الرئيسية » ندوات »  

| | |
بابيه: لا تسوية مع المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني وحل الدولتين مات وينتظر دفنه

خلال ندوة نظمها "مسارات" في البيرة وغزة حول التطهير العرقي

بابيه: لا تسوية مع المشروع الصهيوني الاستعماري

الاستيطاني وحل الدولتين مات وينتظر دفنه

 

البيرة، غزة – خاص: أكد البروفيسور إيلان بابيه، صاحب كتاب "التطهير العرقي في فلسطين"، استحالة وجود تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين في ظل وجود المشروع الصهيوني الاستيطاني الإجلائي العنصري، وأشار إلى أن "حل الدولتين" مات وانتهى من زمن بفعل السياسات والإجراءات الإسرائيلية الاستيطانية العنصرية التي لم تبق أي أمل في الوصول إلى إقامة الدولة الفلسطينية. وبين أنّ قبول الفلسطينيين بحل الدولتين يعني أنهم حققوا حلم الصهيونية، وأن دولة الاحتلال وقعت تحت الضغط الدولي، في ظل وجود تفكير لدى الدول بمقاطعتها الآن باعتبارها دولة عنصرية لما تمارسه من جرائم بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وقطاع غزة.

ودعا بابيه إلى بلورة إستراتيجية فلسطينية لمواجهة المشروع الصهيوني قبل ضياع المشروع الفلسطيني، والعمل على إيجاد خطاب فلسطيني موحد يساهم في تغيير الرأي العام على أمل تغيّر الواقع بما يصب في مصلحة القضية الفلسطينية، إضافة إلى بناء نسيج ديمقراطي لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني وخلق قيادات فلسطينية جديدة لخوض المعركة.

جاء ذلك خلال ندوة نظمها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات) في مقر جمعية الهلال الأحمر بالبيرة، وفي فندق "آدم" بغزة عبر نظام "الفيديو كونفرس"، بحضور نحو 300 شخصية من السياسيين والأكاديميين والباحثين والنشطاء والشباب ومؤسسات المجتمع المدني. وأدار الندوة في البيرة خليل شاهين، مدير البحوث والسياسات في مركز مسارات، وفي غزة صلاح عبد العاطي مدير مكتب المركز في القطاع.

وألقى هاني المصري، مدير عام مركز مسارات، كلمة افتتاحية، قدم فيها البروفيسور بابيه، وبين أنه من المعادين للصهيونية، ومن المؤرخين الذين يعملون على إعادة كتابة التاريخ حسب منظور جديد، خصوصًا في كتابه الشهير "التطهير العرقي في فلسطين".

وأشار المصري إلى أن هذه الندوة تؤكد احترام الفلسطينيين لأصحاب وجهات النظر الموضوعية، وتندرج في سياق اهتمام مركز مسارات بدراسة طبيعة المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني، إلى جانب المراجعة النقدية للتجربة الفلسطينية بهدف استخلاص الدروس واقتراح سياسات وخيارات إستراتيجية قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية.  

وتساءل: لماذا نجحت الحركة الصهيونية في تحقيق مشروعها بالرغم من استنادها إلى رؤية مزورة وادعاءات باطلة، بينما لم ينجح المشروع الفلسطيني حتى الآن بالرغم من أنه يعبّر عن قضية عادلة ومتفوقة أخلاقية، وفي ظل التضحيات الغالية التي قدمها الشعب الفلسطيني طوال مائة عام من النضال والكفاح؟

وتحدث بابيه عن المشروع الصهيوني في فلسطين، وشبّه هذا المشروع بتقشير البصلة، كلما زالت طبقة وجدنا طبقة أخرى تحتها، وبيّن أن الصهيونية عندما بدأت في وسط وشرق أوروبا، إنما بدأت للتعبير عن مجموعة لم تكن تشعر بالأمان، بدأت تخطط لإنقاذ نفسها من أوضاع مأساوية تعيشها. وقال: بدأ الطرح الصهيوني كالتالي: بما أننا ننتمي لمجموعة "وطنية"، فنحن نحتاج إلى وطن، ففكروا في جنوب تشيلي بداية الأمر، لكنهم بدأوا في البحث عن وطن آخر لبعد المسافة، ففكروا في فلسطين، وتحول ذلك إلى التفكير في استعمار فلسطين تحت شعار كانوا يعرفون سلفًا أنه شعار كاذب: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

وأوضح أن واحدًا من أسباب تقدم المشروع الصهيوني هو تأييد العديد من الكنائس في الغرب لهذا المشروع تحت أوهام قيامة المسيح، إضافة للمشروع السياسي الذي بدأ في أوروبا في بدايات القرن العشرين، حيث حلت الإمبراطوريتان الفرنسية والبريطانية محل الإمبراطورية العثمانية، وتوجت باتفاق "سايكس بيكو".

وأضاف بابيه: إن اعتماد الصهيونية على مشروع كوني على المستوى الاقتصادي والسياسي والإستراتيجي والديني والأخلاقي، كان نقطة قوة ونقطة ضعف المشروع الصهيوني في الوقت ذاته. ومن ثم انتقل إلى مرحلة جديدة، فبدأوا بالحديث عن شكل الدولة وكيف ستبدو، واختاروا أن تبدو شبيهة بأوروبا تحت الغطاء الدولي.

وأوضح أنه لم يتم النظر إلى الفلسطينيين في فلسطين حتى كأقلية عرقية، بل مجرد جماعة موجودة على الأرض المقدسة.

وشرح بابيه، كيف أنه في اليوم الذي قررت فيه بريطانيا مغادرة فلسطين، اجتمعت القيادة الصهيونية ووضعت خطة للاستيلاء على المكان بمجرد مغادرة البريطانيين، واقتضت الخطة بأن يتم تطهير الأرض من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وفي بدايات 1948 كان تنفيذ الخطة قد بدأ فعلا.

وأكد أن ما حدث العام 1948 وصف من قبل بعض الإسرائيليين أنفسهم بأنه غير أخلاقي وغير قانوني وغير إنساني، وفي تشرين الأول من العام نفسه أشار تقرير للأمم المتحدة إن فلسطين دمرت من قبل الصهاينة، لكن هذا التقرير منع من النشر بضغط صهيوني، كما صمتت البعثات الغربية التي كانت ترى ما يحدث في فلسطين، بل ولم تنشر أنباء ما كان يرتكب من عمليات تطهير عرقي في وسائل الإعلام.

وقال إن التطهير استمر من 1948 حتى 1967، وقتل خلال هذه الفترة العديد من الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى قراهم، وتم تطبيق القوانين العسكرية بصرامة ضد العرب، واستمرت إسرائيل في نفس الوقت بالإعلان عن نفسها كدولة ديمقراطية.

وبين بابيه كيف قامت إسرائيل بالاحتفاظ بالمناطق التي احتلتها عبر إرسال المستوطنين إلى الضفة وقطاع غزة وبناء المستوطنات فيها، رغم أنها اتخذت ثلاثة قرارات في العام 1967، أولها عدم التعامل مع الضفة والقطاع مثل التعامل مع الأراضي التي سيطرت عليها العام 1948، وثانيها عدم ضم الضفة والقطاع لتجنب المشكلة الديمغرافية، وثالثها أن إسرائيل لن تتخلى عن الضفة أبدا، لكن عليها أن تجد وسيلة للتغطية على ذلك، فأخذت تبيع أكذوبة عملية السلام للعالم، وعملية السلام من وجهة النظر الصهيونية، سواء وجهة نظر اليسار أو اليمين، وكل ذلك مجرد تكتيك للاحتفاظ بالأرض مع الحفاظ على التوازن الديمغرافي، وقد ظلت إسرائيل إلى اليوم مخلصة للقرارات الثلاثة.

وأوضح كيف توصل الإسرائيليون إلى نتيجة مفادها أنه من المستحيل إقامة دولة يهودية وديمقراطية في نفس الوقت، وكان عليهم الاختيار بينهما، فاختاروا الدولة اليهودية، وبالتالي أصبح جميع من لا يؤيد هذه الدولة، سواء في داخل إسرائيل أو خارجها عدوًا، وبالتالي لم يعد مهمًا دفع عملية السلام إلى الأمام.

وشرح بابيه إستراتيجية إسرائيل، وتحولات الشارع الإسرائيلي التي طرحت في مؤتمر "هرتسيليا" خلال السنوات الثلاث الماضية، وقال إنه لا يتوقع أن تفوز أي حكومة غير يمينية في الأعوام الخمسة عشر القادمة، وينبغي أن يتوقف أي رهان على أي تغيير في غير هذا الاتجاه، وقال: إذا نجحت في أن أتحدث الصينية، فسيحدث ذلك قبل أن تفوز حكومة غير يمينية في إسرائيل. إنه مجتمع كولونيالي استيطاني كان وما يزال، فمثلًا لو توقف تمثيل العرب في الكنيست لتوقف بث الوجه الجميل لإسرائيل، إسرائيل معنية بقشور من هذا النوع.

ونوه إلى أن العالم الآن تغير والجمهور بأوروبا وأمريكا بالكامل مع الفلسطينيين رغم بقاء المستوى الرسمي موال للسياسة الإسرائيلية، وهذا يحتاج إلى الصبر حتى يحدث هذا التغيير حتى بالمستوى الرسمي، فجنوب أفريقيا انتظرت عشرين عامًا حتى تماثل الموقف الرسمي مع الرأي العام. هذا التحول تم بفضل التضامن الواسع مع حقوق الفلسطينيين وبفضل سياسات اليمين الصهيوني التي ساقت المياه لطواحين التضامن مع فلسطين بغباء هذه السياسات وليس بفضل أداء السلطة الفلسطينية.

ودار نقاش طويل حول ما العمل، وما المطلوب فعله لمواجهة المشروع الصهيوني، إذ دعا العديد من المداخلين بإعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني من خلال إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، والعمل على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وتفعيل مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها، وعزلها على غرار ما حصل مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ووقف المفاوضات. ودعا آخرون إلى إيجاد خطاب فلسطيني يسعى لتغيير الرأي العام، خاصة في أوروبا والغرب، ليبين أن إسرائيل هي دولة استعمارية استيطانية عنصرية، لا بد من عزلها وتفكيك المشروع الصهيوني.

وطرح آخرون عدم استبعاد حل الدولة الواحدة كون تطبيقه سيعجّل في نهاية الصهيونية، لا سيما في ظل تلاشي حل الدولتين واستحالة تطبيقه في ظل المعطيات على أرض الواقع.

مشاركة: