أمنية العودة؛ أمنية تسكن قلوب وعقول المهجّرين/ات، من بيوتهم وبلادهم، عبر العالم.
أمنية العودة؛ أمنية تسكن قلوب وعقول المهجرين/ات الفلسطينيين، جيلًا بعد جيل، وتتردّد على شفاههم أينما حلّوا، منذ العام 1948.
*****
"أمنيتي إني أرجع على بيتي ومخيمي".
حين قدّمت "أسماء إبراهيم حسن هويدي" (25 عامًا) شهادتها حول تهجيرها من مخيم طولكرم - التي وثّقها "مركز الرواة للدراسات والأبحاث"-، تركّز حديثها على بيتها "الذي يعادل الروح"، والذي عاشت فيه ست سنوات، اعتبرتها أجمل وأروع سنيّ عمرها، قبل أن يبدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي مسلسل اقتلاعها منه بالقوة، والذي بدأ يوم 31 كانون الثاني، 2025، حين أخرجها الجنود إلى بيت جيرانها، واعتقلوا زوجها، في الوقت الذي كانت بأمس الحاجة لوجوده قربها؛ لأنها كانت حاملًا في شهرها التاسع. وحين عادت إلى البيت وجدته حطامًا.
وبعد اعتقال زوجها بتسعة أيام، صحيت على وجع شديد، كانت ليلة التاسع من شباط، التي اقتحم جيش الاحتلال فيها مخيم نور شمس، والتي تزامنت مع بوادر الولادة. مرَّ الوقت طويلًا جدًا، إلى أن استطاعت سيارة الإسعاف الوصول إليها، لنقلها إلى المستشفى، أحست بالخوف الشديد لأنها وحيدة، وبسبب خشيتها ألّا تتمكن من العودة لأطفالها، وتحقّقت مخاوفها حين أمرها أفراد الجيش أن تعود من حيث أتت بعد الولادة، رغم البرد الزمهرير، وبعد أن وصلت قرب بيتها. عادت إلى المستشفى مع وليدها هيثم، إلى أن استطاعت صباح اليوم التالي أن تدخل بيتها، بعد معاناة ليلة شديدة القسوة.
استمرّت معاناتها داخل بيتها، بسبب الحصار الذي فرض عليه، ومنعها وأهل الحيّ من الخروج، وكان الوضع مرعبًا ومخيفًا؛ إذ كان أفراد الجيش يطلقون النار فورًا، حين سماعهم أي حركة، ويخبطون على الأبواب، ويصيحون: "إفتح الباب"، ويكسرونها إذا تأخر أصحاب البيت في فتحها. سجنوا أهل الحارة في بيوتهم، دون أن يسمحوا لأحد بالخروج، ومع ذلك خاطرت أسماء وأشقاؤها بالخروج، رغم إطلاق الرصاص أحيانًا صوبهم، كي يوفّروا للأطفال خبزًا وحليبًا، وبعض حاجياتهم الضرورية.
*****
ورغم أن الشابة عاشت وأطفالها أيامًا مرعبة، إلّا أنها بقيت صامدة في بيتها، حتى حلّ يوم 16 آذار صباحًا؛ اليوم المشؤوم، الذي اكتمل فيه مسلسل الاقتلاع من البيت: "ياللا إطلعوا، إخلاء!".
أول ما فكّرت أسماء به كان البحث عن هويات العائلة. وحين حاولت التقاط بطانية تقيهم شرّ البرد؛ منعها الجندي، لكنها أصرّت والتقطت بطانيتين لها ولأطفالها، كما حملت سرير الرضيع، وحقيبة احتوت على حليب وفوط. لم يكن هناك وقت لحمل ملابس لأفراد العائلة، لأن الوقت الذي حدّده أفراد الجيش لهم لالتقاط بعض ما يحتاجونه كان خمس دقائق فقط: "5 دقائق ويطلقوا الرصاص بعدها، 4 جنود أخلوا حارة كاملة خلال 10 دقايق".
*****
"قعدنا على الشارع، وين بِدنا نروح؟".
صيحة ردّدتها اسماء، مثلما رددها الآلاف بل مئات الآلاف من أبناء شعبنا المهجّرين/ات.
حلّت الشابة ضيفة على خالتها في ذنابة أولًا، ثم بدأت البحث عن مكان يأويها وعائلتها؛ لكنها لم تتمكن من استئجار أي شقة بسبب غلاء الأسعار، وبسبب ضيق ذات اليد؛ نظرًا للحالة الاقتصادية الصعبة؛ الأمر الذي جعلها تطرق باب خالتها الثانية؛ لتسكن وعائلتها في واحدة من شقق العمارة التي تملكها خالتها.
*****
لم ترضح أسماء، أو أحد أفراد عائلتها، إلى قرار منعهم من دخول بيتهم. كانت الحاجة ماسّة لأخذ أغراض تلزمهم، خاصة حين عرفوا أن بيوتهم ضمن قرار الهدم، وأنهم منعوا من استلام تصريح التنسيق لإخراج ما يمكن من بيتهم قبل تنفيذ القرار؛ الأمر الذي جعلهم (يتسلّلون) إلى بيوتهم، لإخراج ما يحتاجونه منها.
وبدون أن يحسّ أفراد الجيش؛ لفّت أسماء ودخلت إلى بيتها، مع والديها وإخوتها الذي يسكنون بجوارها، وبدأت بالبحث عن الذكريات التي تركتها في البيت؛ دبلة زوجها، وصور العائلة، وألعاب أطفالها.
وأخرج أهلها، بمساعدة شباب الحي؛ بعض ما تبقّى من أغراض صالحة للاستخدام. وحين وصلوا مكان إقامتهم الجديد، كان عليهم تنظيف حاجياتهم، واستصلاح ما أمكن من أدوات البيت المكسورة، لاستعماله بشكل مؤقت.
وفي ظل هدم البيت، واعتقال الزوج، وأسئلة أطفالها عنه، التي لم تكن تملك إجابات لها؛ تحملت الشابة فوق طاقتها؛ تملّكها الإحساس بالقهر والوجع؛ لكنها كانت تحاول أن تتماسك وتتحمّل؛ لأنها كانت الأم والأب لأطفالها، وكانت مسؤولة عن كل شيئ يتعلق بعائلتها.
*****
روت أسماء عمّا حدث لوالدتها "عليا هويدي-51 عامًا"، حين (تسلّلت) إلى بيتها، وتعرّضت لمساءلة الجنود، حين دخلوا البيت ووجدوها هناك. احتجزوها أولًا فترة من الزمن، واستجوبوها، وأخبرتهم أنها دخلت بيتها لتخرج بعض الأشياء الضرورية. وعقابًا لها طلبوا منها خلع حذائها، والخروج حافية من البيت، وحين رفضت بسبب عدم قدرتها على المشي دون حذاء؛ هدّدوها بالقتل إذا رفضت الأمر؛ مما اضطرّها إلى الخروج حافية، والمشي فوق الطمم والأحجار، حتى دميت قدماها.
*****
وصفت أسماء بيتها الذي هدم ومحيت ملامحه وسوّي بالأرض؛ بأنه أجمل بيت في العالم، وأنه المكان الدافئ، الذي ترتاح فيه: "أنا ولدت فيه وتزوّجت فيه، هو المكان الدافي إللّي بِجَنّن". لم يكن البيت والحارة والمخيم مجرد مكان يأويها؛ كان واحة أمان، وطمأنينة، وكان عبارة عن علاقات اجتماعية جميلة، حاول أهل حارة قاقون استعادتها في أماكن نزوحهم، حيث شكّلوا مجموعة تلتقي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سمّوها: "جروب حارة قاقون"، وحاولوا التواصل أيضًا عبر الزيارات الشخصية بين الحين والآخر: "بنلتقي وبنِحكي تقريبًا يوميًا، مرّات صوت ومرّات فيديو".
*****
تذكّرت أسماء حياة أجدادها المهجّرين العام 1948، الذين كانوا يرفضون أن يعمّروا في البلاد التي هجّروا إليها لأنهم كانوا يثقون بأنهم سوف يعودون إلى بلادهم إن عاجلًا أو آجلًا، وحمدت الله أنهم رحلوا قبل أن يشهدوا هذا التهجير، لأنهم كانوا سوف يفقدون عقلهم، وختمت شهادتها بالقول: "حاليًا مع إنهم عدموا بيتنا بَسّ بِضَلّ عندي هاجس إنَّه بيوم أرجع، بِضَلّ عندي أمل إنُّه (رحيلهم) قريب بِإذن الله".
