الرئيسية » مقالات » خالد الحروب »   30 آذار 2024

| | |
غزة: مواجهة التهجير والإعمار الاستعماري بالإعمار الوطني والصمود
خالد الحروب

ابتداء ولتفادي وصف هذه المقاربة بالتنظير والبعد عن الواقع الراهن وأولويات الإغاثة الملحة جدًا في قطاع غزة، يتوجب التنويه إلى أن الأفكار الواردة هنا مطروحة برسم التفكير والإنضاج على المديين المتوسط والطويل، وليس السريع والعاجل. يفكر عدونا على كل الأندية، القصيرة، والمتوسطة والطويلة، ويضع سيناريوهات وخطط تلائم كل مرحلة. الإعداد والتفكير لمرحلة ما لا يعني عدم تقدير أهمية وحساسية مرحلة أخرى.

أشير إلى هذا التنويه الاستباقي لأن بعض من استمعوا لعرضي لهذه الأفكار في الندوات واللقاءات العامة تساءل فيما إن كان هذا وقتها في لحظة تستلزم توجيه كل التفكير والجهد نحو الوقف الفوري للمقتلة الإبادية في غزة والاحتياجات الإغاثية الفورية. لا يستطيع الكتاب والمثقفون التأثير في صناعة قرار الحرب أو وقفها، لكن بإمكانهم محاولة توليد أفكار جديدة قد تساهم في ترشيد سياسة هنا أو توجه هناك، خاصة فيما يتعلق بالمستقبل القريب.

تنطوي مآلات حقبة ما بعد الحرب، أي حرب، على خطورة بالغة تؤثر في ترسيم مستقبل الأطراف المتصارعة ومساراتها، وتعزز المكاسب أو الخسارات النسبية للأطراف على نحو لا يتناظر بالضرورة مع النتيجة العسكرية للحرب. يحاول الجميع تحقيق أهداف عديدة عبر سياسات وتحولات ما بعد الحرب، لم تتحقق عبر الحرب ذاتها. ومن الوارد خروج أحد أطرافها منتصرا عسكريًا، لكن من دون ترجمة النصر العسكري ذاك إلى مكتسبات سياسية على القدر نفسه. كما قد يخرج طرف خاسر أو شبه خاسر عسكري من الحرب، لكن مع نجاح في فرض معادلة سياسية تكون أكبر وأهم من المكسب العسكري. لذلك ومهما اختلفت التقييمات حول مدى إنجاز إسرائيل للأهداف العسكرية التي أرادت تحقيقها في حرب الإبادة ضد قطاع غزة والمقاومة، فإن قراءة ومحاولة استكانة ما تريد إسرائيل تحقيقه سياسيًا، بعد الحرب، هو المسألة ذات الأهمية القصوى راهنًا. إسرائيل تحاول تحقيق أقصى ما يمكن من أهداف سياسية بعد الحرب، بصرف النظر عن حجم نجاح أو فشل حربها العسكرية. وتحاول تحديدًا إخضاع مستقبل ومآلات قطاع غزة وفلسطين بأكملها بعد الحرب بما يعزز أو يعوض أهدافًا ربما عجزت عن تحقيقها بالكامل خلال الحرب.

أهداف إسرائيل الإستراتيجية من الحرب

هناك أهداف إستراتيجية كبرى عدة تحاول إسرائيل تحقيقها خلال الحرب، وستواصل محاولة تحقيقها في مرحلة ما بعد الحرب، وأهمها:

أولًا: تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين عن طريق تدمير كل سبل الحياة في القطاع، ودفع كثيرين للهجرة "طوعًا"، استغلالًا للحرب القائمة والضوء الأخضر الاستثنائي الذي حصلت عليه من الولايات المتحدة والغرب، وامتد إلى الآن طيلة نصف سنة.

ثانيًا: إنهاء المقاومة وفرض الاحتلال والسيطرة الأمنية والسياسية على مستقبل القطاع، والتحكم في كل شؤونه ولو عن بعد، ونسخ صيغة السيطرة وحرية التحكم الأمني الموجودة في الضفة الغربية. وهذا يعزز سيطرتها المطلقة على امتداد ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط.

ثالثًا: الإبقاء على فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وبقية فلسطين، مواصلة لما كان عليه الوضع الذي حرصت على بقائه إسرائيل طيلة العقدين الماضيين تقريبًا.

رابعًا: تدمير وإضعاف أي كيانية وطنية فلسطينية (في الضفة أو القطاع أو حتى الخارج) مهما كانت جنينية وهشة، حتى لا تكون بداية لدولة فلسطينية مستقبلية أو تسهل قيامها، بما في ذلك السلطة الفلسطينية في رام الله، وتحويل أية كيانات مجزأة إلى أدوات وظيفية أمنية.

خامسًا: تفتيت الكتلة السكانية الغزاوية، وهذا يأتي في سياق أعرض وأسبق لا تتوقف فيه محاولات تفتيت التجمعات الفلسطينية الأهم في فلسطين: في الضفة الغربية والقدس، وقطاع غزة، والداخل الفلسطيني، إضافة إلى الخارج. وفي السياق ذاته تندرج مساعي تشكيل هيئات محلية من شخصيات مشبوهة لها ارتباطات مع إسرائيل، قريبة من تجربة روابط القرى التي حاولت إسرائيل إنشاءها في أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

تريد إسرائيل تحقيق هذه الأهداف من دون التورط في إدارة القطاع مباشرة أو احتلاله عسكريًا لفترات طويلة، أو على الأقل من دون تكريس موارد بشرية ومالية كبيرة، وستحاول غالبًا تحقيق أهدافها عبر آليات وأطراف ودول وهيئات تنسجم معها في الخط السياسي العام أو بمقدور إسرائيل تحريكها كما تشاء.

بإيجاز، تريد إسرائيل تعميق احتلالها لقطاع غزة واستعمارها فلسطين بأكملها انتهازًا لفرصة قد لا تلوح في المستقبل على الإطلاق؛ حيث تتمتع بضوء أخضر دولي، أميركي وغربي، فريد، وفر لها غطاء دبلوماسيًا مرعبًا للقيام بما تريده من إبادة غير مسبوقة وما يتبعها.

بناء على ذلك، يجب أن تنطلق أي مقاربة فلسطينية وطنية ونضالية راهنة من نقطة مواجهة هذه الأهداف الإسرائيلية الكبرى والسعي إلى إحباطها وتحقيق عكسها، وتحديدًا: (1) مقاومة التهجير بكل الوسائل وعبر تبني رؤية الإعمار الوطني؛ (2) رفض ومقاومة أي سيطرة أمنية أو سياسية على القطاع، والحفاظ على بنية مقاومة بمختلف الأشكال؛ (3) الإصرار على إنهاء الانقسام الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة وإعادة التواصل الفلسطيني ديموغرافيًا وجغرافيًا؛ (4) المحافظة على تمثلات الكيانية الفلسطينية السياسية وتعميقها مهما كان الخلاف حولها منظمة التحرير الفلسطينية، والتنظيمات الفلسطينية، وخاصة المقاومة منها (حماس والجهاد الإسلامي)، والسلطة الفلسطينية بغض النظر عن قيادتها الحالية المتهالكة، والأهم اندراج القوى الفلسطينية في بنية سياسية كيانية وقيادية موحدة؛ (5) حماية وتمتين النسيج المجتمعي الوطني في كل تجمعاته، عبر محاربة كل المحاولات الهادفة إلى تخليق هيئات مشبوهة وظيفية تخدم الاحتلال وسيطرته الاستعمارية.

تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين

ينحصر اهتمام هذه الورقة بالهدف الإسرائيلي المتعلق بتهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة. وتحاول المقاربة هنا تقديم عناصر لرؤية نظرية عامة تنطلق منها جهود مواجهة مخططات التهجير وتتمحور حول إعادة إعمار غزة، وتحاول تقديم بعض الأفكار العملية (غير الحصرية وغير المكتملة بالضرورة) بغية تحفيز التفكير، وتنزيل الرؤية النظرية على الأرض.

تشتغل الرؤية النظرية وفلسفة ما تسميه الورقة "الإعمار الوطني" على المديين المتوسط والبعيد، وهي تستكمل الجهود الملحة والفورية المطلوبة لمواجهة الحالة المأساوية الراهنة في قطاع غزة، وتحاول مساعدة الفلسطينيين على الصمود في المديين السريع والمباشر. ليس هناك أي تعارض بين الجهود المطلوبة فورًا وعلى المدى السريع والأفكار والرؤى التي تقدمها هذه الورقة على المديين المتوسط والطويل.

تقوم الرؤية التي تقدمها الورقة على نقاش قضيتين متكاملتين هما: التهجير والإعمار، وسوف تشتغل عليهما إسرائيل من منظور علاقة التكامل العضوي والآلي القائم بينهما، وهي علاقة رياضية عكسية:

إبطاء أو إفشال الإعمار الوطني ...     يقود إلى تسريع التهجير

تسريع الإعمار الوطني ...   يقود إلى تباطؤ وإفشال التهجير

يتطلب تحقيق هدف إسرائيل في التهجير على المديين الفوري والمتوسط منها إعاقة وإبطاء إعمار قطاع غزة، ومضاعفة حالته المأساوية وتحويله إلى منطقة طاردة غير صالحة للحياة. أما تسريع الإعمار فيعني إمكانية إعاقة وإبطاء التهجير أو تخفيض وتائره، وإعادة قطاع غزة إلى منطقة صالحة للحياة وبيئة جاذبة.

أولًا: التهجير: ماذا بإمكان إسرائيل (وأميركا) أن تفعل؟

تواصلت تصريحات القادة الإسرائيليين وبعض الساسة الأميركيين ومنذ الأسبوع الأول من الحرب التي كررت ضرورة استثمارها لتهجير أكبر عدد ممكن من سكان القطاع، فضلًا عن توصيات مراكز البحث المعنية بالأمن القومي الإسرائيلي. من دون وعي هدف التهجير لا يمكن فهم الكثير، إن لم يكن كل، جوانب حرب الإبادة الإسرائيلية التي يقع التطهير العرقي والتدمير الكلي لقطاع غزة في قلبها. لكن الخطر لا يتوقف على مرحلة الحرب ذاتها على الرغم مما تحمله من وحشية في استهدافها للمدنيين بغية اقتلاعهم من القطاع، بل يمتد لما بعد الحرب. لن تتوقف سياسة إسرائيل في تفعيل التهجير إذا توقفت الحرب، بل ربما ستتضاعف. وعلينا فقط تخيل اليوم التالي لوقف الحرب من زاوية التهجير الطوعي (القسري)، والتنبؤ بما يمكن أن يحدث تلقائيًا، وما يمكن أن تدفع إسرائيل حدوثه.

وهنا، لنا أن نتوقع تكثيف وتكثف وتائر الهجرة الطوعية (الفردية) على مدى السنوات القليلة القادمة التي سوف تمر قبل أن يحس سكان قطاع غزة بأي ثمرة من ثمار إعادة الإعمار. السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة ربما تكون أخطر سنوات تواجه فلسطين فيما خص مسألة التهجير والتطهير العرقي منذ النكبة العام 1948. وللبناء على ما حققته إسرائيل من تدمير لقطاع غزة، من الممكن جدًا أن تقوم، وبدعم أميركي، بفتح المعابر بين قطاع غزة والعالم الخارجي مباشرة بعد انتهاء الحرب لتسهيل هجرة الفلسطينيين، ومن ذلك مثلًا:

  • فتح معبر رفح عبر الضغط على مصر، وتسهيل خروج الفلسطينيين الفردي من دون رشوات ورسوم عالية (خمسة آلاف دولار على الفرد)، وإعادة تشغيله كما كان على الأقل قبل 7 أكتوبر. علينا أن نتخيل معدلات الهجرة الفردية في حال تم ذلك. فإذا شهد الوقت الحالي طوابير بالآلاف لمن يريدون مغادرة القطاع عن طريق شركات الابتزاز الرسمي المصرية، فعلينا أن نتوقع حجم المغادرة في حال أزيحت تلك الرسوم عن كاهل من يريد السفر والمغادرة.
  • فتح خط مباشر بين معبر بيت حانون (إيرز) في شمال القطاع ومطار بن غوريون لفلسطينيي القطاع ممن تحصلوا على تأشيرات سفر أو هجرة لبلدان أخرى، اتفقت معها إسرائيل على استقبال فلسطينيين من غزة، أو للالتحاق بعائلاتهم في الخارج. وليس من المستبعد أن تقوم إسرائيل بخطوة كهذه في حال تعثرت أو تباطأت وتائر الهجرة عن طريق معبر رفح. كما ليس صعبًا عليها إقامة آلية تنظم مثل هذا النوع من مغادرة القطاع.
  • فتح مطار رامون في النقب وتسهيل استخدامه من قبل الفلسطينيين في القطاع، بأدنى رسوم ممكنة، مع تسهيلات كبيرة للسفر.
  • إقامة ممر مائي بين غزة وقبرص وفتح ميناء ترانزيت حر، يشكل نقطة توزيع للفلسطينيين على العالم (كتبت هذه الأفكار، وألقيت في محاضرة قبل بناء "ميناء المساعدات" على شاطئ غزة بحسب اقتراح واشنطن، وهذا الميناء كما صرح إسرائيليون وأميركيون سيعمل على "مساعدة" الفلسطينيين على الهجرة).

ما الذي يمكن عمله فلسطينيًا لمواجهة مخططات التهجير هذه وغيرها؟

الاقتراح الأساسي هنا هو تأسيس مسار إسناد شعبي سريع وموازٍfast-track  يقوم على مبدأ الدعم القطاعي، ويهدف إلى المحافظة على القوى المهنية وذات الخبرة في القطاع، التي تشكل المفاصل المهمة لاستمرار المجتمع واعتماده على نفسه. وهجرة هذه القوى والخبرات المهنية هي الأخطر؛ لأنها تفرغ القطاع من الحوامل الأساسية لبقاء المجتمع، وديمومته، وفاعليته الذاتية والمستقلة.

يعمل هذا المسار على توفير الدخل الشهري لهذه القطاعات من الآن من دون انتظار أية مساعدات دولية، ويعتمد على توأمة القطاعات الغزية عن طريق الدعم الشعبي العربي والإسلامي والعالمي. والقطاعات التي من الضروري الشروع فورًا في دعم بقائها في القطاع هي: الأطباء والممرضون، والمهندسون، والمهندسون الزراعيون، والمعلمون، وأساتذة الجامعات، والمحامون، والإعلاميون، والصناعيون، والفنانون .... ويمكن إضافة قطاعات أخرى.

آلية الدعم والتوأمة القطاعية

تقوم آلية الدعم القطاعي على مبدأ توزيع العبء بحسب القطاعات، وتكون كالآتي مع أخذ قطاعي الأطباء وأساتذة الجامعات كمثالين:

المثال الأول: الأطباء. إذا فرضنا أن هناك أربعة آلاف طبيب في قطاع غزة يراد دعمهم للبقاء في غزة يتم التواصل مع نقابات الأطباء وقطاعات الصحة والوزارات في الدول المساندة لفلسطين، والمنظمات الطبية العالمية وغيرها؛ حيث يتم توزيع عبء الرواتب لهؤلاء على الجهات المساندة. مثلًا تتم توأمة مئات من الأطباء من غزة مع القطاع الصحي في الأردن (أو أي بلد آخر)، وتتبناهم المستشفيات في الأردن، وتوفر رواتبهم شهريًا. كما تتم توأمة مئات أخرى من الأطباء مع القطاع الصحي والداعمين في ماليزيا مثلًا، أو أي بلد آخر، وتوفير رواتبهم من هناك. في أوروبا وحدها هناك عشرات الآلاف من الأطباء العرب والمسلمين والأوروبيين الذين بالإمكان استثمار وتقنين رغبتهم في الدعم والإسناد وتبني جزء من أطباء قطاع غزة. وربما تتولى نقابة الأطباء الفلسطينيين أو أية جهة فلسطينية (الهلال الأحمر مثلًا) متابعة هذا الملف عالميًا، وتبدأ من الآن. إذا ضمنا الدخل الشهري للأطباء في قطاع غزة فإننا نقلل من احتمالات تفريغ القطاع من هذه الشريحة بالغة الأهمية؛ إذ يضمن كل طبيب وضعه المعيشي وخبز عائلته. في الوقت ذاته يكون مطلوبًا من هؤلاء الأطباء العمل الطوعي في مناطقهم وبالشكل الذي يرونه مناسبًا، وهذا يستعيد الروح التطوعية والمجتمعية والتضامن الداخلي.

المثال الثاني: قطاع أساتذة الجامعات، الذين يقدر بعض المصادر عددهم في قطاع غزة بنحو ألفين. وهنا، ومن خلال آلية الدعم القطاعي، يمكن توزيع رواتب هؤلاء على الجامعات المساندة للفلسطينيين؛ حيث تتبنى كل جامعة رواتب عدد من هؤلاء بشكل دائم، وبما يسهل عليهم قرار البقاء في قطاع غزة. فالحفاظ على هذه الشريحة المهمة في القطاع يتسم أيضًا بأهمية قصوى. وفي حال تأمين الدخل الشهري من الآن لهؤلاء الأساتذة يمكن الانتقال إلى أية برامج وأفكار حول كيفية مواصلتهم عملهم وإبداع آليات وطرق تتحدى الصعوبات البالغة، مثل آليات التعليم الشعبي أو التعليم عن بعد بالتعاون مع الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية أو الخارج، وسوى ذلك من أفكار.

بموازاة الدعم القطاعي، تتفرع أفكار دعم أخرى، منها مثلًا مواجهة وتعديل أحد أوجه التهجير الخطيرة المتمثلة في مسألة الخلاص الفردي وأشكالها. ومن ذلك ما يتم اليوم من حملات فردية على وسائل الإعلام الاجتماعي تحت نداءات: "ادعمني لمغادرة غزة"! Fund me to evacuate، وضرورة تحويلها مثلًا إلى حملات "ادعمني كي أبقى في غزة" Fund me to stay.

ثانيًا: الإعمار : ماذا بإمكان إسرائيل (وأميركا) أن تفعل؟

  • من منطلق إستراتيجي، ستحاول إسرائيل فرض التحكم المباشر أو غير المباشر في مسألة إعمار قطاع غزة بشكل يضمن خدمة أهداف إسرائيل الخمسة المذكورة أعلاه، وهو إعمار يمكن وصفه بـ "الإعمار الاستعماري"، الذي يهدف إلى ضمان السيطرة الاحتلالية الإسرائيلية. يقوم الإعمار الاستعماري على ربط كل شيء بإسرائيل وفي كل القطاعات: الاقتصاد، والعمال، والصحة، والزراعة، والتصدير، والصناعة، والتعليم، والتخطيط العمراني. وهذا يتضمن صوغ رؤى وبرامج تفصيلية تطال كل مجالات الحياة في القطاع والإعمار المنوي إنجازه فيها، وضمان أن يتم هذا الإعمار وفق الرؤية الصهيونية: التخطيط العمراني، والإعمار الزراعي، والإعمار الصناعي، والإعمار التعليمي، والإعمار الاقتصادي، والإعمار الفني ... إلخ.
  • التحكم في ميزانيات الإعمار ومجالات الإنفاق، واشتراط أن تمر الأموال عبر إسرائيل أو تحت رقابتها.
  • التحكم في آليات وجهات التنفيذ، عن طريق دول وشركات أميركية وغربية تشتغل وفق الرؤية الإسرائيلية والأميركية.
  • تخليق هيئات وجهات محلية بوصفها قيادات تعمل بالوكالة لخدمة إسرائيل من خلال الإعمار وتوفير ميزانيات لها، أو توكيلها بتنفيذ مشاريع. وتقدم تجربة روابط القرى المشار إليها أعلاه مثالًا من المهم استدعاؤه وإعادة قراءته. آنذاك، وبهدف تعزيز الدور القيادي لتلك الروابط المرتبطة بخدمة الأهداف الصهيونية، اشترطت إسرائيل أن تمر أية مشروعات أو ميزانيات للقرى الفلسطينية عبر تلك الروابط، فمثلًا أبلغ الحاكم العسكري لمنطقة رام الله رؤساء البلديات والمجالس القروية، بعدم قبول أو تنفيذ أي مشروع يقدم إلى الحاكم العسكري، إلا عبر قناة رابطة قرى تنشأ في منطقة رام الله، وأن أية مساعدات وقروض خارجية لن تدخل المناطق إلا عبر الرابطة فقط"[1].
  • تبني إستراتيجية الإعمار بالقطارة، وهذا يعني إبطاء الإعمار إلى أقصى حد، وعرقلته لتسريع معدلات التهجير ، أو تسريعه في قطاعات ومجالات محددة خدمة لأهداف إسرائيلية.

ما الذي يمكن عمله فلسطينيًا لبناء إعمار وطني؟

تأسيس مسار إعمار أهلي غير رسمي موازٍ، قائم على منظور وفلسفة إعمار وطني وفلسطيني يخدم المصلحة الفلسطينية والصمود ولا يخدم أهداف إسرائيل الاستعمارية، ويمكن أن نعرف "الإعمار الوطني" بكونه الإعمار القائم على رؤية وطنية راهنة ومستقبلية يواجه الأهداف الإسرائيلية الخمسة، ويعزز الانفكاك من السيطرة الإسرائيلية الاحتلالية، ويندرج في مسار بناء فلسطين الحاضر والمستقبل في كل قطاع من القطاعات.

هذا المسار السريع مهمته المركزية ليست تنفيذية ولا جمع أموال، بل رقابية ورؤيوية في المقام الأول، تعمل على تحفيز وبلورة وتعميق رؤى وطنية في مسألة الإعمار، وإنتاج أفكار واقتراح آليات وبرامج تكون الأساس في تنفيذ الإعمار، وتنظيم ورش عمل ومؤتمرات ومسابقات تخطيط عمراني وغيرها، بشكل يسبق المسار الرسمي، وبما يخلق خطابًا وطنيًا وتصورات حول كيفية الإعمار المطلوب، وتصبح هذه التصورات هي المهيمنة في الحقول المختلفة، ولا يمكن تجاوزها. ويتفرع عن ذلك مهمات رقابية تتابع كل ما له علاقة ببرامج الإعمار التي سوف تتولاها حكومات وجهات دولية، وتكشف الجوانب التي يراد من خلالها تسريب أهداف وبرامج الإعمار الاستعماري في كل المجالات.

وفيما يلي بعض الأمثلة والمجالات التي يمكن أن يشتغل عليها هذا المسار بغية تحفيز الأفكار وتوسيع نطاقها:

  • عمال فلسطينيون من الضفة الغربية، فربما تنشأ الحاجة إلى عمالة إضافية إلى جانب العمالة الموجودة في قطاع غزة خلال عمليات الإعمار الموسعة، وهنا يشتغل الإعمار الوطني على حملة دولية للضغط في اتجاه استجلاب عمال من الضفة الغربية بدل ذهابهم إلى سوق العمل الإسرائيلي. وربما تتولد مناخات سياسية بعد الحرب تساهم في إنجاح هذا المسار.
  • صوغ رؤى لتخطيط عمراني وطني يعمل على ضمان بناء ما دمر في قطاع غزة على نحو يراعي اعتبارات عديدة، مثلًا المحافظة على ذاكرة المكان التي تجذب الناس إليها، وأن يعاد بناء الأحياء والمناطق قريبًا مما كانت عليه تفاديًا لمحو ذاكرة المكان أو تخليق اغتراب عنه. والحرص على تخطيط عمراني (وشوارعي) لا يندرج وفق أية رؤى إسرائيلية يكون هدفها تسهيل السيطرة المستقبلية على المدن والمخيمات (شوارع مستقيمة، أو متعرجة، أسواق مسقوفة أو مفتوحة، وسوى ذلك). ويحتاج هذا النوع من التخطيط العمراني الوطني جهودًا فكرية ومسابقات معمارية منطلقة من الخبرة المحلية، تتناول كل الجوانب، بما فيها إمكانات تحويل بعض الردم إلى معالم باقية تؤرخ لجريمة الإبادة، أو بناء تلال ونماذج للقرى التي أبيدت في فلسطين التاريخية وطرد منها أهلها، وسوى ذلك من أفكار.
  • صوغ رؤى إعادة إعمار قطاعية تغطي كل قطاع من القطاعات، ويناط بكل جهة قطاعية فلسطينية في الداخل والخارج تحفيز التفكير بغية الوصول إلى الكيفية الأمثل لإعادة بناء كل قطاع من القطاعات وفق رؤية انفكاكية عن إسرائيل.

الآلية المركزية والإشراف

من الممكن التفكير في إنشاء هيئة تطوعية عالمية من منظمات غير حكومية بقيادة وتوجيه فلسطيني، مثلًا: "الهيئة الفلسطينية العالمية لإسناد إعمار غزة"، تتمتع باستقلالية ورؤية وطنية، وتموضع نفسها في قلب عملية الإعمار ومراقبتها، وتكون على علاقة استشارية جيدة مع كل الأطراف الفلسطينية السياسية والتنموية والدولية، التي لها علاقة بإعادة الإعمار. وتعمل هذه الهيئة على إشراك الجهات والمنظمات الدولية الداعمة لفلسطين للمساعدة في عملية الرقابة على الإعمار. وقد تتكون هذه الهيئة من مجلس استشاري موسع من خبرات فلسطينية ودولية، تنبثق منه لجان خبراء متخصصة بحسب القطاعات، وتقوم على أساس تطوعي كامل لا يتقاضى المشتغلون فيها أية عوائد مالية.

المهمات الأساسية

يمكن التفكير بأن مثل هذه الهيئة تتصدى لمهمات عديدة من ضمنها:

  • خلق وعي وطني وشعبي بفكرة "الإعمار الوطني" الواجب تبنيه وفرضه ضد أشكال "الإعمار الاستعماري" الذي يجب الانتباه لكل تفاصيله. ويشكل هذا الوعي حالة رقابية عامة عبر الحملات الإعلامية الكاشفة.
  • استدراج مشاريع وأفكار وطنية للإعمار الوطني وتسويقها حتى تكون هي الأساس الذي تقوم عليه أية مشروعات للإعمار.
  • مراقبة المشاريع المطروحة واختبار أهدافها وجوهرها وملاءمتها للطموحات والأهداف الوطنية.
  • فتح مسار تبرعات ومشاريع غير حكومية وبعيدة عن المسار الدولي للإعمار، يباشر في تنفيذ الأولويات السريعة والملحة.
  • فتح مسارات مالية لإيصال التمويل السريع وغير الحكومي (عن طريق الأمم المتحدة، أو الصليب الأحمر، أو المنظمات غير الحكومية العالمية ذات الصدقية العالية، وأطباء بلا حدود، أو ربما بعض الحكومات الإسكندنافية).
  • عقد ورش عمل ومؤتمرات وطرح مسابقات حول إعمار القطاعات المختلفة لتحفيز الأفكار والمقترحات، قائمة على الخبرات المحلية والخبرات العالمية المساندة لفلسطين.

ختامًا

ما تورده هذه الورقة مجرد أفكار أولية غير مُكتملة بالتأكيد، هدفها لفت الانتباه المُبكر وتحفيز التفكير في هذا الاتجاه، وبهدف إحباط أهداف العدو ما أمكن، ومقابلة تلك الأهداف بأخرى فلسطينية وطنية:

ما يريدون تحقيقه                                                      ما نريد تحقيقه

غزة الطاردة                                                    غزة الجاذبة

تهجير فوري أو صامت                                      البقاء وعدم الهجرة

الإعمار الاستعماري                                          الإعمار الوطني

خلق كيانات جزئية (محلية، عشائرية)                  كيانية وطنية موحدة

التقطيع السياسي مع الضفة الغربية         التواصل السياسي والجغرافي

ادعمني كي أغادر غزة                                       ادعمني كي أبقى في غزة

الهوامش

[1] عمر صالح بشير، "إسرائيل وروابط القرى: من نشأتها إلى حلها"، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأميركية، بيروت، 2014.

مشاركة: