الرئيسية » مهند عبد الحميد »   22 تموز 2015

| | |
السلم الأهلي في خطر
مهند عبد الحميد

لا يمر يوم دون اندلاع أعمال عنف داخلية تصل أحياناً إلى قتل وقتل مضاد وحرائق وإجلاءات، ففي غضون أسبوع تم تسجيل الأحداث التالية:

- قتل مواطن وأصيب 3 مواطنين بجراح في شجار عائلي وقع بين عائلتين في حي الزيتون – مدينة غزة.

- قتل مواطن وأصيب ثلاثة مواطنين بجراح  في شجار بمخيم بلاطة. 

- العثور على جثة مواطن مشنوقاً في منزله بخان يونس. 

- ثلاثة قتلى و8 جرحى وحرق منزل في شجار وقع في بلدة بدو شمال غربي القدس.

- مقتل الطبيب محمود السباتين من حوسان ومقتل المواطنة أمل عودة من بيت ساحور وإصابة ثلاثة مواطنين بجراح وإحراق 15 محلاً وشقة سكنية في بيت لحم وبيت جالا، وإحراق 3 مركبات. 

إذا توقفنا عند هذه الأعمال العنيفة وسابقاتها الشبيهة، سنجد أن مستوى العنف صار أشد من سنوات سابقة، فأي خلاف بسيط قد يتحول إلى عمل عنيف يصل حد القتل والقتل المضاد. 
القتل وإقامة القانون باليد ظاهرة مقلقة تضع السلم الأهلي والمجتمعي في مهب الريح، سيما وأن هذه الظاهرة  لها فروع أخرى كقتل عشرات النساء سنوياً على خلفية ما يسمى بشرف العائلة. 
وثمة عنف أقل من القتل كالعنف الجسدي والنفسي والاقتصادي والاجتماعي والجنسي الذي يشمل النساء والأطفال والمسنين والشباب. يكفي القول إن 51% من الأطفال تعرضوا للعنف داخل الأسرة، و20% من طلبة المدارس من سن 12- 17 عاماً تعرضوا للعنف داخل المدرسة، و37% من النساء المتزوجات تعرضن لأحد أشكال العنف، و7.3% من المسنين تعرضوا للعنف، والمصدر هو الجهاز المركزي للإحصاء – النتائج الأولية للمسح الوطني حول العنف في المجتمع الفلسطيني/ علا عوض.   

كما نرى، العنف يتغلغل داخل المجتمع ويشمل كافة مكوناته وبخاصة النساء والأطفال ويتحول إلى ظاهرة تهدد السلم الأهلي. 

ثمة علاقة بين العنف داخل المجتمع الفلسطيني والعنف الممارس من الاحتلال العسكري ضد عموم الشعب الفلسطيني، فالعنف الخارجي (الاحتلال الإقصائي) يفاقم العنف الداخلي، وبخاصة عندما تحكم سلطات الاحتلال الخناق على الشعب الواقع تحت الاحتلال وتضعه في بنتوستونات الفصل العنصري، أو في معسكر اعتقال كبير مثل قطاع غزه.

السياسة الإسرائيلية المتبعة أطلق عليها وصف «تطهير عرقي صامت» وأسماها باروخ كامرلينغ بوليسايد»، هذه السياسة  تؤدي  أحياناً إلى انفجار عنيف أو تفريغ طاقة الغضب والمعاناة ضد الاحتلال كما يحدث الآن في القدس وكما حدث في حروب غزة  الثلاث وفي الانتفاضتين، ويؤدي إلى  تفريغ الطاقة داخلياً، إلى عنف داخلي، أو إلى حالة أطلق عليها عالم النفس المصري مصطفى زيوار مصطلح «التوحد بالمعتدي»، ومن مظاهرها إنكار وجود آخر، كأن يقصي الإسرائيلي وجود الفلسطيني ويشطبه ويشطب حقوقه توطئة لشطبه جسدياً. 

الإسرائيلي في رأي زيوار توحد مع المعتدي النازي الذي شطب اليهود، والتوحد يأتي هنا عندما يتم شطب الفلسطيني، أما التوحد الفلسطيني مع المعتدي الإسرائيلي فيأتي عندما يتنكر الفلسطيني لأبناء جلدته في حضرتهم ولا يعترف بحقهم في قضايا أساسية وغالباً في أشياء ثانوية فإنه يتوحد مع المحتل الإسرائيلي «المعتدي». 
فعندما يقمع الشرطي الفلسطيني أو رجل الأمن المواطن الفلسطيني بأسلوب المحتل الإسرائيلي فإنه يتوحد معه. 
التوحد يعني لا يوجد آخر، أو إنكار حق الآخر من قِبل المعتدي والمتوحد مع المعتدي.

قد لا يختلف كثيرون حول فرضية أن الاحتلال الاستيطاني ينتج العنف الفلسطيني الخارجي والداخلي، لكن الاحتلال وسياساته لا يشكل عاملاً وحيداً، لا يوجد مسبب واحد فقط  للعنف الفلسطيني مهما كبر تأثيره، فثمة أسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية إلى جانب السبب السياسي الممثل بالاحتلال، فالخنق الاقتصادي يؤدي إلى إفقار وتفاوت صارخ في مستويات المعيشة ويولد الإحساس بالظلم واللاعدالة وكلها تتسبب في إنتاج العنف. صحيح أن الاحتلال سبب رئيسي في الخنق الاقتصادي، غير أن إخفاق التنمية وسياسة تنحية تطوير الموارد من داخل المجتمع، والفساد الإداري والمالي، وأولويات الموازنة التي لا تأخذ بالاعتبار حل الأزمات الاقتصادية للسواد الأعظم من الناس، كل هذه العوامل الداخلية تساهم مع العامل الخارجي في مفاقمة الخنق الاقتصادي، وفي ارتداد العنف داخلياً. 

إن التحولات الرجعية التي شهدها المجتمع الفلسطيني منذ عقود فاقمت العصبيات وقادت إلى العنف. 
تلك التحولات التي تجلت في الانتقال من الهوية الوطنية الجامعة إلى الهويات الفرعية والعصبيات الفئوية (العائلة والعشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والجهة)، وفي غلبة القانون العشائري على القانون المدني، وحلول العادات والتقاليد البالية مكان القيم الجميلة التي ساعدت على تماسك المجتمع، وغلبة رجل الدين المحافظ والمتعصب على المثقف المتنور، وغلبة النقل على العقل، وغلبة الحزب الحاكم على التعدد والتداول السلمي للسلطة وقيادة المنظمة.  

ومن الأسباب المنتجة للعنف الداخلي تحتل الثقافة مكانة مرموقة في المشهد العنفي، وبخاصة الثقافة التي تنشرها المدارس الأصولية كالفكر التكفيري الذي أنتج تنظيمات داعش والقاعدة والنصرة وتنظيمات الإسلام السياسي التي تتبنى الفكر ذاته. 

هذه الثقافة لا تعترف بالتعدد الديني والثقافي والسياسي ولا بمدنية الدولة ولا بالحق في الاختلاف. 

ثقافة إقصاء منتشرة وشبه سائدة في الخطاب الديني الذي تطلقه المؤسسة الدينية يومياً عبر المساجد والفضائيات، ومنتشرة في  جهاز التربية والتعليم وفي المنهج الدراسي، وفي وسائل الإعلام المختلفة. 

وهي الثقافة المتجسدة في منظومة القوانين البالية والمتعفنة السارية المفعول حتى اليوم. 

لقد ساهمت هذه الثقافة التعصبية في تخريب المجتمعات العربية ومن ضمنها المجتمع الفلسطيني.  

التخريب جاء في صيغة إقصاء وإرهاب فكري وعنف جسدي وحكم يستخدم الدين في في فرض ثيوقراطية سوداء. 

بوجود الأسباب المبينة أعلاه وفي حالة استمرار عدم الاكتراث بمعالجتها والتوقف عند مخاطرها فإن السلم الأهلي الفلسطيني يبقى في حالة تهديد مستمر، سيما وأن دولة الاحتلال ستدعم عوامل تقويض السلم الأهلي. وذلك انسجاماً مع تنكرها للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في تقرير مصيره واستقلاله، ومع اعتمادها لسياسة تفكيك بنيات المجتمع الفلسطيني وتغليب تناقضاته الداخلية على تناقضه مع الاحتلال، وتقديم مبرر لموقفها العدمي من الحقوق الفلسطينية، كالقول إن الشعب الفلسطيني لا يملك مقومات الحصول على دولة ولا يستحق، وإن حركته السياسية غير مؤهلة لتحمل مسؤولية بمستوى دولة ولا حتى حكم ذاتي محدود. 

يبقى سؤال هل ستبقى التحولات التي تهدد السلم الأهلي تفعل فعلها دون تدخل؟ 

قد يطرق البعض جدران الخزان، ولكن الأهم انتشار بقع الضوء وسط العتمة.  

Mohanned_t@yahoo.com     

مشاركة: