الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   22 حزيران 2024

| | |
الهزات الارتدادية لزلزال غزة تتسع وتأخذ منحى تصاعديًا يؤسس لتصويب اعوجاج مسار التاريخ (4)
غانية ملحيس

كان يفترض المضي قدما في استكمال متابعة التحولات التكوينية التي أحدثها طوفان الأقصى وتداعيات حرب الإبادة الجماعية المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني للعقد الثامن على التوالي. والمستأنفة آخر حلقاتها وأكثرها وحشية منذ تسعة أشهر في حصد أرواح عشرات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة، وملاحقة أجسادهم في المقابر وتحت الأنقاض. وتعقب من يتبقى منهم على قيد الحياة يتنقلون بين ما يقال لهم إنها مناطق "آمنة". لتنهال عليهم القنابل الأميركية "الذكية" كما قنبلتي هيروشيما وناكازاكي. لاعتقاد القادة الأميركيين بجدواها في حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني. (كما ظهر جليا أثناء جلسة الكونغرس الأميركي في 8/4/2024 لاستجواب الجنرال لويد أوستن وزير الدفاع بشأن التهديد بتعليق شحنة القنابل الثقيلة المحظور استخدامها في المناطق المكتظة. ريثما تقدم إسرائيل خطة لتأمين المدنيين أثناء الهجوم على رفح. فقد خلص الاستجواب إلى أن الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني مشروعة بل وضرورية لوقف الحرب، وانتصار الكيان الصهيوني في حربه لإخضاع الشعب الفلسطيني كما جرى في اليابان خلال الحرب العالمية الثانية). 

وتزداد أهميتها مع تعاظم قلق الولايات المتحدة الأميركية على مصير هيمنتها الكونية منذ موقعة طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر/ 2023. وتعسر ولادة الشرق أوسط الجديد، التي كانت وشيكة بإذعان وتسليم النظام العربي الرسمي باستكمال ما ارتضاه الأسلاف قبل أكثر من قرن، عندما وافقوا على مقايضة استقلالهم القطري بعروبة فلسطين. وارتأى أحفادهم، أيضا، أن الحفاظ على نمو واستقرار أقطارهم رهن بتصفية القضية الفلسطينية واستكمال استبدال فلسطين بإسرائيل. 

ففاجأهم طوفان الأقصى بخلخلة أساسات المستعمرة الصهيونية، وقد ظنوها قدرا لا فكاك منه. وأربكهم تدفقه وتوسع الصدوع في عموم الإقليم الذي استغرق إعادة هندسته قرابة قرنين.

وكان يفترض أن تواصل الأجزاء الأخرى تتبع التحولات التكوينية الإسرائيلية والإقليمية والدولية. بعد أن تناول الجزأين الأول والثاني بإسهاب الأسباب والعوامل التي جعلت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر/2023 محطة تاريخية فاصلة بين زمنين، لن تعود فلسطين وإسرائيل والمنطقة العربية والإقليم والعالم بعدها كما كانوا عليه قبلها. 

وركز الجزء الثالث على أبرز التحولات في الساحتين الفلسطينية والعربية. 

غير أن الملاحظات النقدية على الجزء الثالث، لاقتصاره على التحولات الإيجابية في الساحتين الفلسطينية والعربية. وتجاوزه الاختلالات والمعوقات التي تحول دون تطور التحولات إلى فعل سياسي مؤثر يوقف حرب الإبادة الجماعية غير المسبوقة في همجيتها. ويوظف الفرص التي أضحت متاحة للمرة الأولى منذ النكبة الكبرى عام 1948 لتصويب انحراف مسار التاريخ الفلسطيني والعربي. والتي تسعى المقالات إلى تتبعها وتبينها. أوجب عدم تأجيل تناولها لحين استكمال رصد التحولات المتسارعة إسرائيليا وإقليميا ودوليا. إذ تؤكد شواهد التاريخ الإنساني المدون، أن توفر الفرص لا يحتم تحققها. وأن خطر تبديدها يبقى مرجحا، إن لم يواكبها فعل سياسي فلسطيني مسؤول يرقى إلى مستوى تضحيات الشعب الفلسطيني ومقاومته الميدانية الباسلة. وإن بقيت الطبقة السياسية الفلسطينية على غفلتها، وواصلت الانتظار وترقب نتائج الحرب، وتقاعست عن الفعل المسؤول لتوظيف الفرص المتاحة للتقدم بثبات نحو بلوغ الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني في الحياة والحرية والعودة وتقرير المصير. حيث فلسطين كانت منذ فجر التاريخ أم البدايات وأم النهايات في النهوض وفي السقوط على السواء.

وعليه، سيتناول الجزئين الرابع والخامس تباعا أبرز المعوقات الذاتيه الفلسطينية والعربية التي ينطوي استمرارها على خطورة بالغة على الحاضر والمستقبل الفلسطيني خصوصا، والعربي عموما.

وسيركز الجزء الرابع على قصور وتقصير النظام السياسي الفلسطيني وعموم الطبقة السياسية الفلسطينية الراهنة، والمشابه حد التطابق - في هشاشتهما وتشرذمهما وسوء أدائهما وفقدانهما البوصلة- لمثيله في أربعينات القرن الماضي. وأسهم، حينذاك، بحدوث النكبة الكبرى عام 1948. واقتلاع فلسطين من الخريطة الجغرافية والسياسية العربية والإقليمية والدولية. وتشتيت وتهجير مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. وتسبب بإدخاله في تيه وضياع قرابة عقدين. وتكبيده الكثير من التضحيات للحفاظ على وجوده المادي داخل الوطن وفي أماكن اللجوء. قبل أن يتمكن من استعادة وعيه ويشرع بالنهوض في منتصف ستينيات القرن الماضي. ويستعيد تماسكه المجتمعي وهويته الوطنية الجامعة. ويبني إطارا وطنيا تمثيليا جامعا لمكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، يقود نضاله الوطني التحرري. ويستعيد حضوره الميداني والسياسي الفاعل. ويتمكن، بذلك، من وقف الانهيار بعد هزيمة حزيران عام 1967، واحتلال باقي أراضي فلسطين الانتدابية، وأراض مصرية وسورية بضعفي مساحة المستعمرة الصهيونية.

فبنهوضه ومقاومة ثواره البواسل عموما، وتصديهم البطولي للعدو الصهيوني في معركة الكرامة في 21/3/1968، بعد أشهر قليلة من الهزيمة الساحقة للجيوش النظامية العربية. نجح الفلسطينيون بدعم أردني في التأسيس لعكس مسار الهزيمة ومنع تكرار ما حدث عام 1948. وعرقلوا، بذلك، استكمال تنفيذ المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري الساعي لاستبدال كامل فلسطين الانتدابية بإسرائيل، واستبدال شعبها العربي الفلسطيني بالغزاة المستوطنين اليهود.

لقد شكل العامل الذاتي، واستعصاء الشعب الفلسطيني على الخضوع والاستسلام. وتمسكه ببلوغ حقوقه الوطنية والتاريخية المشروعة غير القابلة للتصرف في الحرية والعودة وتقرير المصير على أرض وطنه. وتوحده حول برنامج وطني تحرري جامع. وجاهزيته للنضال والتضحية لبلوغ حريته. العامل الأساس في استنهاض العرب، وتعثر المشروع الاستعماري الاستيطاني الغربي الصهيوني العنصري. ومنع محاكاة ما حدث في الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا قبل أربعة قرون. 

دون إغفال دور عوامل رئيسية أخرى، يتصل أولها بتطورالإدراك العربي للخطر الصهيوني. وحرب الاستنزاف (1967-1970)، التي أسست للانتصار في حرب تشرين الأول/ أكتوبر/ 1973، قبل تبديده لاحقا بموافقة نظام السادات على مقايضة الاعتراف بشرعية الكيان الصهيونى وإبرام معاهدة سلام منفرد معه، بإنهاء احتلاله للأراضي المصرية وتفكيك المستوطنات الصهيونية فيها، المشروط بالإبقاء على شبه جزيرة سيناء المصرية منطقة عازلة غير مأهولة ومجردة من السلاح. ما أسفر عن إخراج مصر ذات الثقل الاستراتيجي من دائرة الصراع، وتسبب في تعميق الانقسامات العربية العمودية والأفقية، وفي إنهاء دور مصرالقيادي في العالم العربي. والاستفراد بالأقطار العربية وتدميرها تباعا وإطالة أمد بقاء الكيان الصهيونى ورفع كلفة النضال التحرري.

 ويتصل العامل الثاني بطبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الغربي الصهيوني العنصري ذاته. وخاصيته البنيوية العنصرية / اليهودية/. والوظيفية /الإمبريالية/ في عموم المنطقة المستهدفة بالإخضاع. ما يرهن بقاءه وديمومته بعوامل رئيسية ثلاث: -

- استمرار الهجرة الاستيطانية اليهودية إلى فلسطين.

- الحماية الخارجية المرتبطة طرديا بكفاءة دوره الوظيفي/الإمبريالي/وفقا لحسابات العائد والكلفة لداعميه/الاقتصادية والسياسية والأمنية والأخلاقية/. 

- خضوع واستسلام الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة العربية - الإسلامية الممتدة، وتسليمهم بتفوق حق القوة على قوة الحق.

وجميعها عوامل غير قابلة للاستدامة. فطبيعة الصراع الوجودي مع الشعب الفلسطيني واحتكامه للمعادلة الصفرية، والدور الوظيفي الإمبريالي لإخضاع شعوب المنطقة/ كفيل بتأبيد الصراع مع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، حتى وإن أذعن الحكام وهادنوه وتواطؤوا لحمايته. ما سينعكس حكما بالسلب على حساب العائد والكلفة لداعميه وحماته.

لقد دلل التاريخ الإنساني المدون قديمه وحديثه على عدم إمكانية بقاء الكيانات الاستعمارية. وخصوصا الاستيطانية العنصرية في مناطق مأهولة بأصحابها الأصليين المصممين على بلوغ حقوقهم المشروعة في الحرية والكرامة وتقرير المصير مهما طال الزمن وعظمت التضحيات. فلا أفق لاستمرار الكيانات الاستعمارية التي تعيش على حد السيف وتفتقر إلى مقومات البقاء الذاتي.

لقد انتصرت شعوب ضعيفة تمسكت بحقوقها، ووظفت جاهزيتها للتضحية لبلوغها، وهزمت أعتى وأقوى الإمبراطوريات وتحررت. 

وتاريخ فلسطين ذاته أكبر دليل. فقد غزت فلسطين عبر تاريخها الممتد لآلاف السنين إمبراطوريات وقوى عظمى حكمت العالم، لكنهم جميعا رحلوا وباتوا أثرا عابرا. انهزم الفرس واليونانيون والرومان والبيزنطيون والسلاجقة والفرنجة/ الصليبيون/ والفرنسيون والعثمانيون. وعادوا من حيث أتوا. وبقيت فلسطين عصية على الزوال وبقي شعبها العربي الفلسطيني عصي على الفناء.

وعلى الرغم من أن القوى الدولية المتنفذة المنتصرة في حربين كونيتين قد نجحت في إنشاء كيان استعماري استيطاني يهودي عنصري بداية على 78% من مساحة الوطن الفلسطيني واقتلاع غالبية سكانه الفلسطينيين. وتسليحه وتحويله الى قاعدة عسكرية نووية متقدمة مكنته لاحقا من التوسع في كامل فلسطين الانتدابية ومحيطها العربي والتحول إلى قوة إقليمية مهيمنة.

فها هو طوفان الأقصى ينفجر في وجه المستعمرة الصهيونية بعد 75 عام من استقرارها. ويهز قواعدها الارتكازية، ويثبت قدرة العامل الذاتي الفلسطيني عند تفعيل قوة الإرادة والحق على تغيير الموازين وقلب المعادلات.

فقد فجره الجزء الأصغر والأفقر ماديا من الشعب الفلسطيني، والأكثر استهدافا بحروب الإبادة والتطهير العرقي المتوالية عليه للعقد الثامن على التوالي. والمحاصر من عدوه وذويه لأكثر من سبعة عشر عاما متصلة. ولم يحل ذلك دون نجاح بضعة آلاف من أبنائه المصممين على بلوغ حقوقهم الأساسية في الحرية والعودة وتقرير المصير على أرض وطنهم. فوظفوا ثقتهم بأنفسهم، ووعيهم المعرفي بعدوهم، وبصيرورة التاريخ الإنساني، وإدراكهم لطول أمد الصراع، وجاهزيتهم لافتداء حرية شعبهم بحياتهم. ونجحوا في عبور حدود القاعدة الاستعمارية النووية المنيعة الأقوى إقليميا. والمحصنة حدودها بأحدث منتجات الذكاء الاصطناعي. وتمكنوا بسهولة بالغة وسرعة فائقة فاجأتهم وفاجأت عدوهم وحماته والعالم أجمع بهشاشتها وضعف مناعتها الذاتية - رغم هول قوتها التدميرية - واستطاعوا بأسلحتهم البدائية محلية الصنع السيطرة في بضع ساعات على مساحة (600كم2). تعادل ضعف مساحة قطاع غزة المحاصر (365كم2). وسيطروا على اثنتي عشر قاعدة وموقع عسكري مدجج بأحدث الأسلحة. وأسروا 252 من المستوطنين أكثر من نصفهم من العسكريين. ونقلوهم على الدراجات الهوائية والنارية والعربات المتهالكة إلى قطاع غزة. وواصلوا القتال داخل المستعمرة الصهيونية ثلاثة أيام متصلة، قبل أن يستعيد جيشها "الذي قيل أنه لا يقهر" سيطرته الميدانية. واستبسلوا في مقاومته عندما سعى للانتقام وهرع التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري بكل قواه العسكرية والاستخباراتية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية للدفاع عنه. وزودوه، وما يزالون بالسلاح والعتاد. وشنوا حربا شامله برا وبحرا وجوا لإبادة الإنسان ومحو المكان، لاستعادة الردع الذي أخاف الأنظمة العربية طوال عقود، وأمن على نفسه عندما استسلمت لجبروت القوة. 

فكشف طوفان الأقصى محدودية حدود القوة - رغم ما تتضمنه من قدرة على الإبادة والتدمير- ونجح في اختراق جدار الصمت والعزلة التي تم إحكامها على الشعب الفلسطيني إسرائيليا وعربيا ودوليا منذ العام 1948. وأيقظ هديره شعوب العالم على امتداد الكرة الأرضية. ونبهتها المظلمة الفلسطينية المستدامة إلى الواقع المظلم في بلادها، فتدفقت جموعها بالملايين إلى الساحات والميادين، بعد أن كشفت حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للجميع أن الدولة اليهودية المخلقة غربيا مبنية على الأكاذيب والأساطير. وأنها دولة إرهابية مارقة يدلل عليها تاريخ نشأتها وحاضر أفعالها. وأن الإبقاء على بنيتها الصهيونية العنصرية ووظيفتها الإمبريالية يمثل تهديدا لا يقتصر على الشعب الفلسطيني والمنطقة العربية فحسب، بل يطال عموم الإنسانية ويقوض الأمن والسلم الدوليين. 

غير أن هدير طوفان الأقصى الذي أيقظ شعوب العالم في أقاصي الكون، لم يوقظ، بعد، النظام وعموم الطبقة السياسية الفلسطينية. فما يزالون تحت تأثير صدمة طوفان الأقصى، لا يصدقون ما يرونه بأم العين من تصدعات عميقة ألحقها بأساسات المستعمرة الصهيونىة. وما يزالون أسرى الواقع الذي تكيفوا معه فألفوه، وما يزالون يواصلون الرهان على التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري الآيل للسقوط.

وبالنظر إلى تخصيص هذا المقال للبحث في المعوقات الذاتية الفلسطينية- دون إغفال ما سبق أن تضمنه المقال الثالث من تحولات إيجابية منذ موقعة طوفان الأقصى - فسوف أشير إلى ثلاثة أحداث لافتة لدلالاتها العميقة على السلوكيات الفلسطينية الضارة، التي يهدد استمرارها بتبديد التحولات التكوينية التي أحدثتها تضحيات ودماء الشعب الفلسطيني التي ما تزال تتدفق بغزارة في قطاع غزة والقدس ومخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية.

الحدث الأول يتعلق بالقمة العربية، التي لم تبادر القيادة الفلسطينية للدعوة لانعقادها، رغم حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وانكشاف هدف التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري الساعي لتصفية القضية الفلسطينية. فالتزمت الصمت انتظارا لاجتثاث غريمتها حماس. 

ولم يثنها عن ذلك سعي العدو وحماته لاجتثاث قطاع غزة جغرافيا وديموغرافيا، بالتوازي مع استهداف باقي الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية والنقب والجليل والمدن المختلطة، للقضاء على الوجود الديموغرافي الفلسطيني الوازن في فلسطين. 

ولم يلفتها أنها، أيضا، في دائرة الاستهداف حتى لو استكانت. وأن هناك توافقا إسرائيليا وغربيا وصمتا عربيا يرقى إلى مستوى التواطؤ لاستبدالها بقيادة أخرى متجددة مطواعة مؤهلة إسرائيليا وأميركيا وغربيا، للقيام بمهمة الوكيل التنفيذي للاحتلال الذي سيبقي سيطرته على كامل فلسطين الانتدابية.

وانتظرت أكثر من سبعة أشهر لانعقاد الدورة العادية الثالثة والثلاثين للقمة في 16/5/2024 بالبحرين. والتي تشاء الصدف أن تحمل عاصمته التي استضافت القمة مسمى"المنامة". كدلالة رمزيه على واقع السلطة والنظام العربي الرسمي، المعاكس للنهوض الذي أطلقه طوفان الأقصى والصمود الأسطوري للمقاومة الباسلة وحاضنتها الشعبية في قطاع غزة، وعلى امتداد فلسطين الانتدابية. وأيقظ هديره شعوب العالم على امتداد الكرة الأرضية. 

وبدى الخطاب السياسي للقادة، والقرارات التي خرجت بها القمة لا صلة لها بوقائع الحاضر. وجاء منطوقها شديد الصلة بزمن النكوص العربي منذ أن بدأ الاستعمار الغربي بغزو بلادنا تباعا في القرن التاسع عشر. ولم يغادروه منذ الهزيمة الكبرى في الحرب العالمية الأولى. وأخفقت عديد المحاولات القطرية التي أعقبتها للتعافي، لافتقارها إلى رؤية عربية نهضوية شاملة. ومشروع تحرري إنساني نقيض للمشروع الاستعماري الغربي الصهيوني، يسعى للتحرر وبناء إقليم عربي وازن، لإنهاء استباحة الوطن العربي، والحفاظ على أمن وثروات ومصالح الشعوب والدول العربية فرادى والأمة مجتمعة.

 وكان قرار القمة الأغرب، بالعودة لعصر الانتداب الأجنبي الذي بادر الغرب لفرضة على بلادنا بعد انتصاره الحاسم في الحرب العالمية الأولى، وأعاد عبره هندسة المنطقة بتجزئتها وزرع الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري في مركز وصلها الجغرافي والديموغرافي والحضاري. 

 وعوضا عن استثمار القمة العربية للفرصة التاريخية التي أتاحها طوفان الأقصى لعكس المسار، بتفعيل أدوات الضغط السياسي الوفيرة التي يمتلكوها لوقف حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، والدعوة لتنفيذ المبادرة العربية للسلام التي أقرتها القمة العربية قبل أكثر من عقدين لتسوية الصراع العربي -الصهيوني وجوهره الفلسطيني - الإسرائيلي. وتحديد جدول زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ العام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين وفقا للقرار 194، وانهاء التمييز العنصري ضد فلسطينيي العام 1948.

تفاجأت الشعوب العربية بدعوة القادة لإعادة الانتداب الأجنبي على قطاع غزة، والمطالبة "بنشر قوة ردع أوروبية بغطاء عربي" قوة حماية وحفظ سلام دولية تابعة للأمم المتحدة" إلى حين تنفيذ حل الدولتين.

وجاء خطاب الرئيس الفلسطيني في القمة صادما، لتعارض محتواه حد التناقض مع واقع الصمود الأسطوري للمقاومة الفلسطينية الباسلة وحاضنتها الشعبية، التي تخوض حربا وجودية في قطاع غزة والقدس الشرقية ومخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية، وعلى امتداد فلسطين الانتدابية وفي مواطن اللجوء خارجها، ضد التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري. الذي استنفر كل قواه العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية لمحو الشعب الفلسطيني باجتثاثه جغرافيا وديموغرافيا وحضاريا. 

 وبالرغم من أن الرئيس أشار بوضوح في خطابه إلى أن حكومة الاحتلال كانت تعمل قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر/2023 لمنع قيام دولة فلسطينية، وإضعاف منظمة التحرير الفلسطينية، وتقويض السلطة الفلسطينية عبر تكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، واحتجاز أموال المقاصة، ومصادرة الأراضي، وتسريع الاستيطان، وتكثيف اعتداءات جيش الاحتلال ومستوطنيه على الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم ومقدساتهم. 

 وعلى الرغم مما نجم عن هذا الصمود الأسطوري من اعتراف 146 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة بدولة فلسطين كاملة العضوية في الأمم المتحدة. وتضامن شعوب العالم أجمع مع نضال وحقوق الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. ما يشكل دعما غير مسبوق للقضية الفلسطينية.

لم يختلف خطابه عما اعتاده. وكان لافتا تكرار موقفه الرافض مبدئيا للنضال المسلح رغم مشروعيته في القانون الدولي باعتباره حق للشعوب الخاضعة للاستعمار. 

وكان ملفتا تجاهله لحقيقة أن التزامه رسميا وعمليا منذ توليه رئاسة السلطة الفلسطينية في العام 2005 بكبح المقاومة المسلحة، وتجريم وملاحقة منتهجيها، والمواظبة على التنسيق الأمني "المقدس" أحادي الجانب الذي يقتصر مفعوله على حماية أمن مستوطني المستعمرة الصهيونية وامتداداتهم في أراضي الدولة الفلسطينية المأمولة. لم يؤد إلى تقريب الشعب الفلسطيني من بلوغ حقوقه الوطنية المشروعة في الحرية والاستقلال قيد أنملة. بل توغل الاستيطان الصهيوني جغرافيا وتضاعف ديموغرافيا عدة أضعاف في عمق أراضي الدولة الفلسطينية الموعودة وازدادت اعتداءاتهم واستباحتهم للبشر والحجر والمقدسات.

وكان صادما إعلانه في القمة أن لإسرائيل (المتهمة من محكمة العدل الدولية بشبهة ارتكاب جريمة إبادة جماعية - والمدان رئيس وزرائها ووزير دفاعها من قبل محكمة الجنايات الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية)حق مطلق بالأمن. وواجب على الفلسطينيين توفيره. دون اشتراط ذلك بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وحل قضية اللاجئين وفقا للقرار الدولي رقم 194 وإنهاء التمييز العنصري ضد فلسطينيي الداخل.

وكان مستغربا وصادما تحميله حركة حماس، "بمبادرتها بقرار منفرد لعملية طوفان الأقصى العسكرية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر/ 2023، مسؤولية توفير الذرائع والمبررات لإسرائيل لشن حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والإمعان فيه قتلا وتدميرا وتهجيرا". وفاته أن المقاومة الفلسطينية لا تقتصر على حماس رغم تميز دورها الريادي، بل تشمل الجميع بمن فيهم كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح التي يرأسها. وأن نهج الإبادة والتطهير العرقي هو ما دأب عليه الكيان الصهيوني قبل ومنذ تأسيسه قبل عقود من ظهور فتح وحماس وباقي فصائل المقاومة الفلسطينية.

وكان ملفتا عدم تضمين خطابه إشارة إلى أن المقاومة الفلسطينية (حتى لو انتهجت خيارا لا يقره ولا يتفق معه رغم مشروعيته في القانون الدولي) ليست سوى رد فعل طبيعي على الاحتلال، وأن انتهاءها رهن بزواله. وأنها تستهدف تحقيق ذات الأهداف التي تقول السلطة الفلسطينية التي يرأسها أنها تسعى لتحقيقها بالوسائل السلمية وأخفقت، وأهمها:

• كسر الحصار الإسرائيلي الظالم الذي تواصل سبعة عشر عاما متصلة على قطاع غزة. 

• وقف الاعتداءات والاجتياحات المستمرة لمخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية. 

• وقف الإعدامات الميدانية للفلسطينيين.

• إطلاق سراح الأسرى ووقف الاعتقال الإداري التعسفي للأطفال والنساء والشيوخ. 

• وقف إرهاب المستوطنين للشعب الفلسطيني واعتداءاتهم المتكررة على المدنيين الفلسطينيين تحت حراسة جيش الاحتلال، وعلى المقدسات الإسلامية والمسيحية. والتوقف عن تدمير وحرق القرى والممتلكات والمحاصيل وتجريف الطرقات لإجبار السكان على النزوح.

• وضع جدول زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين وفقا للقرار 194. وإنهاء التمييز العنصري ضد فلسطينيي 1948.

 وكان لافتا تكراره تحميل حركة حماس" المسؤولية عن عدم إنهاء الانقسام، والعودة إلى مظلة الشرعية الدولية، ليصب في خدمة هذا المخطط الإسرائيلي". وإغفاله أن الانقسام الفلسطيني أكثر شمولية وعمقا. فهو انقسام بين النظام السياسي والطبقة السياسية الفلسطينية المنفصلة عن الواقع وبين عموم الشعب الفلسطينى في مختلف مناطق تواجده. وهو منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر/ انقسام بين مرحلتين تاريخيتين فاصلتين في مقاربة تسوية الصراع الوجودي الفلسطيني- الإسرائيلي. وكان لافتا إغفاله لحقيقة أن الحكومات الصهيونية وجميع تياراتها العلمانية والدينية هي من يرفض الخضوع لمظلة الشرعية الدولية. وكان غريبا تجاهله للمستجدات ولحقيقة أن الانقسام لا علاقة له بالبرنامج السياسي لحماس، التي خاضت الانتخابات التشريعية عام 2006 وفقا لاتفاق أوسلو، وانخرطت في المجلس التشريعي الذي أنتجه الاتفاق. وأصدرت في العام 2017 وثيقة رسمية أعلنت قبولها بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ولم يتطرق الرئيس في خطابه بالقمة إلى الأسباب الحقيقية للانقسام وإدامته، والتي يدركها تماما. ومسؤولية إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والغرب عنه. منذ استهدفوا الضغط عليه بعد توليه الرئاسة للتخلي عن هدف إقامة الدولة الفلسطينية على حدود العام 1967. وأرغموه، حينذاك، على إجراء الانتخابات التشريعية بعد الانسحاب الأحادي وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي على حدود قطاع غزة عام 2005، دون تنسيق مع السلطة الفلسطينية. فلم يلتفتوا، آنذاك، لاعتراضه وتحذيراته المتكررة. بل سارعوا لتذليل العقبات، فألغوا معارضتهم لاجرائها في القدس الشرقية لسحب ذريعته لتأجيل الانتخابات. وسمحوا للمراقبين الدوليين بالإشراف عليها والشهادة بنزاهتها. ولم يدفعهم، آنذاك، حرصهم على الديموقراطية بدليل انقلابهم الفوري على نتائج الانتخابات. وإنما أرادوا عبرها التهيئة لاستكمال واقع الانفصال الجغرافي والسكاني بين الضفة الغربية وقطاع غزة بانفصال سياسي تعززه شرعية انتخابية. جرى التمهيد له باستدراج حركة حماس لخوض الانتخابات، والإيقاع بها في كمين الانخراط بمؤسسات سلطة الحكم الذاتي المحدود. ثم تكبيلها بالتزامات أوسلو أحادية الجانب. ومحاصرتها عند استعصائها بذريعة التمرد. (رغم أن حكومة إسرائيل كانت سباقة في الانقلاب على اتفاق أوسلو. بالتحلل بداية من تنفيذ التزاماتها التعاقدية. ثم اجتياح مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني في اليوم التالي مباشرة لإقرار القمة العربية في بيروت لمبادرة السلام العربية في 28/3/2002. فحاصرت الرئيس عرفات وعزلته ثم اغتالته لتمسّكه بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين وفقا للقرار الأممي رقم 194). وذلك قبل أربع سنوات من نجاح حماس في الانتخابات، واستدراجها بقرار إسرائيلي وتشجيع أميركي وغربي لاستيعاب الإسلام السياسي الصاعد في المنطقة، لاستكمال هزيمة المشاريع القومية العربية، بمحاكاة النموذج التركي. وأغفلت الحركة الاختلاف الجوهري وتعذر تكرار النموذج التركي عربيا للتماهي حد التطابق بين الدين والقومية والوطنية، وخصوصا في الحالة الفلسطينية. 

ووقعت حماس ومعها فتح بالفخ كما خطط له إسرائيليا وأميركيا وغربيا. وعندما فوجئت بحصولها على الأغلبية البرلمانية (56%)، لم تستوقفها الأسباب الحقيقية لفشل تجربة غريمتها فتح. فأغفلت انعدام فرص تطور الحكم الذاتي الانتقالي المحدود إلى دولة (تحت استعمار استيطاني صهيوني إجلائي- إحلالي يرى في كامل فلسطين وطنا حصريا لليهود بموجب وعد إلهي لا يخضع للتفاوض، ولا تنطبق عليه القوانين التي يرتضيها بني البشر للتعايش فيما بينهم. ويرى في الشعب الفلسطيني الأصيل على اختلاف انتماءاته السياسية والدينية والعقائدية نقيضا وجوديا ينبغي التخلص منه بالإبادة والتهجير والإخضاع). 

وتجاهلت، أيضا، فشل تجربة فتح بالجمع بين الحكم والمقاومة وارتفاع كلفته البشرية والمادية.

وعوضا عن أن يتحالف الفلسطينيون معا لإفشال مخططات العدو التي تستهدفهم جميعا. واصل قطبا النظام السياسي الفلسطيني التنافس البيني، واستعانا على بعضهما بالتحالف مع القوى الخارجية المتصارعة فيما بينها لأسباب أغلبها ذاتي لا علاقة له بفلسطين، ولا يضيرها استثمار عدالة قضيتها وتوظيفها لخدمة أهدافها.

ولم يتورع كلاهما، أيضا، عن الاستعانة بعدوهم الوجودي، الذي يسيطر على كامل فلسطين الانتدابية، ويتحكم بالحركة بين القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وبينهم وبين العالم الخارجي. ويستثمر صراعاتهما التنافسية لمنع قيام دولة فلسطينية، ويوظفها لإحكام حصاره على قطاع غزة، وتسريع تهويد القدس والضفة الغربية. وتقويض الشرعية التمثيلية الفلسطينية محليا وعربيا ودوليا.

 ولم يلتفت قطبا النظام السياسي الفلسطيني بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة الجماعية التي طالت البشر والحجر، إلى الواقع الميداني والسياسي المستجد، الذي رغم هول الخسائر البشرية والمادية الفلسطينية، يحمل فرصا تاريخية غير مسبوقة تؤذن بتداعي أساسات الكيان الصهيونى العنصري، وتقرب الشعب الفلسطيني من بلوغ أهدافه. وينطوي في الآن ذاته على مخاطر جسيمة - إذا تواصل عجز النظام والطبقة السياسية الفلسطينية عن توفير مستلزمات توظيف الفرص المستجدة - ما يهدد بتقويضها ومجمل المنجزات المهمة التي راكمتها الأجيال الفلسطينية المتعاقبة على مدى عقود.

غير أن الإشارة لمسؤولية قطبي النظام الفلسطيني عن العجز القائم، لا يلغي حقيقة التمايز بين المقاومة التي تخوض النضال التحرري في الميدان ضد العدو الوجودي لهزيمته، وتعجز عن تحويل منجزاتها إلى نتائج ومكتسبات سياسية تقرب الشعب الفلسطيني من بلوغ أهدافه التحررية.

 وبين من يعتقد أن بلوغ هذه الأهداف ممكن بالتفاوض دون رفع كلفة الاحتلال، ويراهن على النظام الدولي- الذي يسيطر عليه التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري- لإنصافه. 

ويغفل كلاهما حاجة كل منهما للآخر، الجناح المقاوم الذي يحظى بشرعية ثوريه وشعبية ووطنية. والجناح المسالم الذي يحظى بشرعية تاريخية وسياسية خارجية متناقصة. وعدم قدرتهما منفردين على تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية، دون انخراطهما معا قبل فوات الأوان في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الواجب تطويره وتجديده في ضوء التحولات التكوينية الفلسطينية التي جرى تناولها في الجزء الثالث، وباعتبارها الإطار التمثيلي الجامع الذي يحظى باعتراف سياسي وقانوني فلسطيني وعربي وإقليمي ودولي واسع يؤهله لقيادة المشروع الوطني الفلسطيني وتوظيف المتغيرات التي أحدثها طوفان الأقصى لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين الفلسطينين وفقا للقرار الدولي رقم 194، وانهاء التمييز العنصري لفلسطينيي العام 1948.

والحدث الفلسطيني الثاني الذي يوازي الأول في دلالاته وخطورته يتعلق بتخبط قوى المعارضة الفلسطينية المأزومة. وتنامي الدعوات إلى عقد مؤتمرات نخبوية في دول عدة، بعضها حسن النوايا بتمويل ذاتي يستهدف استشراف سبل الخروج الآمن من المأزق الأخطر الذي يواجهه الشعب الفلسطيني. وبعضها الآخر بتشجيع وتمويل ودعم جهات خارجية لها مآربها.

ويسعون جميعا إلى تكثيف الضغوط على القيادة الفلسطينية المهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية. وتغفل المعارضة الأهمية القصوى للعمل بالتوازي على تنشيط وتحديث الأطر القاعدية القائمة كالاتحادات الشعبية والنقابات المهنية (اتحادات الطلاب والعمال والمرأة والمعلمين والكتاب والفنانين الخ…، وهي منتشرة على امتداد مناطق الوجود الفلسطيني) إضافة لمئات المجالس المحلية البلدية والقروية وغرف التجارة والصناعة والمؤسسات الأهلية والأحزاب السياسية والتنظيمات المجتمعية والجمعيات. وغالبيتها هياكل معطلة بسبب تكلس وتقادم قادتها، وهيمنة النظام الفصائلي العاجز. وانكفاء الجماهير الشعبية عنها. ويمكن إعادة تفعيلها بجهد وطني تحرري جاد يقوده الجيل الفلسطيني الشاب المؤهل القادر على التغيير، بتجديد عضوية جمعياتها العمومية وهيئاتها الإدارية والقيادية، وتكثيف الضغوط التحتية والفوقية لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية. وقد اختبر الفلسطينيون فعالية هذه الأطر في مراحل النهوض الثوري. وهي المدخل المأمون لإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تشكيل المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية. 

فالتغيير من القمة الذي تنتجه توافقات بين القوى المتنفذة في الفصائل والتنظيمات المتقادمة المتشبثة بالبقاء، سيعيد تشكيل الواقع العاجز وإن تغير الأشخاص. كما أن القفز عن الأطر التي بناها الشعب الفلسطيني بتضحيات جسيمة لأجياله المتعاقبة ينطوي على أخطار جسيمة، ويتيح الفرصة لاختراقات القوى الخارجية المتربصة بالشعب الفلسطيني، أيا كانت نوايا أصحاب المبادرات. 

والسبيل للتغيير والإصلاح يكمن فقط بالحفاظ على المنجزات الوطنية، والتحام النخب مع الجماهير الشعبية العريضة صاحبة المصلحة في الدفاع عن حقوقها. والاستقواء بالشعب الفلسطيني وحده عبر التوافق على برنامج وطني نهضوي تحرري جامع يستجيب لمصالح وأهداف وتطلعات كافة مكوناته داخل الوطن المحتل وخارجه. فذلك وحده الكفيل بتغيير موازين القوى الداخلي الفلسطيني، وتصويب المسار والمسيرة.

الحدث الثالث الذي يضاهي وقد يفوق الحدثين السابقين خطورة يتعلق بتساوق البعض الفلسطيني مع طروحات سياسية لقوى عربية ودولية مؤثرة حول المستقبل الفلسطيني في مرحلة تاريخية فارقة. مدفوعا باعتبارات شخصية واجتهادات خاطئة بأن الإخفاق الفلسطيني ناجم عن سوء أداء الأفراد في مواقع القيادة. والتغافل عن السبب الحقيقي المتمثل بغياب الرؤى وسوء الاجتهاد وبؤس الخيارات السياسية الخاطئة في إدارة الصراع الوجودي مع العدو الصهيوني. ومسؤولية ذلك عن الإخفاق الفلسطيني العام سياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، يفاقمه سوء الإداره وتدني مستوى الأداء.

مشكلة الطبقة السياسية الفلسطينية منذ نصف قرن. وتفاقم حدتها وخطورتها في العقود الثلاثة الأخيرة بعد اتفاقات أوسلو (التي وفرت غطاء سياسيا للتطبيع وشرّعت التشابكات المصلحية الفئوية والشخصية على حساب المصالح الوطنية) تكمن في تنامي انفصال النخب السياسية الفلسطينية عن الجماهير الشعبية. وغياب المرجعية الوطنية التي تنطلق من وحدة الأرض والشعب والقضية، الموجهة لسلوكها والحاكمة لأدائها العام والخاص. وجنوح أقطابها للمهادنة، وقبولهم -بدعوى العقلانية والواقعية السياسية- بمقايضة حقوق جزء من الشعب الفلسطيني/ ثلثه في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 / بحقوق البقية/ الثلثين: فلسطينيي 1948 واللاجئين/. واستغراقهم في صراعات تنافسية حزبية وتنظيمية وشخصية. وإيغالهم في البحث عن مخارج من المآزق الوطنية المتتابعة بحلول سطحية، بعيدا عن الأسباب الجوهرية التي يفرضها الصراع الوجودي. والاستعاضة عن تحمل أعباء النضال بحرف البوصلة عن السياسة وتوجيهها نحو الإدارة. والمفاضلة بين الأشخاص عوضا عن السياسات والبرامج. 

ومع أهمية الاعتبارات المتعلقة بكفاءة ونزاهة القادة. إلا أن تجارب استبدال الأشخاص في الحالة الفلسطينية لم تفض إلى فوارق جوهرية في الأداء يجنب الشعب الفلسطيني تكرار الإخفاقات. 

فلدينا تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة خلال ستة عقود توالى خلالها على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أربع قادة:

أحمد الشقيري / 2/6/1964–24/12/1967 

يحيى حمودة 24/12/1967- 1/2/1969

ياسر عرفات 3/2/1069 - 11/11/2024

محمود عباس 11/11/2004 حتى الآن.

وكل مرحلة شهدت نجاحات وإخفاقات تحتاج إلى مراجعة بحثية معمقة باتت ملحة، فضلا عن كونها ممكنة خصوصا في ضوء توفر المعلومات ورفع السرية عن بعض الوثائق الإسرائيلية والبريطانية. وهذا حق للأجيال الفلسطينية، ليس فقط للتقييم والحكم على أداء القادة ومدى إسهامهم في تقريب الشعب الفلسطيني من أهدافه التحررية أم في إبعادهم عنها. وإنما أساسا لتوظيف نتائج المراجعة الذاتية النقدية في تصويب البوصلة لتغيير الحاضر والتأسيس لمستقبل مغاير.

 ولدينا، ايضا، نتائج تجربة السلطة الوطنية الفلسطينية خلال العقود الثلاثة الماضية 1994- وحتى الآن. فقد تعاقب على رئاستها رئيسين (ياسر عرفات (1994-2094) ومحمود عباس (2005-الآن) إذا تجاوزنا روحي فتوح -الذي تولى -بصفته رئيسا للمجلس التشريعي- رئاسة السلطة الفلسطينية مؤقتا لمدة شهرين / 11/11/2004-15/1/2005

 أخذ محمود عباس والتيار الفلسطيني المعارض لنهج المقاومة على الرئيس ياسر عرفات المزاوجة بين أشكال النضال المختلفة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الناشئ عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. 

 وكان عرفات قد راهن على اتفاق أوسلو بعد انغلاق الأبواب والعواصم والحدود العربية وانسداد السبل والدروب أمام الشعب الفلسطيني. فسعى لنقل مركز القرار الفلسطيني إلى أرض الوطن حيث الحاضنة الشعبية. وتغاضى عن حقيقة تعذر إمكانية نجاح تجربة حكم ذاتي يتطور إلى دولة تحت استعمار استيطاني إجلائي - إحلالي عنصري. دون إنهاء الاستيطان الذي يبقي على الطبيعة الوجودية للصراع. وأنشأ أول كيان سياسي فلسطيني مقيد بشروط إسرائيلية محكمة/ سياسية وأمنية واقتصادية وتنظيمية وإدارية /. واصطدمت محاولاته لتطوير الحكم الذاتي المحدود بموانع إسرائيلية وأميركية وغربية وقبول عربي لتأبيد الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود. وأيقن خلال مفاوضات كامب ديفيد 11-25 تموز / يوليو / 2000 لتسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، تعذر فرص تطوير الحكم الذاتي إلى دولة فلسطينية على حدود العام 1967، التي حشد الشعب خلف اتفاق أوسلو لإقامتها. 

وعندما أدرك بعد انتهاء الفترة الانتقالية 1994- 1999، قصور الاتفاق وعجز السياسة وحدها عن بلوغ الاستقلال. عزز الانتفاضة التي سميت "بانتفاضة الأقصى" سعيا لتطويرها إلى"انتفاضة الاستقلال" (التي اندلعت بعد اقتحام زعيم المعارضة آرييل شارون - بموافقة رئيس الوزراء إيهود باراك وحماية ثلاثة آلاف جندي للأقصى في 27/9/2000- وقتل وجرح عشرات المصلين الفلسطينيين. بعد شهرين من فشل مفاوضات كامب ديفيد وتحميل الولايات المتحدة الأميركية مسؤولية الفشل لعرفات، في محاولة إسرائيلية أميركية - كما تظهر الوثائق البريطانية التي رفعت عنها السرية مؤخرا - لإخضاعه بالقوة للاستجابة للشروط الأميركية الإسرائيلية لإنهاء الصراع).

ولا يتسع المجال في هذا المقال لتناول أسباب الإخفاق بإسهاب. وأغلب الظن أن القصور المعرفي للقيادة الفلسطينية بالعدو الصهيوني وتشابكاته المحلية والعربية والإقليمية والدولية. والخلل البنيوي في اتفاق أوسلو المكبل بقيود تحول دون تطور الحكم الذاتي المحدود. والخلط بين السياسة والإدارة، ودمج قيادة السلطة مع المنظمة. واستحواذ السلطة الفلسطينية الوليدة/ الفرع التنفيذي/ لإدارة مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود، على منظمة التحرير الفلسطينية /المنظمة الأم / والممثل الشرعي الوحيد لعموم الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. والافتقار إلى رؤية واضحة وخطة عمل لإدارة مرحلة انتقالية يسيطر فيها العدو الوجودي للشعب الفلسطيني بالقوة على كامل فلسطين الانتدابية. ويتحكم بكل مفاصل الحياة والحركة الفلسطينية الداخلية والخارجية. والتساهل مع الخروقات الإسرائيلية وتجاوز الجداول الزمنية وعدم تنفيذ الالتزامات التعاقدية المترتبة على إسرائيل في إنشاء الممر الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وحل الإدارة المدنية، وإلغاء الحواجز التي تعيق الحركة الداخلية بين مناطق الحكم الذاتي الخ ….وتواطؤ المانحين بتحويل العون الدولي من استثمار في السلام بتوفير مقوماته، إلى تمويل عملية سياسية تديم الاحتلال وتعزز بقاءه وتنقل أعباء إدارة شؤون السكان لسلطة الحكم الذاتي دون الأرض والموارد. وتعمق، بذلك، الاختلال في موازين القوى، وتقوض قدرة السلطة الفلسطينية على مواجهة الصعوبات المعيشية المتنامية، وتضعف الموقف التفاوضي الفلسطيني خلال مرحلة انتقالية مفتوحة النهايات.

وأسهم في الإخفاق أيضا: 

·         عدم استقواء عرفات بشعبه بمصارحته بالواقع. ومكاشفته بالشروط الأميركية - الإسرائيلية لتابيد الحكم الذاتي المحدود، ما أفشل مفاوضات كامب ديفيد. 

·         وعدم ربطه قرار تعزيز الانتفاضة بهدف بلوغ الاستقلال وتقرير المصير على الأراضي الفلسطينية المحتلة وفقا لحدود الرابع من حزيران 1967 التي تقرها الشرعية الدولية. وعدم حصر المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد جيش الاحتلال ومستوطنيه في أراضي الدولة الفلسطينية المأمول إقامتها عليها. وتساهله إزاء العمليات الاستشهادية التي استهدفت المدنيين داخل مناطق العام 1948 وعدم حظرها سياسيا وقانونيا وأمنيا. 

·         وعدم التهديد بحل السلطة عند إعادة اجتياح مناطق الحكم الذاتي أواخر آذار /مارس/ 2002 الذي كان سيغير المعادلات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإدارية والقانونية، ويضع الفلسطينيين والعرب والإقليم ورعاة عملية التسوية والنظام العالمي أمام مسؤولياتهم.

·         وخذلان الطبقة السياسية الفلسطينية التي لم تكن مستعدة للتضحية، فالتزم بعضها الحياد، وراهن بعضها الآخر على الوعود الأميركية والغربية بإقامة الدولة الفلسطينية، المشروطة بتغيير القيادة الفلسطينية " الارهابية الفاسدة" كما ورد في خطاب الرئيس بوش في 24/6/2002. 

·         وعزز تهاون رفاقه في القيادة الفلسطينية مع عزله وحصاره حد التواطؤ، ومواصلتهم التواصل السياسي مع الأطراف الإسرائيلية والعربية والدولية. وتحميل نهجه المقاوم مسؤولية الإخفاق، (رغم إقرار المفاوض الإسرائيلي السابق دانييل ليفي بمسؤولية إسرائيل). وسهل ذلك عملية اغتياله وإخراجه ونهجه المقاوم وفريقه من المشهد الفلسطيني.

وعندما انتخب محمود عباس- بعد اغتيال عرفات- وفقا لبرنامج سياسي يلتزم بالتفاوض سبيلا وحيدا لتسوية الصراع وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وقيامه بإنهاء الانتفاضة وتجريم المقاومة، والتنسيق مع إسرائيل أمنيا لملاحقة الثوار - بقيت ذات الشروط الأميركية - الإسرائيلية لتأبيد الحكم الذاتي لحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وأخفق عباس بدوره في إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة، بل ابتعدت فرص قيامها. ففي غياب المقاومة توسع الاستيطان وتضاعف جغرافيا وديموغرافيا. وتغول المستوطنون والجيش وتزايدت الاعتداءات على البشر والحجر والشجر والمقدسات. وانقسم النظام السياسي الفلسطيني. وتعمق الانفصال الجغرافي والديموغرافي وتكرس بانفصال سياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ولدينا في مجال الإدارة، أيضا، تجربة سبعة رؤساء للوزراء: ياسر عرفات (8 سنوات) محمود عباس (ستة أشهر)، أحمد قريع (سنتين ونصف)، إسماعيل هنية (سنة وثلاثة أشهر حتى حزيران 2007، ثم واصل كرئيس وزراء للحكومة المقالة بعد الانقلاب في قطاع غزة حتى 1/6/2014. وتولى سلام فياض في حزيران 2007 رئاسة الحكومة بالتوازي(6 سنوات) وخلفه رامي الحمد الله (6 سنوات)، ومحمد أشتية (5 سنوات) ومحمد مصطفي منذ 14/3/2024 حتى الآن. وتباينت انتماءات رؤساء الوزراء (فتح وحماس ومستقلين) وإن هيمنت فتح في الضفة الغربية. وحماس في قطاع غزة. 

ولم يتمايز الأداء لأي منهم، لتعذر الفصل بين السياسة والاقتصاد في صراع

يتسم بطبيعة وجودية. 

فإلى جانب التناقض المبدئي بين هدف تحقيق الاستقلال السياسي الفلسطيني / الانفصال عن إسرائيل/ الذي استهدف الاتفاق الانتقالي حول الحكم الذاتي المحدود التأسيس له / اتفاق أوسلو / مع التعاون والاندماج التبعيّ الاقتصادي/ اتفاق باريس/ الذي تم التفاوض حوله بالتوازي مع الاتفاق السياسي خلال مرحلة انتقالية مفتوحة النهايات. 

فقد أسهم تضخيم الجهاز الإداري للسلطة الفلسطينية، واستخدام آلية التوظيف الحكومي لتخفيف وطأة البطالة المتنامية. وزيادة الاعتماد على سوق العمل الإسرائيلية، بما في ذلك بالمستوطنات المقاومة في أراضي الدولة الفلسطينية المأمول إقامتها. وتعزيز الانتاج المرتبط بالأسواق التصديرية بذريعة الجدوى الاقتصادية/ الورود والفراولة والتعاقد الباطني/. وربط النمو الاقتصادي بنمو الطلب، وربط الطلب الاستهلاكي بالواردات من إسرائيل والخارج. وتشجيع الاستهلاك الممول بالقروض والرهن العقاري إلخ …. وانتهاج سياسات مالية وضريبية تعتمد في تمويل الموازنة على عوائد المقاصة / ضرائب الاستيراد التي تجبيها إسرائيل/. وتمويل عحز الموازنة العامة بزيادة عجز الميزان التجاري. والاعتماد على عائدات الضرائب غير المباشرة كضريبة القيمة المضافة التي لا تراعي الفروقات الطبقية وتفاقم الفقر. ما أسفر عن تعميق حالة الارتهان الاقتصادي والمعيشي الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي وأضعف مناعة الشعب الفلسطيني، ورفع كلفة الصمود المقاوم.وأبقى الفروقات هامشية بين أداء الإدارات الفلسطينية المختلفة رغم اختلاف الأشخاص وتفاوت الدعم الخارجي منحا أو حجبا. 

وذلك بسبب خضوع الجميع لذات الأسس المرجعية التي فرضتها اتفاقات أوسلو أحادية النفاذ. وواقع السياسات والممارسات العدوانية الإسرائيلية المنطلقة من حصرية الحق اليهودي في السيادة وتقرير المصير واستيطان كامل فلسطين الانتدابية. ومعارضته لقيام دولة فلسطينية على أي جزء من أراضي فلسطين الانتدابية. وإن تباينت مواقف التيارات السياسية الصهيونية العلمانية والدينية إزاء الهوامش الممنوحة للحكم الذاتي الفلسطيني تحت السيادة الإسرائيلية.

بكلمات أخرى، بالرغم من توفر الدلائل كافة. لم تتخل النخب السياسية الفلسطينية بعد أكثر من قرن من الصراع، عن فرضيتها الخاطئة بإمكانية مهادنة الصهيونية واقتسام الوطن معها. رغم إخفاق المناهج المتباينة في الوصول إلى حلول باقتسام الوطن الفلسطيني بين أصحابه الفلسطينيين والمستوطنين الصهاينه، وفقا لأي نسبة رغم القرارات الدولية الواجبة النفاذ:

·         القرار الدولي لتقسيم فلسطين رقم 181 لعام 1947 الذي خصص لليهود 55% من فلسطين الانتدابية رغم أن نسبتهم عند صدور القرار لم تزد عن 31% من إجمالي سكان فلسطين الانتدابية. وخصص لأصحاب البلاد الأصلانيين الذين شكلوا 69% من إجمالي السكان 43.3 % فقط. ووضعت القدس وبيت لحم تحت إدارة دولية. 

·         أم القرارين الدوليين رقم 224 لعام 1967 و 338 لعام 1973 وفقا لحدود الرابع من حزيران 1967 (78% لدولة إسرائيل و22% للدولة الفلسطينية). علما بأن عدد الفلسطينيين داخل فلسطين الانتدابية(7.3 مليون بما فيهم لاجئين منذ العام 1948) يفوق قليلا عدد اليهود فيها (7.1 مليون) فضلا عن 7 مليون لاجىء فلسطيني في المخيمات بالدول العربية المجاورة. 

·         أو لصيغ الحدود المعدلة التي ارتضتها القيادة الفلسطينية تفاوضيا بتبادل الأراضي، لتأمين الانفصال الديموغرافي بين يهود إسرائيل والفلسطينيين.

·         أو حتى وفقا لصفقة ترامب.

ذلك أن مرجعية حل الصراع وفقا لمفهوم التحالف الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري ترتكز على توظيف الأساطير التوراتية والوعد الإلهي بمنح فلسطين لشعب الله المختار. ووعد بلفور الدنيوي (الذي كانت بلاده تقود النظام الدولي قبل ان ترثها الولايات المتحدة الأميركية) بتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود. ولهم وحدهم الحق المطلق بالهجرة إليها من كافة بقاع الأرض والتوطن فيها. واعتبار شعبها العربي الفلسطيني الأصيل المقيم فيها منذ آلاف السنين مجرد طوائف غير يهودية مقيمة، لها حقوق مدنية ودينية وليست سياسية. 

ووفقا لهذا الفهم التأسيسي، فإن تقرير المصير في فلسطين حق حصري لليهود. وعليه فإن حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يكمن في وجوب قبول الفلسطينيين بما يمنحه لهم الشعب اليهودي صاحب السيادة على كامل فلسطين الانتدابية. (بمعنى أن الحل ينطلق من مبدأ تنازل إسرائيل صاحبة الحق وفق القانون الإلهي والوضعي، والمسيطرة بالقوة على كامل فلسطين الانتدابية. وليس استردادا لبعض الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني الأصلاني المقيم فيها منذ آلاف السنين الممتدة للقبول بالتعايش السلمي مع المستوطنين اليهود الوافدين).

وانطلاقا من ذلك، فإن أي حل للصراع مشروط ب: 

  •  إدامة السيادة الإسرائيلية على كامل فلسطين الانتدابية فلسطين بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط 
  • انتفاء حق اللاجئيين الفلسطينيين الذين طردوا عام 1948 بالعودة إلى أي جزء من فلسطين الانتدابية، بما في ذلك مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني التي قد تحمل مسمى دولة.
  •  "تجديد" القيادة الفلسطينية، وتأهيلها لإعادة تشكيل وعي الشعب الفلسطيني عبر تغيير المناهج التعليمية. ولاجتثاث المقاومة الفلسطينية وفرز الشعب الفلسطيني وفقا لمعايير إسرائيلية وأميركية وغربية بمباركة عربية.

 وتشكل هذه المبادئ الإطار المرجعي للتحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري، ولكافه التيارات الصهيونية -العلمانية والدينية -في مقاربة حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. 

وبالرغم من الوضوح الإسرائيلي والأميركي، ما يزال بعض الفلسطينيين يرون ذلك مقبولا بذريعة الواقعية السياسية. وفرصة ممكنة للتكيف وإحداث اختراق لوقف حرب الإبادة الجماعية وحماية الشعب الفلسطيني.

لن أتوقف عند أولئك المعارضين الفلسطينيين الذين بات نفوذهم وارتباطاتهم بالخارج / عربا وأجانب/، وامتداداتهم المحلية معروفة وغير خافية على أبناء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. 

لكنني سأتوقف في هذا المقال عند تطور جديد ملفت يتعلق بمشاركة المعارض الفلسطيني ناصر القدوة في ندوة حوارية عبر الإنترنت، في 11/5/2024 مع إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، والصحفي الأميركي توماس فريدمان استضافها جيمس هولمز مؤسس ورئيس منظمة المجتمعات الدولية ICO. تحت عنوان "بعد سبعة أشهر على الحرب، كيف يمكن إحداث اختراق". وأدارها سامر السنجلاوي. ونشرت ترجمة لوقائعها على موقعي الإليكتروني(ghaniamalhees.com)

أما أسباب التركيز على هذا الحدث دون غيره رغم كثرة تجاوزات معارضين فلسطينيين للخطوط الحمر. فتعود لأسباب عدة أهمها:

أولا: طبيعة المشاركين

1- ناصر القدوة. مناضل نقابي وديبلوماسي وسياسي منذ سبعينيات القرن الماضي.

وهو ابن شقيقة الرئيس الراحل ياسر عرفات.

والممثل الدائم السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة /1991- 2003/ ومساعد ممثلها الدائم / 1986-1991/. ووزير الخارجية الفلسطيني الأسبق /2003 – 2005/.وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح / 2009 - 2021 / ورئيس مجلس إدارة مؤسسة ياسر عرفات /2007- 2021/ ورئيس الملتقى الوطني الديمقراطي /2021- حتى الآن/ (بعد فصله من مواقعه الأخيرة بسبب اختلافه مع الرئيس محمود عباس، وإخفاق اللجنة المركزية في إقناعه بالعدول عن قيادة قائمة منافسة لقائمة حركة فتح، رغم عضويته في اللجنة المركزية للحركة، لخوض انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، التي كانت مقررة في 22/5/2021، وأجلها الرئيس بقرار فردي في 29/4/2021 إلى أجل غير مسمى، قوبل باستياء عام واعتراض غالبية التنظيمات السياسية والقوائم الانتخابية على التأجيل).

 كما أن ناصر القدوة زامل الرئيس محمود عباس في اللجنة المركزية لحركة فتح طوال 12 عام. ولم ولا يختلف معه سياسيا، سواء بالنسبة لحل الدولتين. أم لتأييد اتفاق أوسلو. أم لمعارضة الكفاح المسلح. أم لاستثناء حركة حماس من المشاركة في السلطة. وينحصر اختلافه معه - في السنوات الأخيرة - ويشاركه كثيرون حول منهج إدارة السلطة، والانفراد باتخاذ القرار، وإدارة الموارد البشرية والمالية. واختلف معه مؤخرا في منهج التعاطي مع تداعيات طوفان الأقصى ومقاربات القوى الدولية والعربية المؤثرة لليوم التالي لتوقف حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة التي يتفق معها.

2- إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق. الذي بدأ حياته ونشاطه السياسي في صفوف اليمين المتشدد. وعندما تولى المسؤولية وأدرك حقيقة الوجود الوازن للشعب الفلسطيني في فلسطين الانتدابية، التي تسيطر عليها الدولة اليهودية. سعى للانفصال ديموغرافيا عن الفلسطينيين للحفاظ على الاستئثار اليهودي بحقوق المواطنة في فلسطين الانتدابية. وإدامة السيادة الإسرائيلية عليها، بالإبقاء على القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل(مع إدارة ذاتية للأحياء السكانية الفلسطينية وتقاسم المقدسات)، وبقاء السيادة العسكرية لإسرائيل على الحدود من النهر الى البحر، وبقاء المستوطنات والمستوطنين تحت السيادة الإسرائيلية مع تعديلات حدودية تحفظ الانفصال الديموغرافي. وإناطة مسؤولية إدارة شوون السكان الفلسطينيين في مناطق تركزهم الجغرافي لإدارة مدنية فلسطينية محددة الصلاحيات، ولا يمانع أن تحمل مسمى دولة.

3- توماس فريدمان، الصحفي الأميركي البارز الذي فتنته إسرائيل عندما زارها أواخر 1968، وأمضى عطلات الصيف خلال سنوات دراسته الثانوية في مستوطنة هوتريم بالقرب من حيفا، ووصف تلك السنوات بأنها كانت احتفالا كبيرا بانتصار إسرائيل في حرب الايام الستة. وكان من المدافعين عن الغارات الجوية الإسرائيلية على الفلسطينيين واللبنانيين كشكل من أشكال "تثقيف" معارضي إسرائيل. وحرص في تقاريره الصحيفة أثناء تغطيته للعدوان الصهيوني على لبنان عام 1982 على تبرئة القوات الإسرائيلية من مجازر صبرا وشاتيلا ونفي إشراف جيش العدو على حراستها. ولا تعود معارضته للتوسع الاستيطاني الصهيوني في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967-باستثناء القدس الشرقية- لموقف مبدئي يتعلق بانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني ومخالفة القانون الدولي، وإنما إلى قلقه بشأن نجاح الحفاظ على نظام التفوق اليهودي العنصري في إسرائيل. ورغم معارضته الشديدة لدونالد ترامب، أيد بشدة اتفاقات أبراهام، ووصفها بأنها "إنجاز هائل". بل وطالب في مقالاته بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر/ 2023 باعتبار صفقة ترامب الأساس لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وما يزال من أشد الداعمين لضم المملكة العربية السعودية إليها كمدخل لحل الصراع. ويرى قي التطبيع الإسرائيلي مع السعودية أكبر توسع-منذ معاهدة كامب ديفيد أواخر سبعينيات القرن الماضي-باتجاه الشرق أوسط الكبير. وقد خصص مقالاته في نيويورك تايمز منذ موقعه طوفان الأقصى عام 2023، للتنمر على الشعب الفلسطيني والأمة العربية، واصفا شعوبها تارة بالهمجية، وانتماؤها حضاريا للقرون الوسطى، وتارة أخرى بالحيوانات المتوحشة في مواجهة الحضارة الغربية المتفوقة. كما كتب في افتتاحية في نيويورك تايمز في 2 شباط / فبراير / 2024، بعنوان "فهم الشرق الأوسط من خلال المملكة الحيوانية". ولحرف الأنظار من جهة أخرى عن عنصرية الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني باختزال المشكلة بنتانياهو وائتلافه بعيدا عن بنيته العنصرية ودوره الوظيفي /الإمبريالي

4 - سامر السنجلاوي، الذي أدار الندوة. ولن يتم التطرق إلى سيرته السياسية المثيرة للشبهات بالنظر إلى عدم مشاركته في الحوار.

ثانيا: توقيت الندوة الذي يأتي بعد تصعيد حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وبعد خمسة أيام من بدء العملية العسكرية الإسرائيلية البرية في رفح. وفي ظل تزايد عزله إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية بعد قراري محكمة العدل الدولية التي أصدرتهما في 24/1/2024 

و28/3/2024 وطالبت الدولة الصهيونية بالامتثال لمعاهدة منع الإبادة الجماعية. واتخاذ تدابير طارئة لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة. وفي اليوم التالي مباشرة لقرار الجمعية العامة في 10/5/2923 بأحقية فلسطين بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة، باغلبية 143 دولة.

ثالثا: عنوان الندوة "بعد سبعة أشهر على الحرب، كيف يمكن إحداث اختراق”. والأصل أن إحداث اختراق في مسائل تتصل بالمصير الوطني الفلسطيني يكون بداية عبر حوار وطني فلسطيني، يبدأ داخل الأطر التنظيمية الفلسطينية المختلفة لبلورة رؤية واضحة تعبر عن مواقفها السياسية. ثم تناقشها مع الشركاء في القوى الوطنية الأخرى، للوصول إلى توافق وطني حول رؤية جامعة تعتمدها الأطر الشرعيّة وفقا للقاسم المشترك الأعظم بين مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. وتشكل مرجعية ملزمة للحوار مع كافة الأطراف غير الفلسطينية /العربية والإسرائيلية والإقليمية والدولية /.

لناصر القدوة، وللملتقى الديموقراطي الذي يرأسه- إن كان قد استشار أعضاءه ووافقوه على مضمون مداخلته - كامل الحق في التمسك برؤية سياسية لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، رغم فشل تحققها تفاوضيا طوال الثلاثة عقود الماضية(1994-2024)، -وكان خلال معظم سنواتها أحد صناع القرار- لتعذر تحققها دون إحداث تغيير جوهري في موازين القوى فلسطينيا وإسرائيليا وعربيا وإقليميا ودوليا.

وله وللملتقى الديمقراطي كامل الحق، أيضا، في الترويج لهذه الرؤية بين أبناء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه لحشد التأييد لها. 

ولهم كامل الحق في طرحها على القوى والفصائل والأحزاب السياسية الفلسطينية.

لكن، لا حق لأي جهة فلسطينية، فردا كان أم جماعة أم تنظيما طرح رؤى تتعلق بمستقل الشعب الفلسطيني ومصيره مع أطراف عربية أو دولية أو إسرائيلية دون إقرارها فلسطينيا، ودون تفويض من الشعب الفلسطيني وأطره النضالية والشرعية. 

لقد اختبر الفلسطينيون عبر تاريخهم الممتد على مدى أكثر من قرن أخطار الاجتهادات الفردية والفئوية، وخبر تداعياتها الخطيرة على الساحة الفلسطينية، وتسببها في التشظي والانقسام وتعميق الاستقطاب الجهوي والفصائلي والفئوي والشخصي. وفي إتاحة الفرص لاختراق الساحة الفلسطينية. خصوصا في ظل الهشاشة البنيوية، وضعف المناعة الذاتية الناجمة عن توزع الشعب الفلسطيني بين عدة كيانات سياسية واقتصادية وقانونية مختلفة/ أربعة منها داخل الوطن الفلسطيني المحتل: "إسرائيل"، وقطاع غزة، والقدس الشرقية، والضفة الغربية/ وأكثر منها في مواطن اللجوء في الأقطار العربية المجاورة / الأردن وسوريا ولبنان ومصر/ وفي عديد الدول العربية النفطية، فضلا عن بلاد الاغتراب في أميركا الشمالية والجنوبية وأستراليا وأوروبا وآسيا وافريقيا.

والمثل الأكثر قربا للذاكرة حول خطورة الاجتهادات في قضايا تخص المصير الفلسطيني بعيدا عن الأطر الشرعية. تلك المتصلة بالحوار التمهيدي الذي بدأه أحمد قريع في منتصف عام 1993 - بتفويض من مجموعة بالغة الصغر من القيادة الفلسطينية المتنفذة- مع البروفسور يئير هيرشفيلد المفوض من الحكومة الإسرائيلية. واستهدف، آنذاك، إحداث اختراق أفضى إلى توقيع اتفاق أوسلو، المليء بالثغرات السياسية والقانونية التي كانت السبب الرئيس لفشل مفاوضات واشنطن. وبادرت إليها القيادة الإسرائيلية بدعم أميركي عندما استشعرتا خطر تداعيات تطور الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الشاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، بعد أن تعذر إخمادها بالقوة وتنامى التأييد العربي الشعبي والرسمي والتعاطف الدولي مع مطالبها بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الناشىء عام 1967 واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. فسارعت الولايات المتحدة الأميركية لتوظيف تفردها بالقيادة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الاشتراكي لعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وسحب تسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي من مظلة الشرعية الدولية وقراراتها الملزمة بحل الصراع. والدفع بعملية تسوية سياسية تحت رعايتها، توظف الاختلال الهائل في موازين القوى الفلسطيني- الإسرائيلي والعربي والإقليمي والدولي لاحتواء الانتفاضة، خصوصا بعد أن أيقنت عجز إسرائيل عن إنهائها بالقوة طوال أربع سنوات. فعمدت بداية إلى محاولة اختراق الساحة الفلسطينية، بالاتصال بالقيادة الفلسطينية في الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967. واقناعها بالانضمام إلى الوفد الأردني لمؤتمر مدريد. غير أن قيادة الداخل اشترطت موافقة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وعندما وافقت، انضمت لفريق التفاوض الأردني ثم استقلت بمسار تفاوضي في واشنطن تحت إشراف منظمة التحرير الفلسطينية. وعندما تيقنت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من تعذر خضوع الوفد الفلسطيني في واشنطن وتمسّكه بالثوابت الوطنية، وإصراره على وقف الاستيطان باعتباره الخطر الرئيس الذي يقوض فرص إنهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية. ورفضه التسليم بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية والمياه والحدود وتوطين اللاجئين خارج فلسطين - أوعزت للوكلاء في أوروبا لاستشراف مدى جاهزية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية للتسوية. وكانت تدرك عمق المأزق الذي تواجهه القيادة في تونس بفعل العزلة والحصار السياسي والدبلوماسي والمالي العربي والدولي، والبعد عن أرضها وشعبها الفلسطيني (نصفه تحت الاحتلال الإسرائيلي، ونصفه الآخر في مناطق اللجوء في دول الجوار). وكانت تعي أيضا عمق قلق قيادة المنظمة- غير المبرر- من فقدان النفوذ لصالح القيادة الفلسطينية الصاعدة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس بعد الانفتاح الأميركي على التعامل المباشر معها. وعندما أيقنت استعدادها للانخراط في مفاوضات سرية في أوسلو- بالتوازي مع مفاوضات الوفد الفلسطيني في واشنطن. وجاهزيتها لتوقيع اتفاق انتقالي لحكم ذاتي محدود (بالتنازل عن الثوابت التي تمسك بها الوفد التفاوضي الذي تشرف عليه في واشنطن)، لتلبيه حاجتها الماسة لموطىء قدم في فلسطين، وتوافق ذلك مع حاجة إسرائيل لإنهاء الانتفاضة والتخلص من قطاع غزة والتحرر من الأعباء الأمنية والسياسية والاقتصادية للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن الضغوط الدولية المتنامية. خصوصا بعد موافقتها على تأجيل المواضيع الخلافية الأساسية / القدس والاستيطان واللاجئين والحدود والعلاقات الخارجية والمياه لمرحلة لاحقة / تم التوقيع على اتفاق لترتيبات حكم ذاتي محدود لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات.

 لقد فشل اتفاق أوسلو بسبب تعذر حل الصراع تفاوضيا دون إحداث تغيير جدي في موازين القوى الفلسطينية والإسرائيلية والعربية والإقليمية والدولية.

وبسبب خطأ اجتهاد القيادة الفلسطينية المأزومة، وهواجس استبدالها، وسوء تقديرها، واستعجالها حصد ثمار الانتفاضة الشعبية الفلسطينية قبل أن تنضج. وافتراض حسن نوايا العدو وجديته بحل الصراع. والافتقار إلى وعي معرفي بالطبيعه الوجودية للصراع. وإلى رؤية واضحة لمنهج إدارته ولمستلزمات العبور الآمن للمرحلة الانتقالية. ولخطة سياسية وأمنية واقتصادية وتنظيمية وإدارية لتعظيم الفرص ودرء المخاطر. 

وعوضا عن أن يؤسس الاتفاق لإنهاء الاحتلال الناشئ عام 1967 وتعزيز مقومات الدولة الفلسطينية قيد التاسيس، تكرس الاحتلال وتوسع جغرافيا وديموغرافيا. وتم فصل الضفة الغربية عن القدس الشرقية وعن قطاع غزة جغرافيا وديموغرافيا وسياسيا. وضعفت المناعة الذاتية الفلسطينية. وتعمق الارتهان الفلسطيني المعيشي لإسرائيل. وتم تقويض الفرص الواعدة التي أتاحتها الانتفاضة الشعبية الفلسطينية لقيام الدولة الفلسطينية وفقا لحدود 1967. لو ارتقى الأداء السياسي والاقتصادي والأمني والتنظيمي والإداري الفلسطيني إلى مستوى تضحيات الشعب الفلسطيني.

رابعا: مضمون الندوة: التوافق بين المتحاورين الثلاثة حد التطابق حول القضايا الرئيسة التالية:

1: الوقف الفوري للحرب باعتباره مصلحة للجميع. فوفقا لإيهود أولمرت، يشكل وقف الحرب مصلحة لإسرائيل بعد أن قضت فعليا على الجزء الأكبر من قادة وكوادر حركة حماس، ودمرت معظم عتادها العسكري. وتعذر إحراز نتائج أكثر مما تحقق. فاستمرار الحرب يهدد بمزيد من الخسائر في الرهائن. ولن يكون هناك نصر عسكري إن لم يعد الرهائن أحياء. ولم يذكر الاسباب الجوهرية الأخرى المتمثلة في ارتفاع تكلفة الحرب بشريا وسياسيا واقتصاديا ومعنويا.

وعليه يرى ضرورة إيلاء الأولوية الأولى للتوصل إلى اتفاق مع حماس عبر الوسطاء/ مصر وقطر والولايات المتحدة الأميركية/ بوقف الحرب وإطلاق سراح جميع الرهائن. وأن تعلن إسرائيل رسميا وبوضوح نيتها في الانسحاب الكامل من قطاع غزة.

فيما يرى توماس فريدمان أن استمرار الحرب ينذر بالعودة بالصراع إلى العام 1947 بأدوات مختلفة جذريا، وحرب جديدة بأسلحة فتاكة لا يقوى عليها الفلسطينيون ولا الإسرائيليون.

 ويرى ناصر القدوة ضرورة وقف الحرب فورا. وإنهاء كل الأفكار المجنونة حول سفك الدماء والترحيل الجماعي وتقليص حدود قطاع غزة الصغير والتوصل إلى اتفاق لتبادل الاسرى، بضمان عودة الرهائن الإسرائيليين وإطلاق سراح عديد الأسرى والمحتجزين الفلسطينيين.وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة دون عودة، وبدون محاولة فرض وضع على الفلسطينيين رغما عنهم، وإعادة حصار قطاع غزة الذي دام طويلا.

ثانيا: اليوم التالي لوقف الحرب.

توافق المتحاورون على ضرورة إيجاد قوة غير فلسطينية مؤهلة للسيطرة على قطاع غزة. تتولى المسؤولية بعد انسحاب إسرائيل منه لفرض الأمن والنظام ومنع حماس من استعادة سيطرتها على القطاع. والإشراف على إعادة الإعمار. 

وينحصر الاختلاف في هوية وطبيعة القوة فيعتقد إيهود أولمرت أن القوة يجب ان تكون دولية في المرحلة الأولى. وأن على الإسرائيليين التفاوض بشأنها مع شركائهم الأميركيين والأوروبيين والعرب لتولي المهمة، إلى حين الانتهاء من تجهيز قوة أمنية عربية يتم تأهيلها لإدارة القطاع /الأردن ومصر والدول العربية المعتدلة التي ترغب بالمشاركة/بالتعاون مع قوة أمنية فلسطينية مؤهلة. 

 فيما يرى ناصر القدوة أن الأفضل تولي قوة أمنية وليست عسكرية، وأن تكون من جنسيات عربية متعددة، وليست دولية، تتولى مسؤولية فرض الأمن والنظام في قطاع غزة بعد انهاء حكم حماس، وتتعاون مع الأمن الفلسطينى المعاد تأهيله أميركيا وعربيا، وتنتدب لمهمة محددة ومؤقتة لتحقيق الاستقرار، ريثما يتم تسليم قطاع غزة للجانب الفلسطيني المؤهل الذي سيضطلع بإدارة شؤون القطاع.

ثالثا: الموقف من السلطة الفلسطينية:

يتوافق المتحاورون على أن قطاع غزة يجب أن يحكم من قيادة فلسطينة مؤهلة "متجددة ". ويرى إيهود أولمرت أن نتانياهو أخطأ بدعمه لحماس خلال السنوات الخمس عشر الماضية وإطلاق سراح السنوار، وإضعاف وتجاهل السلطة الفلسطينية، الأمر الذي قاد للسابع من تشرين الأول/ أكتوبر/.

ويربط إعادة تأهيل وتجديد القيادة الفلسطينية(التي يمكن أن تكون مرشحا محتملا للشراكة، سواء من السلطة الحالية أو من يتولى المسؤولية بدلا منها بدعم من الفلسطينيين، وقبول من المجتمع الدولي) بشروط سياسية محددة ترتكز على الاعتراف بالاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية الموقعة سابقا. بدءا باتفاقية أوسلو. والالتزام بها، والجاهزية لمتابعة العمل بموجبها، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. 

فيما يختلف ناصر القدوة مع أولمرت حول صحة اقتصار دعم نتانياهو لحماس وإضعاف وتجاهل السلطة الفلسطينية. ويرى أنه لولا دعم نتانياهو والدعم الأميركي والعربي لعباس لما استمر حتى الآن. وأن توقف هذا الدعم سيؤدي إلى إحداث التغيير المأمول بإيجاد"حكومة فلسطينية جادة غير فاسدة ولديها الرغبة في أداء المهمة في قطاع غزة، بحكمه، وإدارته، وإعادة بنائه، وبناء قوة أمنية جديدة تكون نواة القوة الأمنية المسؤولة في قطاع غزة". 

ويعتقد أن "الأفضل أن يتم ذلك بعد رحيل عباس وزمرته". مع امكانية القبول بمرحلة انتقالية، "لذا دعا الأميركيون لقيادة فلسطينية متجددة". ويرى ذلك بالبحث في خيار رئاسة فخرية وحكومة متمكنة. وإجراء ترتيبات خاصة بغزة، مع ضمان وحدة الأراضي الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

وتوافق ناصر القدوة مع توماس فريدمان الذي يعتبر إيجاد "سلطة فلسطينية فعالة شرعية ذات مصداقية وخالية من الفساد، حجر الزاوية لإنهاء الحرب والركيزة الأساسية للحل".وانتقد كلاهما سماح الإدارة الأميركية بتمرير الحكومة الفلسطينية من خلال تغيير رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة. ويعتقدان وجوب العودة للوراء، والقول بأن هذا غير مقبول. فيدعو فريدمان "لرفض التغيير وإبلاغ الجامعة العربية والدول العربية بأن هناك فرصا أخرى لإعادة هيكلة السلطة الفلسطينية". 

فيما يرى ناصر اشتراط المرحلة الانتقالية "بتغيير وضع الرئيس، وتحويله إلى رئيس فخري. والسماح بحدوث تغيير جدي بإقامة حكومة جديدة قادرة لا تشارك فيها حماس أو أي من هيئاتها. وتتوفر فيها معايير ثلاثة:

  • مستوى عال من القبول
  • مستوى عال من الكفاءة والقدرة على أداء المهام
  • الثقة والقبول من المانحين وخصوصا في المنطقة".

ويتم خلال المرحلة الانتقالية "معالجة مشكلة المليونين الذي تم نقلهم في قطاع غزة، وإحداث تحول بنيوي في النظام السياسي الفلسطيني. بتحول التيار الإسلامي - بعد إضعاف حماس عسكريا - إلى شيء إيجابي، شيء مقبول، شيء يصبح جزءا من البنيان الديموقراطي الفلسطيني، وتجميع عديد المنظمات القائمة غير المؤثرة في تيار وطني يساري، اضافة للتيار الوطني ديمقراطي الذي تمثله فتح. والذهاب بعد ذلك إلى الانتخابات عندما يتسنى إجراؤها. حيث سيكون هناك وضع فلسطيني جديد يعيد بناء منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس ديمقراطية".

رابعا: حل الصراع: توافق المتحاورون على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على أساس حل الدولتين: 

 فيرى إيهود أولمرت أن السابع من أكتوبر كان نتاجا لمواصلة التهرب الإسرائيلي من التعامل مع القضية الفلسطينية. وأنه إن لم يتم التعامل مع الموضوع الفلسطيني فإن إسرائيل لن تبقى إسرائيل.

 ويعتقد أن حل الدولتين هو الطريق الصحيح، غير أن تفاصيله ليست موضع نقاش حاليا. ويؤكد افتقار إسرائيل إلى قادة مستعدين - سواء في السلطة أم في المعارضة - يمكنهم مواجهة التحدي الحقيقي وطرح الموضوع الفلسطيني وقيادة التغيير والتقدم نحو حل الصراع. وأشار إلى أنه تمكن عندما كان رئيسا للوزراء من التوصل عام 2008 إلى إطار لحل الدولتين- لم يتطرق لمضمونه- واتهم الرئيس محمود عباس بأنه لم يمتلك الشجاعة والجرأة والقيادة للتوقيع عليه آنذاك.ويؤكد أن موضوع اللاجئين يجب ان يكون ضمن إطار الحل.

ويتوافق توماس فريدمان مع ناصر القدوة الذي أكد “أن لا أحدا يريد إقامة دولة ديمقراطية يتعايش فيها أتباع الديانات الثلاث معا”! - إلا إذا قصد من المتحاورين- وأن حل الدولتين هو الطريق الوحيد لحل الصراع. وأن البديل هو الحرب الدائمة التي ستدمر الفلسطينيين والإسرائيليين والمنطقة بأسرها.

وأكد فريدمان على ضرورة “فتح الطريق لحل الدولتين، وأن إبرام الصفقة الأميركية لتطبيع العلاقات السعودية- الإسرائيلية سيؤدي إلى حل الدولتين”.

وأكد ناصر القدوة على الحاجة لوضع إطار لحل الدولتين -كما أشار أولمرت وطالبه بتزويده بإطار الحل وسأله ان كان يخطط للعودة للسياسة - وأضاف بضرورة أن تحدد النتيجة النهائية للمفاوضات منذ البداية، وتشير بوضوح إلى حل الدولتين وفقا لحدود الرابع من حزيران 1967. والاعتراف المتبادل بينهما في موعد محدد لا يتجاوز حزيران 2027. ما يعني ثلاث سنوات من "التفاوض حول خط الحدود، وطبيعة العلاقات بين الدولتين، وقضايا المستوطنات والمستوطنين لتسويتها".

وأوضح أن "الاعتراف المتبادل بين الدولتين "كافيا في المرحلة الأولى، "وحتى لو لم تقم الدولة الفلسطينية فورا، لكن تثبيت أساسها القانوني من قبل الطرفين سيعني أن مبادرة السلام العربية قد تم تنفيذها وتم القبول بها! ما سيفتح المجال لعلاقات ثنائية ومتعددة عربية إسرائيلية. 

خامسا: آلية الوصول إلى حل الدولتين: 

حذر أولمرت الفلسطينيين من الوقوع بما أسماه فخ الحصول على اعتراف الأمم المتحدة بدولة في حدود العام 1967، لأن ذلك سينهي المفاوضات. وقال إن الأفضل التفاوض مع إسرائيل حول الدولة الفلسطينية في إطار حل الدولتين. 

ومن جانبه قلل ناصر القدوة من جدوى موافقة 146 دولة على ترقية عضوية دولة فلسطين من مراقب إلى دولة كاملة العضوية في الجمعية العامة للأمم المتحدة المتحدة. ووصفه بأنه “إجراء سياسي وقصة ليست حقيقية خلقها الجانب الفلسطيني”. وأشار إلى أن مساواة العضوية في الأمم المتحدة بالاعتراف غير صحيح. وأعرب عن اتفاقه مع أولمرت بأن ذلك ليس الطريق للأمام. وأكد عدم الحاجة لعضوية فلسطين في الأمم المتحدة. بل لاعتراف حكومة الولايات المتحدة الأميركية بالدولة الفلسطينية. وبعد ذلك ربما الذهاب للأمم المتحدة باعتبارها أحد معايير وجود الدول.

وفيما يتعلق بمحكمة الجنايات الدولية، لا يرى ناصر أن لها دورا في إقرار الحقوق الفلسطينية. "ولديه تحفظات على هذا المدخل".

اللافت في الحوار الثلاثي أن الاختراق الذي استهدفت الندوة الإليكترونية إحداثه، لم يطل إيهود أولمرت وتوماس فريدمان اللذان تمترسا خلف رؤاهم الصهيونية/ الإسرائيلية - الأميركية/ لحل الصراع. واحتفظا بالغموض فيما يتعلق بحل الدولتين سواء لجهة المضمون ام الجدول الزمني لتحققه. ولم يطالبا بتأهيل وتجديد القيادة الصهيونية عبر تغيير جدي في البنية العنصرية للكيان الصهيونى والدور الوظيفي/الإمبريالي/ الذي يتعذر من دونهما حل الصراع وبلوغ السلام وتحقيق الاستقرار في منطقتنا وفي العالم أجمع. 

 وأن الاختراق الذي تحقق في الندوة اقتصر على ناصر القدوة، الذي أظهر الجاهزية للتكيف مع الرؤية والشروط الإسرائيلية الأميركية العربية لليوم التالي لوقف الحرب على قطاع غزة. 

وهنا يتوجب الإشارة إلى أن الموضوع لا علاقة له بشخص، بل بنموذج لنخب فلسطينية يجسدها ناصر القدوة، المعارض الفلسطيني المستجد في لائحة المرشحين الساعين لدور في المرحلة المقبلة. فهناك عدد من الفلسطينيين النخبويين /المسؤولين السابقين والسياسيين والتكنوقراط / الذين ينشطون منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر/بالاتصال بدوائر صنع القرار الأميركي والأوروبي والعربي لترجيح فرص قبولهم في ترتيبات اليوم التالي. 

ويغيب عنهم جميعا أن الشعب الفلسطيني هو وحده صاحب الحق الأصيل في منح الشرعية لقيادته وفي حجبها. وأن معايير المنح والحجب ترتبط فقط بثوابت المشروع الوطني التحرري الفلسطيني الذي تتوافق عليه كافة مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه. والذي ينطلق من وحدة الأرض والشعب والقضية، وينفتح على حلول سياسية باتت ممكنة بعد موقعة طوفان الأقصى والصمود الأسطوري للمقاومة الباسلة وحاضنتها الشعبية، بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين، وإنهاء التمييز العنصري ضد فلسطيني العام 1948

 

مشاركة: