الرئيسية » طلال عوكل »   22 تموز 2015

| | |
«داعش» في غزة فماذا أنتم فاعلون؟
طلال عوكل

الانفجارات الخمسة التي وقعت في حي الشيخ رضوان بغزة، صباح أمس، وأدت إلى إحراق خمس سيارات تعود ثلاث منها لأعضاء في كتائب القسام، واثنتين لأعضاء في سرايا القدس، هذه الانفجارات، لم تكن أقل من رسائل نارية، تستهدف إعادة طرح ظاهرة وجود "داعش" في غزة على الأجندة اليومية لكل الفصائل الفلسطينية وفي المقدمة منها "حماس"، وعلى أجندة كل مواطن فلسطيني. 

خمسة تفجيرات خلال ربع ساعة تشير إلى أن الفاعلين يمتلكون الخبرة، والوسائل، والإرادة لإفساح المجال لمرحلة طويلة من الأحداث الخطيرة، التي تنطوي على تغييرات حقيقية في جسد الحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية.

وأن تقع هذه التفجيرات في اليوم الثالث من أيام العيد بدون مراعاة، هذه المناسبة الدينية والوطنية، فإن ذلك يشير إلى أننا أمام صراع مرير، لا يقيم أي وزن أو اهتمام لطبيعة الظروف طالما أن الهدف بالنسبة للفاعلين يحظى بأولوية التوقيت وأية حسابات أخرى. 

تدرك حركة حماس بأنها الطرف الأول المستهدف من وراء هذه التفجيرات، وما قد يتبعها من أعمال لا علاقة لها بردود الفعل على أفعال خاصة بعينها، أو بحالة انتقام نتيجة فعل، أو أفعال تعرض لها بعض المنتمين لـ "داعش"، ذلك أن المسألة تنطوي على أبعاد إستراتيجية خطيرة وجذرية، بعد أن قامت "داعش" بإخراج الحركة وجماعة الإخوان من الشرعية، وربما أقدمت على تكفيرها.

منطق هذه الجماعة يقوم على التعامل الحاسم مع من تعتبرهم الأعداء القريبين على الأعداء البعيدين، الأمر الذي يفسر تجنّب "داعش" منذ ظهورها، الاحتكاك الناري مع إسرائيل والولايات المتحدة وهما العدوتان اللتان تدعي كل الحركات الإسلامية أنها تناصبها العداء، وإذا كان ذلك لا يفسر كل أسباب تجنب "داعش"، لاستهداف إسرائيل وأميركا، فإن التجربة العملية تقول إنها تعتبر نفسها الحامل والحافظ الأصلي والحصري للسلف الصالح، وأن من لا يقف معها، يكون قد قرر الوقوف ضدها ما يستوجب حسم الأمر معه.
حتى وقت قريب كان الحديث عن داعش في غزة، مجرد ثرثرات، أو محاولات من قبل أطراف أخرى في مقدمتها إسرائيل، لتحقيق أهداف تحريضية، غير أن ما جرى صباح يوم أمس، بعد ما جرى من قبل، يشير إلى أن وجود "داعش" قد أصبح يتجاوز الحالات الفردية التي يمكن ملاحقتها، واجتثاثها.

تخطئ كثيراً حركة حماس، إذا ظلت تتعامل مع هذه الظاهرة على أنها محدودة، وبعيدة عن أن تكون تنظيماً أو جماعة متبلورة قادرة على تقويض سلطة حماس، وقدراتها الأمنية، وإذا لم تضع إستراتيجيات وطنية لمواجهة هذه الظاهرة، فإنها قد تؤدي فعلاً إلى تغيير لوحة الفاعلين في قطاع غزة على الأقل.

لا يستدعي الأمر المكابرة، أو إخفاء الشمس بغربال، فحال قطاع غزة وأمن مواطنيها معلق اليوم في رقبة حركة حماس؛ فهي المستهدفة وهي التي ينبغي أن تكون قادرة على محاصرة هذه الظاهرة قبل أن تستفحل وتأكل الأخضر واليابس.

في التقييم الواقعي والمنطقي، إن قوة المقاومة، وتنوع وتعدد الفصائل الإسلامية والوطنية، يفترض أنه لا يترك مجالاً لظهور جماعات أخرى متطرفة أو معتدلة، فالساحة الفلسطينية تعجّ بالأفكار، والسياسات من الحامض إلى الحلو، والمرّ كذلك، لكن ظهور داع، يخرج عن هذه القاعدة بعد أن تجاوز وجودها وفعلها معظم البلدان العربية.
في أسباب ظهور داعش في قطاع غزة لا بد من الإشارة إلى أن، الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع، ويتواطأ معها المجتمع الدولي، يشكل السبب الأساسي في توفير البيئة المناسبة جداً لانتشار الأفكار والجماعات المتطرفة من كل نوع.

لقد أدى الحصار والعدوان الإسرائيلي، ومعه الانقسام الفلسطيني إلى توسيع دائرة الإفقار والبطالة، والشعور بالظلم والإحباط والغضب، ما قد يولد لدى الشباب الرغبة في الانتقام، وركوب أعلى موجات التطرف طالما أن كل الخيارات والمسالك مغلقة، حتى لم يتبق للشباب سوى الموت قهراً، أو الموت استشهاداً أو انتحاراً.
وفي الأسباب، أيضاً، فإن المناخ الإسلامي الشائع في قطاع غزة قد أتاح الفرصة لوجود عدد كبير من المنظمات والجماعات الإسلامية التي لا يكتفي بعضها بالدعوة، وإنما انتقل إلى المربع الذهبي أي مربع المقاومة، الذي منحها شرعية الحصول على السلاح.

على أن ما نتحدث عنه يتجاوز كل ذلك، فالأمر لا يتصل بعدد معين من الأفراد المعجبين بـ "داعش"، أو المنتمين لها، وإلاّ كان من السهل محاصرتهم، ومنعهم من الحركة. 
الحديث يدور عن أعداد من غير الممكن حصرها بعشرات أو مئات أكثر أو أقل، طالما أن معظمهم ممن ظهر حتى الآن قد خرجوا من تحت عباءة حماس.
يبدو الأمر منطقياً، حين يتعلق بتزايد المعترضين أو المتمردين من حماس على سياستها، فلقد تمت تعبئتهم دينياً ونضالياً على نحو عميق، حتى لم يعودوا قادرين على استيعاب الخيارات والتحركات السياسية للحركة. 

نعتقد أن هؤلاء غير راضين عن محاولات الحركة استثمار المقاومة لرفع الحصار عن القطاع مقابل هدنة، وربما غير راضين، أيضاً، عن مساعي الحركة السياسية لتجديد وتقوية العلاقة مع المملكة العربية السعودية، ما يبدو وكأنه تخلى عن علاقتها بمحور المقاومة لصالح محول الاعتدال. 

الحركة التي تحتاج إلى الفعل السياسي بما أنها لاعب قوي، تحتاج في الوقت ذاته لتهيئة أوضاعها الداخلية، وتحتاج، أيضاً، إلى تعزيز التعاون الفعال مع بقية فصائل العمل الوطني، والقفز إلى قطار المصالحة، من أجل محاصرة هذه الظاهرة قبل أن تتسع دائرة فعلها واستهدافاتها.

مشاركة: