الرئيسية » هاني المصري »   10 آب 2015

| | |
30 ساعة في القاهرة الجديدة
هاني المصري

 

قمت منذ صباح الأحد الماضي وحتى ما بعد ظهر الأثنين بزيارة إلى القاهرة مع وفد من الشخصيات الوطنية المستقلة من الضفة الغربية وقطاع غزة برئاسة منيب المصري وعضوية نخبة من الشخصيات العامة؛ لتهنئة الشعب المصري وقيادته الجديدة بانتصار ثورة 25 يناير، التي نقلت مصر من حال إلى حال بما يبشر بعودتها للعب دورها الطبيعي كدولة قائدة في المنطقة العربية.

وأنهيت الزيارة إلى القاهرة الجديدة، وأنا الآن في حالة جديدة مختلفة عما قبلها وعن الشعور الذي كان ينتابني في العادة عند زياراتي إلى القاهرة طوال السنين الماضية.

ثلاثون ساعة من العمر ولكنها لم تكن كافية لزيارة الأماكن التي يجب أن تزار وخصوصًا ميدان التحرير، الذي لم يتسنى لنا بسبب ضغط البرنامج سوى إطلالة سريعة عليه، ولا كانت كافية أيضًا للقاء الأصدقاء وشباب الثورة وممثلي الأحزاب والحركات، ولكنها كانت زيارة خاطفة لتهنئة مصر على ثورتها المظفرة، واستكشافيةً للبحث عن إمكانية استئناف الجهود المصرية من أجل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، ولكنها ساعات كافية لإدراك أن مصر ما بعد 25 يناير تختلف عما قبله، رغم أنها تعيش في مرحلة انتقالية حاسمة يصارع فيها الجديد القديم الذي يقاوم من أجل البقاء بعناد شديد.

لا أذيع سرًا في الحديث عن أن الحالة الجديدة التي وجدت نفسي فيها كانت متوقعة، فلا يمكن أن تكون القاهرة بعد الثورة مثلما كانت قبلها، ولا يمكن أن تكون النتائج من زيارتها بعد عودة الروح إليها مثلما كانت في المرات السابقة فالنتائج فاقت التوقعات.

لقد تمت زيارة وفد المصالحة بعد سلسلة من الزيارات التي شهدتها القاهرة من قبل الرئيس ووفود تمثل: حركتي فتح وحماس، والجبهة الشعبية، وشخصيات فلسطينية مستقلة أخرى؛ في محاولة فلسطينية مكثفة لاستكشاف المتغيرات التي أحدثتها الثورة المصرية في مصر بصورة عامة، وإزاء الموقف من القضية الفلسطينية بصورة خاصة.

عشية الزيارة انتشرت الأنباء المقلقة التي تفيد بأن مصر بعد الثورة وفي المرحلة الانتقالية التي تعيشها مشغولة بأوضاعها الداخلية، ولا وقت لديها لتذرفه على القضية الفلسطينية أو على المصالحة. وما يعزز هذه الآراء أن مصر بذلت جهدًا كبيرًا، وأعطت وقتا طويلًا للحوار الفلسطيني- الفلسطيني بدون جدوى، وإنها لن تنشغل مجددًا بالمصالحة الفلسطينية بدون أن تضمن نجاحها سلفًا، على أساس أن على الفلسطينيين أن يقلعوا شوكهم بأيديهم، وأن يتحاوروا في مصر أو بعيدًا عنها ولكن بدون تدخل مصري، وبرعاية سوريا أو تركيا أو من يريد من أطراف عربية ودولية، وعندما يتم التوصل إلى اتفاق ستكون القاهرة مفتوحة لهم للاحتفال بتوقيعه.

كما انتشرت أخبار بأن القاهرة تريد فتح الورقة المصرية واستيعاب ملاحظات حركة حماس عليها، واتخاذ موقف مختلف 180 درجة يصب في صالح حركة حماس من خلال إصدار ورقة مصرية جديدة أو معدلة جذرّيًا عن الورقة القديمة. كما ترددت أخبار عن انتقال ملف المصالحة الوطنية من جهاز المخابرات العامة إلى وزارة الخارجية.

إن اللقاءات التي أجراها الوفد والمعلومات التي حصل عليها والانطباعات التي خرج بها؛ جعلته واثقًا تمامًا بأن الكثير مما سبق مجافٍ للحقيقة، فمصر لن تهمل القضية الفلسطينية، لأنها - كما قال نبيل العربي وزير الخارجية المصري- قضية أمن قومي مصري، ولن تتخلى عن ملف المصالحة لأن المصالحة هي القاطرة التي ستقود الشعب الفلسطيني نحو عقد مؤتمر دولي كجسر لتحقيق أهدافه المتمثلة بدحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وإن مصر الحرة الديمقراطية التي أصبح صوت المواطن فيها مسموعًا لن تغير سياستها 180 درجة، فهناك ثوابت لا تتغير، مثلما أن هناك مؤسسات ترعى الأمن القومي لم تتغير، فلذا لن تكون مصر الجديدة مع طرف فلسطيني ضد آخر، ولا جسًرا لتمرير الشروط والإملاءات الخارجية خصوصًا الأمريكية والإسرائيلية، وإنما ستكون مع الفلسطينيين ككل، وتنتصر لقضيتهم التي عادت بعد الثورة المصرية لتكون قضية مصرية كمقدمة لكي تعود كما كانت قضية العرب أجمعيين.

ورغم أن مصر في المرحلة الانتقالية التي تعيشها ستكون مشغولة، لكنها ستعطي الملف الفلسطيني بكل أبعاده أولوية، كما يظهر ذلك من خلال اللقاءات التي عقدتها القيادة المصرية مع الوفود الفلسطينية، ومع العرب وعواصم العالم المؤثرة في القرار الدولي، وكما يظهر أيضًا في الجهود الناجحة التي بذلتها لإيقاف عجلة التصعيد العدواني الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، بعد أن كانت قد وجهت إنذارًا لإسرائيل من مغبة شن حرب جديدة.

إن مصر أصبحت واثقة من نفسها، لذلك لم تعد مصرة على احتكار ملف المصالحة بل أصبحت منفتحة بصورة لافتة على الأدوار العربية والإقليمية، لتساعدها في تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية.

 وتأكيدًا على هذه الثقة وكسرًا للبروتوكول الذي ينظم العلاقات بين الدول؛ فاجأنا وزير الخارجية المصري بأنه جاء ومعه وزير الخارجية التركي للقائنا، مرحبًا بدور تركيا في المصالحة، وقابله استعداد من الوزير التركي لمساهمة تركيا مع مصر لإنجاز ملف المصالحة، ولكن بموافقة مصرية وبالتنسيق مع المسؤولين المصريين، لدرجة أن الوزير التركي قال ردًا على سؤال له: إنه مستعد لمرافقة أبو مازن إلى غزة إذا رافقه وطلب منه نبيل العربي وزير خارجية مصر ذلك.

ومن دلائل ثقة مصر بنفسها أنها بدأت تنظم جهودها بحيث أصبح ملف المصالحة الفلسطينية محل تعاون وتنسيق وتكامل بين جهاز المخابرات ووزارة الخارجية وكل الجهات المعنية بصورة لم نشهدها من قبل،  بما يتجاوز التنازع في الصلاحيات والأدوار، ويبشر ببدء عهد جديد يضع طاقات مصر كلها باتجاه واحد وبشكل منسجم ومتناغم.

ومن الجدير ذكره أن مصر بصدد وضع سياسة جديدة تساهم عمليًا في رفع الحصار عن قطاع غزة، بما لا يساعد إسرائيل على رمي القطاع بحضن مصر أو على إقامة كيان سياسي مستقل في غزة، وبما يحافظ على وحدة المستقبل السياسي للضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، رغم اختلاف شكل احتلالهما بعد تطبيق خطة فك الارتباط الإسرائيلية.

إن مصر ما بعد الثورة تؤيد مقاربة سياسية جديدة، تعتبر أن شروط اللجنة الرباعية شكل من أشكال الخضوع الدولي للشروط والتحايلات الإسرائيلية، وأن هذه المرحلة انتهت، مقاربة بديلة عن مسار المفاوضات الثنائية العقيمة؛ وتهدف إلى عقد مؤتمر دولي ينتهي بتنفيذ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وليس الدخول في دوامة جديدة من المفاوضات التي تبدأ ولا يعرف أحد متى تنتهي.

لقد أدركت الحكومة الإسرائيلية مغزى التغييرات التي حملتها الثورة المصرية، لذلك عبرت عن قلقها الكبير مما حصل ويمكن أن يحصل، ودخلت على الخط من خلال تصعيد العدوان العسكري ضد قطاع غزة الذي يستهدف ضرب عدة عصافير بحجر واحد، أهمها: استباق تداعيات الثورة المصرية، وجس نبض القيادة المصرية الجديدة لمعرفة ردة فعلها على أي حرب إسرائيلية جديدة ضد الفلسطينيين.

والمصالحة عصفور آخر استهدفه الحجر الإسرائيلي أيضًا كما يظهر من خلال قيام نتنياهو بتخيير السلطة الفلسطينية بين السلام والاتفاق مع إسرائيل أو مع حماس، وتحذيرها بأن اختيارها للأخيرة سيؤدي إلى تكبيدها ثمنًا باهظًا يطال العلاقات الفلسطينية – الإسرائيلية على مختلف المستويات والأصعدة، وهذا ما رفضته السلطة والرئيس، الذي أكد أنه اختار حماس والوحدة والسلام معًا.

كل ما سبق حدث والأجواء السياسية الفلسطينية كانت ملبدة على خلفية وصول الحراك الأخير بخصوص المصالحة إلى تعثر. هذا الحراك الذي بدأ بالتحرك الشبابي والشعبي في 15 آذار، وبدعوة إسماعيل هنية لأبو مازن لزيارة غزة، واستجابة أبو مازن للدعوة وإطلاقه مبادرة هامة جدًا مثلت خطوة كبيرة إلى الأمام، تضمنت الاتفاق على تشكيل حكومة مستقلين فورًا، والتوجه إلى انتخابات تشريعية ورئاسية ولأعضاء المجلس الوطني خلال مدة ستة أشهر.

لا بد من الإشارة إلى أن وفد الشخصيات الوطنية المستقلة لم يذهب إلى القاهرة خالي الوفاض، بل ذهب حاملًا مشروع مبادرة متوازنة لإنهاء الانقسام، تجسد أفضل ما توصلت إليه الحوارات والوثائق السابقة، وتنطلق من معادلة "لا غالب ولا مغلوب" بما يحقق خروج كل الأطراف منتصرة، والأهم خروج الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية منتصرين.

وتستهدف مبادرة المستقلين سد الفراغات وإزالة العراقيل التي تعترض دعوة هنية ومبادرة أبو مازن.

وحتى تتحقق المصالحة المستدامة، لابد من رفض أي شكل من أشكال المصالحة على أساس عشائري أو فصائلي أو على قاعدة المحاصصة أو تقاسم السلطة جغرافيًا أو تقاسم المصالح والمناصب والوظائف والوزارات والأجهزة الأمنية، أو إقرار صيغ تدير الانقسام وتتعايش معد بدلًا من إنهائه، فمثل هذه المصالحة إذا تحققت لن تدوم وسرعان ما تنهار.

وحتى تكون المصالحة مستدامة يجب أن تقوم على أسس صلبة وقابلة للاستمرار، من خلال استنادها إلى أساس سياسي قادر على توحيد الشعب وعلى تحقيق أهدافه الوطنية، بما يجسد الشراكة الحقيقية على أسس ديمقراطية، لأن المسألة أولًا وأخيرًا إنهاء الاحتلال وليست إنهاء الانقسام بين فتح وحماس، أو بين الضفة وغزة فحسب.

ولا يمكن إزالة العراقيل أمام نجاح الجهود الأخيرة للمصالحة بدون تحضيرات جدية، وبدون عقد مؤتمر وطني للحوار كذلك، شرط الاتفاق على أنه حوار لفترة زمنية قصيرة محددة (أسبوع مثلًا)، فإنه من الخطأ أن نتوحد دون حل العوائق الكبرى ودون حوار، ومن الخطأ كذلك أن نبدأ حوارًا جديدًا مفتوحًا نعرف بدايته ولا ندري متى نهايته.

إن المصالحة التي تستطيع إنهاء الانقسام فعلًا يمكن أن تتم من خلال الاتفاق على رزمة متكاملة تشمل تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس برنامج سياسي، يستند إلى هدف إقامة الدولة الفلسطينية على جميع الأراضي المحتلة عام 1967، وإلى التمسك بالمقاومة ضمن التوافق الوطني، بما ينسجم مع القانون الدولي الإنساني، وبالاستناد إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، بعيدًا عن شروط اللجنة الرباعية، وإعادة تشكيل منظمة التحرير بحيث تضم الجميع على أساس إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية على أساس عقيدة وطنية ومهنية بعيدًا عن الحزبية، ووضع السلطة في مكانها الطبيعي كأداة في خدمة المنظمة والبرنامج الوطني.

يمكن وقد يكون من الضروري أن يتم تطبيق الاتفاق الذي يمكن التوصل إليه على مراحل، بحيث تشمل المرحلة الأولى تشكيل حكومة وحدة وطنية، على أن يكون معلومًا سلفًا أن المرحلة الثانية محددة، مثلًا إعادة بناء وتشكيل الأجهزة الأمنية على أساس عقيدة وطنية، والمرحلة الثالثة مثلًا تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحات الضرورية، وتوفير الحقوق والحريات وإجراء الانتخابات.

Hanimasri267@hotmail.com

مشاركة: