الرئيسية » هاني المصري »   26 حزيران 2012

| | |
القضيّةُ الفلسطينيّةُ والمصالحةُ بعدَ فوز مرسي
هاني المصري

 

إذا أردنا أن نعرف تأثير انتخاب محمد مرسي رئيسًا لمصر على الأوضاع الفلسطينية؛ علينا أن نرى عدة مسائل لا تقتصر على رؤية ردود الفعل المتباينة في قطاع غزة عن الضفة الغربية. فبالرغم من الترحيب الجماعي من الفلسطينيين بسير مصر خطوة جديدة على طريق الديمقراطية، إلا أن الاحتفالات التي شهدتها غزة عبر المسيرات التي شارك فيها عشرات الآلاف وإطلاق الرصاص وتوزيع الحلوى والتهاني التي بادر إليها كل من خالد مشعل وإسماعيل هنية باتصالهما المباشر، والتصريحات التي صدرت عن الزهار وغيره من قيادات "حماس" الذي اعتبر فوز مرسي انتصارًا تاريخيًّا ولحظة ستصحح السنوات الأربعين الماضية، وهزيمة لبرنامج التطبيع مع العدو الصهيوني.
أما في الضفة الغربية، فلم تشهد مسيرات ولا احتفالات ولا إطلاق الرصاص، وتأخرت برقية التهنئة الرئاسية.
هذا التباين في ردود الأفعال مفهوم لأن أهل غزة يتوقون أيضًا لرفع الحصار وفتح معبر رفح، وهذا أمر ممكن الحدوث حاليًّا، أي المسألة بالنسبة إليهم فيما يتعلق بمن يحكم مصر حياتية وليست سياسية فقط. 
***
بعد أيام انتظار طويلة جدًا حُبِسَت فيها أنفاس المصريين والمهتمين بما يجري في مصر، أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسيّة عن فوز محمد مرسي رئيسًا لمصر، فيما اعتبر نقطة تحول تاريخيّة.
فلأول مرة ينتخب الشعب المصري رئيسه ويكون زعيم أكبر أحزاب المعارضة، وهو يمثل جماعة الإخوان المسلمين التي تتوق للحكم منذ 84 عامًا وشاركت في ثورة 25 يناير، وإن متأخرة، وحاولت أن تستأثر بالسلطات، ودفعت ثمنًا باهظًا لذلك.
لقد انتقل مرسي من السجن، الذي أصبح قابعًا فيه حسني مبارك، إلى الرئاسة، وهذا أمر بالغ الأهميّة، ولكنه لا يسدل الستارة على الفترة الانتقاليّة التي عاشتها مصر منذ 11 شباط 2011 وحتى الآن، بل سيكون بداية لمرحلة انتقاليّة جديدة يشتد فيها التنافس بين المجلس العسكري ووراءه قوى النظام القديم وبعض الأحزاب والشخصيات الليبراليّة، والرئيس ووراءه الإخوان المسلمين وبعض قوى الثورة، وبين تيار ثالث يمثل بقيّة قوى الثورة، التي لا تريد إعادة انتاج النظام القديم، ولا استبداله بدولة دينيّة أو هيمنة جماعة سياسيّة على مصر؛ وتهدف إلى استكمال الثورة وتحقيق أهدافها بنقل مصر من حالة الاستبداد والتبعيّة والفساد إلى حالة من النهوض التي تحقق آمال ومصالح الشعب المصري، ويعيد لمصر دورها الإقليمي والدولي الذي تقزّم خلال العقود الماضية.
ما يهمنا في هذا المقال هو تأثير فوز مرسي بالرئاسة المصريّة على القضيّة الفلسطينيّة بصورة عامة، والمصالحة بشكل خاص، حتى نتعرف على هذا التأثير يجب أن نأخذ بالحسبان الأسباب والعوامل الآتية:
أولًا: إن مصر معنيّة بالقضيّة الفلسطينيّة بغض النظر عن الحاكم فيها، لأسباب قوميّة وبحكم الروابط بين مصر وفلسطين، ولأسباب تتعلق بالعلاقة المصريّة – الإسرائيليّة في ظل معاهدة السلام واتفاقيّة كامب ديفيد، ولأسباب تتعلق بالجغرافيا والأمن والقومي، فمصر الجارة الكبيرة لفلسطين ترتبط مع قطاع غزة بعلاقات متنوعة، حيث كانت وصيّة عليه منذ ما بعد النكبة وحتى حرب حزيران 1967، وما يجري في القطاع وخلاله يؤثر بشكل مباشر على مصر.
ثانيًا: إن الرئيس المصري الجديد "خالي الدسم"، كما يقول المصريون، لأن معظم صلاحياته في يد المجلس العسكري، ما سيجعله ليس صاحب القرار فيما يتعلق بقضايا الأمن القومي والسياسة الخارجيّة، والموقف المصري فيما يتعلق بفلسطين والمصالحة الفلسطينيّة. سيكون مرسي عنصرًا مؤثرًا ولكنه ليس صاحب القرار، وسيتوقف مدى تأثيره على قدرته على تمثيل المصريين، وليس جماعة الإخوان المسلمين وإقامة تحالف بين مختلف قوى الثورة يجعله قادرًا على الصمود والنجاح.
ثالثًا: إن مصر بحكم التركة الثقيلة التي خلفها حسني مبارك على كل المستويات والأصعدة، وبحكم استمرار التنافس بين المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين وبقيّة قوى الثورة، وبحكم التردي الأمني والاقتصادي الذي عانت منه مصر منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن؛ ستكون منشغلة بنفسها أكثر من أي شيء آخر. صحيح أنها لا تستطيع أن تتجاهل القضيّة الفلسطينيّة والمصالحة وما يجري في غزة تمامًا، ولكنها لا تستطيع أن ترمي بكل ثقلها في هذا الاتجاه.
رابعًا: لا يمكن إهمال كيفية تصرف إسرائيل بعد التغييرات في مصر، سواء إزاء التسوية والمفاوضات، أو إزاء الحصار والعدوان على قطاع غزة، وتأثير السلوك الإسرائيلي على ما يجري في مصر، وعلى العلاقات المصرية – الإسرائيلية، وعلى ما يجري في قطاع غزة وضده، فيمكن أن تختار إسرائيل استمرار الحصار والعدوان لاختبار القيادة المصرية الجديدة، والاستفادة من انشغال مصر بأوضاعها الداخلية، وتوجيه ضربة قاصمة لسلطة "حماس"، حتى لا تكون قاعدة انطلاق لمصر ضد إسرائيل بعد أن تقف على أقدامها بعد تجاوز المرحلة الانتقالية.
تأسيسًا على ما تقدم، فإن المبالغة في تأثير التحولات التي تجري في مصر على فلسطين على المدى المباشر، مبالغة مخلة لا تقرأ الواقع بدقة، بحقائقه الماثلة واحتمالات تطوره.
أما على المديين المتوسط والبعيد، فسيكون هناك تأثير حاسم لما يجري في مصر سلبًا أو إيجابًا على فلسطين وغيرها، ولكنه سيبقى مرهونًا باستكمال الثورة لطريقها وتحقيق أهدافها الذي سيعود بالفائدة على القضية الفلسطينية التي عانت كثيرًا في المرحلة التي هُمِّش فيها دور مصر.
وإذا أجهضت الثورة، ستكون القضيّة الفلسطينيّة في وضع صعب. أما إذا كانت مصر في مرتبة ما بين انتصار الثورة وهزيمتها، فلن يكون هناك تأثير حاسم على ما حولها.
الشيء المؤكد حاليًا أن مصر بعد فوز مرسي لن تضغط مثلما كان نظام حسني مبارك يفعل لاستمرار ما يسمى "عمليّة السلام"، واستئناف المفاوضات الثنائيّة، ولن توفر الغطاء المصري والعربي لهذه العمليّة، وهذا بحد ذاته أمر هام جدًا. يمكن أن لا تعارض أو تؤيد، ولكنها لن تضغط لاستئناف المفاوضات وفق الشروط الأميركية والإسرائيليّة، ما يجعل القرار بهذا الشأن قرارًا فلسطينيًّا أكثر من أي فترة سابقة، فماذا ستختار القيادة الفلسطينية، استمرار الانتظار لنجاح الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات، أم تجرؤ على اختيار إستراتيجي جديد؟.
كما أن مصر بمختلف مراكز القوة الرئيسيّة فيها، خصوصًا المجلس العسكري والرئيس والإخوان المسلمين ستقدم النصيحة لـ"حماس" لمواصلة اعتدالها والدخول في الشرعيّة الفلسطينيّة وإتمام المصالحة حتى لا تشكل "حماس"، وما يمكن أن يجري في غزة، عبئًا سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا على مصر، في مرحلة ستسعى فيها مثلما قال الرئيس مرسي للحفاظ على المعاهدات والاتفاقيات، أي على الاستقرار الإقليمي، حتى تستطيع الحصول على الدعم السياسي والاقتصادي، خصوصًا الولايات المتحدة الأميركية، الذي يمكنها من تجاوز الوضع الخطير الذي تمر به. والأعمى فقط من لا يرى المراهنة الأميركية على صعود الإسلام السياسي في المنطقة، الذي وصل إلى حد دعوة الإدارة الأميركية للمجلس العسكري بنقل السلطة إلى الرئيس الفائز.
إن مصير المصالحة يتوقف أولًا على إدراك القيادة الفلسطينية أن المرحلة الآنيّة ليست مرحلة استئناف المفاوضات والتوصل إلى حل، وإنما مرحلة ترتيب البيت الفلسطيني والعمل من أجل تغيير موازين القوى حتى تفرض على إسرائيل تحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وثانيًا على "حماس" وما يجري فيها، خصوصًا في قطاع غزة، فإذا انتصر أصحاب وجهة النظر في "حماس" بأن مصر الآن لم تعد معادية لها، وهذا صحيح، ما يستدعي تشديد موقفها وتحسين موقفها التفاوضي في المصالحة أو على الأقل عدم التراجع عما طرحته في السابق، وهذا يعني أن المصالحة ستتراجع.
أما إذا انتصر أصحاب وجهة النظر بأن التغييرات في مصر ستجعل "حماس" مطمئنة إلى صداقة جارها العربي، وهذا سيجعلها مستعدة لإبداء المزيد من المرونة دون أن تخسر كثيرًا، وخصوصًا أنها بحاجة إلى رفع الحصار وتخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، الذي عانى في ظل سيطرة "حماس" من الحصار ومن التجويع ومن تقديم نموذج سلبي في الحكم، أدى إلى تراجع شعبيتها. 
يمكن أن تتطلع "حماس" إلى الفرصة التي يوفرها لها انتخاب مرسي لإنجاح تجربة الحكم في غزة، لتذهب بعدها إلى انتخابات، لأنها تخشى من الخسارة إذا ذهبت إلى الانتخابات وهي تعاني من الحصار والتجويع وأعباء السلطة في غزة، ومن الملاحقة لعناصرها ومؤسساتها في الضفة، خصوصًا أنها لن تستطيع أن تحكم أو تشارك في الحكم في الضفة إلا إذا وافقت على شروط اللجنة الرباعيّة، التي يعني الموافقة عليها، خصوصًا الاعتراف بإسرائيل، انتحار سياسي لـ"حماس"، ما يدفع "حماس" إلى عدم الإسراع نحو المصالحة أو جعلها مجرد إدارة للانقسام وليس إنهاؤه.
إن مصر في عهد مرسي لا تستطيع أن توافق على إقامة دولة فلسطينيّة في غزة تلتحق أو لا تلتحق بها المعازل مقطعة الأوصال في الضفة الغربية، ولا على رمي غزة في حضن مصر تجسيدًا للحلول الإسرائيلية، لأن إقامة دولة فلسطينيّة في الضفة الغربيّة وغزة مصلحة مصريّة حتى تكون حاجزًا أمام التوسع والأطماع الإسرائيليّة التي تريد أن تجعل إسرائيل الدولة المركزيّة المهيمنة في المنطقة على حساب شعوبها وبلدانها بصورة عامة، وعلى حساب مصر بصورة خاصة، بوصف مصر الدولة المحوريّة والقائدة للمنطقة بحكم التاريخ والجغرافيا والسياسة التي لم تترجم خلال العقود الثلاثة الماضية.
Hanimasri267@hotmail.com
 
 
مشاركة: