الرئيسية » تقدير موقف » أحمد الشيخ خليل »   03 نيسان 2022

قراءة/تحميل | | | |
مناصرة مشاهير الغرب لفلسطين خلال أحداث أيار 2021
أحمد الشيخ خليل

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدورة السابعة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

مقدمة

تفاعل عدد كبير من "مشاهير الغرب" مع أحداث هبة القدس والعدوان على غزة في أيار/مايو 2021. وأثار هذا التفاعل نقاشًا حول الوزن الحقيقي لهذه المواقف، وإمكانية استغلالها والبناء عليها فلسطينيًا.

يرجع الفضل الأول للتغطية الإعلامية الواسعة إلى دور وسائل الإعلام الاجتماعي، التي استخدمها الفلسطينيون لتجاوز التأطير الممنهج الذي تمارسه وسائل الإعلام الغربية الرئيسية، التي تعتمد الرواية الرسمية الإسرائيلية في تغطيتها للأحداث.

وبسبب هذه التغطية العالمية، تفاعلت مع القضية شرائح ومجموعات واسعة حول العالم؛ ما أعاد فلسطين إلى واجهة التركيز العالمي مرة أخرى بعد سنوات من التهميش والتراجع. وقد كانت شريحة "المشاهير" أحد أبرز المتفاعلين مع الأحداث؛ إذ لاقى تفاعلهم ترحيبًا شعبيًا عاليًا داخل فلسطين، وهجومًا رسميًا شرسًا من مؤسسات الاحتلال الإسرائيلي، وإن لم تكن مواقفهم في الواقع بنفس الدرجة؛ ما يطرح أسئلة عن مدى جديتها وجذريتها، وإلى أي حد يمكن استغلالها، وعن دور المؤسسات الفلسطينية الرسمية في تحشيد واستغلال هؤلاء المناصرين مقابل الهجوم الرسمي الإسرائيلي عليهم.

تفاعل عالمي

من أبرز شواهد حضور القضية الفلسطينية خلال أحداث أيار، إعلان العشرات من مشاهير الغرب، من ممثلين ومغنيات وعارضات ورياضيين، مناصرتهم لفلسطين، وإدانتهم لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، إما بالتغريد عبر وسائل الإعلام الاجتماعي، أو بالظهور على وسائل الإعلام التقليدية ومحطات الأخبار العالمية، أو حتى المشاركة في الفعاليات على الأرض.[1]

كان من أبرز هؤلاء المشاهير، مارك رافالو، الممثل الأميركي المشهور بأداء شخصية "هولك" في سلسلة الأفلام الأميركية المشهورة "مارفل". ففي أول أيام التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة، دعا رافالو متابعيه للتوقيع على عريضة تطالب بفرض عقوبات على إسرائيل، معلقًا، "يواجه 1500 فلسطيني في القدس خطر الترحيل، وقد أصيب 200 متظاهر، وقتل 9 أطفال". وأضاف، "لقد ساهمت العقوبات على جنوب أفريقيا في تحرير شعبها الأسود، هذا هو الوقت لفرض عقوبات على إسرائيل لتحرير الفلسطينيين".[2]

ولم تكن هذه المرة الأولى التي ينتقد فيها رافالو السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، فقد أعرب عن تعاطفه مع غزة خلال عدوان 2014،[3] إضافة إلى انتقاده لإسرائيل مرات عدّة عبر وسائل الإعلام وحساباته الشخصية، ووصفها بنظام الفصل العنصري.[4]

وسلّطت الشقيقتان بيلا وجيجي حديد، عارضتا الأزياء الأميركيتان من أصل فلسطيني، الضوء على ما يجري داخل فلسطين عبر حساباتهما عبر وسائل الإعلام الاجتماعي، ومن خلال المشاركة في مسيرات على الأرض. وما ميّز نشاط بيلا مشاركتها أصوات الفلسطينيين على الأرض من القدس وغزة، وتعليقاتهم على الجرائم الإسرائيلية التي يتعرضون لها.[5] كما غطت وشاركت في المسيرات التي جابت شوارع المدن الأميركية.[6]

وكانت دوا ليبا، المغنية الإنجليزية، من أبرز المشاهير الذين تحدثوا وشاركوا ما يحدث داخل فلسطين خلال أحداث أيار[7]، إضافة إلى عدد من لاعبي كرة القدم ومشاهير الرياضة.

لاقت هذه المواقف ترحيبًا شعبيًا واسعًا بين الفلسطينيين، وأعطت انطباعًا إيجابيًا لدى كثيرين، ممن اعتبروه اختراقًا مهمًا داخل المجتمعات الغربية.[8] كما ساهمت في إيصال الأصوات الفلسطينية ونقل الأحداث من وجهة النظر الفلسطينية إلى مئات الملايين ممن يتابعون هؤلاء المشاهير ويثقون بهم؛ ما اعتبرته حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) تغييرًا حقيقيًا لصالح دعم حقوق الشعب الفلسطيني؛ إذ جاء في بيانها: "حين يتخلص الملايين من الناس، منهم مشاهير كثر من هوليوود وبوليوود، ونجوم الرياضة من أوروبا والعالم العربي والهند وأفريقيا فجأة من مخاوفهم العميقة، ويعبرون عن دعمهم لحقوق الفلسطينيين، ندرك أن الأمر مختلف هذه المرة".[9]

لكن مواقف هؤلاء المشاهير ليست واحدة، كما أن تعبيرهم عنها لم يأخذ نفس الشكل أو الدرجة، وهي مواقف فردية وانفعالية في المجمل، وليست منظمة. والأهم أنها تنطلق بالدرجة الأولى من وازع داخلي، وهذا إن كان يبدو مؤشرًا مهمًا، لكنه ليس كافيًا، لأنه يعني أن مواقفهم هذه يمكن أن تتغير أو تُسحب عند تعرضهم للضغوط، سواء العلنية أو السرية.

ضغوطات

تعرض المشاهير المناصرون للقضية الفلسطينية لضغوطات عالية، وهجوم ممنهج من قبل مجموعات ضغط وسياسيين وأفراد مرتبطين بالاحتلال الإسرائيلي، وشنت ضدهم حملات تشويه عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

وتحت تأثير هذه الحملات وتهم معاداة السامية ودعم الإرهاب، تراجع عدد منهم عن مواقفه، فاعتذر بعضهم عنها، واختار آخرون الرجوع إلى الحياد والعبارات المبهمة.

وعاد رافالو بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي ليعتذر عن منشوراته السابقة، قائلًا: "فكّرت، وأردت الاعتذار عن منشورات خلال القتال الأخير بين إسرائيل و"حماس"، التي أشارت إلى أنّ الأولى ترتكب إبادة جماعية؛ هذا ليس دقيقًا. إنّه كلام تحريضي وغير محترم، ويستخدم لتبرير معاداة السامية هنا وفي الخارج، وهذا هو وقت تجنب الغلوّ".

رافالو لم يكن الوحيد؛ إذ شاركت باريس هيلتون، الممثلة وعارضة الأزياء الأميركية، مقالة من موقع صحيفة "الغارديان" عبر حسابها على تويتر، معلقة: "هذا قاسٍ جدًا. يجب أن يتوقف"، مع وسمَي "أنقذوا فلسطين" و"أوقفوا الإبادة الجماعية".[10] كما شاركت مقطعًا لطفلة فلسطينية من غزة تبكي إثر قصف الاحتلال منزلها، وعلقت عليه: "هذا يؤذي قلبي. لا يجب أن يعيش أحد بذعر. قلبي مع هذه الفتاة الصغيرة والأطفال الآخرين من حولها". لكن سرعان ما حذفت هيلتون التغريدتين، وأبدلتهما بتغريدة عامة ترسل "الحب والنور حول العالم"، وتدعو "للسلام لجعل العالم مكانًا أفضل للجميع".[11]

كيندال جينر، عارضة الأزياء الأميركية، هي الأخرى شاركت عبر إنستغرام منشورًا يدين "أولئك الذين يناصرون قضايا محاربة العنصرية وحقوق النساء ومجتمع الميم ... ولكن يختارون تجاهل اضطهاد الفلسطينيين"[12]، لكنها سرعان ما حذفت المنشور.

لم تكن حملات التشويه والضغط العلنية التي تعرض لها المشاهير عفوية؛ إذ قادتها وسائل إعلام رسمية تابعة للاحتلال، أو وسائل إعلام رئيسية منحازة لإسرائيل. فعلى سبيل المثال، كان حساب "دولة إسرائيل" الرسمي عبر تويتر فاعلًا رئيسيًا في هذه الحملات التحريضية[13]، وكذلك الصحف والمواقع الأميركية الرئيسية مثل "نيويورك تايمز"، التي نشرت إعلانًا موّله شمولي بوتيك، الحاخام الأميركي اليميني المتطرف، يهاجم الشقيقتين حديد والمغنية ليبا، ويتهمهن بالدعوة إلى هولوكوست ثانية، والتماهي مع "حماس".[14]

تؤكد هذه الضغوطات السقف الذي تقف عنده مواقف هؤلاء المؤثرين في دعم القضية الفلسطينية، فحتى أولئك الذين لا يتراجعون عن مواقفهم في وجه الضغوطات، ينتقلون من الدعم والتأييد إلى موقع الاعتذارية والتبرير؛ للدفاع عن أنفسهم من تهم الإرهاب ومعاداة السامية وغيرها.

كما أن كثيرًا من هذه المواقف يقف غالبًا عند الحد الأدنى من دعم فلسطين. وهي لا تتوافق بالضرورة ورؤية جزء مهم من الشعب الفلسطيني، خاصة غالبيته من اللاجئين في الشتات، للصراع باعتباره استعمارًا استيطانيًا واحتلالًا لكامل فلسطين، بل هي في أفضل الأحوال عنف متبادل بين دولتين "غير متكافئتين"، تروح ضحيته عشرات الأرواح البريئة من "المدنيين". كما أن الفلسطيني الذي يتلقى هذا الدعم والتعاطف هو فقط الفلسطيني الضحية المسالم الذي يُقتل ويهجّر من منزله، إضافة إلى إدانة الاحتلال الإسرائيلي بالحد الأدنى، فاللوم يقع على "الحكومة اليمينية" أو على "المتطرفين في إسرائيل"، والمشكلة هي مدى بشاعة الجرائم والمجازر والسياسات العنصرية وليس النظام الذي يرتكبها.

حتى تلك المواقف التي تتجاوز مجرد الإدانة المحايدة ودعوات الحب والسلام العامة، فإنها تقابل بضغط معاكس من مؤسسات الاحتلال الرسمية والجهات المحسوبة عليه غالبًا؛ ما يفوق قدرة هؤلاء المشاهير على المجابهة والاستمرار. ومن ذلك موقف رافالو آنف الذكر، الذي بدأ بنشر عريضة تطالب بفرض عقوبات على إسرائيل متهمًا إياها بارتكاب جرائم فصل عنصري، ولكنه انتهى معتذرًا عن توصيف الأحداث بإبادة جماعية. وهو إلى حد ما شبيه ما حصل مع بيلا حديد، التي وقّعت ونشرت عريضة تطالب بتوضيح ما يحدث على أنه جريمة فصل عنصري يرتكبها نظام استعماري ضد الفلسطينيين.[15] لكن شدة الضغط والحملات الشرسة التي تعرضت لها شتت جهدها نحو الدفاع عن نفسها من سيل الاتهامات بمعاداة السامية ودعم الإرهاب وغيره، لتعيد توضيح موقفها، والتأكيد أنه لا يعني معاداة اليهود.

في كل الأحوال، ليس من المأمول أن يتجاوز تأثير هذه المواقف صفحات الإنترنت، إلا عندما تصبح هذه الجهود أكثر تنظيمًا وجماعية، وهو ما يتطلب مزيدًا من الجهود الفلسطينية الرسمية بالدرجة الأولى، أو شبه الرسمية لاستثمار هذه المواقف والبناء عليها، وترجمتها إلى مواقف مؤثرة على الأرض، كحملات المقاطعة الثقافية وجعلها أكثر ديمومة واستمرارًا، وتوجيهها نحو خدمة الرواية الفلسطينية في أوقات الهدوء كما في أوقات الحروب والتوتر. فلا تزال الجهود المبذولة، وإن كانت تبدي الآن نتائج أفضل، موسمية وغير مركزية.

خاتمة

أدى نشاط مشاهير الغرب المناصر لفلسطين، عبر وسائل الإعلام الاجتماعي، وبعيدًا عن رقابة وسائل الإعلام الرئيسية، إلى زيادة التأييد والتعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية في الغرب. لكن هذا التأييد لا يتجاوز غالبًا إطار التعاطف الإنساني مع الضحايا، ويتجه إلى حصر اللوم على الحكومة واليمين الإسرائيلي. وهذه المواقف مهمة، وهي تزداد مع الوقت كمًا ونوعًا، وتأثيرها ملموس. لكنها ما زالت لا تشكل جهدًا منظمًا يمكن الاستفادة منه على الأرض، كما أنها ليست مواقف جذرية، بل تتصف بالحذر والتعميم، بسبب شراسة الهجمات المضادة التي توجهها مؤسسات الاحتلال وجماعات الضغط على كل من يقف ضد جرائم "إسرائيل"، وغياب الدعم المقابل فلسطينيًا.

الهوامش

** ما يرد في هذه الورقة من آراء يعبر عن رأي كاتبها، ولا يعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.

[1] حساب "مشاهير لأجل فلسطين" على موقع إنستغرام: bit.ly/3yL6dFn

[2] تغريدة مارك رافالو على موقع تويتر، 11/5/2021: bit.ly/3iFSrhv

[3] تغريدة مارك رافالو على تويتر، 26/7/2014: bit.ly/2XqBNue

[4] تغريدة مارك رافالو على تويتر، 30/11/2018: bit.ly/2XhF5Qg

Mark Ruffalo on Why He Speaks Out on Palestine, Facebook, 8/10/2020: fb. watch/7c4z2s66wE/

[5] حساب بيلا حديد على موقع إنستغرام، 26/5/2021: bit.ly/3CJtgTf

[6] Bella Hadid, "from the river to the sea, Palestine will be free", YouTube, 17/5/2021: bit.ly/3CEMppk

[7] حساب "مشاهير لأجل فلسطين" على إنستغرام، 14/5/2021:bit.ly/2UeVeor

[8] تغريدة محمد الكرد على تويتر، 11/5/2021:bit.ly/3qMHoGe

[9] Commemorating 73 years of ongoing Nakba - Solidarity with Palestine is a 3-letter word, BDS, 14/5/2021: bit.ly/3HAAQBc

[10] حساب "مشاهير لأجل فلسطين" على إنستغرام، 16/5/2021: bit.ly/3fYeEp9

[11] تغريدة باريس هيلتون على تويتر، 16/5/2021:bit.ly/3m0QlLf

[12] تغريدة كيندال جينز على تويتر، 16/5/2021: bit.ly/3AJD25R

[13] حساب "دولة إسرائيل" على تويتر، 16/5/2021:bit.ly/3gl0IGj

[14] Dua Lipa, Bella and Gigi Hadid linked with Hamas in 'appalling' NYT advert, Middle East Eye, 23/5/2021: bit.ly/3sgVX5l

[15] العريضة التي وقعتها ونشرتها بيلا حديد، موقع "ضد الأبارتهايد": bit.ly/3oOwv7w

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
مشاركة: