الرئيسية » خالد الحروب »   22 تموز 2015

| | |
سيرورة التطرف و«الداعشية» ... من التعليم حتى الآن!
خالد الحروب

من دون التقليل من كل المعارك الخارجية المفروضة على المنطقة وشعوبها، يبدو أن معركة داخلية ليست سهلة، إن لم تكن دموية، يجب ان تُخاض ايضاً ضد التطرف والتعصب وما ينتجان. في طول وعرض العالم العربي وفي كل بلادنا تقريباً ومن دون استثناء تتصاعد منحنيات التطرف لدى شرائح ليست قليلة، ولا هامشية. والاستجابات التي ترسلها تلك الشرائح لدعوات التطرف وممثليها ومنظماتها مقلقلة الى ابعد حد. التعاطف المُعلن او المُستتر مع الحركات المسلحة والمتطرفة والدموية مثل «داعش» و»القاعدة» وأخواتهما وما هو قريب منهما، يجب ان يبعث على الخوف العميق على مستقبل الشعوب وبلدانها.

تطرف المجتمعات او شرائح عريضة منها والانحدار إليه حالة سرطانية مرعبة تحدث بالتدريج وقد تصل الى نقطة مدمرة حيث تجلب الموت والانهيار للمجتمع والوطن في لحظة يحدث فيها الانفجار الكبير، والتي عندها تفلت الأمور عن السيطرة والقدرة على المعالجة. يكمن خطر التطرف والتعصب وخطاباتهما في توليد المناخ القابل للقتل والاستئصال عند شريحة من المجتمع، او عنده كله، بحق «الشرائح والمكونات الأخرى». ولا يحدث هذا المناخ او يتولد في لحظة زمنية واحدة او عقب حدث معين، بل يحتاج الى «سيرورة تطرفية» تتطور على مدار فترة زمنية كافية لإنضاجه. مثلاً، لا يمكن تخيل بروز الحالة التطرفية الطائفية الراهنة بين الشيعة والسنّة في خمسينات وستينات القرن الماضي، كرد فعل على حادثة تفجير طائفي منعزلة او شيء شبيه بها. عمق التعايش ورسوخه آنذاك كان اكبر بكثير من ان تتم تذريته بحادث او حتى مجموعة حوادث تندلع من منطلقات طائفية.

السيرورة التطرفية ومنحيات التعصب التي انحطت اليها المنطقة منذ عقد الثمانينات على الأقل والتي تسببت بها صراعات ومنافسات الخمينية الشيعية والسلفيات السنية، استهلكت الأرث التعايشي العميق عند شعوب المنطقة، واستنزفته الى الحد الأخير. تحالفت الإسلاموية بتنوعاتها المختلفة مع تلك الصراعات وعملت على تديين المناخ العام وتلوين افكار وسلوكات الناس بالنظرة الدينية الضيقة المناقضة للنظرة المواطنية. وفي خضم فوضى الأجندات المحلية والإقليمية، التنافسية بين الدول المُستخدمة للأديان والطوائف، والإسلاموية بين الحركات التي يدعو كل منها إلى فكرة معينة (الخلافة، الأسلمة، الجهاد، ...)، كانت الضحية الأولى والأهم هي فكرة المواطنة والتعايش داخل اوطان ما زالت في طور التشكل، وما زالت الأسس المدنية والدستورية والمواطنية المكونة لها طرية ولم تترسخ بعد. على ذلك، فإن الجزء اليسير من الطريق الذي كان قطع باتجاه دولة المواطنة، والمتباين تبعاً للبلد المعني، تم إيقافه وإجبار الناس على العودة الى الوراء بحثاً عن ولاءات وهويات ما قبل الدولة الحديثة وما قبل المواطنة.

وهكذا وخلال اربعة عقود كاملة على الأقل اشتغلت الطائفية الإقليمية والإسلامويات المحلية على تحطيم فكرة دولة المواطنة، وعلى اختطاف المجال العام باسم الدين، وعلى تديين كل الممارسات السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو تديين محازب ومنحاز وفق الجهة صاحبة النفوذ والسيطرة في هذا البلد او ذاك، او هذا الجزء من البلد او ذاك. كان ذلك جزءاً من «سيرورة التطرف» التي نحصد ثمارها اليوم، لذلك لا يمكن محاصرة هذا التطرف عبر محاصرة العناصر والمنظمات والأحداث المتطرفة. علينا ان نعترف ان المطلوب هو اكبر من ذلك وأخطر بكثير، وله علاقة بمعالجة مناخ التطرف وجذوره وخطاباته المُستبطنة في معظم مجالات اشتغال السياسة والاجتماع والثقافة والدين. لنتأمل مثلاً الضجة الإعلامية والسياسية التي قد تنفجر في اي بلد إزاء اي حدث مسلكي هامشي وتافه لفرد او مجموعة افراد، او لممارسة صوفية مثلاً، او لتعبير ديني مغاير للتعبيرات التي تعتنقها الغالبية، حتى نرى عمق ثقافة الإقصاء والاستئصال التي صارت سمة قاتلة ودموية من سمات الاجتماع السياسي والثقافي في مجتمعاتنا.

احد الآليات وسيرورات التطرف المُكونة للتطرف (ثم لـ «التدعشن» لاحقاً) تكمن في التعليم ومنهاجه ومناظيره، وهو التعليم الذي اقحم فيه الدين والتدين لانتزاع وتعزيز شرعيات سياسية للنظم الحاكمة. لكن تلك العملية الهادفة الى تعزيز الشرعيات انتجت معها وخلال عقود طويلة اجيالاً مشوهة من اشباه متدينيين، فاقدين معنى ومفهوم المواطنة. على ذلك يمكن القول إن جزءاً ليس باليسير مما يقترفه «داعش» عملياً هو مُدرس نظرياً لطلابنا في شكل او آخر، ربما بطريقة اقل خشونة، لكن متوحدة في ذات الجذر الفكري. هذا الجذر يُظهر الذات متفوقة ومتعالية على الآخرين، بكونها الذات المؤمنة الوحيدة على وجه الأرض (الفرقة الناجية)، وغيرها غير مؤمن وغير جدير بالبقاء على قيد الحياة اصلاً.

تؤسس هذه التراتبية بطبيعة الحال لطيف من الممارسات المختلفة ضد الآخر تبدأ بالتعالي الشعوري عليه واحتقاره وتصل في اقصى صورها الى ممارسة العنف ضده. هي ثقافة تقوم على إعلاء الذات فوق الآخرين عوض ان ترسي قواعد مساواة تامة معهم، على اساس المواطنة والهوية الوطنية الحديثة المشتركة، وقائمة على التنوع الذي يحترم الاختلاف ولا يرى سوى التعايش اطاراً للحياة البشرية هي ثقافة متطرفة وإقصائية ومآلاتها «داعشية».

وسواء كانت تلك الثقافة قومية او دينية او إثنية او جنسانوية فإن النهاية واحدة. رأى العالم هذا في نظريات التفوق الأوروبي العنصري التي انتجت هتلر ونازيته التي اعتقدت ان الجنس الآري يتربع فوق البشر كلهم، وهو أحق بقيادة البشرية، والأمر ذاته عكسته نظريات التفوق الياباني التي انتجت عنصرية مدمرة وإبادية في آسيا ضد الصينيين والكوريين والمنطقة، ونراه اليوم متمثلاً في النظريات «الداعشية» التي لا تعتنق فقط نفس نظريات التفوق بالنسبة الى المسلمين بل تطبقها عملياً من طريق إبادة من يختلف معها، حتى وإن كان من المسلمين انفسهم. «داعش» اليوم لا يرى في غير المسلمين سوى كائنات لا تستحق الحياة، بل يجب سحقها، ومجرد اهداف تُستخدم للتدريب العسكري او للإعدام الإعلامي الذي يهدف الى ترهيب الآخرين وبث الرعب فيهم.

في كل ثقافة من الثقافات هناك مكونات تطرف ومكونات اعتدال، وإذا تُرك لمكونات التطرف ان تنمو ببطء وبخاصة في فضاء العملية التعليمية والتربوية فإن النتيجة ستكون «داعشية» المذاق، وهو ما نحصده في هذه المرحلة. في حقب سابقة سيطرت مكونات الاعتدال والتعايش والاعتراف بالآخر في ثقافات المسلمين، فأنتجت حضارات مفتخرة في الأندلس والهند وآسيا عدا عن حواضر التقدم في بغداد ودمشق. في كل هذه الحواضر حافظ الناس على اديانهم في ظل الحضارة الإسلامية، بل لجأ اليها المظلومون.

عندما وصل المسلمون الى الأندلس تنفس اليهود الصعداء لأنهم تخلصوا من اضطهاد الكاثوليك، وأفلتوا من الخطط التي كانت تعد لإبادتهم. طوال ثمانية قرون عاش اليهود والمسيحيون تحت الحكم الإسلامي في نمط تعايش مذهل حتى بمعايير القرون المتقدمة الحالية. وعندما سقطت دولة المسلمين في الأندلس هرب اليهود معهم الى دول المغرب العربي ودول البلقان المسلمة التي كانت الدول الوحيدة في اوروبا التي آوتهم. في الهند عاش الهندوس والسيخ والبوذيون في تعايش وتكافؤ مع المسلمين تحت الحكم المغولي.

اما عندما تتعزز مكونات التطرف في الثقافة، وتتغلل «الداعشية» الخفية في مناهج التربية والتعليم خصوصاً، وتنتج سياسيين «داعشيين»، فإن النتيجة لن تكون غير ما نرى هذه الأيام، حيث سيادة الإسلاموية المتطرفة وحيث «الداعشية» تمثل اسوأ تعبيراتها. عندما يتعلم طلاب المدارس ان غير المسلمين مجرد كفار لا يستحقون سوى الاحتقار، فإن الفرق بين تفكير وممارسة «داعش» وقناعات راسخة وخفية من التربية الدينية الضيقة والإقصائية المبثوثة في مجتمعاتنا يصبح هو التطبيق ليس إلا. كثير من شيوخ التطرف الذين يخطبون في الجمع ينطقون بخطاب «داعشي»، لكن لا يملكون السيف الذي يملكه «داعش» كي يطبقوا به بالعمل ما هم مقتنعون به بالنظر.

مشاركة: