الرئيسية » تحليل سياسات » أحمد الطناني »   24 نيسان 2022

قراءة/تحميل | | | |
نحو سياسات فاعلة لمواجهة التمويل المشروط سياسيًا للمؤسسات الأهلية الفلسطينية
أحمد الطناني

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.

مقدّمة

يشكل التمويل الخارجي، وبشكل خاص المقدم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، النسبة الأكبر من التمويل الخارجي الذي يُعد المصدر الأساسي لتمويل المؤسسات الأهلية الفلسطينية، في ظل ضعف التمويل الداخلي الذي يدعم عمل تلك المؤسسات وبرامجها.[1]

وقد أدّى غياب سياسة مواجهة موحدة وفاعلة لشروط التمويل - التي فرضتها الوكالة الأميركية للتنمية ((USAID، والتي تشترط على كل مؤسسة التوقيع على وثيقة "نبذ الإرهاب" التي تتضمن موقفًا صريحًا يعتبر المقاومة الفلسطينية إرهابًا، وتنص على الالتزام بالقيم والمبادئ الأميركية في العمل[2] - إلى تشجيع ممولين آخرين على فرض اشتراطات تمس الجوهر الوطني للمجتمع الفلسطيني كمدخل للحصول على التمويل، على غرار اشتراطات الاتحاد الأوروبي التي تمنع المستفيدين من التمويل من إشراك متعاقدين فرعيين تشملهم قائمة العقوبات والتقييدات الأوروبية، التي تشمل مجموعة أساسية من الفصائل والقوى الفلسطينية.

لذا، فإن التمويل الخارجي، وإن كان يعتبر المشغل الرئيس للمؤسسات، فإنه يشكل نقطة ضعف في عملها. فوفقًا للإطار الإستراتيجي لتطوير قطاع المؤسسات الأهلية الفلسطينية، "النقص في الاستدامة والاعتماد على التمويل الأجنبي يجعلها عُرضة لسياسات الجهات المانحة وسياسات تمويلها".[3]

وعلى الرغم من أن القانون الفلسطيني ينص على رفض التمويل المشروط، فإن غياب أي فعل رسمي من السلطة الفلسطينية، وغياب الموقف الجمعي للمؤسسات الأهلية، وتباين توجهاتها بخصوص قبول الاشتراطات، أدى إلى توسع رقعة المؤسسات التي تتجاوب مع شروط الممولين.

إن غياب سياسات فاعلة لمواجهة التمويل المشروط سياسيًا للمؤسسات الأهلية، قد يساهم في تعزيز ارتباط هذه المؤسسات بأجندة الممول وأهدافه على حساب أجندتها الوطنية، للحفاظ على التمويل وديمومة عملها، وهو ما تسعى هذه الورقة إلى تقديم بدائل سياساتية فاعلة من أجل تعزيز حالة المواجهة والحفاظ على الأجندة الوطنية للمؤسسات الأهلية الفلسطينية، وتحافظ عليها من الانهيار، وتحمي موظفيها والشرائح المستفيدة منها عبر ضمان ديمومة عملها.

الهدف العام

اقتراح بدائل فعّالة لمواجهة التمويل الخارجي المشروط للمؤسسات الأهلية الفلسطينية، بما يحقق ديمومتها من جهة، ويعزز اتساقها مع أجندتها وأهدافها الوطنية من جهة ثانية.

الأهداف الفرعية:

  • تحليل أبعاد المشكلة ونقاط الضعف في سياسات المواجهة المتّبعة للتمويل المشروط.
  • تبيان مخاطر التمويل المشروط على المؤسسات الأهلية الفلسطينية وقيمها وأهدافها الوطنية.

المشكلة السياساتية

تواجه المؤسسات الأهلية الفلسطينية معضلة كبيرة بسبب اعتمادها شبه الكلي على التمويل الخارجي في تمويل برامجها، ولجوء عدد من الممولين إلى فرض شروط سياسية تستهدف فرض أجندة الممول وأهدافه على حساب الأجندة الوطنية للمؤسسات الأهلية الفلسطينية، التي تستجيب لحاجات المجتمع الفلسطيني وأولوياته التنموية.[4]

أدى هذا الاعتماد، في ظل غياب آليات واضحة للمواجهة، إلى نجاح الممول في تمرير شروطه، بسبب انقسام الآراء بين من يدعو إلى التعامل مع الأمر الواقع والحفاظ على المؤسسات قائمة وعدم المخاطرة بانهيارها بسبب غياب التمويل، ومن يدعو إلى رفض هذه الشروط، ولكن من دون تقديم آليات بديلة تحافظ على ديمومة عمل المؤسسات.

تنصّ مدونة سلوك المؤسسات الأهلية الفلسطينية على أن "يلتزم القطاع الأهلي برفض أي تمويل سياسي مشروط، أو أي تمويل من شأنه تغيير طبيعة عملية التنمية، أو تقويض شرعية النضال الوطني الفلسطيني وفقًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأحكامه"،[5] إلا أن قطاعًا كبيرًا من هذه المؤسسات لم يلتزم بما سبق، ولجأ إلى الالتفاف عليها أو تبرير تلقي التمويل المشروط، ما ساهم في تشجيع ممولين آخرين على وضع شروط سياسية جديدة، كما كان الحال مع الاتّحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من أن تلقي التمويل المشروط يمثل مخالفة صريحة للمادة (32) من قانون الجمعيات الخيرية والهيئات العامة للعام 2000، التي تنص على أنه "يحق للجمعيات والهيئات تلقي مساعدات غير مشروطة لخدمة عملها"، فإن الجهات الحكومية لم تتخذ أية إجراءات قانونية بحق المنظمات المخالفة لنص القانون، ما فتح المجال لاتساع عدد المنظمات التي تتلقى التمويل المشروط.

تركز هذه الورقة على مشكلة التمويل المشروط للمنظمات والمؤسسات الأهلية (NGOs)، وتسعى إلى تسليط الضوء على أبعاده ومخاطره، إضافة إلى تحليل نقاط الضعف في السياسات المتبعة لمواجهته، واقتراح بدائل سياساتية للمواجهة.

أبعاد المشكلة السياساتية

أولًا: ضعف سياسة المواجهة

اقتصرت سياسة المواجهة على الدور الذي بذلته شبكة المنظمات الأهلية في مواجهة الشروط السياسية التي شملت اللقاءات مع الممول، وبلورة موقف وطني واسع رافض للشروط السياسية. إلا أن هذه الخطوات لم تنجح في تحقيق اختراق فعلي في شروط التمويل الأميركية، التي بدأت بوثيقة واحدة، ووصلت إلى العديد من الاشتراطات التفصيلية التي طالت الأفراد والكيانات، وتمس جوهر الموقف الوطني.

وقد أضافت شبكة المنظمات الأهلية شرط عدم قبول التمويل الأميركي المشروط سياسيًا للانضمام للشبكة، إذ إنها لا تقبل في عضويتها أي مؤسسة وقعت على وثيقة "نبذ الإرهاب" التي تشترطها الوكالة الأميركية للتنمية، فيما لم تأخذ السلطة الفلسطينية أي إجراءات مباشرة ضد المؤسسات التي قبلت الشروط، ووقعت على الوثيقة المذكورة.[6]

مع دخول الشروط الأوروبية الجديدة، كان التحرك على المستويين المؤسسي والرسمي؛ إذ شاركت منظمة التحرير الفلسطينية ووزارة الخارجية في الحوار مع الأوروبيين حول الشروط، إلى جانب الحوار الذي تخوضه شبكة المؤسسات الأهلية، الذي وصل إلى مرحلة تعتبرها الشبكة متقدمة، وتمثلت في رسالة التوضيحات التي أرسلها الاتحاد الأوروبي، والتي أكد فيها أن الشروط ليست خاصة بفلسطين، ولا تستهدف أفرادًا، إنما كيانات موجودة على قائمة التقييد الأوروبية، إضافة إلى التأكيد على أن الاتحاد الأوروبي لا يطلب من المؤسسات الشريكة تغيير موقفها تجاه أي مكون من مكونات المجتمع الفلسطيني، وهو ما يمكن البناء عليه في استكمال الخطوات لمواجهة الشروط.[7]

لم ترتقِ سياسة المواجهة إلى المستوى الذي يمكن أن يشكل ضغطًا حقيقيًا على الممول، ولم تكن هناك أي تحركات مؤثرة مساندة لتحرك المؤسسات الرافضة حتى تشكل مدخلًا لتغيير هذه الشروط، واحترام الخصوصية الفلسطينية، بل إن حالة التردد في المواجهة، وعدم وجود شبكة أمان للمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني التي عانت ضغطًا إضافيًا بعد دخول جائحة كورونا، وأزمة التمويل التي تهدد ما نسبته 40% إلى 50% من المؤسسات الأهلية بالإغلاق، أو إيقاف الأنشطة[8]، شكلت مجتمعةً غطاء لقبول العديد من المؤسسات للشروط وتمريرها.

ثانيًا: آراء متعددة وغياب حكومي

مع أن غالبية مكونات المجتمع الفلسطيني ترفض اشتراطات الممولين من حيث المبدأ، فإن الآراء، على أرض الواقع، تبدأ بالتعدد والاختلاف، حيث انقسمت المؤسسات ما بين الرفض والقبول الجزئي والقبول الكامل، وهو ما برز، بشكل أوضح، في الموقف من التوضيحات الأوروبية التي قبلتها شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية،[9] ورفضتها الحملة الوطنية لرفض التمويل المشروط.[10]

يأتي ذلك في ضوء غياب الفعل الحكومي. وعلى الرغم من أن القانون الفلسطيني ينص على رفض التمويل المشروط، إضافة إلى الموقف الرسمي الرافض للشروط الداعي إلى تغييرها، ويعتبرها انحيازًا للرواية الإسرائيلية عبر توصيف النضال الفلسطيني بـ"بالإرهاب"[11]، فإن هذا الموقف لم يترجم بأي خطوات عملية سواء بحق المؤسسات التي قبلت التمويل، أو بخطوات ديبلوماسية مع الكيانات السياسية للممولين الذين يتمسكون بشروطهم.

ثالثًا: ملاحقة الاحتلال للمؤسسات الأهلية الفلسطينية

تعمل إسرائيل على محاصرة عمل المؤسسات الأهلية الفلسطينية وتشويه صورتها أمام الممولين وبشكل خاص الاتحاد الأوروبي، وذلك عبر إصدار تقارير دورية للمراقب الإسرائيلي للمنظمات الأهلية NGO Monitor))، تعمل على ربط المؤسسات بالتنظيمات الفلسطينية، واتهامها بممارسة أنشطة "إرهابية"[12] وتمويلها.

لم تكتفِ إسرائيل بالتحريض على المؤسسات الفلسطينية، وبشكل خاص الرافضة للتمويل المشروط، بل اتخذت إجراءات مباشرة تمس المؤسسات وصلت إلى اقتحام وإغلاق مؤسسة لجان العمل الصحي، وإصدار أمر عسكري بإغلاقها لمدة 6 شهور[13]، سبقها إغلاق عدد كبير من المؤسسات الفلسطينية بالقدس بأوامر عسكرية مشابهة[14]، وصولًا إلى إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي عن ست مؤسسات فلسطينية، على أنها "إرهابية"، بحسب قائمة نشرتها وزارة القضاء الإسرائيلية، التي ذكرت في بيانها أن هذه المؤسسات "مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأنها حصلت بين العامين 2014 و2021 على أكثر من 200 مليون يورو من دول أوروبية عدة.[15]

يوسع المراقب الإسرائيلي من نشاطه وتقاريره، حيث لم يكتفِ بمحاولة الربط بين المؤسسات الأهلية الفلسطينية وفصائل المقاومة، بل توسع إلى ملاحقة المؤسسات الناشطة في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) وتصدير تقارير ترصد نشاطها وتحرض عليها، إضافة إلى البحث في الخلفية لكل العاملين في المؤسسات، وتركيز الضوء على من لهم سجل اعتقالي لدى الاحتلال.[16]

المؤسسات الأهلية الفلسطينية

حسب قرار مجلس الوزراء الفلسطيني رقم (9) لسنة 2003، تُعرف المنظمات غير الحكومية بالآتي: "الجمعية: شخصية معنوية مستقلة تنشأ بموجب اتفاق بين عدد لا يقل عن سبعة أشخاص لتحقيق أهداف مشروعة تهم الصالح العام، دون استهداف جني الربح المالي بهدف اقتسامه بين الأعضاء، أو لتحقيق منفعة شخصية. ويدخل ضمن تعبير الصالح العام أن تهدف الجمعية إلى خدمة شريحة أو فئة اجتماعية أو مهنية معينة، ويشمل تعبير الجمعية الهيئة الأهلية، والجمعية الخيرية، والهيئة غير الحكومية".[17] وقد بلغ عدد المنظمات الأهلية في العام 2020 حوالي (3400) مؤسسة مسجلة لدى وزارة الداخلية الفلسطينية،[18] تأسست غالبيتها بعد اتفاق أوسلو وقيام السلطة.

تعمل المنظمات الأهلية الفلسطينية ضمن سياق تاريخي وسياسي تفرض وتحدد حيثياته ومستجداته عليها تغيير إستراتيجياتها ومهامها وفقًا لطبيعة هذه المستجدات، وبخاصة تلك المتعلقة بالظروف السياسية. إذ إنها تعمل في بيئة معقدة، حيث لا يزال الاحتلال يسيطر على مساحة واسعة من الأراضي الفلسطينية، ومن جهة ثانية توجد على الأرض الفلسطينية سلطة فلسطينية ذات قدرات مادية ومهنية محدودة، وهو ما يفرض على المنظمات الأهلية تحديات على المستوى الإستراتيجي وعلى مستوى الأدوار الرئيسية وعلاقتها بالسلطة، تراوحت بين المشاركة في تقديم الخدمات المجتمعية إلى الارتقاء بالمجتمع والمساهمة في العمل الوطني.[19]

تتسم المنظمات الأهلية بهوية غير واضحة المعالم، ويُلاحظ أن هناك فجوة لدى بعض المؤسسات ما بين رسالتها وأهدافها ووظيفتها وبين دورها الفعلي، وباتت التخصصية الفعلية لهذه المنظمات محدودة، وتتنوع البرامج والقطاعات التي بها، وتعمل بأكثر من برنامج في الوقت ذاته.[20]

وأوضحت شبكة المنظمات الأهلية أنها تعمل وفق خطط الربط ما بين الإغاثة والتنمية والسلم الأهلي، وأن هناك مجموعة من المؤسسات التي تعمل بشكل تخصصي في القطاعات المختلفة؛ مثل الصحة، والزراعة، والمرأة، والشباب، إضافة إلى المراكز الحقوقية والسياساتية والشفافية، وتقدم إضافات نوعية ساهمت في تغطية الضعف الحكومي في العديد من القطاعات، وشكلت فاعلًا أساسيًا في توثيق جرائم الاحتلال وملاحقته قانونيًا.[21]

المؤسسات الأهلية الفلسطينية والتمويل الخارجي

اعتمدت المؤسسات الأهلية الفلسطينية على التمويل المحلي والدولي في تنفيذ برامجها، حيث شكل التمويل ركيزة أساسية في قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها. وقد ارتبط حجم التمويل، بشكل كبير، مع التطورات السياسية المحلية والإقليمية والدولية، وترك هذا التمويل أثرًا بنيويا كبيرًا على المؤسسات الأهلية في فلسطين.[22]

بعد اتفاق أوسلو، بدأ التمويل الخارجي يطفو على السطح مع الزيادة الملحوظة في عدد المؤسسات الأهلية التي حصلت على تراخيص للعمل في أراضي السلطة، واهتمام المانحين بدفع عملية السلام، حيث وصلت المساعدات الخارجية المقدمة لفلسطين حتى العام 2021 إلى 36.5 مليار دولار أميركي، تم تقديم 1.06 مليار دولار أميركي من المساعدات كقروض، و35.4 مليار دولار أميركي كمنح.[23] وحسب تقديرات هيئة شؤون المنظمات الأهلية الفلسطينية، تحصل المنظمات "المحلية والدولية" سنويًا على نحو (1.6) مليار دولار.[24]

تتنوع مصادر التمويل الخارجي الغربي للمنظمات الأهلية الفلسطينية من دول ومنظمات، ومنها دول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأميركية، والمنظمات الأوروبية، والوكالات الحكومية الغربية الرسمية؛ كالوكالة الأميركية للتنمية (USAID)، والمفوضية الأوروبية للاتحاد الأوروبي (EC) ... وغيرهما.

ارتفعت النسبة المئوية للمنظمات التي تتلقى الدعم من صناديق خارجية من (38.9%) العام 2000 إلى (46.8%) في العام 2008[25]، علمًا أن نسبة التمويل الخارجي تبلغ (80%) من إجمالي ميزانية المنظمات غير الحكومية[26]، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم وجود تقارير حديثة منشورة حول حجم التمويل الخارجي الذي تتلقاه المؤسسات الأهلية الفلسطينية، وقد سجل تقرير صدر عن ائتلاف أمان حول الشفافية والنزاهة في المؤسسات الأهلية، العام 2021، أن الكثير من المؤسسات لا تلتزم بتقديم تقارير مالية لوزارة الداخلية والجهات المختصة.[27]

معايير التمويل بين الموضوعية والاشتراطات السياسية

لا يوجد تمويل من دون شروط، ولكن من الخطأ وضع جميع الشروط في سلة واحدة، فبعض الشروط تهدف إلى ضمان التنفيذ السليم للمشروع، وتعزيز معايير الشفافية، وضمان وصول الخدمة للمستفيد، ومنها ما يهدف إلى تعديل وتغيير قيم المجتمع بما يتطابق مع ثقافة الممول، وفي هذا الإطار، يمكن عرض الشروط المعيارية التي قد يفرضها أي ممول على مؤسسات المجتمع المدني[28]:

معايير إدارية ومنهجية: وهي تلك التي تتمثل في فرض نموذج معين لكتابة مقترح المشروع، والتوظيف، واستخدام نماذج، وهي ليست شروطًا تمس سيادة المتلقي، بل تهدف إلى خلق لغة مشتركة بين الممول والمتلقي توحد طريقة ونظام العمل.[29]

معايير فنية: يقصد بها تلك الشروط التي يطلب الممول أن تتواجد في السلعة أو الخدمة المقدمة. وهي عادة ما تكون شروطًا علمية، كأن يشترط الممول أن تكون رياض الأطفال ذات مساحة مناسبة حسب المواصفات، أو تحديد الألوان المستخدمة، حيث تكون ملائمة لأجواء تعلم الأطفال، منع استخدام المبيدات الكيميائية في الزراعة، أو تغليف المنتج بشكل محدد ... إلخ.[30]

معايير سياسية وقطاعية: تتخذ هذه المعايير أشكالًا عدة منها: تحديد خلفية الفئة المستهدفة كالانتماء السياسي، وتضمين بند "نبذ الإرهاب"، وتجريم المقاومة، وتحديد مجالات ومناطق للعمل دون غيرها: كمنع التمويل عن أنشطة معينة في مناطق (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ومنع إقامة مشروعات بنية تحتية في مخيمات اللاجئين، ورفض تمويل مؤسسات تدعم حركة مقاطعة إسرائيل، واشتراط التعاون مع مؤسسات محددة، كما حدث في مشروعات التعاون مع مؤسسات إسرائيلية بهدف تسريع التطبيع وتشجيعه.[31]

تزايد الاشتراطات السياسية للممولين

يسعى التمويل المشروط سياسيًا إلى إقحام الرؤية السياسية للممول على وثائق المشروع، كما هو الحال في "وثيقة الإرهاب" التي تفرض على المؤسسات من قبل الوكالة الأميركية للتنمية، حيث إن تعريف الإرهاب هو موضوع سياسي بامتياز، ويقحم في اتفاقيات فنية، ما يرتب على المؤسسات شروطًا قانونية وسياسية ليست ذات صلة بالمشروع.[32]

لا يقف شرط الوكالة الأميركية عند التوقيع على وثيقة "نبذ الإرهاب" للحصول على التمويل، بل يتعداه إلى فحص أمنيٍ كاملٍ لأعضاء مجلس الإدارة وطاقم العاملين في المشروع ضمن ما يُسمى (Vetting)، حيث يتم الفحص في خلفية كل المستفيدين من المشروع للتأكد من خلوها من أي شخص له خلفية نضالية.[33]

تنسجم اشتراطات التمويل الأميركي جزئيًا مع شروط الاتحاد الأوروبي، الذي غيّر من سياسته لدعم المؤسسات الفلسطينية عبر ربطها بالقضايا السياسية، كما ورد في الملحق (2) الذي وزّعه الاتحاد الأوروبي على المؤسسات الفلسطينية كافة في كانون الأول/ديسمبر 2019.

نصت الشروط الجديدة على منع المتعاقدين أو المستفيدين المباشرين من التمويل، من إشراك متعاقدين فرعيين أو أشخاص تشملهم قائمة العقوبات والتقييدات الأوروبية. وبحسب قائمة "القيود" الأوروبيّة (EU restrictive measures)، فإن عددًا من الأحزاب والحركات الفلسطينية تدخل في قائمة المنع ضمن تصنيف المجموعات والكيانات، وهي: "حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وذراعها العسكري كتائب الشهيد عز الدين القسام، وكتائب شهداء الأقصى، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة".[34]

تجدر الإشارة إلى أن قائمة التقييدات الأوروبية لا تشمل أي شخصية فلسطينية، بل كيانات فقط، وهو ما يشكل الفارق الأساسي بينها وبين الشروط الأميركية للتمويل. وأوضح ممثل الاتحاد الأوروبي في فلسطين، سفين كوهان فون بورغسدورف، خلال ورشة حوارية نظمها مركز مسارات، في 30 أيلول/سبتمبر 2021، أن هذه الشروط عالمية، وليست خاصة بفلسطين، وتنطبق على الجميع. وأضاف أن هذه الشروط كانت موجودة ولم يطرأ عليها تغيير إلا من حيث إبرازها بصورة أوضح في طلبات الحصول على تمويل أوروبي.[35]

موقف الأطراف الفلسطينية من التمويل المشروط

السلطة الفلسطينية: تنظر السلطة بتوجس كبير لعمل المؤسسات الأهلية، إذ تعتبرها منافسًا على التمويل وكقوة اجتماعية لها حساب، وتبادل المؤسسات الأهلية السلطة هذا التوجس من حيث إنها ترغب (السلطة) في السيطرة عليها، وتريد تجفيف منابع التمويل وتمركزه في يدها[36]،؛ حيث كان التمويل الأجنبي الموجه للقطاع الأهلي يُفسر أحيانًا على أنه أداة تدخل أجنبية في صياغة تعديل توجيه البرنامج الوطني للمجتمع الفلسطيني.[37]

ومع أن التمويل المشروط يتعارض، بشكل مباشر، مع نصوص القانون الفلسطيني، فإن السلطة لم تتخذ أي إجراء بحق المؤسسات التي تلقت تمويلًا مشروطًا سياسيًا، حيث بقي الموقف الرسمي رهينة الرفض المعلن للاشتراطات دون أي فعل مباشر تجاه المؤسسات التي تلقته، إذ إن العلاقة المتوترة بين السلطة والمؤسسات الأهلية، وضعف حجة السلطة باعتبارها متلقيًا للتمويل من الجهات ذاتها التي تضع شروطًا سياسية، ساهما في تعطيل أي تدخل فعلي لمواجهة التمويل المشروط.

المؤسسات الأهلية: مع أن عددًا كبيرًا من المؤسسات رفضت التمويل الأميركي، فإنَّ العديد من المؤسسات حصلت على تمويل (USAID)، تحت ذرائع مختلفة، أهمها أن هذا التمويل لا يُخالف مبدأ حيادية المؤسسة واستقلاليتها، أو أن السلطة الفلسطينية نفسها تتلقى مِنَحًا كهذه أو لا تعارضها[38]، وهو السياق ذاته الذي أخذه النقاش حول الشروط الجديدة للاتحاد الأوروبي التي فرضها مع نهاية العام 2019.

تنقسم مواقف المؤسسات الأهلية الفلسطينية تجاه التمويل المشروط إلى ثلاثة مواقف رئيسية، وهي:

الأول، يرفض التساوق بشكل مبدئي وقاطع مع الشروط، ويدعو إلى مقاومتها وإبطالها، وهو يتمثل، بشكل مباشر، في الحملة الوطنية الفلسطينية لرفض التمويل المشروط، التي تضم 132 مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، والتي تعتبر الشروط سياسية بالدرجة الأولى.[39]

الثاني، يدعو إلى التفاوض والجلوس والحوار بين الاتحاد الأوروبي والقطاع الأهلي، معتبرًا أن الشروط يمكن الحوار حولها. ويتمثل هذا الطرف، بالدرجة الأساسية، بشبكة المنظمات الأهلية، التي رأت في توضيحات الاتحاد الأوروبي بأنها بادرة يمكن البناء عليها، وخطوة في إطار استكمال عملية مواجهة الشروط.[40]

أما الموقف الثالث، فيتمثل بالمنظمات المتساوقة مع شروط التمويل؛ سواء أكانت أميركية أو أوروبية، وقبلت بكل الشروط دون مواربة، ويمثل قلة قليلة في القطاع الأهلي الفلسطيني.[41]

فيما كان هناك موقف شبه موحد من الأحزاب الفلسطينية، التي أعلنت رفضها لشروط الممولين التي تجرم النضال الفلسطيني وتصفه بالإرهاب، ودعت المؤسسات الأهلية إلى رفضها وعدم تمريرها.[42] كما أكدت أمانة سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير على رفض المكونات الرسمية والمدنية للاشتراطات التي يتم فرضها على تمويل المؤسسات الفلسطينية، ورفض وسم أي فصيل فلسطيني بالإرهاب، معتبرة أن هذه المنح المشروطة تعتبر ابتزازًا سياسيًا لتدمير المشروع الوطني الفلسطيني.[43]

البدائل السياساتية

أولًا: المعايير العامة

المشروعية: تتوافق البدائل السياساتية المقترحة مع القوانين الدولية والمحلية، وبخاصة مع أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، إضافة إلى انسجامها مع أدلة العمل الأهلي في فلسطين.

المقبولية: تقدم الورقة بدائل تحظى بمقبولية مرتفعة لدى صانع القرار الفلسطيني ومكونات المجتمع المدني الساعي إلى الحفاظ الأجندة الوطنية لمنظمات العمل الأهلي ومهنيتها، بما ينسجم مع خصوصية المجتمع وأولوياته من دون فرض شروط سياسية من قبل جهات التمويل.

الإمكانية: تقدم الورقة بدائل سياساتية عملية، ويمكن تطبيقها عبر التعاون الفعال بين الجهات الحكومية والمؤسسات الأهلية، من خلال زيادة التمويل المحلي والعربي، والبحث عن مصادر تمويل بديلة.

المنفعة العامة: تحقق البدائل المقترحة المنفعة المرجوة للمجتمع الفلسطيني، لأنها تتيح للمؤسسات الأهلية الفلسطينية العمل وفقًا لأهدافها المنسجمة مع حاجات المجتمع وأولوياته التنموية، وتعمق ارتباطها بالأجندة الوطنية التحررية. ولكن، من جهة أخرى، قد تترتب عليها خسائر مباشرة، بسبب قطع التمويل والقيود الإسرائيلية.

البدائل المطروحة

البديل الأول: تعزيز التمويل الداخلي

إن تعزيز التمويل الداخلي للمؤسسات الأهلية الفلسطينية، يقلص الاعتمادية على التمويل الخارجي بشكل عام، وفي الوقت ذاته يمنحها فرصة المناورة أمام اشتراطات التمويل الخارجي، ما يساهم، بشكل مباشر، في إمكانية كسر الشروط السياسية من جهة، ويعزز عمل المؤسسات من جهة أخرى. وهذا يتطلب عملًا تكامليًا ما بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية (القطاع الخاص والأهلي) لتحقيق متطلبات البديل التالية:

العلاقات التكاملية:

  • تطوير التعاون مع السلطة الفلسطينية، وإعطاء هذه العلاقة طابعًا مؤسسيًا وتنظيمًا واضحًا.
  • بناء علاقة تكاملية بين مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص.
  • تنفذ برامج مشتركة بين أكثر من مؤسسة وتعزيز العلاقة بين مؤسسات الـ(NGOs) والمؤسسات القاعدية CBOs.

إنشاء صندوق لتمويل القطاع الأهلي الفلسطيني:

  • إنشاء صندوق حكومي لتمويل مشاريع المنظمات والمؤسسات الأهلية، بحيث يصبح تمويل هذا الصندوق جزءًا أساسيًا من الموازنة العامة.
  • إنشاء صندوق ضمان اجتماعي للعاملين في المؤسسات الأهلية، ما يخلق نوعًا من الأمان الوظيفي للكادر الوظيفي في هذه المؤسسات.
  • إطلاق صندوق وطني لتقديم التمويل والهبات للمؤسسات الأهلية الفلسطينية ومشاريعها، ويتوجه هذا الصندوق للقطاع الخاص ورؤوس الأموال الفلسطينية بالداخل والشتات، إضافة إلى تنظيمه حملات تبرعات دورية.

ولتحقيق ذلك، يتوجب على القطاع الرسمي وغير الرسمي اعتماد السياسات التالية:

سياسات حكومية: تحفيز القطاع الخاص من أجل زيادة مساهمته المجتمعية، عبر تقديم رزمة تسهيلات حكومية لشركات القطاع الخاص التي تزيد من مساهمتها المجتمعية، والتزام الحكومة بالإعفاء الضريبي لمشاريع المؤسسات الأهلية وفق ما نص عليه القانون (المادة 14 من قانون المؤسسات).[44]

سياسات القطاع الأهلي: إعادة الاعتبار لقيم التطوع واستيعاب المؤسسات لعدد من المتطوعين، ما يخفض الموازنة التشغيلية ويقلل النفقات، وإدخال تحسينات إدارية على أوضاع المؤسسات الأهلية تحقق مبدأ المساواة والشفافية والعدالة الوظيفية في الرواتب والأمان الوظيفي.

محاكمة البديل

يحظى البديل بمشروعية كبيرة لدى صانع القرار ومكونات القطاع الأهلي كونه ينسجم مع التوجهات الوطنية؛ إذ إنه يشكل المدخل الأساسي للاكتفاء الذاتي ماليًا من المصادر الوطنية، وينسجم مع التوصيات المقدمة في عدد من الدراسات التي أعدت حول التمويل الخارجي، إضافة إلى شموله على تكامل أوجه العمل الفلسطيني بين المستوى الرسمي والأهلي والقطاع الخاص، وإدخال إصلاحات إدارية في المؤسسات.

تعتبر إمكانية تطبيق البديل مرتفعة، حيث يعتمد بالأساس على المقدرات الفلسطينية، على الرغم من الواقع الاقتصادي والسياسي للمجتمع الفلسطيني. ويحقق البديل منفعة كاملة في الأولويات الوطنية وتوطين المشاريع وتوجهات المؤسسات.

البديل الثاني: البحث عن مصادر تمويل خارجية بديلة

لا يمكن الاعتماد على مصدر تمويل وحيد وحصر الخيارات في الممول الأميركي والأوروبي، دون التفكير في بدائل وخيارات جديدة. لذا، يطرح البديل التوجه نحو ممولين من الدول العربية والإسلامية، والدول الصديقة، بما يحقق الحاجة التمويلية للمؤسسات. وهو ما يتطلب التوجه إلى:

  • شراكات مع الصناديق التمويلية: يتوجب تعزيز التواصل مع الصناديق العربية للتمويل لزيادة نسبة تمويلها للمؤسسات الأهلية الفلسطينية، بما يغطي نسبة أكبر من المشاريع المطلوبة (بلغت قيمة المنح التي قدمها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي منذ بداية العام 2001 حتى نهاية العام 2020 ما يقارب 650 مليون دولار أميركي ضمن البرنامج العاجل لإغاثة الشعب الفلسطيني ودعم صمود مدينة القدس).[45]
  • شراكات مع المنظمات الدولية: فتح قنوات تواصل مع الدول والمنظمات الإسلامية الرسمية المنتشرة في العالم، من أجل جلب تمويل جديد للمؤسسات الأهلية الفلسطينية.
  • الانفتاح على آسيا: تعزيز التواصل مع دول شرق آسيا والصين، مثل دولة ماليزيا التي أطلقت صندوق الإنسانية للشعب الفلسطيني (AAKRP)، الذي تديره وزارة خارجيتها، ويتم عبره تقديم منح تمويلية للشعب الفلسطيني للمستويين الحكومي والأهلي، أو مباشرة عبر المؤسسات الماليزية العاملة في فلسطين، حيث أكد رئيس وزرائها، محيي الدين ياسين، التزام حكومته بدعم الشعب الفلسطيني عبر الصندوق،[46] إضافة إلى استثمار الدعم الصيني الموجه لدعم التنمية في فلسطين، والعمل على توجيه جزء منه في تمويل مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، حيث تعهدت الصين في العام 2018 بتقديم 100 مليون يوان (15 مليون دولار) مساعدات لفلسطين،[47] وأكد تشيان كه مينغ، نائب وزير التجارة الصيني، خلال اجتماع الدورة الثانية للجنة الفلسطينية الصينية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والفني، الذي عُقد بتاريخ 29 نيسان/أبريل 2021، على الالتزام الصيني بربط تنفيذ المشاريع بمتطلبات فلسطين للتنمية الاقتصادية، لتعزيز التقدم الاجتماعي في فلسطين، وتحسين معيشة الشعب الفلسطيني.[48]
  • تعزيز دعم القطاع الأهلي من قبل المنظمات العربية: مساهمة السلطة الفلسطينية في مخاطبة جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، من أجل توجيه جزء من التمويل الرسمي العربي والإسلامي باتجاه المؤسسات الأهلية الفلسطينية ومشاريعها، وتشكيل لجنة وطنية من القطاع الأهلي، تتولى مهمة فتح قنوات الاتصال والتشبيك مع كل المنظمات والدول المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، من أجل حشد التمويل وزيادة نسبة مساهمتهم في التغطية المالية لأنشطة ومشاريع المجتمع المدني الفلسطيني.

على سبيل المثال، توجيه جزء من منح البنك الإسلامي للتنمية -الذي قدم منحًا تمويلية لدولة فلسطين بمبلغ 35.7 مليون دولار أميركي كدعم عاجل لمواجهة كوفيد-19 عبر صندوق الأقصى- إلى المؤسسات الأهلية. جدير بالذكر أن صندوقي الأقصى والقدس اللذين يديرهما البنك أُنشئا بقرار في القمة العربية المنعقدة في القاهرة، تشرين الأول/أكتوبر 2000، بموارد إجمالية قدرها مليار دولار، وبلغت مساهمات الدول العربية في الصندوقين حوالي 993 مليون دولار أميركي، وبلغ حجم المشاريع التي أوكلت الهيئات المالية العربية تنفيذها إلى إدارة صندوق الأقصى من مخصصاتها السنوية لدعم التنمية في فلسطين، 588 مليون دولار أميركي.[49]

يحقق البديل مشروعية عالية؛ كونه ينسجم مع التوجهات الوطنية بالتحرر من التمويل المشروط سياسيًا، التي تدعم تلك الشراكات دون اشتراطات ذات بعد سياسي على السلطة أو المؤسسات الأهلية. لذا، يحظى البديل بمقبولية كبيرة لدى السلطة والمؤسسات الأهلية الفلسطينية.

هنالك إمكانية كبيرة في توسيع حجم المساهمة العربية والإسلامية في تمويل المجتمع والمؤسسات الأهلية الفلسطينية، وبشكل خاص الدول الإسلامية في شرق آسيا، والتي بدأت تنشط في تمويل مشاريع بالأراضي الفلسطينية، إضافة إلى توجيه جزء من الدعم الصيني للمؤسسات الأهلية، إلا أنه لن يستطيع تغطية حجم التمويل الغربي للمؤسسات الأهلية الفلسطينية.

إن العمل على فتح قنوات تمويل جديدة قد يحقق نقلة كبيرة في نوعية أنشطة المؤسسات الأهلية الفلسطينية وبرامجها، ما يحقق منفعة خالصة للقطاع الأهلي والمجتمع الفلسطيني دون قيود واشتراطات تمويلية.

البديل الثالث: تحسين شروط التمويل الغربي

إن العمل على تحسين شروط التمويل الغربي ومواجهتها، هي الطريقة الأقصر للوصول إلى صيغ مقبولة، وليست قبول التمويل أو رفضه، وذلك لاستدامة عمل المؤسسات والحفاظ على تمويلها، بما يخدم أولويات المجتمع الفلسطيني، وبخاصة أن عملية التفاوض قد نجحت بين الحملة الوطنية لرفض التمويل المشروط مع ثلاثة ممولين (فرنسا، وإسبانيا، وأيرلندا) على الشروط الواردة في عقودهم، التي تم استبدالها بعقود لا تمس الحق الوطني الفلسطيني،[50] ولتحقيق ذلك، يطرح البديل مجموعة متطلبات، وهي:

  • التوافق على رؤية برامجية: يتطلب البديل فتح نقاش جدي بين مكونات القطاع الأهلي ينتج عنه الاتفاق على رؤية برامجية واتجاهات التمويل المطلوبة المبنية على الحاجة الوطنية، وليس أولويات الممول.
  • الاستناد إلى الأطر القانونية: يتوجب أن تستند الرؤية البرامجية على:
  1. القوانين المحلية، وبخاصة القانون الأساسي الفلسطيني (المادة 32) من قانون الجمعيات الذي يرفض التمويل المشروط، واعتماد هذا الإطار القانوني في مخاطبة الممول لتعديل شروطه بما يتناسب مع القانون الفلسطيني.
  2. القوانين الدولية، التي تكفل الحق في تقرير المصير، الواردة في إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية (المادة 1)، إضافة إلى ما ورد في (المادة 4) كما يؤكد الإعلان ذاته من على حق الشعوب الأصلية في أن تحتفظ بنظمها أو مؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتطورها، وأن يتوفر لها الأمن في تمتعها بأسباب رزقها وتنميتها، وأن تمارس بحرية جميع أنشطتها التقليدية وغيرهــا من الأنشطة الاقتصادية وفق ما ورد في (المادة 20)، إضافة إلى كل ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العام 1949.
  3. مدونة سلوك المؤسسات الأهلية الفلسطينية، إذ يتوجب الالتزام الكامل بما ورد بها من نصوص تشدد على احترام قيم المجتمع، والالتزام بالقانون الفلسطيني، وأن تكون عملية التحرر على رأس أولوياتها، والالتزام بتوافق الأنشطة مع برنامج التحرر وأولويات التنمية ورفض التطبيع، احترام التعددية والمساواة والعدالة، والاستجابة الفعالة لاحتياجات الشعب الفلسطيني وتطلعاته، ورفض أي تمويل مشروط يقوّض شرعية النضال الوطني الفلسطيني.[51]

إن الاستناد إلى متطلبات تحقيق البديل في مخاطبة الممولين، وفتح حوار جدي من أجل تغيير شروطهم، يعتبر ذا مشروعية عالية؛ كونه يأخذ بعين الاعتبار الالتزام بنصوص القانون الفلسطيني (المادة 32 من قانون الجمعيات)،[52] والقوانين الدولية ذات الاختصاص، ومدونة سلوك المؤسسات الأهلية الفلسطينية. وهو في صميم عمل المؤسسات الأهلية التي تراقب الأداء الحكومي، ومدى التزامه بالقانون، ولا يمكن لها مخالفته.

كما يحظى البديل بمقبولية وطنية عالية؛ إذ إنه يحقق الأولويات الوطنية، ومحدداته ناتجة عن حوار مؤسسي ووطني واسع، فالقطاع الأهلي بكل مكوناته يرفض التمويل المشروط سياسيًا، لكنه يتعاطى مع بعض هذا التمويل نتيجة غياب سياسات بديلة لمحاولة كسر تلك الشروط.

إلا أن إمكانية إحداث اختراق جوهري في شروط الممولين، على الرغم من ضآلتها تحتاج إلى ضغط كبير يشارك فيه القطاع الأهلي والمستوى الرسمي الفلسطيني عبر دفع الممولين إلى الاختيار بين التمسك بالشروط السياسية والتخلي عن حضورها في المجتمع المدني الفلسطيني، أو الحفاظ على هذا الحضور وتغيير الشروط بما يتناسب مع الأولويات الفلسطينية. وهو ما يحقق منفعة قصوى على الصعيدين الوطني والمؤسساتي، إذ تحافظ المؤسسات على تمويلها وديمومتها مع الالتزام بالتمسك بجوهرها الوطني وأولويات التنمية ومرحلة التحرر.

المفاضلة بين البدائل

تقترح الورقة بدء العمل بالبدائل الثلاثة بالتوازي، مع الأخذ بالاعتبار أن احتمالية إحداث تغيير جذري في مواقف الممولين الغربيين، وبشكل خاص الأميركي والاتحاد الأوروبي، هو أمر صعب في الظروف الراهنة، وربما يتطلب جهدًا ووقتًا أطول، لأن الشروط الأميركية بعدها سياسي ومنحاز تمامًا للجانب الإسرائيلي، إضافة إلى أن آلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي معقدة، وتتطلب توفر إجماع، في ظل انحياز العديد من الدول للطرف الإسرائيلي، ما يتطلب تضافر الجهود الرسمية مع القطاع الأهلي ضمن رؤية مشتركة وآليات ضغط فعالة، بالتعاون مع الدول الأوروبية المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، والبرلمانات، ومنظمات المجتمع المدني في تلك البلدان.

ومن جهة أخرى، فإن فرص نجاح البديلين، الأول والثاني، في تقليص فجوة التمويل الناجمة عن التخلي عن التمويل المشروط، تعد أكبر من فرص البديل الثالث، ولكن هذا مشروط، داخليًا، ببلورة خطة وطنية لزيادة مساهمة القطاعين الحكومي الخاص في تمويل المؤسسات الأهلية، تتضمن حوافز للقطاع الخاص، وشراكات مع المؤسسات الأهلية في مجالات مشتركة، كما أنه مشروط، عربيًا ودوليًا، بعمل ديبلوماسي رسمي يستهدف الدول العربية والإسلامية والدول الغربية الصديقة، من أجل زيادة تمويلها للمؤسسات الأهلية الفلسطينية، باعتبار ذلك جزءًا من عملية دعم صمود الشعب الفلسطيني، علمًا أن تحقيق النجاح في هذا المجال من شأنه أن يشكل عامل ضغط على الجهات المانحة، وبخاصة الأوروبية، للتراجع عن شروطها حرصًا على استمرار صلاتها وعملها مع القطاع الأهلي الفلسطيني.

الهوامش

[1] مقابلة شخصية مع محمد صالحة، عضو اللجنة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، 23/10/2021.

[2] علا التميمي، مال الـUSAID: مكافحة التمرد تحت قناع التنمية (1)، شبكة قدس الإخبارية، 2013: bit.ly/3AjgpF4

[3] الإطار الإستراتيجي لتطوير قطاع المؤسسات الأهلية الفلسطينية (2013-2017)، مركز تطوير المؤسسات الأهلية الفلسطينية، آذار/ مارس 2014.

[4] نضال أبو عيشة، التمويل الخارجي المشروط سياسيًا وأثره على المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، مجلة مدارات سياسية، العدد 5، 2012، ص 19.

[5] الإطار الإستراتيجي لتطوير قطاع المؤسسات الأهلية، مصدر سابق.

[6] مقابلة شخصية مع أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، غزة، 28/10/2021.

[7] المصدر السابق.

[8] المصدر السابق.

[9] مقابلة شخصية مع أمجد الشوا، مصدر سابق.

[10] (بيان الحملة) لا للتمويل على حساب موقف المؤسسات الرافضة للتوقيع على الشروط التمويلية الأوروبية، 12/9/2020: bit.ly/3o04o39

[11] شروط جديدة للتمويل الأوروبيّ لفلسطين، لوكالة معًا الإخبارية، 24/1/2020: bit.ly/3q6uPaa

[12] قوائم التقارير الإسرائيلية الخاصة بالمنظمات الأهلية الفلسطينية، موقع NGO Monitor)): bit.ly/2VU8Su7

[13] الاحتلال يقتحم "لجان العمل الصحي" بالبيرة، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 9/6/2021: bit.ly/2ZpTGdG

[14] قائمة المؤسسات الفلسطينية التي أغلقها الاحتلال، وكالة وفا: bit.ly/3bavy19

[15] إسرائيل تصنف ست مؤسسات حقوقية فلسطينية على أنها "إرهابية"، روسيا اليوم، 22/1/2021: bit.ly/3BaH876

[16] قوائم التقارير الإسرائيلية الخاصة بالمنظمات الأهلية الفلسطينية، مصدر سابق.

[17] الدليل الإرشادي حول قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية، مركز تطوير المؤسسات الأهلية الفلسطينية، 2015، ص 26.

[18] الاتحاد الأوروبي.. شرط تمويلي جديد يغضب الفلسطينيين، الجزيرة نت، 30/1/2020: bit.ly/2PgDX8K

[19] حنان قمر، دور المؤسسات الأهلية الفلسطينية في عملية التنمية، مجلة تسامح، السنة الرابعة، عدد 13، 2006.

[20] مجدي المالكي، وياسر شلبي، وحسن لدادوة، تعداد المنظمات غير الحكومية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة 2007، معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، رام الله، 2008.

[21] مقابلة شخصية مع أمجد الشوا، مصدر سابق.

[22] عبد الرحمن التميمي، دليل التمويل المشروط، شبكة المنظمات الأهلية.

[23] إدارة المساعدات الخارجية في فلسطين، موقع بوابة اقتصاد فلسطين:bit.ly/3H78RsS

[24] بكر اشتية، فوضى الـ NGOs في فلسطين، موقع اقتصاد فلسطين، 26/1/2016: bit.ly/3AlyAcW

[25] المالكي، تعداد المنظمات غير الحكومية، مصدر سابق.

[26] أبو عيشة، التمويل الخارجي المشروط سياسيًا، مصدر سابق.

[27] المساءلة في المؤسسات الأهلية الفلسطينية: الرقابة الداخلية والرقابة الخارجية، الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة - أمان، 31/1/2021: bit.ly/3BwA9FO

[28] عمر شعبان، حول التمويل المشروط، التنمية البشرية والاستقلال، 2004: bit.ly/3BrFYoQ

[29] المصدر السابق.

[30] المصدر السابق.

[31] أبو عيشة، التمويل الخارجي المشروط سياسيًا، مصدر سابق.

[32] عبد الرحمن التميمي، "دليل التمويل المشروط"، مصدر سابق.

[33] علا التميمي، مال الـUSAID، مصدر سابق

[34] Updating Common Position 2001/931/CFSP on the application of specific measures to combat terrorism and repealing Common Position 2009/67/CFSP, Official Journal of the European Union, Jan 16, 2009. P 49-50.

[35] بورغسدورف يدعو الفلسطينيين للوحدة وإجراء الانتخابات، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، 30/9/2021: bit.ly/3pBG3Dd

[36] عبد الرحمن التميمي، مؤسسات العمل الأهلي والتمويل: رؤية نقدية، ملحق فلسطين، صحيفة السفير، 2011: bit.ly/2YvUfT3

[37] شعبان، حول التمويل المشروط، مصدر سابق.

[38] أحمد همّاش، المجتمع المدني الفلسطيني: بين شروط المانح ودوره الوطني، اتجاه، 23/1/2020: itijah.ps

[39] بيان الحملة الوطنية الفلسطينية لرفض التمويل المشروط، مركز بديل، 30/12/2019: bit.ly/3bY7Fcl

[40] مقابلة شخصية مع أمجد الشوا، مصدر سابق.

[41] العزة: الاتحاد الأوروبي يدين المقاومة ويحاول تحويلنا لعملاء على أنفسنا، عرب 48، 2020: bit.ly/2SOfWIn

[42] مقابلة شخصية مع خالد البطش، منسق القوى الوطنية والإسلامية في قطاع غزة، 25/10/2021.

[43] منظمة التحرير ترفض التمويل المشروط ووسم الأحزاب بالإرهاب، بوابة الهدف الإخبارية، 30/9/2020: bit.ly/30R3VIv

[44] تنص المادة (14) على التالي: (تعفى الجمعيات والهيئات من الضرائب والرسوم الجمركية على الأموال المنقولة وغير اللازمة لتنفيذ أهدافها الواردة في نظامها الأساسي).

[45] "التقرير السنوي 2020 للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي"، ص22: bit.ly/2ZpEqNF

[46] "ماليزيا تواصل تقديم الدعم لفلسطين، موقع bernama الماليزي، 15/5/2021: bit.ly/3b8BB6u

[47] الصين تقدم مساعدات لفلسطين بـ 15 مليون دولار، وكالة وفا، 10/7/2018: bit.ly/3vPzDRR

[48] اتفاق فلسطيني صيني على تطوير الاقتصاد الفلسطيني، وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطيني، 29/4/2021: bit.ly/3vJhjdf

[49] تقرير إخباري عن دور مجموعة البنك الإسلامي للتنمية في دعم التنمية في فلسطين، موقع البنك الإسلامي للتنمية، 3/7/2020: bit.ly/3BgPWbt

[50] الحملة الوطنية لرفض التمويل المشروط: محاربة التمويل المشروط عملية تتطلب تكافل المؤسسات، صحيفة الحدث، 12/11/2020: bit.ly/3nMdgJJ

[51] مدونة سلوك المؤسسات الأهلية الفلسطينية، مصدر سابق.

[52] قانون رقم (1) لسنة 2000 بشأن الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية. تنصّ المادة 32 من قانون الجمعيّات على ما يلي: بما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون، يحق للجمعيات والهيئات تلقي مساعدات غير مشروطة لخدمة عملها.

 
 
 
 
 
 
مشاركة: