الرئيسية » طلال عوكل »   23 تموز 2015

| | |
هل ينجح الإسلاميون حيث فشل الشيوعيون والقوميون؟
طلال عوكل

الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد رفيع المستوى من حركة حماس للمملكة العربية السعودية، وهي زيارة هامة بدون شك، تنطوي على أبعاد وتداعيات استراتيجية، لن تتأخر نتائجها وانعكاساتها على فلسطين والسعودية والمنطقة بشكل عام.

الخطوة عالية المستوى، والترحيب الذي استقبل فيه الملك سلمان الوفد، تشير إلى توافق واسع في استراتيجيات ورؤى الطرفين لطبيعة الصراع الجاري في الإقليم، وآفاق تطوره، ولطبيعة التحالفات الجديدة، بعد تحرر إيران من أثقال برنامجها النووي، وفوزها باعتراف دولي، بمكانتها ودورها كلاعب إقليمي ودولي لا بد أن تؤخذ مصالحه في عين الاعتبار.

السعودية لا تخفي عداءها لإيران، ليس لأسباب دينية في الأساس، وإنما لأسباب أخرى تتصل بالمصالح الوطنية، والقومية، وبالسياسات الاستراتيجية، ذلك أنها تخشى على النظام السياسي، وعلى وحدة أراضي المملكة، إزاء النفوذ الإيراني المتزايد، وهي خشية لها ما يبررها بعد كل ما تعرضت له دول مركزية مثل العراق وسورية، وأخرى مثل لبنان واليمن والبحرين.

تملي هذه المخاوف الحقيقية على السعودية، أن تتجه نحو استراتيجية هجومية، تضطرها لخوض معارك خارج حدودها، حتى لا تصل النيران إلى داخلها من شقوق التعارضات المذهبية بين سُنّة وشيعة.

تتطلب الاستراتيجية الهجومية، أو لنقل الوقائية، السعي لتشكيل تحالف واسع عربي إسلامي، يحشد الدول العربية، ذات المصلحة والأحزاب والحركات الإسلامية وأهمها جماعة الإخوان المسلمين وربما بعض الدول الإسلامية الأخرى مثل باكستان وتركيا.

غير أن نجاح هذه الاستراتيجية، يحتاج إلى تغييرات أخرى أساسية، قد تضطر السعودية لإجرائها، ولا تنفع الإمكانيات المالية وحدها، في تجاوز العقبات التي تعترض النجاح، في حال استمرت السياسة السعودية على ما هي عليه الآن.

في مركز هذا التحالف تقع مصر، وبدونها، لا يمكن أن يكتب النجاح لهذه الاستراتيجية، لكن ثمة خلافات كبيرة بين مصر والسعودية أهم عناوينها العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، والموقف إزاء سورية وهي عناوين مطلوب من السعودية أن تبادر لمعالجتها.

حدود مشكلة مصر والإخوان تتعدى كثيراً مسألة الأحكام الصادرة بحق قيادات الجماعة في مصر، وتتعداها إلى موقف وسلوك الجماعة من النظام القائم في مصر وما إذا كانت الجماعة مستعدة لمصالحة وطنية ومغادرة سياسة العنف التي تتبعها، سعياً وراء الانتقام أو إسقاط النظام، فيما المحصلة النيل من وحدة المجتمع والدولة المصرية، ومقدرات الشعب. إذا كانت هذه بعض ملامح الاستراتيجية السعودية، فإن حركة حماس، أيضاً، لديها بعض ملامح استراتيجية جديدة، مظهرها العام، مغادرة ما يسمى بمحور الممانعة والانتقال إلى محور الاعتدال. لا يفي هذا المظهر بكل أبعاد الاستراتيجية الجديدة لكنه في الجوهر، إعادة تموضع حماس ضمن محور سياسي، ذات طبيعة مذهبية. تحاول حماس صياغة العلاقة بين الوطني والأممي الإسلامي، بما يسمح لها مرونة التحرك بين المتناقضات الصعبة، غير أن هذه الصياغة غير مضمونة النتائج، وفي حال فشلها فإن الثمن سيكون كبيراً.

لقد حاول الشيوعيون العرب، وفشلوا لأنهم غلبوا الأممي على الوطني، ولم يتمثلوا على نحو جيد مبدأ أن الأممي الجيد هو الوطني الجيد. وحاول القوميون العرب أيضاً ولكنهم فشلوا، في تحقيق التوازن بين القطري والقومي، وخسروا الاثنين معاً. 

الأسوأ حين يتداخل السياسي مع الأيديولوجي، إذ يبدو الأمر، كمن يخلط العسل بالخل ويريد أن يحصل على خليط حلو المذاق. الفراق بين حماس وإيران، ينطوي على افتراق في الرؤى، تجاه العناصر الدولية والمحلية، الفاعلة في المنطقة ونقصد الولايات المتحدة وإسرائيل. إيران لا تزال تحافظ على خطابها المعادي والمقاوم للسياسات والأطماع الأميركية الإسرائيلية، وتدعو للمقاومة فهل تتخلى حماس عن هذا النهج، حتى ولو بقيت تلهج به كل الوقت؟ من الواضح أن سعي حماس أو استجابتها للوساطات الدولية والعربية، التي ترضى عنها السعودية، وقد يكون لها دور أكبر فيها، من أجل هدنة طويلة مع إسرائيل، قد يجعل حماس، في حال تحقيق ذلك، تتحدث عن سياسة المقاومة بدون مقاومة، الأمر الذي سيترتب عليه تداعيات وتناقضات ونتائج صعبة على كل فصائل المقاومة.

حماس كبيرة وفاعلة وهي لا تزال درة الحركات الإسلامية وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين، وسعي السعودية نحو الفوز بالتحالف معها له معناه، وله ما يبرره، ولكن هل تستطيع حماس تجيير إمكانياتها على الصعيد العربي لصالح الإخوان الذين تنتمي إليهم، بدون أن تخسر على الصعيد الوطني، وعلى مستوى العلاقة مع مصر؟
والسؤال: هل يمكن للسعودية أن تنجح في أن تتوافق مع مصر أو أن تتجاوزها، وتحقق المصالحة الفلسطينية؟ الشكوك هي العنوان الأبرز الذي يمكن أن يكون جواباً على أسئلة كبيرة وكثيرة تطرح على هذه الاستراتيجيات.

وأخيراً، ولأن المقام لا يتسع، نطرح سؤال تفجيرات الشيخ رضوان الأخيرة في غزة، وما إذا كانت تحمل رسائل اعتراض قوية على التوجهات الجديدة لحركة حماس، وما إذا كانت حماس قادرة على إخماد النيران التي تظهر جمراتها ودخانها؟

مشاركة: