليلة من فرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا، ودعم مقاومة الاحتلال، وتشريع المقاومة ودعمها، ومسارعة المجتمع الدولي إلى إدانة الغزو الروسي، وفتح تحقيق في المحكمة الجنائية الدولية، والحبل على الجرار؛ إذ يمكن أن يوظّف ذلك لدعم الحق الفلسطيني في المقاومة، لا سيما أن القضية الفلسطينية تعاني منذ أكثر من أربعة وسبعين عامًا من الغزو والاحتلال والجرائم من كل نوع، ولم يؤد ذلك إلى فرض عقوبات على إسرائيل، إضافة إلى وسم المقاومة المشروعة للاحتلال بـ"الإرهاب"، ومنع وحدة الفلسطينيين ونظامهم السياسي عن طريق وضع شروط اللجنة الرباعية في طريقهم، عبر فرض العقوبات على الفلسطينيين عندما شكّلوا حكومة وحدة، وطنية ومنعهم من إعادة تشكيلها مجددًا.

تكمن الفرصة في أن العالم، خاصة الغربي، بدا عاريًا مفضوحًا بلا ورقة التوت؛ إذ ساد منطق القوة والعنصرية والمعايير المزدوجة، الأمر الذي يمكن توظيفه لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمامات والأولويات، شرط ألّا يرتكب الفلسطينيون أخطاءً جسيمةً، مثل الانحياز إلى طرف من أطراف الحرب؛ حيث الحياد هو الخيار المناسب، لأن الفلسطينيين الذين وقعوا ضحية منذ أكثر من قرن لا يمكن أن يوافقوا على ظلم شعب آخر بجريرة قيادته، المسؤولة أيضًا عمّا يجري في بلدهم أوكرانيا، عندما سخّرت نفسها لخدمة المصالح والأهداف الأميركية عبر تهديد الأمن الروسي.

إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة ضرورة وطنيّة

يتمثل الشرط الأساسي المطلوب توفره، حتى يستطيع الفلسطينيون تحويل التحدي الخطير إلى فرصة تاريخية، في إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، على أساس رزمة شاملة تتضمن إحياء المشروع الوطني، وإعادة بناء مؤسسات النظام السياسي (المنظمة، والسلطة، والأحزاب، والنقابات المهنية والاتحادات الشعبية)، الذي يعاني من مأزق شامل يهدده بالانهيار، وتصفية القضية الفلسطينية من مختلف أبعادها.

تبدأ مسيرة النهوض الوطني من إدراك طبيعة المأزق، وتشخيصه، ومعرفة أسبابه، وإدراك أن العلاج لا تنفع معه حبوب الأسبرين، أو حتى العمليات الجراحية البسيطة، ولا مجرد الإصلاح. فالمطلوب تغيير شامل وعميق، يبدأ ببلورة الرؤية الشاملة التي تتضمن النظرة الواعية لما يجري عندنا، وفي الإقليم والعالم، ومراجعة التجارب الماضية، واستخلاص الدروس والعبر وما يجمع الفلسطينيين والبناء عليها، وأخذ الخصائص التي تميز تجمعاتهم المختلفة بالحسبان، وتحديد الأهداف والحقوق الأساسية، وأساليب وأشكال العمل والنضال الأساسية، والمراحل المختلفة، والإستراتيجيات الكفيلة بتحقيقها.

كما هو معروف، عندما تعاني القيادة الراهنة من الشعور باليأس والهزيمة، ويصبح أقصى ما تسعى إليه بقاء السلطة بقيودها الغليظة والمتزايدة، وتفقد الرؤية والقدرة على التقدم وتجاوز العقبات والطريق المسدود، وتتراجع بدلًا من التقدم، وتتغلب وظيفتها على أهداف شعبها ومصالحه، وعندما تفقد هي ومؤسساتها الشرعية فلا مفرّ من التغيير، كما يظهر في عدم إنجاز برنامجها، وعدم إجراء الانتخابات لفترة طويلة، وعدم الاستمرار بإستراتيجية المقاومة، وفي ظل وقوع الانقسام، إضافة إلى أنها تتقادم وتترهل بلا تجديد وتغيير، وينتشر فيها الفساد وسوء الإدارة والتضخم، وعدم إعلاء معايير وقيم الإنتاجية والمبادرة والمهنية والعمل الجماعي وتقسيمه، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فضلًا عن عدم احترام حقوق الإنسان وحرياته، وسيادة القانون وقيم الحرية والعدالة والمساواة؛ عندئذ لا بدّ من إجراء التغيير الضروري لاستئناف مسيرة التحرك إلى الأمام.

طرق التغيير

يحدث التغيير إما عن طريق:

أولًا: الانقلاب العسكري، وهذا مرفوض من حيث المبدأ، ومتعذر في الساحة الفلسطينية؛ كون فلسطين تحت الاحتلال، وبلا حرية وسيادة واستقلال، والدولة لا تملك جيشًا يستطيع أن ينفذ انقلابًا، بل مجرد أجهزة أمنية مقيدة بقيود اتفاق أوسلو الغليظة التي حوّلتها إلى وكيل للاحتلال، وما جرى في غزة يعطينا عبرة وعظة.

ثانيًا: ثورة شعبية تبدو متعذرة، أو بعيدة، لغياب الهدف المركزي أو الأهداف الناظمة، والأدوات القادرة على تحقيقها، وبسبب استمرار الانقسام، وفقدان الأمل.

ثالثًا: الانتخابات التي يحول دون إجرائها أن القوة المهيمنة، خصوصًا المسيطرة على السلطتين المتنازعتين في الضفة الغربية وقطاع غزة لا تسمح بإجراء الانتخابات، إلا إذا كانت مضمونة النتائج، فبعد النتائج المفاجئة في الانتخابات التشريعية في العام 2006، ورغم تحديد مواعيد عدة لإجراء الانتخابات لم تنفذ خشية من نتائجها.

ومن المفيد التذكير أن قطار الانتخابات أقلع عندما اتفق وفدا حركتي فتح وحماس في إسطنبول، في أيلول 2020، على إجراء الانتخابات عبر قائمة مشتركة، وأن يكون الرئيس محمود عباس مرشحًا توافقيًا للانتخابات الرئاسية، وألغيت عندما عارضتها مجموعات داخل الحركتين وخارجهما في صفوف الشعب الفلسطيني، كونها تمس حرية الاختيار والمنافسة، ولا تتم على أرضية إنهاء الانقسام والاتفاق على برنامج يجسد القواسم المشتركة، وإنما تخدم أفرادًا ومجموعات، وتقوم على المحاصصة والتقاسم. كما رفضها اللاعبون المؤثرون على الساحة الفلسطينية، وعلى رأسهم الاحتلال، لكي لا تمنح الشرعية لحماس، حتى لو لم تحصل على أغلبية داخل القائمة المشتركة.

أما إجراء التغيير عبر التدخل الخارجي، فهذا مرفوض كليًا؛ كونه سيكون تغييرًا نحو الأسوأ فمن يستعن بالشيطان الخارجي يصبح عبدًا له.

كيف يمكن إحداث التغيير؟ 

لقد جُرِّبَ إنهاء الانقسام عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية أو وفاق وطني أولًا، أو عبر إجراء الانتخابات أولًا، أو عبر تشكيل اللجنة التحضيرية لعقد المجلس الوطني التوحيدي أولًا، وفشلت جميعها، لأن المأزق عميق وشامل، ويتضمن كل الجوانب، ويتعلق بالجوهر وليس بالجوانب الشكلية أو الإجرائية، وميزان القوى لا يتيح إجراء الانتخابات، كما أنّ ما في النفوس مختلف جدًا عما في النصوص.

وبعد فشل المحاولات لإنهاء الانقسام أولًا، بدأت تنتشر فكرة أن تكون الانتخابات هي الحل أو المدخل لإنهاء الانقسام، مع أن ما حال دون نجاح الجهود لإنهاء الانقسام أولًا سيحول دون نجاح المساعي لإجراء الانتخابات أولًا، لا سيما في ظل الخارطة الراهنة لموازين القوى في الساحة الفلسطينية، وعلاقتها بالعوامل واللاعبين المؤثرين؛ إذ لا يمكن حدوث تغيير، ولو محدود، نحو إجراء الانتخابات أو الوحدة إلا نتيجة اتفاق تقاسم بين طرفي الانقسام، وهذا أصبح أبعد عن التحقيق بعد تعمق الانقسام أفقيًا وعموديًا، وازدياد حدّة المنافسة على الخلافة، والسعي لترتيب الخارطة الفلسطينية استعدادًا لما بعد الرئيس عباس.

الانتخابات شكل من أشكال ممارسة الحرية، ولا يمكن إجراؤها، بما يضمن حريتها ونزاهتها واحترام نتائجها، من دون توفر وحدة النظام السياسي على أسس وطنية وديمقراطية وشراكة حقيقية، لأنها وحدها التي يمكن أن تشلّ أو تحيّد أو تجعل تدخلات الاحتلال في الانتخابات في مختلف مراحلها في الحد الأدنى، فالاحتلال لاعب رئيسي ولن يسمح بإجراء الانتخابات طواعية إلا إذا صبّت في خدمته كما حصل في انتخابات 1996 و2006.

لذا، فإنّ الانتخابات الحرة والنزيهة يجب أن تفرض فرضًا على الاحتلال، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا وضعت في سياق النضال ضد الاحتلال، ومن أجل تجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وهذا بحاجة إلى تغيير في موازين القوى الداخلية، وهذه عملية تاريخية بحاجة إلى وقت، ولكن لا مفر منها.

كما أن الانتخابات تحت الانقسام لن تُجرى إلا إذا كانت نتيجة اتفاق محاصصة لشرعنة الانقسام، أو لتكريسه وتحوله إلى انفصال، عن طريق أن تُجرى في الضفة فقط أسوة بالانتخابات المحلية. فكيف تُجرى انتخابات من دون حكومة واحدة تشرف عليها، وفي ظل أجهزة أمنية وقضائية في الضفة تختلف عنها في القطاع تعمل كل منها لصالح سلطة أخرى، وإذا جرت هل ستسلم "فتح" بهزيمتها وتسلم السلطة للفائز، ونفس الأمر ينطبق على "حماس". فالانتخابات لن تُجرى، وإذا جرت يجب أن تكون مضمونة النتائج وإلا سيتم تزويرها أو الانقلاب عليها، إلى أن يحدث تغيير في الخارطة الفلسطينية، وهذا بحاجة إلى نشوء تيار وطني عارم خارق للتجمعات والأحزاب، أو تشكيل جبهة وطنية عريضة تسعى لإنقاذ منظمة التحرير وإعادة بنائها، وتغيير السلطة ووضعها في مكانها الطبيعي بوصفها أداة وليس البديل الفعلي للمنظمة.

انتخابات المجلس الوطني مستحيلة التحقيق حتى إشعار آخر

أما حول فكرة عقد انتخابات منفصلة للمجلس الوطني عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية، كما يطالب البعض، فهي مستحيلة التحقيق، وأصعب من عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي يكون النواب الفائزون فيها أعضاء في المجلس الوطني، لأنها من دون حاضنة فلسطينية ولا عربية ولا دولية، وإسرائيل تقف لها بالمرصاد، ولن يُسمح بإجرائها في الأردن والداخل الفلسطيني؛ حيث يتواجد أكثر من ثلث الشعب الفلسطيني.

وما يمنع عقد انتخابات للمجلس الوطني ليست الجوانب الفنية والإدارية، أي انتخابات مباشرة أو إلكترونية، وإنما عدم نضج شروطها، خصوصًا السياسية، فلا توجد إرادة لعقدها، ولا يوجد نهوض شعبي ولا جموع غفيرة تطالب بها، أو مستعدة للمشاركة فيها، إضافة إلى عدم وجود سجل للناخبين الفلسطينيين في الخارج يحدد من يحق له حق الاقتراع، وعدم الموافقة من الدول التي يقيم فيها الفلسطينيون، خاصة من حملة الجنسيات المزدوجة.

إن من يطرح هذه الفكرة إما أنه يعرف أنها لن تُجرى، ويطرحها للتعجيز والمعارضة والاعتراض فقط، أو يعتبر مشاركة عدد محدود من الفلسطينيين كافيًا، وأنهم بصورة اعتباطية تعسفية يمثلون الفلسطينيين.

الرزمة الشاملة هي الحل

الحل الذي لم يجرب ولا يمثل عصا سحرية يتمثل في حل الرزمة الشاملة التي تتضمن المشروع الوطني، والميثاق، وإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، وإقرار برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي يجسد القواسم المشتركة، وتغيير السلطة، والانتخابات الدورية المنتظمة على كل المستويات وفي كل القطاعات حيثما كان ذلك ممكنًا. وهذه الرزمة هي التي تحقق الاستجابة لمتطلبات التغيير الشامل، وهي القادرة على تحريك الجماهير الواسعة إذا أقنعتها بأن من يطرحها قادر على تجسيد تجربة جديدة قادرة على الانتصار.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
مشاركة: